فاعلم : أن في كل واحدة منها كلاما كثيرا ، وقد أشبعنا القول فيه في كتابي "الإحياء" و" الأسرار" ، ونحن نذكر هلهنا ما لا بد من ذكره، ولا يقع الغنى عنه ، فنقول وبالله التوفيق: أما الأمل : فإن اكثر علمائنا رحمهم الله تعالى قالوا : إنه إرادة الحياة للوقت المتراخي بالحكم، وقصر الأمل : ترك الحكم فيه؛ بأن تقئده بالاستثناء بمشيئة الله تعالى وعلمه في الذكر، أو بشرط الصلاح في الإرادة، فإذن إن ذكرت حياتك بأني أعيش بعد نفسي ثان أو ساعة ثانية أو يوم ثان بالحكم والقطع.. فأنت آمل، وذلك منك معصية؛ إذ هو حكم على الغيب ، فإن قيدته بالمشيئة والعلم من الله فتقول : أعيش إن شاء الله تعالى ، أو إن علم الله أني أعيش.. فقد خرجت عن حكم الأمل، وكذلك إن أردت حياتك للوقت الثاني ============================================================ قطعا.. فأنت آمل، وإن قيدت إرادتك بشرط الصلاح.. خرجت عن حكم الأمل، ووصفت بقصر الأمل من حيث تركت الحكم فيه ، فعليك بترك الحكم في ذكر البقاء وإرادته. والمراد بالذكر : ذكر القلب ، ثم المراد منه : التوطين على ذلك ، والتثبيث للقلب عليه، فافهمه راشدا إن شاء الله تعالى. ثم الأمل ضربان : أمل العامة ، وأمل الخاصة. فأمل العامة : أن تريد الحياة والبقاء لجمع الدنيا والتمئع بها، وهلذه معصية محضة، وضدها قصر الأمل ، قال الله تعالى : { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون وأمل الخاصة : أن تريد البقاء لإتمام عمل خير فيه خطر، وهو ما لا يستيقن الصلاح له فيه؛ فإنه ربما يكون خير معين لا يكون للعبد فيه أو في إتمامه صلاح؛ بأن يقع بسببه في آفة لا يقوم بها هذا الخير: فإذن ليس للعبد إذا ابتدأ في صلاة أو صوم أو غيره أن يحكم بأنه يتيه؛ إذ هو غيث، ولا أن يقصد ذلك قطعا ؛ لأنه ربما لا يكون له فيه صلاح ، بل يقيد ذلك بالاستثناء أو شرط الصلاح ، فيخلص من عيب الأمل ، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ولا نقولن لشأتىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) وضد هلذا الأمل - فيما قاله العلماء - النية المحمودة، وإنما قالوا ذلك على ضرب من الاتساع ؛ لأن الناوي بالنية المحمودة يكون ممتنعا من الأمل. فهذا حكم الأمل والنية المحمودة؛ إذ قد مست الحاجة إلى معرفتها مع أنها الأصل الأصيل، قال علماؤنا رحمهم الله تعالى في حدها الجامع التام : إن النية الصحيحة المحمودة : إرادة أخذ عمل مبتدأ به قبل سائر الأعمال بالحكم، مع ارادة إتمامه بالتفويض والاستثناء: فإن قيل : فلم جاز الحكم في الابتداء ، ووجب التفويض والاستثناء في الإتمام؟ ============================================================ يقالك له : لفقد الخطر في الابتداء ؛ إذ هو في حال الابتداء ليس بشيء متراخ عنك، ولشبوت الخطر في الإتمام؛ إذ هو يقع في وقت متراخ ، ففيه الخطران : خطر الوصول ؛ لا تدري هل تصل إلى ذلك أم لا ؟ وخطر الفساد ؛ لا تدري هل في ذلك صلاح أم لا؟ فإذن وجب الاستثناء لخطر الوصول، والتفويض لخطر الفساد، فإذا حصلت الإرادة على هلذه الشروط.. تكون حينئذ نيهآ محمودة، مخرجة عن حد الأمل وآفته، فتأمل جدا، فهذه هذه. واعلم : أن حصن قصر الأمل ذكو الموت، وحصن حصنه ذكر فجأة الموت وأخذه على غرة وغفلة وهو في غرور وفتور، فاحتفظ بهذه الجملة، وحصلها موفقا ؛ فإن الحاجة إليها ماسة، ودع عنك تضييع الوقت في القيل والقال، وملاحاة الرجال ، والله الموفق بفضله.
Gazâlî — Minhâcü'l-Âbidîn
ghazali · AR
وأما الحسد : فهو إرادة زوال نعم الله تعالى عن أخيك المسلم مما له فيه صلاح، فإن لم ترذ زوالها عنه، ولكن تريذ لنفسك مثلها... فهو غبطة، وعلى هلذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم : " لا حسد إلأ في اثنتين... 4 الخبر : أي: لا غبطة إلأ في ذلك، فعبر عن الغبطة بالحسد اتساعا في ذلك لمقاربتهما فإن لم يكن له فيها صلاح، فأردت زوالها عنه.. فذلك غيرة، فهذا هو الفرق بين هلذه الخصال : وأما ضد الحسد : فالنصيحة، وهي : إرادة بقاء نعمة الله تعالى على أخيك المسلم معا له فيها صلاخ. ============================================================ فإن قيل : كيف نعلم أن له فيها صلاحا أو فسادا لننصحه أو نحسده ؟ فاعلم : أنه قد يقوم لنا غالب الظن بذلك ، وغلبه الظن منا تجري مجرى العلم في هلذه المواضع. ثم إن اشتبه عليك.. فلا ترد زوال نعمة أحد من المسلمين أو بقاءها الا مقيدا بالتفويض وشرط الصلاح؛ لتخلص من حكم الحسد، ويحصل لك فائدة النصيحة. وأما حصن التصيحة المانع من الحسد : فهو ذكر ما أوجبه الله تعالى من موالاة المسلمين، وحصن هلذا الحصن ذكر ما عظم الله تعالى من حق المؤمن ورفع من قدره، وما له عند الله تعالى من الكرامات العظيمة في العقبى ، وما لك فيه من الفوائد الجليلة في الانيا؛ من التعاون والتظاهر، والجماعات والجمعات، ثم ما ترجو من شفاعته في الاخرة. فهلذه ونحوها مما يبعث على التصح لكل مسلم، ويجنبك أن تحسده في نعمة أعطاه الله تعالى إتاها، والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بفضله. وأما العجلة : فإنها المعنى الراتب في القلب ، الباعث على الإقدام على الأمر بأول خاطر ، دون التوقف فيه والاستطلاع منه ، بل الاستعجال في اتباعه والعمل به، وضدآها الأناة، وهو المعنى الراتب في القلب، الباعث على الاحتياط في الأمور، والنظر فيها، والتأني في اتباعها، والعمل بها. وأما التوقف : فضده التعسف ، قال شيخنا رحمه الله تعالى : الفرق بين التوقف والتأني : أن التوقف قبل الدخول في الأمر حتى يستبين له رشده ، والتأني بعد الدخول فيه حتى يؤدي لكل جزه منه حقه. ثم مقدمات الأناة : ذكر وجوه الخطر في الأمور التي تعترض للإنسان ، وضروب الأفات المخوفة فيها، وذكرما في النظر والثثبت من السلامة ، وما في التعسشف والاستعجال من الندامة والملامة وهلذه وأمثالها مما يبعث على التأني والتوقف في الأمور، ويمنع من 12 ============================================================ الاستعجال والتعشف، والله تعالى وليي العصمة برحمته. وأما الكبر : فاعلم أنه خاطر في رفع النفس واستعظامها ، والثكثر اتباعه ، والضعة خاطو في وضع النفس واستحقارها ، والتواضع اتباعه، ولكل واحد منهما عامي وخاص فالتواضع العامي : هو الاكتفاء بالدون من الملبس والمسكن والمركب ، والتكثر في مقابلته الترقآع عن ذلك . والتواضع الخاصي : هو تمرين النفس على قبول الحق ممن كان وضيعا أو شريفا، والتكبر في مقابلته الترفح عن ذلك ، وهو معصية كبيرة، وخطيئة عظيمهآ. ثم حصن التواضع العائي أن تذكر مبدأك ومنتهاك، وما أنت عليه في الحال من ضروب الآفات والأقذار، كما قال بعضهم : (أولك نطفة مذرة ، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بينها تحمل العذرة) . وحصن التواضع الخاصي : هو ذكر عقوبة العادل عن الحق، المتمادي في الباطل ، فهلذه جملهآ كافية لمن استبصر ، والله ولي التوفيق.
الفصل الخامس : البطن وحفظه: ثم عليك - وفقك الله- بحفظ البطن وإصلاحه؛ فإنه أشق الأعضاء إصلاحا على المجتهد، واكثرها مؤنة وشغلا، وأعظمها ضررا وأثرا ؛ لأنه المنبع والمعدن، ومنه تهيج الأمور في الأعضاء؛ من قوة وضعف، وعفة وجماح ونوه فعليك إذن بصيانته عن الحرام والشبهة أولا ، ثم عن فضول الحلال ثانيا إن كانت لك همة في عبادة الله تعالى. ============================================================ فأما الحرام والشبهة : فإنما يلزمك البحث عنهما لثلاثة أمور: اؤلها : حذرا من نار جهنم، قال الله سبحانه وتعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتلمى ظلما إنما يأ كلون فى بطونهم نارا وسيضلور سعيرا وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به" . والثاني : أن اكل الحرام والشبهة مطرود لا يوفق للعبادة ؛ إذ لا يصلح لخدمة الله تعالى إلا كل طاهر مطهر. قلث أنا: أليس الله تعالى قد منع الجنب من الدخول إلى بيته، والمحدث عن مس كتابه ؟ قال عز من قائل : { ولا جنبا إلاعايرى سبيل حتى تعتسلوا } ، وقال تعالى: لايمس إلا المطهرون} ، مع أن الجنابة والحدث أمر مباح، فكيف بمن هو منغمس في قذر الحرام، ونجاسة الشحت والشبهة، متى يدعى إلى خدمة الله العزيز وذكره الشريف سبحاته ؟! كلا فلا يكون ذلك أبدا . وقال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله : الطاعة مخزونة في خزائن الله ، ومفتاحها الدعاء، وأسنانه الحلال، فإذا لم يكن للمفتاح أسنان.. فلا ينفتح الباب، وإذالم ينفتخ باب الخزانة. . كيف يوصل إلى ما فيها من الطاعة ؟! والثالث : أن آكل الحرام والشبهة محروم من فعل الخير ، وإن اتفق له فعل خير. فهو مردود عليه غير مقبول منه ، فإذن لا يكون له من ذلك إلأ العناء والكذ وشغل الوقت ، قال صلى الله عليه وسلم : 0 كم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر ، وكم من صائم ليس له من صيامه إلأ الجوع والظمأ " . ============================================================ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( لا يقبل الله صلاة امرىء وفي جوفه حرام)، فهلذه هذه وأما فضول الحلال : فإنه آفة العتاد ، وبلية أهل الاجتهاد ، وإني تأملت فوجدت فيه عشر آفات هن أصول في هلذا الشأن : الأولى : أن في كثرة الأكل قسوة القلب وذهاب نوره ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب؛ فإن القلب يموث كالزرع إذا كثر عليه الماء" . ولقد شبه ذلك بعض الصالحين بأن المعدة كالقذر تحت القلب تغلي، والبخار يرتفع إليه ، فكثرة البخار تكدره وتسخمه: والثانية : أن في كثرة الأكل فتنة الأعضاء وهيجها وانبعائها للفضول والفساد؛ فإن الرجل إذا كان شبعان بطرا.. اشتهت عينه النظر إلى ما لا يعنيه من حرام أو فضول ، والأذن الاستماع إليه ، واللسان التكلم به .، والفرج الشهوة له، والرجل المشي إليه ، وإن كان جائعا. . فتكون الأعضاء كلها ساكنة هادئة ، لا تطمخ إلى شيء منها ولا تنشط لها، ولقد قال الأستاذ أبو جعفر رحمه الله تعالى : إن البطن عضؤ، إن جاع هو.. شبع سائر الأعضاء - يعني : تسكن فلا تطالبك بشيء - وإن شبع هو.. جاع سائر الأعضاء. وجملة الأمر : أن أفعال الرجل وأقواله على حسب طعامه وشرابه ؛ إن دخل الحرام.. خرج الحرام، وإن دخل الفضول.. خرج الفضول، كأن الطعام بذر الأفعال ، والأفعال نبت تبدو منه: والثالثة : أن في كثرة الأكل قلة الفهم والعلم؛ فإن البطنة تذهب الفطنة ، ولقد صدق الداراني رحمه الله حيث قال : (إذا أردت حاجة من حوائج الذنيا والآخرة.. فلا تأكل حتى تقضيها؛ فإن الأكل يغير العقل) .
وهذا أمر ظاهر، علمه من اختبره. ============================================================ والوابعة : أن في كثرة الأكل قلة العبادة؛ لأنه إذا أكثر الإنسان الأكل .. ثقل بدنه، وغلبته عيناه، وفترت أعضاؤه؛ فلا يجيء منه شيء - وإن اجتهد إلأ النوم كالجيفة الملقاة ، ولقد قيل : إذا كنت بطنا . . فعد نفسك زمنا. ولقد ذكر عن يحيى عليه الصلاة والسلام : أن إبليس بدا له وعليه معالية ، فقال له يحيى : ما هلذه ؟ فقال : هلذه الشهوات التي أصيد بها بني آدم ، قال : هل تجد لي فيها شيئا ؟ قال : لا ، إلأ أنك شبعت ذات ليلة فثقلناك عن الصلاة ، فقال يحيى عليه الصلاة والسلام : لا جرم أني لا أشبع بعدها أبدا ، فقال إبليس : لا جرم أني لا أنصح بعدها أحدا أبدا : فهذه فيمن لم يشبع في عمره إلأ ليلة واحدة، فكيف بمن لا يجوع في عمره ليلة واحدة ثم يطمع في العبادة ؟1 وقال سفيان رحمه الله : العبادة حرفة، وحانوتها الخلوة، وآلثها المجاعة والخامسة : أن في كثرة الأكل فقد حلاوة العبادة ، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : (ما شبعت منذ أسلمت؛ لأجد حلاوة عبادة ربآي، وما روية منذ أسلمت ؛ اشتياقا إلى لقاء ربي) وهذذه صفات المكاشفين ، وكان أبو بكر رضي الله عنه مكاشفا، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " ما فضلكم أبو بكر بفضل صوم أو صلاة، وإنما هو بشيء وقرفي صدره " . وقال الداراني : ( أحلى ما تكون العبادة إذا التزق بطني بظهري) . والشادسة : أن فيه خطر الوقوع في الشبهة والحرام ؛ لأن الحلال لا يأتيك ============================================================ الا قوتا ، ولقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إن الحلال لا يأتيك إلأ قوتا ، والحرام يأتيك جزافا جزافا". والسابعة : أن فيه شغل القلب والبدن؛ بتحصيله أولا، وبتهيئته ثانيا، ثم بأكله ثالثا، ثم بإفراغه والتخلص منه رابعا، ثم بالسلامة منه خامسا، بأن تبدو منه آفة في البدن ، بل آفات وعلل ، ولقد قال صلى الله عليه وسلم : " أصل كل داء البردة - يعني الثخمة - وأصل كل دواء الأزمة " يعني الجوع والحمية. وعن مالك بن دينار أنه كان يقول : يا هؤلاء؛ لقد اختلفت إلى الخلاء حتى استحييث من رئي وملكي، فيا ليت أن الله جعل رزقي في حصاة أمضها حتى اموت. ثم في هلذه الجملة ؛ من طلب الدنيا، والطمع في الناس، وتضييع الوقت بسبب كثرة الأكل ما لم يخف. والثامنة: ما يناله من أمور الآخرة وشدة سكرات الموت ، روي في الأخبار: أن شدة سكرات الموت على قدر لذات الحياة، فمن أكثر من هلذه .. أكثر له من تلك. والتاسعة : نقصان الثواب في العقبى ، قال الله تعالى : أذهبتم طيبتكر فى حياتكو الدنيا الآية. فإنه بقدر ما تأخذ من لذات الدنيا ينقص لك من لذات الآخرة، ولهلذا المعنى لروي] أن الله تعالى لما عرض الدنيا على نبينا محقد صلى الله عليه وسلم.. قال له : " ولا أنقصك من آخرتك شيئا " ، خصه بذلك، فدل ============================================================ على أن لغيره النقصان ، إلا أن يتفضل الله عليه بذلك : ولقد روي : أن خالد بن الوليد أضاف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وهيأ له طعاما، فقال عمر : (هذا لنا، فما للفقراء المهاجرين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز شعير ؟) ، قال خالد : (لهم الجنة يا أمير المؤمنين) ، فقال عمر: (لئن فازوا بالجنة، وكان هلذا حظنا من الذنيا. . فقد بانوا منا بونا مبينا) .
وروي : أن عمر رضي الله عنه عطش يوما، فدعا بماع، فأعطاه رجل إداوة فيها ماء نبذ فيه تمرات، فلما قربها عمر من فيه.. وجد الماء باردا حلوا ، فأمسك وقال : أوه ، فقال الرجل : والله ؛ ما ألؤته حلاوة يا أمير المؤمنين ، (1 فقال عمر رضي الله عنه : ذلك الذي منعني منه ، ويحك ! لولا الآخرة. لشار كناكم في عيشكم. والعاشره : الحبس والحساب، واللوم والتعيير في ترك الأدب في أخذ الفضول وطلب الشهوات؛ فإن الدنيا حلالها حسابت، وحرائها عقاب، وزينتها الى تباب. فهلذه جملة العشرة ، وفي إحداها كفاية لمن نظر لنفسه، فعليك أيها المجتهد بالاحتياط البالغ في القوت ؛ كي لا تقع في حرام أو شبهة فيلزمك العذاب، ثم بالاقتصار من الحلال على ما يكون عدة على عبادة الله تعالى؛ فلا تقع في شر فتبقى في الحبس والحساب ، والله سبحانه ولي التوفيق . فإن قلت : فبين لنا أولا حكم الحرام والشبهة وحدهما : فأقول: لعمر الله لقد أشبعنا القول فيه في " أسرار معاملات الدين"، وذكرنا له كتابا مفردا في كتاب "الإحياء " ، للكنا نشير إلى كلمات مفردة بحيث تصل إلى فهم الضعيف المبتدي؛ إذ مقصوذ هذا الكتاب أن ينتفع به المبتدي في العبادة، ويعين الطالب : ============================================================ قال بعض العلماء : كل ما تيقنت كونه ملكا للغير، منهيا عنه في الشرع فهو حرام محض، وأما إذا لم يكن لك يقين بذلك، وللكن يغلب على ظنك أنه كذلك.. فهو شبهة. وقال آخرون : بل الحرام المحض ما يكون به علم أو غالب ظن؛ لأن غلبة الظن منا تجري مجرى العلم في كثير من الأحكام، فأما إذا تساوت الأمارتان حتى تبقى شاكا، لا يكون لأحدهما ترجيخ عندك.. فذلك شبهة، يشبهآ أنه حلال، ويشبهآ أنه حرام، فاشتبه أمره عليك، والتبس حاله ثم الامتناع عن الذي هو حرام محضق حتم واجث، وعن الذي هو شبهة تقوى وورع ، وهلذا أولى القولين عندنا. فإن قيل : فما تقول في قبول جوائز السلاطين في هلذا الزمان ؟ فاعلم : أن العلماء اختلفوا فيه : فقال قوم : كل ما لا يتيقن أنه حرام فله أخذه . وقال آخرون : لا يحل أن يأخذ ما لا يتحقق أنه حلال ؛ لأن الأغلب في هاذا العصر على أموال السلاطين الحرام، والحلال في أيديهم معدوم عزيز. وقال قوم : إن صلات السلاطين تجل للغني والفقير إذا لم يتحقق أنها حرام، وإنما التبعة على المعطي ، قالوا : لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدية المقوقس ملك الإسكندرية ، واستقرض من اليهود مع قول الله سبحانه وتعالى : { آكالون للشخت) قالوا : وقد أدرك جماعة من الصحابة أيام الظلمة وأخذوا منهم ، فمنهم : أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم ، رضوان الله عليهم أجمعين ============================================================ وقال آخرون : لا يحل من أموالهم شيءآ لغني ولا لفقير؛ إذ هم موسومون بالظلم، والغالب على أموالهم الشحث والحرام، والحكم للغالب، فيلزم الاجتناب وقال آخرون : ما لا يتيقن أنه حرام فهو حلال للفقير دون الغني ، إلأ أن يعلم الفقير أن ذلك عين الغصب ، فليس له أن يأخذه إلآ ليرده على مالكه، ولا حرج على الفقير أن يأخذ من أموال الشلطان ؛ لأنها إن كانث ملك الشلطان فأعطى الفقير.. فله أخذه بلا ريب ، وإن كانت من فيء أو خراج أو عشر.: فللفقير فيه حق، وكذلك لأهل العلم، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (من دخل الإسلام طائعا ، وقرأ القرآن ظاهرا .. فله في بيت مال المسلمين كل سنة مثتا درهم - وروي مئتا دينار - إن لم يأخذها في الدنيا.. أخذها في الآخرة): واذا كان كذلك . . فالفقير والعالم يأخذان من حقهما.
قالوا : وإذا كان المال مختلطا بمال مغصوب ولا يمكن تمييزه، أو غصبا لا يمكن رده على صاحبه وذريته.. فلا مخلص للشلطان منه إلا أن يتصدق به ، وما كان الله ليأمره بالصدقة على الفقير وينهى الفقير عن قبولها، أو يأذن للفقير في القبول وهو عليه حرام، فإذن للفقير أن يأخذ إلا عين الغصب والحرام فليس له أخذه وهلذه المسائل لا يمكن الفتوى فيها إلا ببسط وتشقيي ، وأستيعاب القول فيها يخرج عن المقصود من الكتاب، فإن أردت معرفتها.. فطالع (كتاب الحلال والحرام) من كتاب " إحياء علوم الدين " تجذه مشروحا مبينا إن شاء الله تعالى فإن قيل : فما تقول في صلات أهل الشوق وغيرهم ، هل يلزم ردها ============================================================ والبحث عنها وقد علمت مجازفتهم وقلة نظرهم في معاملاتهم ، وكذلك صلات الإخوان؟ فالجواب : أنه إذا كان ظاهر الإنسان الصلاح والستر. . فلا حرج عليك في قبول صلته وصدقته، ولا يلزم البحث عنها بأن تقول : قد فسد الزمان؛ فإن هلذا سوء ظن بذلك الرجل المسلم ، بل حسن الظن بالمسلمين مأمور به. ثم أعلم : ما هو الأصل في هلذا الباب ، وهو أن ههنا شيئين : أحذهما : حكم الشرع وظاهره: والثاني : حكم الورع وحقه. فحكم الشرع : أن تأخذ ما أتاك ممن ظاهره صلاح ولا تسأن إلا أن تتيقن أنه غصب أو حرام بعينه وحكم الورع : ألا تأخذ شيئا من أحد حتى تبحث عنه غاية البحث ، وتستقصي غاية الاستقصاء، فتستيقن أنه لا شبهة فيه بحال، وإلأ.. فترده . فلقد روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه : أن غلاما له أتاه بلبن فشريه ، فقال الغلام : كنت إذا جئتك بشيء.. تسألني عنه ، ولم لم تسألني عن هلذا اللبن؟ فقال : (وما قصته ؟) ، قال : رقيث قوما في الجاهلية فأعطوني هلذا ، فتقيأ أبو بكر وقال : (اللهم؛ هلذه مقدرتي، فما بقي في العروق فأنت حسبه) فهذا يدلك على وجوب البحث عما تقدم عليه إن كان لك نظر في الورع وحقه، فهذه هذه فإن قلت : فكأن الورع يخالف الشرع وحكمه. فاعلم: أن الشرع موضوع على اليسر واليماحة ، ولذلك قال رسول الله ============================================================ صلى الله عليه وسلم : "بعثث بالحنيفية السمحة " ، والورع موضوع على التشديد والاحتياط ، كما قيل : الأمرعلى المتقي أضيق من عقد التسعين . ثم الورع من الشرع أيضا، وكلاهما في الأصل واحذد، وللكن للشرع حكمان : حكم الجواز، وحكم الأفضل الأحوط، فالجائز يقال لهآ حكم الشرع، والأفضل الأحوط يقال له حكم الورع ، فهما مع تميزهما واحد في الأصل، فافهم ذلك راشدا فإن قلت : إذا جاز البحث والاستقصاءآ عن كل شيء: . فسد علينا ما نأخذه في هذا الزمان، وتعذر الأمر بمرة على صاحب الورع ؛ إذ لا بد له من بلاغ يبلغه إلى الطاعة . فاعلم : أن طريق الورع شديد، وأن من قصد سلوكه.. فشرطه : أن يوطن نفسه وقلبه على احتمال الشدة، وإلا.. فلا يتم له ذلك، ولهذا المعنى صار الكثير من أهل الورع والسابقون إلى جبل لبنان وغيره، فاقتصروا على أكل الحشيش وثمرات تافهة لا شبهة فيها بحال ، فمن سمت همثه إلى نيل منزلة الورع الأعلى.. فعليه أن يحتمل الشدائد ويصبر عليها، ويسلك طريق أولئك لينال منزلتهم ، وأما إن أقام بين الناس، وأكل مما يتداولونه في أيديهم.. فليكن عنده بمنزلة الميتة لا يقدم عليها إلا عند الضرورة ، ثم لا يتناول منها إلا مقدار ما يبلغه إلى الطاعة، فيكون له عذر في ذلك، ولا يضرؤه إن كان في أصله شبهة؛ فإن الله تعالى أولى بالعذر، ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: فسد الشوق، فعليكم بالقوت.
ولقد بلغني عن وهيب بن الورد رحمه الله أنه كان يجوع نفسه يوما ويومين وثلاثة، ثم يأخذ رغيفا ويقول : اللهم ؛ إنك تعلم أني لا أقوى على العبادة وأخشى الضعف، وإلا. لم آكله، اللهم؛ إن كان فيه شيء من خبث أو ============================================================ حرام. . فلا تؤاخذني به ، ثم يبل الرغيف في الماء ويأكله . قلث : فهلذان الطريقان للطبقة العليا من أهل الورع فيما نعلمه، وأما من دونهم.. فلهم احتياط وبحث على مقدار، ولهم أيضا نصيث من الورع على مقدار، وبقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى، والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا، وهو عليم بما يفعلون. فإن قيل : فهذا جانب الحرام، فأخبرنا عن جانب الحلال، وما حد الفضول الذي يلزم منه الحبس والحساب 9 وما المقدار الذي إذا أخذه العبد. يكون ذلك أدبا ولا يكون فضولا ، ولا عليه فيه حبس ولا حساب؟ يقال له : فاعلم : أن أحوال المباح في الجملة ثلاثة أقسام : أحدها : أن يأخذه العبد مفاخرا مكاثرا ، مباهيا مرائيا ، فيكون الأخذ منه فعلا منكرا، يستوجب على ظاهر فعله الحبس والحساب، واللوم والتعيير، وهو منكر وشر يستوجب على باطن فعله - وهو التكاثر والتفاخر- عذاب النار، وذلك القصد منه معصية وذنب ؛ لقوله تعالى : أنما الحيوة الدنيا لعب ولمتو وزينة وتفاخ إلى قوله : { وفى الآخرة عذاب شديد) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : 8 من طلب الدنيا حلالا مباهيا، مكائرا مفاخرا مرائيا.. لقي الله تعالى وهو عليه غضبان " ، فالوعيذ على قصده ذلك بقلبه. والقسم الثاني : أن يأخذ الحلال لشهوة نفسه لا غير، فذلك منه شر يستوجب عليه الحبس والحساب؛ لقوله تعالى: { ثر لتسعلن يؤميذ عن النعيو) وقال صلى اللهعليه وسلم : " الدنيا حلالها حساث ، وحرامآها عقاي " ============================================================ والقسم الثالث : أن يأخذ من الحلال في حال العذر قذرا يستعين به على عبادة الله تعالى، ويقتصر على ذلك، فذلك منه خير وحسنة وأدب، فلا حساب عليه ولا عقاب، بل يستوجب عليه الأجر والمدحة؛ لقوله تعالى: أولكيك لهر نصيب متا كسبوا) وقال صلى الله عليه وسلم : 1 من طلب الذنيا حلالا ؛ أستعفافا عن المسألة، وتعطفأ على جاره، وسعيا على عياله.. جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر" ، وذلك لما قصد به هلذه القصود المحمودة لله سبحانه، فهاذه هده فاعلمها فإن قيل : فما شرط المباح حتى يصير خيرا وحسنة كما ذكرتم ؟ فاعلم : أنه يحتاج لكونه خيرا في الأصل إلى شرطين : أحذهما: الحال: والثاني : القصد : فالحال: يجب أن يكون في حال عذر ، وهو بحيث إن لم يأخذه تؤخذ نفسه ، وتفسيره : أن يكون حاله إن لم يأخذ ذلك المباح . . ينقطع بسببه عن فرضي أو سنة أو نفل ، فيكون ذلك أفضل من ترك المياح؛ فإن ترك مباح الدنيا فضيلة، وإذا كان الحال كذلك. . فهو حال العذر . وأما القصد : فأن يقصد به العدة والاستعانة على عبادة الله سبحانه وتعالى، وهو أن يذكر بقلبه : أنه لولا ما فيه من التوصل إلى عبادة الله تعالى. . لما أخذت ذلك، فهذا ذكر الحجة، فلما حصل ذكو الحجة في حال العذر.. صار ذلك الأخذ من الدنيا الحلال خيرا وحسنة وأدبا وأما لو كان حاله حال العذر ولا يكون له هلذا القصد والذكر، أو يكون له ============================================================ هلذا القصد والذكر ولا يكون في حال العذر. . فلا يصير ذلك الأخذ من جملة الخيرات ثم الاستقامة على حفظ هذا الأدب تحتاج إلى بصيرة وقصد مجمل بأنه لا يأخذ من الدنيا بحال إلأ للعدة على عبادة الله تعالى ، حتى إنه إن سها عن ذكر الحكة في حال. . أجزأه ذلك القصذ المجمل عن تجديد ذكر الحجة .
قال شيخنا رحمه الله تعالى : فصارت الأمور الثلاثة معتبرة فيه ، كل واحد من وجه ؛ يعني : أن الذكر والحال معتبران في حصول كونه خيرا أصلا ، والقصذ المجمل المقتضي عن بصيرة منزلة الأدب معتبر في الاستقامة عليه، فافهم ذلك راشدا فإن قيل : فإن أخذ من الذنيا الحلال لشهوة. . فهل يكون ذلك معصية ؟ وهل يلزمآه عليه عذات؟ وهل الأخذ بالعذر فرض أم لا ؟ فاعلم : أن ذلك فضيلة، ونسميه خيرا وحسنة، والأمر به أمر تأديب، والأخذ بالشهوة شر وسيية، والنهي عنه نهي زجر وأدب ، وليس ذلك بمعصية، ولا يكون عليه عذاب النار ، وإتما عليه الحب والحساب ، واللوم والتعيير. فإن قلت : فما هذذا الحبس والحساب الذي يلزم العبد ؟ فاعلم : أن الحساب أن تسأل يوم القيامة عن ماذا اكتسبت ؟ وفي ماذا أنفقت ؟ وماذا أردت بذلك ؟ والحبس حبس عن الجنة مدة الحساب بذلك في عرصات القيامة بين أهوالها ومخاوفها غريان عطشان، وكفى بذلك بلية . فإن قيل : فالله سبحانه قد أحل لنا هذا الحلال، فاللوم والتعيير في أخذه لماذا ؟ فاعلم : أن اللوم والتعيير لتركه الأدب ، كمن أجلس على مائدة الملك فترك الأدب، فإنه يعير بذلك وئلام وإن كان الطعام له مباحا . ============================================================ والأصل في هذا الباب : أن الله تعالى خلق العبد لعبادته ، فهو عبد الله تعالى من كل وجه ، فحق للعبد أن يعبد الله تعالى من كل وجه يمكنه ، ويجعل افعاله كلها عبادة من أي وجه أمكنه، فإن لم يفعل ذلك وآثر شهوة نفسه، واشتغل بذلك عن عبادة ربه ، مع تمكنه من ذلك من غير تعدر ، والدار دار خدمة وعبادة، لا دار تنغم وشهوة. استحق اللوم بذلك والتعيير من سيده، فتأمل هذذا الأصل راشدا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فهلذه الجملة التي أردنا بيانها في إصلاح النفس وإلجامها بلجام التقوى ، فأرعها حقها، واحتفظ بها جدا تفز بالخير الكثير في الدارين إن شاء الله تعالى، والله ولي التوفيق والعصمة بفضله. فحتاق (في بيان معالجة الدنيا والشيطان والخلق والنفس] فعليك - أيها الرجل- ببذل المجهود في قطع هلذه العقبة العظيمة الطويلة؛ فإنها أعظم العقبات شدة، وأكثرها مؤونة، وأكبرها آفة وفتنة ؛ فإن من هلك من الخلق كلهم إنما انقطعوا عن طريق الحق: إما بسبب دنيا، أو خلق، أو شيطان، أو نفسي، ولقد ذكرنا في كتبنا المصنفة من كتاب "الأسرار" و" الإحياء " و8 القربة" ما يبعث على الاهتمام بذلك: ومقصود هذا الكتاب : أني سألث الله تعالى أن يطلعني على سر معالجة النفس، وأن يصلحني ويصلح بي، فاقتصرث في هذا الكتاب الشريف على نكت وجيزة اللفظ، غزيرة المعنى، تقنع من تأملها، وتدغه على واضحة من الطريق إن شاء الله تعالى ، وهلذا الفصل يختصى بنكت في معالجة الدنيا والخلق والشيطان والنفس. أما الدنيا : فحق لك أن تحذرها وتزهد فيها ؛ لأن الأمر لا يخلو من ثلاثة : إما أنت من ذوي البصائر والفطن، فحسبك أن الدنيا عدوة الله سبحانه، 141 ============================================================ وهو حبيبك ووليك، وأن الدنيا نقيصة عقلك ، والعقل قيمتك. وإما أنت من ذوي الهمم في عبادة الله تعالى والاجتهاد ، فحسبك أن الثنيا بلغ من شؤمها ما يمنعك من إرادتها، وتشغلك الفكرة فيها عن العبادة والخير، فكيف نفسها؟ وإما أنت من أهل الغفلة لا بصيرة لك تبصر الحقائق، ولا همة لك تبعث على المكارم، فحسبك أن الدنيا لا تبقى؛ إما أن تفارقها، وإما أن تفارقك ، كما قال الحسن رضي الله عنه : إن بقيث لك الدنيا. . لم تبق لها. فأي فائدة إذن في طلبها، وإنفاق العمر العزيز عليها ؟! ولقد أحسن القائل: [من الوافر اليس مصير ذاك إلى زوال ؟!
هب الدنيا تساق إليك عفوا وشيكا قد تغيره الليالي فما ترجو بعيش ليس يبقى وما دنياك إلأ مثل ظل آظلك ثم آذن بارتحال( فلا ينبغي لعاقل إذن أن يخدع بها، ولقد صدق القائل فيما قال : (من الكامل) أحلام نوم أو كظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع 2 حتى متى تسقى النفوس بكاسها ريب المنون وآنت لاو ترتع ؟ وأما الشيطان : فحسبك فيه ما قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وقل رب أعوذ باك من همزات الشيلطين وأعوذ يك رب أن يحضرون فهذا خير العالمين وأعلمهم، وأعقلهم وأفضلهم عند الله تعالى يحتاج مع ذلك إلى أن يستعيذ بالله من شر الشيطان، فكيف بك مع جهلك ونقصك وغفلتك ؟! وأما الخلق: فحسبك فيهم أنك لو خالطتهم ووافقتهم في آهوائهم.. آثآمت ============================================================ وأفسدت أمر آخرتك، وإن خالفتهم.. تعبت بأذياتهم وجفواتهم، وكدرت عليك أمر دنياك، ثم لا تأمن أن يلجثوك إلى معاداتهم ومناوأتهم فتقع في شرهم، ولأنهم إن مدحوك وعظموك. أخاف عليك الفتنة والعجب، وإن ذثوك وحقروك.. أخاف عليك الحزن تارة، والغضب لغير الله تعالى أخرى، وكلا الأمرين آفة مهلكة ثم اذكر حالك معهم بعد ما صرت إلى القبر بثلاثة أيام كيف يتركونك ويهجرونك وينسونك، فلا يكادون يذكرونك ، كأنك لم ترهم يوما ولم يروك، فلا يبقى لك هنالك إلا الله تعالى ، أفلا يكون من الغبن العظيم أن تضيع أيامك مع هؤلاء الخلق، مع قلة الوفاء وقلة البقاء معهم ، وتترك خدمة الله تعالى الذي يرجع إليه آخر الأمر وحده ، ولا يبقى لك إلأ هو أبد الآبدين ، والحاجاث كلها إليه، والثكلان كله عليه، والاعتصام كله في كل حال وعند كل شدة وهول به وحده لا شريك له؟ فتأمل يا مسكين ؛ لعلك ترشد إن شاء الله تعالى ، والله ولي الهداية والتوفيق بفضله. وأما التفسن: فحسبك ما تشاهذ من حالاتها، ورداءة إرادتها، وسوء اختيارها، فهي في حال الشهوة بهيمة، وفي حال الغضب سبع، وفي حال المصيبة تراها طفلا، وفي حال النعمة تراها فرعونا، وفي حال الجوع تراها مجنونا، وفي حال الشبع تراها مختالا، إن أشبعتها.. بطرت ومرحت، وإن جوعتها.. صاحت وجزعت، فهي كما قال الأول: (من الرمل] كحمار الشوء إن أشبعته رمح الناس وإن جاع نهق ولقد صدق بعض الصالحين حيث قال : إن رداءة هذذه النفس وجهلها بحيث إذا هقت بمعصية أو انبعثت لشهوة. لو تشفعت إليها بالله سبحاته ثم برسوله، وبجميع آآنبيائه وبكتابه، ويجميع السلف الصالح من عباده ، وتعرض ============================================================ عليها الموت والقبر، والقيامة والجنة والنار.. لا تعطي القياد، ولا تترك الشهوة، ثم إن استقبلتها بمنع رغيف.. تسكن وتترك شهوتها، لتعلم خستها وجهلها، فإياك أيها الرجل أن تغفل عنها؛ فإنها كما قال خالقها العالم بها جل جلاله: إن النفس لأمارة بالشوء}، فكفى بهذا تنبيها لمن عقل. ولقد بلغنا عن رجلي من الصالحين يقال له أحمد بن أرقم البلخيي رحمه الله أنه قال : نازعثني نفسي بالخروج إلى الغزو ، فقلت : سبحان الله ! إن الله تعالى يقول: إن النفس لأمارة بالشوه} وهلذه تأمرني بالخير ؟ لا يكون هذا أبدا ، وللكنها استوحشت فأرادت لقاء الناس لتستروح إليهم، ويتسامع الناس بها، فيستقبلونها بالتعظيم والبر والإكرام ، فقلت لها : لا أنزلك العمران، ولا أنزلك على معرفة، فأجابت، فأسأث الظن بها، وقلت: الله تعالى أصدق، فقلة لها: أقاتل العدو حاسرا فتكونين أول قتيل ، فأجابت ، وعذ أشياء مما أرادها فأجابت إلى كل ذلك ، قال : فقلت : يا رب؛ نبهني لها؛ فإني متهم لها، مصدق لك، فكوشفت بها كأنها تقول : يا أحمد ؛ أنت تقتلني كل يوم بمنعك اياي من شهواتي مرات وبمخالفتك ولا يشعر به أحد ، فإن قاتلت.. قتلت مرة واحدة فنجوت منك، ويتسامع الناس، فيقال : أستشهد أحمد، ويكون لي شرف وذكر، قال : فقعدت ولم أخرج إلى الغزو في ذلك العام .
فانظر إلى خداع النفس وغرورها، ترائي الناس بعد الموت بعمل لم يكن بعد: امن البسيط) ولقد صدق القائل فأحسن: توق نفسك لا تأمن غوائلها فالنفس أخبث من سبعين شيطانا فتنبه - رحمك الله - لهذه الخداعة الأمارة بالشوء، ووطن على مخالفتها قلبك بكل حال تصت وتسلم إن شاء الله تعالى، ثم عليك بإلجامها بالتقوى لا حيلة لها سواه واعلم : أن ههنا أصلا أصيلا، وهو أن العبادة شطران : شطر الاكتساب ، 144 ============================================================ وشطر الاجتناب؛ فالاكتساب : فعل الطاعات، والاجتناب : الامتناع عن المعاصي والسيئات، وهو التقوى، وإن شطر الاجتناب على كل حال أسلم وأصلح، وأفضل وأشرف للعبد من شطر الاكتساب، ولذلك يشتغل المبتدتون من أهل العبادة الذين هم في أول درجة الاجتهاد بشطر الاكتساب ، كل هقتهم أن يصوموا نهارهم، ويقوموا ليلهم، وتحو ذلك، ويشتغل المنتهون أولو البصائر من أهل العبادة بشطر الاجتناب، إنما همتهم أن يحفظوا قلوبهم عن الميل إلى غير الله تعالى، وبطونهم عن الفضول، وألسنتهم عن اللغو، وأعينهم عن النظر الى ما لا يعنيهم ولهلذا المعنى قال العابد الثاني من العباد - وكانوا سبعة- ليونس عليه السلام : يا يونس؛ من الناس من خبب إليهم الصلوات فلا يؤثرون عليها شيئا ، وهي عمود العبادة بالثبات لله تعالى والصدق والتضروع والابتهال، ومنهم من حبب إليهم الصوم فلا يؤثرون عليه شيئا، ومنهم من حبب إليهم الصدقة فلا يؤثرون عليها شيئا يا يون- وأنا مفسه لك هذذه الخصال - اجعل طول صلاتك الصبر على البأساء، والتسليم لأمر الله عز وجل، واجعل صومك الصمت عن كل سوءآ، واجعل صدقتك كفت الأذى؛ فإنك لا تتصدق بشيء أفضل منه، ولا تصوم بشيء أزكى منه. فإذا علمت أن جانب الاجتناب أولى بالرعاية والاجتهاد فيه ؛ فإن حصل لك الشطران جميعا - الاكتساب والاجتناب - فقد استكمل أمرك، وحصل مرادك، وقد سلمت وغنمت، فإن لم تبلغ إلأ إلى أحدهما.. فليكن ذلك جانب الاجتناب، فتسلم إن لم تغنم، وإلأ.. خسرت الشطرين جميعا، وما ينفعك قيام ليل وتعيه، ثم يحبط بارادة واحدة، وما يغنيك صيام نهار طويل، ثم تفسده بكلمة واحدة. ولقد روينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قيل له : ما تقول في رجلين 145 ============================================================ أحدهما كثير الخير ، كثير الشر، والآخر قليل الخير ، قليل الشر؟ قال : (لا أعدل بالسلامة شيئا) : ومثالك ما قلناه : حال المريض، وذلك أن معالجة المريض نصفان : نصف هو الدواء، ونصث هو الاحتماء، فإن اجتمعا معا.. فكأنك بالمريض قد برىء وصح، وإلا.. فالاحتماء به أولى؛ إذ لا ينفع دواء مع ترك الاحتماء، ولقد ينفع الاحتماء مع ترك الدواء: ولقد قال صلى الله عليه وسلم : 0 أصل كل دواء الجمية" ، والمعني بها والله أعلم: أنها تغني عن كل دواء ، ولذا يقال : إن أهل الهند جل معالجتهم الحمية بمنع المريض عن الأكل والشرب والكلام عدة أيام، فيبرأ ويصح بذلك لا غير . فتبين لك بهلذه الجملة أن التقوى ملاك الأمر وجوهره ، وأهلها هم الطبقة العليا من العباد ، فعليك ببذل المجهود في ذلك وصرف كل العناية إليه ، والله سبحانه ولي التوفيق. فتا (في رعاية العين واللسان والبطن والقلب] ثم راع هلذه الأعضاء الأربعة التي هي الأصول : الأول : العين ، وحسبك فيها أن مدار أمر الدين والدنيا على القلب ، وأن خطر القلب وشغله وفساده في الأكثر من العين، ولذلك قال علي رضي الله عنه : (من لم يملك عينه.. فليس للقلب عنده قيمة) والثاني : اللسان، وحسبك أن فيه ربحك وغنيمتك وثمرة تعبك واجتهادك كله للعبادة والطاعة، وأن خطر العبادة وإحباطها وإفسادها في الأكثر من قبل اللسان، بالتصنع والتزين والغيبة ونحوها، يتلف عليك بلحظة واحدة ما تعبت ============================================================ فيه سنة، بل خمسا وعشرا، ولذلك قيل : (ما شيء أحق بطول السجن من اللسان) .