وآخر يخرج من قبره فإذا الزبانية والأغلال والأنكال، لا يخلون الشقي أن يمشي إلى النار برجليه، بل يسحب إلى سواء الجحيم على وجهه، نعوذ بالله من له ولقد سمعت بعض العلماء يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : 1إذا كان يوم القيامة.. يخرج قوم من قبورهم ، لهم نجث من نور يركبونها، لها أجنحة خضر، فتطير بهم في عرصات القيامة ، حيى إذا أتؤا على خيطان الجنة؛ فإذا رأتهم الملائكة.. قال بعضهم لبعض : من هؤلاء؟ فيقولون : ما ندري، لعلهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فيأتيهم بعض الملائكة فيقولون لهم : من أنتم؟ ومن أي الأمم أنتم؟ فيقولون : نحن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فتقول لهم الملائكة : هل خوسبتم؟ فيقولون : لا، فيقولون : هل وزنتم؟ فيقولون : لا ، فيقولون : هل قرأتم كتبكم ؟ فيقولون : لا ، فتقول الملائكة : أرجعوا ، فكل ذلك وراءكم، فيقولون : هل أعطيتمونا شيئا فنحاسب عليه ؟!2 وفي خبر آخر: ما ملكنا شيئا فنعدل أو نجور ! وللكن عبدنا ربنا حتى دعانا فأجبناه، فينادي متاد: صدق عبادي، ما على المحسنين من سبيل، والله غفور رحيم". أما تسمع قوله تعالى : { أفمن يلقل فى النار خيرام من يأتى امنا يوم القيكمة ؟ فأعظم برجل يشاهد تلك الأهوال والزلازل والوقائع وهو آمن لا يدخل قلبه فزع ، ولا يكون على قلبه ثقل ! نسال الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أولئك الشعداء، وما ذلك على الله بعزيز ============================================================ وأما الجية والثار : فتأمل فيهما آيتين من كتاب الله تعالى : إحداهما : قوله تعالى : { وسقدهم ربهم شرابا طهورا إن هلذا كان لكر جزاء وكان 1 سعيكر مشكورا} . و[الثانية] : قال تعالى حكاية عن آخرين : ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظللمو قال اخسثوا فيها ولا تكلمون} ، فروي : أنهم يصيرون عند ذلك كلابا يتعاوون في النار. نعوذ بالله الرؤوف الرحيم من عذابه الأليم ؛ فإن الأمر كما قال يحيى بن معاذ رحمه الله: لا ندري أيي المصيبتين أعظم : فوث الجنان ، أم دخول النيران ؟ أما الجنة: فلا صبر عنها، وأما النار : فلا صبر عليها . وعلى كل حال : فوث النعيم أيسر من مقاساة الجحيم : ثم الطامة الكبرى والمصيبة العظمى هي الخلود ؛ إذ لو كان الأمؤ على كل حال منقطعا. . لكان الأمرهينا ، وللكن الشأن في أبد بلا آخر ، فأي قلب يحتمل ذلك؟ وأي نفسي تصبر على ذلك؟ ولذلك قال عيسى ابن مريم عليه السلام : " ذكر خلود الخالدين يقطع قلوب الخائفين" . وذكر عند الحسن : أن آخر من يخرج من النار رجل يقال له هناد ، عذب ألف عام، ينادي : يا حنان يا منان، فبكى الحسن وقال : يا ليتني كنت هنادا ، فتعجبوا منه، فقال : ويحكم! أليس يوما يخرج؟ قلث أنا : فرجع الأمر كله إذن إلى أصلي واحد ، وهي النكتة التي تقصم الظهور، وتصفر الوجوه، وتقطع القلوب، وتذيب الأكباد، وتدمي العيون من العباد، وهي خوف نزع المعرفة، فهلذه الغاية التي ينتهي إليها خوف الخائفين، وتبكي عليها آعين الباكين. ولقد قال بعضهم : إن الغموم ثلاثة : غم الطاعة الأ تقبل، وغم المعصية الا تغفر، وغم المعرفة أن تسلب . 211 ============================================================ وقال المخلصون : بل الغم كله واحد بالحقيقة، وهو غم المعرفة، وكل غم دونه جلل ؛ إذ له أنقضاء :. ولقد بلغنا عن يوسف بن أسباط رحمه الله أنه قال : (دخلت على سفيان فبكى ليله أجمع ، فقلت : بكاؤك هلذا على الذنوب ؟ قال : فحمل تبنا وقال : الذنوب على الله أهون من هلذا ، إنما أخشى أن يسلبني الله الإسلام) .
Gazâlî — Minhâcü'l-Âbidîn
ghazali · AR
نسأل الله ربنا الحتان المنان سبحانه ألأ يبتلينا بمصيبة، وأن يتم علينا بفضله كبير نعمته ، وأن يتوفانا على ملة الإسلام ، إنه أرحم الراحمين: وقد ذكرنا سبب سوء الخاتمة ومعناها في كتاب " إحياء علوم الدين"، فتأمله هناك ؛ فإن الخوض فيه هلهنا خروج إلى الإكثار، فتأقل هذذه الجملة راشدا ؛ فإن التفصيل أكثر من أن يأتي عليه الوهم والذكر ، لعلك تفلح بعون الله وحسن توفيقه. فإن قلت : فأي الطريقين أسلك : طريق الخوف ، أم طريق الرجاء ؟ يقالك لك : بل المركب بينهما، فلقد قيل : من غلب عليه الرجاء.. صار مرجي ، وربما يخاف عليه أن يصير خرمية ، ومن غلب عليه الخوف.. صار حروري ، والمراد : الأ ينفرد بأحدهما دون الآخر؛ فإن - بالحقيقة- (50 الرجاء الحقيقي لا ينفك عن الخوف الحقيقي ، والخوف الحقيقي لا ينفك عن الرجاء الحقيقي ، ولذلك قيل : الرجاء كله لأهل الخوف إلأ الأمن، والخوف كله لأهل الرجاء إلأ اليأس : ============================================================ فإن قلت : فهل يكون أحدهما أرجح وأكثر ذكرا بحال ؟ فاعلم: أن العبد إذا كان صحيحا قويا.. فالخوف أولى به، وإذا مرض وضعآف -لا سيما إذا أشرف على الاخرة - فالرجاء أولى، كذا سمعت العلماء يقولون. قلت : وذلك لما روي أن الله تعالى يقول : " أنا عند المنكسرة قلوئهم من مخافتي " ، فيصير رجاؤه أولى في ذلك الوقت ؛ لانكسار قلبه وخوفه المتقدم زمان الصحة والقوة والإمكان ، ولذلك يقال لهم : لا تخافوا ولا تحزنوا . فإن قلت : أليس قد جاءت الأخبار الكثيرة في حسن الظن بالله والترغيب في ذلك؟ فاعلم: آن من حسن الظن بالله تعالى الحذر من معصيته، والخوف من عقابه، والاجتهاد في خدمته. وأعلم : أن ههنا أصلا أصيلا ونكتة عزيزة يغلط فيها الكثير من الناس، وهو أن الفرق بين الرجاء والأمنية : أن الرجاء يكون على أصلي ، والتمني لا يكون علي آصلي: مثاله : من زرع زرعا ، وأجتهد وجمع بيدرا ، ثم يقول : أرجو أن يحصل لي منه مئة قفيز. . فذلك منه رجاء، وآخر لا يزرع زرعا، ولا يعمل يوما عملا، فذهب ونام وأغفل سنته، فإذا جاء وقت البيادر.. يقول : أرجو أن يحصل لي مثة قفيز ، فيقال له : من أين لك هذا الرجاء؟ وإنما ذلك أمنية منه بلا أصلي . فكذلك العبد إذا أجتهد في عبادة الله تعالى ، وآنتهىل عن معصية الله تعالى ؟ يقول : أرجو أن يتقبل الله هذذا اليسير ، ويتم هذا التقصير، ويعظم الثواب ، ويعفو عن الزلل ، وأحسن الظن. . فهاذا منه رجاء وأما إذا غفل وترك الطاعات، وأرتكب المعاصي، ولم يبال بسخط الله ============================================================ تعالى ولا رضاه، ولا وعده ووعيده ، ثم أخذ يقول : أرجو من الله الجنة والنجاة من الثار.. فذلك منه أمنية لا حاصل تحتها ، سماها رجاء وحسن ظن ، وذلك منه خطأ وضلال، وقد نظم المعنى القائل : امن البسيط ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس قلث : ومما يبين هلذا الأصل ما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني " . وفي ذلك قال الحسن البصريي : (إن أقواما ألهتهم أماني المغفرة حتىل خرجوا من الدنيا مفاليس وليست لهم حسنة ، فيقول أحدهم : إني أحسن الظن برئي ، وكذب ، لو أحسن الظن بربه لأحسن العمل له ، نيم تلا قوله تعالى : وذلكر ظيكر الذى ظننشم برتبك أرد سݣو فأصبحتم من الختسرين)) .
وعن جعفر الضبعي قال : رأيث أبا ميسرة العابد وقد بدث أضلاعه من الاجتهاد، قلت : يرحمك الله؛ إن رحمة الله واسعة، فغضب وقال : هل رأيت مني ما يدل على القنوط ؟ إن رحمة الله قريث من المحسنين ، قال جعفر : فأبكاني قوله. فاذا كان الروسل والأبدال والأولياء مع كل هذا الاجتهاد في الطاعة والحذر عن المعصية. . فاي شيء تقول ؟! أما كان لهم حسن ظن بالله تعالى؟ بلى ؛ فإنهم كانوا أعلم بسعة رحمة الله وأحسن ظنا بجوده منك، وللكن علموا أن ذلك دون الاجتهاد أمنية وغرود. فأعتبر بهذه النكتة، وتأمل حالهم ، وأنتبه من رقدتك ، والله تعالى ولي التوفيق. ============================================================ فتا (في خلاصة الكلام وزبدته بشأن مقامي الخوف والرجاء] وجملة الأمر : أنك إذا تذكرت سعة رحمة الله تعالى التي سبقت غضبه ووسعت كل شيء، ثم كنت من هلذه الأمة المرحومة الكريمة على الله تعالى، ثم غاية فضله العظيم ، وكمال جوده القديم ، وجعل عنوان كتابه إليك : يشه الله الرقكن الرحيو)، ثم كثرة أياديه إليك ونعمه عليك ظاهرة وباطنة من غير شفيع أو قدم سابقة لك: وتذكرت من جانب آخر كمال جلاله وعظمته، وعظم سلطانه وهيبته، ثم شدة غضبه الذي لا تقوم له السماوات والأرض، ثم غاية غفلتك ، وكثرة ذنوبك وجفوتك، مع دقة آمره وخطر معاملته في إحاطة عليه وبصره بالعيوب والغيوب ، ثم حسن وعده وثوابه الذي لا تبلغ كنهه الأوهام ، وشدة وعيده وأليم عقابه الذي لا تحتمل ذكره القلوب، تارة تنظر إلى فضله، وتارة تنظر إلى عذابه، وتارة تنظر إلى رأفته ورحمته، وطورا تنظر إلى نفسك في جفواتها وجناياتها.. يؤدي بك جميع ذلك إلى الخوف والرجاء، وكنت قد سلكت السبيل الشارع القصد ، وعدلت عن الجانبين المهلكين : الأمن واليأس ، ولا تتيهآ فيهما مع التائهين ، ولا تهلك مع الهالكين ، وشربت الشراب الممزوج العدل ؛ فلا تهلك ببرودة الرجاء الصرف ، ولا بحرارة الخوف الصرف ، فكأني بك وقد وصلت إلى المقصود غانما، وشفيت من العلتين سالما، ووجدت النفس قد أنبعثث للطاعة، ودانت في الخدمة ليلا ونهارا من غير فترة ولا غفلة، واجتنبت المعاصي والمخازي وهجرتهما بمرة، كما قال نوف : (إن نوفا إذا ذكر الجنة. . طال شوقه ، وإذا ذكر النار. . طارنومه) . ============================================================ وصرت حينئذ من الأصفياء الخواص العابدين ، الذين وصفهم الله تعالى بقوله : { إنهم كانوا يسترعوب فى الخيرات ويد عوتنا رغبا ورهبا وكانوألنا خشعيب وكنت قد خلفت هلذه العقبة الخطيرة وراءك باذن الله تعالى وحسن توفيقه ، فكم لك من حلاوة وصفوة في الدنيا ، وكم لك من ذخر كريم وأجر عظيم في العقبى، واللهآ سبحانه وتعالى مسؤول أن يمدك وايانا بحسن توفيقه وتسديده، إنه أرحم الراحمين ، وأجود الأجودين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 221 ============================================================ العقبة الشادسة وهي عقبة القوادح [القادح الأول : عدم الإخلاص] . ثم عليك يا أخي - أيدك الله وإيانا بحسن توفيقه - بعد ما أستبان لك السبيل، وأستقام لك المسير بتمييز سعيك وصيانته عما يفسده ويضيعه عليك، وإنما لزمك ذلك بإقامة الإخلاص وذكر المنة لله ، والاجتناب عن ضده لأمرين : أحدهما : لما في فعله من الفائدة ، وهو حسن القبول من الله تعالى، وفوز الثواب عليه. وإلل1).. فتكون مردودا ، ذاهب الثواب حكما، كلا أو بعضا، على ما روي في الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله سبحانه يقول : أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ، من عمل عملا فأشرك فيه غيري.. فنصيبي له؛ فإني لا أقبل إلأ ما كان خالصا" . وقيل : ( إن الله تعالى يقول لعبده يوم القيامة إذا التمس ثواب عمله: ألم يوسع لك في المجالس ؟ ألم تكن المرآس في الدنيا؟ ألم يرخص بيعك وشراؤك؟ ألم تكرم؟) . ============================================================ هلذا وأشباهه من الخطر والضرر.
قلث: ومن خطر الرياء فضيحتان ومصيبتان : أما الفضيحتان : فاحداهما: فضيحة السر، وهي اللوم على رؤوس الملائكة، وذلك لما روي : " إن الملائكة تصعذد بعمل العبد مبتهجين ، فيقول الله تعالى : ردوه إلى سجين ؛ فإنه لم يردني به " ، فيفتضح ذلك العمل والعبد : والثانية : فضيحة العلانية، وهي يوم القيامة على رؤوس الخلائق. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن المرائي ينادى يوم القيامة بأربعة آسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر؛ ضل سعيك، وبطل أجرك؛ فلا خلاق لك اليوم ؛ التمس الأجر ممن كنت تعمل له يا مخادع" . وروي : " أنه ينادي مناد يوم القيامة يسمع الخلائق : أين الذين كانوا يعبدون الناس؟ قوموا، خذوا أجوركم ممن كنتم عملئم له؛ فإني لا أقبل عملا خالطه شيء"2). وأما المصيبتان : فإحداهما: فوات الجنة، وذلك ما روي عن التبي صلى الله عليه وسلم : عندما يلاقي الله عز وجل ثلاثة من الرجال ، فيقول للأول : " أي فل - أي : يا فلان - ألم أكرمك وأسودك وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع ؟ فيقول : بلى" قال : "فيقول : أفظتنت أنك ملاقي؟ فيقول : لا ، فيقول : فإني آنساك كما نسيتني . الحديث . ============================================================ " إن الجنة تكلمت وقالث : أنا حرام على كل بخيل ومراء" . والخبر يحتمل معنيين : أحذهما : أن هلذا البخيل من يبخل بأقبح بخل ، وهو قول : (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) . وهذا المرائي من يرائي بأقبح رياء، وهو المنافق الذي يرائي بايمانه وتوحيده، وفي هذا القول ترجية. والثاني : أنه من لم ينته عن البخل والرياء ، ولم يراع نفسه ، ففيه خطران : أحذهما: أن يلحقه شؤم ذلك فيقع في الكفر، فتفوته الجنة رأسا والعياذ بالله. والآخر: سلب الايمان الذي يستحق به النار، نعوذ بالله من سخطه وشديد ضبه والمصيبة الثانية : دخول النار، وذلك لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أول من يدعى يوم القيامة رجل قد جمع القرآن ، ورجل قاتل في سبيل الله، ورجل كثير المال. فيقول الله تعالى للقارىء : ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فيقول : بلى يا رب، فيقول : ماذا عملت فيما علمت ؟ فيقول : يا رب؛ قمت به آناء الليل وأطراف النهار، فيقول الله : كذبت ، وتقول الملائكة : كذبت ، ويقول الله : بل أردت أن يقال : فلان قارىء ، فقد قيل ذلك . ويؤتى بصاحب المال فيقول له : ألم أوشع عليك حتى لم أدغك تحتاج إلى أحد؟ فيقول : بلى يا رب؛ فيقول : ماذا عملت فيما آتيتك؟ فيقول : كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله : كذبت، وتقول الملائكة : كذبت ، فيقول الله سبحانه : بل أردت أن يقال : فلان جواد ، فقد قيل ذلك . ============================================================ وئوتى بالذي قتل في سبيل الله ، فيقول الله : ما فعلت ؟ فيقول : أمرث بالجهاد في سبيلك، فقاتلث حتى قتلت، فيقول الله تعالى : كذبت، وتقول الملائكة : كذبت ، ويقول الله : بل أردت أن يقال : فلان جريء ، فقد قيل ذلك قال: ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على ركبتي وقال : " يا أبا هريرة؛ أولئك اول خلق الله تسعر بهم نار جهنم " . وعن ابن عياس رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن النار وأهلها يعثجون من أهل الرياء" قيل : يا رسول الله ؛ وكيف تعج النار؟ قال : 1 من حر الثار التي يعدبون بها" . وفي هلذه الفضائح عبرة لأولي الأبصار، والله سبحانه ولي الهداية بفضله .
فإن قلت : فأخيرنا عن حقيقة الإخلاص والرياء ، وحكمهما وتأثيرهما في العمل: فأعلم : أن الإخلاص عند علمائنا إخلاصان : إخلاصى العمل، واخلاص طلب الأجر. فأما إخلاص العمل : فهو إرادة التقروب إلى الله تعالى، وتعظيم أمره، واجابة دعوته، والباعث عليه : الاعتقاد الصحيخ وضه هلذا الإخلاص : النفاق، وهو التقرب إلى من دون الله سبحانه وتعالى وقال شيخنا رحمه الله تعالى : النفاق هو الاعتقاد الفاسد الذي هو للمنافق وكان شيخنا رحمه الله تعالى يقول : إنه إرادة نفع الآخرة بخير لم يرد ردا ============================================================ يتعذر خيره بحيث ترجى به تلك المنفعة، وقد شرحنا هلذه الشرائط : وقال الحوارئون لعيسى ابن مريم عليه الصبلاة والسلام : ما الخالص من الأعمال ؟ قال : ( الذي يعمل لله تعالى ولا يحث أن يحمده عليه أحة) . وهلذا تعروض لترك الوياء، وإنما خصه بالذكر؛ لأنه أقوى الأسباب المشؤشة للاخلاص: وقال الجنيد : الإخلاص : تصفية الأعمال من الكدورات. وقال الفضيل : الإخلاص : دوام المراقبة ونسيان الحظوظ كلها . وهذذا هو البيان الكامل، والأقاويل في هذا كثيرة؛ فلا فائدة في تكثير النقل بعد انكشاف الحقيقة ، وقد قال سيد الأولين والاخرين صلى الله عليه وسلم إذ سئل عن الإخلاص فقال : " تقول : ربآي الله، ثم تستقيم كما أمرت " أي : لا تعبذ هواك ونفسك، ولا تعبذ إلأ ربك، وتستقيم في عبادتك كما أمرت. وهذه إشارة إلى قطع كل ما سوى الله عز وجل عن مجرى النظر ، وهو الإخلاص حقا. وضد الإخلاص : الرياء ، وهو إرادة نفع الانيا بعمل الآخرة. ثم الرياء ضربان: رياء محضق، ورياء تخليط. فالمحض : أن تريد به نفع الدنيا لا غير . ============================================================ والتخليط : أن تريدهما جميعا؛ نفع الذنيا، ونفع الآخرة ، هلذا حدهما: وأما تأثيرهما : فإن إخلاص العمل أن تجعل الفعل قربة، وإخلاص طلب الأجر أن تجعله مقبولا وافر الأجر والتعظيم. والنفاق يحبط العمل ويخرجه عن كونه قربة مستحقا عليه الثواب بالوعد من الله تعالى: فالرياء المحض لا يكون من العارف عند بعض العلماء وإن كان أبطل لنصف الثواب، وعند آخرين قد يكون الرياء المحض من العارف ، وأنه يذهب بنصف الأضعاف، والتخليط يذهب بربع الأضعاف : والصحيح عند شيخنا رحمه الله : أن الوياء المحض لا يكون من العارف مع تذكر الآخرة، ويكون مع الشهو. والمختار : أن من تأثير الرياء رفع القبول والنقصان في الثواب ، وألا تقدير له بصفي ولا ربع: وشرخ هلذه المسائل يطول، وقد شرحناها في كتاب " إحياء علوم الدين" شرحا مستقصيا ، وأشبعنا القول في " أسرار معاملات الدين" . فإن قلت : فما موضع الإخلاص؟ وفي أي طاعة يقع ويجب ؟ فاعلم : أن الأعمال عند بعض العلماء ثلاثة أقسام : قسم يقع فيه الإخلاصان جميعا، وهو العبادات الظاهرة الأصلية. - وقسم لا يقع فيه شيء منهما، وهو الباطنة الأصلية. -وقسم يقع فيه إخلاص طلب الأجر دون إخلاص العمل ، وهو المباحات المأخوذة للعدة . قال شيخنا رحمه الله : إن كل عمل يحتمل الصرف إلى غير الله تعالىل من العبادات الأصلية يقع فيه إخلاص العمل ، فالعبادات الباطنة اكثرها يقع فيها اخلاص العمل. ============================================================ وأما إخلاص طلب الأجر : قال مشايخ الكرامية : لا يقع في العبادات الباطنة؛ إذ لا يطلع عليها أحد إلا الله سبحانه، فامتنع منها دواعي الرياء، فلم يحتخ إلى إخلاص طلب الأجر. وكان شيخنا رحمه الله يقول : إذا أراد العبذ المتقرب من الله تعالى بالعبادات الباطنة نفع الدنيا. . فهو أيضا رياء . قلث أنا : فلا يبعد إذن أن يقع في كثير من العبادات الباطنة الإخلاصان ، وكذلك في التوافل ، يجب فيها الإخلاصان جميعا عند الشروع فيها . وأما المباحات المأخوذة للعدة : فإنما يقع فيها إخلاص طلب الأجر دون اخلاص العمل ؛ إذهي لا تصلح أن تكون بنفسها قربة، بل هي عدة على القربة.
قإن قلت : هذا موضعهما، فبين لنا وقتهما من العمل. فاعلم : أن إخلاص العمل مع الفعل يقارنه لا محالة ولا يتأخر عنه، وأما إخلاص طلب الأجر : فريما يتأخوعنه ، وعند بعض العلماء : يعتبرون فيه وقت الفراغ من العمل ، فإذا فرغ على إخلاص أو رياء.. فقد انقضى الأمر، ولا يمكنه استدراكه بعذ. وعند عبدان من المشايخ الكرامية : ما لم ينل المنفعة المطلوبة بالرياء يمكنه اقامةه الإخلاص في ذلك العمل، فإذا نال المطلوب. . فقد فات . وقال بعض العلماء : إن الفريضة يمكن إقامة الإخلاص فيها إلى الموت ، وأما النوافل : فلا سبيل إلى ذلك . قال : والفرق بينهما : أن الله تعالى أدخل العبد في الفريضة ، فمأمول منه التفضل والتيسير فيها ، وأما النفل : فالعبد الذي أدخل نفسه فيه وتكلفه فطولب بحق ما تكلفه. قلث أنا : وفي هلذه المسألة فائدة ، وهي أن من سبق منه الرياء، أو ترك الإخلاص في عملي فيمكنه استدراك ذلك وتلافيه على أحد الوجوه التي ذكرناها 228 ============================================================ والمقصود من نقل مذاهب الناس في هلذه الدقائق : علمنا الآن بقلة العاملين، وقلة الرغبة في سلوك هذه الطريق، والتقريب على المبتدىء في العبادة، فإن لم يجذ لعلته دواء في هذا القول. . وجده في الآخر؛ لاختلاف الأعراض وعلل الأعمال وآفاتها ، فافهم راشدا إن شاء الله تعالى. فإن قلت : أكل عملي يحتاج إلىل إخلاص مفرد ؟ فاعلم : أنه قد اختلف في ذلك : فقيل : إنه يجب لكل عمل إخلاص مفرد . وقيل : يجوز تناول الإخلاص لجملة من العبادات ، فالعمل ذو الأركان كالصلاة والوضوء يكفيهما إخلاص واحد؛ لأن بعضها متعلق ببعض صلاحا وفسادا، فصارت كشيء واحد فإن قلت : إن أراد بعمله الخير نفعا من الله تعالى ولا يريد من الناس شيئا من مدحة أو سمعة أو منفعة . . أيكون ذلك رياء؟ فاعلم : أن ذلك محض الرياء. قال علماؤنا رحمهم الله : الاعتبار في الرياء بالمراد ، لا بالذي تريد منه، فإن كان مرادك من عمل الخير نفعا دنيويا. . فإنه رياء ، سواء أردته من الله أو من الناس ، قال الله تعالى : { من كاب يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثهه ومن كات يريد حرث الدنيانؤتهء منها وماله فى الآخرة من نصيب) وليس الاعتبار بلفظة الرياء واشتقاقها من معنى الرؤية، وإنما سميث هذذه الإرادة الفاسدة بهلذا الاسم ؛ لأنها أكثر ما تقع وتكون من قبل الناس ورؤيتهم ، فافهم فإن قلت : إذا كان القصد في الدنيا التي يريدها من الله التعفف عن الناس ، والعدة على عبادة الله تعالى. . أيكون ذلك رياء ؟ فاعلم : أن التعفف ليس في كثرة المال والجاه ، وإنما هو في القناعة والثقة بكفاية الله تعالى. 229 ============================================================ وأما العدة على عبادة الله تعالى : فإذا كان مراده ذلك. . فلا يكون رياء . وكذلك ما يتصل بأمر الآخرة وأسبابها ويصير قصده قطعا لذلك، فإن أريد بعمل الخير هلذا النوع. . فلا تكون تلك الإرادة رياء ؛ لأن هلذه الأمور تصير بتلك النية خيرا ، وتصير في حكم أعمال الآخرة ، ولا تكون إرادة الخير رياء .
وكذلك إن أردت أن يكون لك تعظيم عند الناس ، أو محبة عند المشايخ والأئمة ، ويكون قصدك من ذلك التمكن من تأييد مذهب الحق، والرد على أهل البدع، والنشر للعلم أو حض الناس على العبادة ونحو ذلك، دون أن تقصد بذلك شرف نفسك من حيث هي أو دنيا تنالها.. فإن هذه كلها إرادات سديدة، ونيات محمودة، لا يدخل شيء منها في باب الرياء؛ إذ المقصوذ منها أمر الآخرة بالحقيقة واعلم : أني سألت بعض مشايخنا عما يعتاده أولياؤنا من قراءة (سورة الواقعة) في أيام العسرة؛ أليس المراد بذلك أن يدفع الله تعالى تلك الشدة عنهم ، ويوسع عليهم بشيء من الدنيا على ما جرت به العادة؟ فكيف تصخ إرادة متاع الدنيا بعمل الآخرة ؟! فقال في جوابه رحمه الله كلاما معناه : إن المراد منهم أن يرزقهم الله قناعة أو قوتا يكون لهم عدة على عبادة الله تعالى وقوة على درس العلم ، وهلذه من جملة ارادات الخير دون الذنيا : واعلم : أن هذه السيرة - أعني : قراءة هلذه الشورة عند الشدة في أمر الرزق والخصاصة - إنما هو شيء وردت به الأخبار المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم ، حتى إن ابن مسعود رضي الله عنه ============================================================ حين عوتب في أمر ولده ؛ إذ لم يترك لهم من الدنيا شيئا قال : (لقد خلفت لهم "سورة الواقعة") : ومن ذلك الأصل في السنة جرث هذه الخصلة في سير علمائنا رحمهم الله تعالى ، وإلأ .. فلا مبالاة بحمد الله تعالى بشدة في أمر الدنيا أو سعة وهم الذين يغتنمون ضيق الدنيا وعسرها، ويتغالؤن بذلك فيما بينهم ، ويعدونه من الله تعالى منة عظيمة ، ويخافون إذا بدا لهم سعة من الذنيا التي لا يعدها أكثر الناس إلا الإحسان والنعمة أن يكون ذلك الضيق والشدة استدراجا من الله تعالى ومصيبة ، كيف وبطانتهم الطي والأسفار في عموم أحوالهم ، ومقدموهم يقولون : الجوع رأسن مالنا ؟! فهذا وضع مذهب أهل التصوف ، وهو مذهبي ومذهب أشياخي، وبذلك جرت سيرة سلفنا. وأما تقصير بعض المتأخرين : فلا يعتبر به، وإنما ذكرنا هذذا الفصل لئلا يغمز فيهم مخالفك، جهلا منه بمقاصد القوم في أمورهم، أو يغلط فيه مبتدىء سليم الصدر لم يأخذ من العلم حقه فيقول : كيف يليق هذذا بحال أهل الزهد والتجود وأرباب الصبر والرياضة ولم يعلم أن هلذا شيء مأخوذ من الشنة؟1 ثم المقصود : حصول القناعة والعدة ، لا آتباغ الشره والشهوة ، والضعف عن احتمال العسرة والشدة، وأكثر ما ترى في عقيب ذلك قناعة في القلب ، وفقذ كلب الجوع وضعفه، وسلؤه عن الطعام ونهمته، وقد علم ذلك من امتحنه، فاعلم هلذه الجملة موفقا إن شاء الله تعالى: ============================================================ القادح الثاني : العجب . وإنما يلزمك اجتنائه لأمرين: أحذهما : أنه يحجب عن التوفيق والتأييد من الله تعالى؛ فإن المعجب مخذول، فإذا انقطع عن العبد التاييد والتوفيق.. فما أسرع ما يهلك، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : "ثلاث مهلكات : شغ مطاع، وهوى متبع، واعجاب المرء بنفسه " . الثاني : أنه يفسد العمل الصالح، ولذلك قال المسيخ عليه الصلاة والسلام : يا معشر الحوارئين؛ كم من سراج قد أطفأته الريح، وكم من عابد قد أفسده العجب:. وإذا كان المقصود والفائدة العبادة وهذه الخصلة تحرم العبد حتى لا يحصل له خير، وإن حصل فقليل من ذلك يفسده ، حتى لا يبقى بيده شيء.. فحقيق أن يحذر من ذلك ويتحفظ، والله تعالى وليي التوفيق والعصمة.
فإن قلت : فما حقيقة العجب ؟ وما معناه ؟ وما تأثيره وحكمه؟ فبين لنا ذلك: فاعلم: أن حقيقة العجب استعظام العمل الصالح، وتفصيله عند علمائنا رحمهم الله : ذكر العبد حصول شرف العمل الصالح بشيء دون الله عز وجل، أو الناس، أو النفس ، قالوا : وقد يكون العجب مثلثا ؛ بأن يذكر ذلك من هلذه الثلاثة جميعا؛ النفس، والخلق ، والشيء، ومثنى؛ بأن يذكره من اثنين، وموحدا؛ بأن يذكره من واحد. وضد العجب : ذكر المنة ، وهو أن يذكر أنه بتوفيق الله تعالى ، وأنه الذي شرفه وعظم ثوابه وقذره ، وهذا الذكر فرض عند دواعي العجب ، نفل في سائر الأوقات. ============================================================ وأما تأثير العجب في العمل : قال بعض العلماء : المعجب ينتظر الإحباط؛ فإن تاب قبل موته.. سلم ، وإلأ.. أحبط، وإليه ذهب محمد بن صابر من شيوخ الكرامية ، والإحباط عنده : أن يذهب عن العمل جميع الأسماء الحسنة، حتى لا يستحق بذلك ثوابا ولا مدحة ألبتة ، وفي قول غيره : هو ذهاب الإضعاف لا غير. فإن قلت : كيف يلتبس على العبد العارف أن الله تعالى هو الذي وفق للعمل الصالح، وعظم قذره ، واكثر ثوابه بفضله ومنه ؟ فاعلم: أن هلهنا نكتة لطيفة ، وذخيرة شريفة، وهي أن الناس في العجب ثلاثة أصنافي : صنف هم المعجبون بكل حال، وهم المعتزلة والقدرية، الذين لا يرون لله عليهم منة في أفعالهم ، وينكرون العون والتوفيق الخاص واللطف، وذلك لشبهة آستولت عليهم وصنف هم الذاكرون المنة بكل حال، وهم المستقيمون ، لا يعجبون بشيء من الأعمال، وذلك لبصيرة أكرموا بها، وتأييد خصوا به. والصف الثالث هم المخلطون، وهم عامة أهل الشنة، تارة ينتبهون فيذكرون منة الله تعالى ، وتارة يغفلون فيعجبون، وذلك لمكان الغفلة العارضة ، والفترة في الاجتهاد ، والنقص في البصيرة. فإن قلت : كيف حال القدرية والمعتزلة في أفعالهم ؟ فاعلم : أن في ذلك أختلافا : فقيل : إنه محبط؛ لمكان آعتقادهم وقيل : لا يحبط عمل باعتقاد بالجملة من فرق الإسلام حتى يخص كل عمل باعجاب، كما أن اعتقاد أهل الشنة لا يمنع العجب في كل عمل حتى يخصه بذكر المنة. فإن قيل : فهل سوى العجب والرياء من قادح في العمل ؟ 233 ============================================================ قيل له : أجل، إن فيه لقوادح سواهما، للكنا خصصناهما بالذكر؛ لأنهما الأصل الذي يدور عليهما معظم الباب. وقد قال بعض المشايخ : إن حق العبد أن يتحفظ في العمل من عشرة أشياء: النفاق، والرياء، والتخليط ، والمن، والأذى، والندامة، والعجب، والحسرة، والتهاون، وخوف ملامة الناس:. ثم ذكر شيخنا رحمه الله ضد كل خصلة منها وإضرارها بالعمل؛ فضد النفاق اخلاص العمل، وضد الرياء إخلاص طلب الأجر ، وضد التخليط التفريد ، وضد المن تسليم العمل إلى الله تعالى ، وضد الأذى تحصين العمل، وضد الندامة تثبيث النفس، وضد العجب ذكر المنة، وضد الحسرة أغتنام الخير، وضد التهاون تعظيم التوفيق ، وضد خوف الملامة الخشية. واعلم : أن النفاق يحبط العمل، والرياء يوجب رده، والمن والأذى يحبطان الصدقة أصلا في الوقت، وعند بعض المشايخ يبطلان إضعافها، وأما الندامة: فإنها تحبط العمل في قولهم جميعا، والعجب يذهب إضعاف العمل ، والحسرة والتهاون وخوف الملامة تخفف العمل فتذهب رزانته : قلث : فالقبول والرد عند أهل التحصيل يرجعان إلى ضروب من التعظيم والاستخفاف ، والإحباط إبطال منافع تكون بالفعل وبسببه ، ثم تارة يكون إبطالا للثواب، وأخرى إبطالا للتضعيف، والثواب منفعة يقتضيها الفعل بعينه وقرائنه وأحواله، والتضعيف زيادة على هلذا ، والرزانة زيادة تحصل بمقتضى قرائن وأحوال أخر، كالإحسان إلى أحد من أهل الخير ، ثم إلى الوالدين ، ثم إلى نبي من الأنبياء ، ففي السر يكون رزانة ولا يكون تضعيفا .
فهذا تهذيب ما تحققت من هلذه المعاني، فافهم ذلك وبالله التوفيق. ============================================================ فتا (في بيان آصول الرياء والعجب] فعليك بقطع هذذه العقبة المخوفة ، ذات المقاطع والمهالك والمتالف في غاية التحروز، فإن صاحب يضاعة الطاعات قد قطع تلك العقبات، وتحمل تلك المشقات، حتى حصلت له بضاعة من العبادة عزيزة شريفة ، فإنه لا يخاف على بضاعته تلك إلا في هلذه العقبة ؛ فإن فيها مقاطع يحذر أن تسلب فيها بضاعته، ومتالف يحذر أن يبدو منها آفات تفسد عليه طاعته، ثم أعظمها خطرا وأعثها وقوعا هذان القاطعان اللذان هما : الرياء والعجب، فلنذكز في كل واحد منهما أصولا مقنعة نجردها لك، لعلك تكفى مؤنتها بإذن الله تعالى: أما الرياء : فأذكر فيه : أؤلا : قول الله سبحانه : الله الذى خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن ينزل الأر بينهن للعلموا أن الله على كل شىء قدير وأن الله قد أحاط يكل شىء علما} ، كان الله سبحانه وتعالى يقول : إني خلقت السماوات والأرض وما بينهما في كل هلذه الصنائع والبدائع واكتفيت بنظرك لتعلم أني عالم قادر وأنت تصلي ركعتين ، مع ما فيهما من المعايب والتقصير، فلا تكتفي بنظري إليك، وبعلمي بك، وثنائي عليك، وشكري لك حثى تحب أن يعلم الخلق ليمدحوك بذلك، أيكون ذلك وفاء ؟ أيكون ذلك عقلا يرضاه أحد لنفسه ؟ ويحك أفلا تعقل ؟! والأصل الثاني : أن من كان له جوهر نفيس ، يمكنه أن يأخذ في ثمنه ألف ألف دينار، فباعه بفلسي. أليس يكون ذلك خسرانا عظيما، وغبنا فظيعا، ودليلا بينا على خسة الهمة ، وقصور العلم ، وضعف الرأي، وقلة العقل ؟ فما يناله العبذ بعمله من الخلق من مدحة وحطام بالإضافة إلى رضا رب العالمين وشكره وثنائه وثوابه .. لأقل من فلس في جنب ألف ألف دينار وأضعاف ذلك ، بل في جنب الدنيا وما فيها واكثر وأكبر، ألا يكون من الخسران المبين أن 235 ============================================================ تفؤت نفسك تلك الكرامات العزيزة الشريفة بهلذه الأمور الحقيرة الدنية ؟ ثم إن كان ولا بد لك من هلذه الدنيا الخسيسة . . فاقصذ أنت الآخرة تتبغك الذنيا، بل أطلب الرب وحده يعطك الدارين؛ إذ هو مالكهما جميعا، وذلك قوله تعالى : من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواث الدنيا والآخرة) وقال عليه الصلاة والسلام : " إن الله تعالى يعطي الدنيا بعمل الآخرة، ولا يعطي الآخرة بعمل الدنيا" . فإذا أنت أخلصت النية، وجردت الهمة للآخرة.. حصلت لك الآخرة والدنيا جميعا، وإن أنت أردت الدنيا.. ذهبت عنك الآخرة في الوقت ، وربما لا تنال الذنيا كما تريذ، وإن نلتها. . فلا تبقى لك، فتكون قد خسرت الدنيا والآخرة، فتأمل ايها العاقل. والأصل الثالث : أن المخلوق الذي لأجله تعمل، ورضاه تطلب ، لو علم أنك تعمل لأجله. لأبغضك، ولسخط عليك، وأستهان بك، وأستخف بك، فكيف يعمل العاقل العمل لأجل من لو علم به أنه يطلب رضاه.. لسخط عليه وأهانه ؟! فأعمل يا مسكين لأجل من إذا عملت لأجله، وقصدته بسعيك، وطلبت رضاه بذلك.. أحبك وأكرمك وأعطاك، حتى أرضاك وأغناك عن الكل وكفاك، فهذه هذذه، فافطن لها إن كنت تعقل والأصل الرابع : أن من حصل له سعئ يمكن أن يكتسب به رضا أعظم ملك في الدنيا ، فطلب به رضا كناس خسيس بين الناس.. فيكون ذلك دليلا على السفه ورداءة الرأي منه وسوء الحظ له، ويقال : ما حاجتك إلى رضا هلذا الكناس مع إمكانك من رضا الملك ؟ فكيف وقد سخط الكناس عليك بسبب سخط الملك ، ففاتك الكل ؟! فهذا حال المرائي ============================================================ وايي حاجة إلى إرضاء مخلوق حقير ضعيف مهين وهو متمكن من تحصيل رضوان الله رب العالمين الكافي عن الكل ؟ فإن ضعفت الهمة، وكلت البصيرة، حتى طلبت رضا مخلوق لا محالة..
فسبيلك أن تجرد إرادتك، وتخلص سعيك لله تعالى؛ فإن القلوب والنواصي بيده، فهو يميل إليك القلوب، ويجمع لك التفوس، ويشحن من حبك الضدور، فتنال من ذلك ما لا تناله بجهدك وقصدك، فإن لم تفعل، وقصدت بعملك رضا المخلوقين دونه سبحانه.. فإنه يصرف عنك القلوب، وينفر عنك النفوس، ويسخط عليك الخلق، فيحصل لك بهذا الأمر سخط الله وسخط الناس جميعا، فيا له من خسران وحرمان ولقد ذكر عن الحسن أنه قال : (كان رجل يقول : والله ؛ لأعبدن الله عبادة أذكر بها ، فكان أول داخل المسجد ، وآخر خارج منه ، لا يراه أحد حين الصلاة الأ قائما يصلي، وصائما لا يفطر، ويجلس إلى حلق الذكر ، فلبث كذا سبعة أشهر، وكان لا يمر بقوم إلأ قالوا : فعل الله بهذا المرائي كذا وصنع، فأقبل على نفسه باللوم ، وقال لها : إني أراني في غير شيء ، لأجعلن عملي كله لله، فلم يزذ على عمله الذي كان يعمله قبل ذلك ، إلا أنه تغيرث نييه إلى الخير ، فكان بعد ذلك يمرآ بالناس فيقولون : رحم الله فلانا ، الآن قد أقبل على الخير ، ثم قرأ الحسن : إن الذي ء امنوا وعملوا الصتلكت سيجعل لهم الرحمان ودا، قال : يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين) . ولقدصدق القائل: امن مخلع البسيط] يا مبتغي الحمد والثوابا في عمل تبتغي محالا د خيب الله ذا رياء وأبطل الشعي والكلالا من كان يرجو لقاء رت أخلص من خوفه الفعالا الخلذ والتاد في يديه فرائه يعطك التوالا ============================================================ والناس لا يملكون شينا فكيف راءيتهم ضلالا وأما العجب : فلنذكز فيه أصولا : أحذها : أن فعل العبد إنما صارث له قيمة لما وقع من الله موقع الرضا والقبول، وإلأ.. فترى الأجير يعمل طول النهار بدرهمين، والحارس يسهر طول الليل بدانقين ، وكذلك أصحاب الصناعات والحرف كل واحد يعمل في الليل والنهار، فيكون قيمة ذلك دراهم معدودة ، فإن صرفت الفعل إلى الله سبحانه وتعالى، فصمت لله تعالى يوما.. فيكون صومك ذلك اليوم لا قيمة له إذا رضيه وتقبله ، قال الله تعالى : { إنما يوفى الصنبرون أجرهم بغير حساب} وفي الخبر : " أعددث لعبادي الصائمين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعث، ولا خطرعلى قلب بشر" . فهلذا يومك الذي قيمته درهمان مع أحتمال التعب العظيم. صارت له هلذه القيمة بتأخير غداء إلى عشاء ، ولو قمت ليلة لله تعالى وأخلصتها له . . كان قيامك لا قيمة له في الشرف والنفاسة ، قال الله تعالى : ({ فلا تعلم نقس ما أخفى لهم من قرة أقين جزله بما كاثوا يعملون} ، فهذا الذي قيمته دانقان أو درهمان صار له هلذه القيمة والقذر، بل لو جعلت لله تعالى ساعة تصلي فيها ركعتين خفيفتين ، بل نفسا قلت فيه : لا إله إلأ الله ، قال الله تعالى : { ومن عمل صتلحا من ذكر أو أنف وهو مؤمرب فأولكيك يدخلوب الجحنة يرزقون فيها يغير حساب} ، فهلذا نفس من أنفاسك التي لا قيمة لها عند أهل الدنيا ولا عندك، فكم تضيعها في لا شيء، وكم تمر عليك بلا فائدة.. صار له كل هذا القذر العظيم لماذا؟ لما أنه وقع مرضيا لله تعالى، فعظم قدره، وكبر قيمته بفضله. فحق إذن للعاقل أن يرى حقارة عمله ، وقلة مقداره من حيث هو، وألا يرى الا منة الله تعالى عليه فيما شرف من قذر عمله، وأعظم من جزائه، وأن يحذر ============================================================ على فعله من أن يقع على وجه لا يصلح لله ولا يقع منه موقع الوضا، فتذهب عنه القيمة التي حصلت له ، ويعود إلى ما كان في الأصل من الثمن الحقير من دراهم أو دوانق، وأحقر وأخس من ذلك : ومثاله : أن العنقود من العنب ، والإضبارة من الريحان ، يكون قيمثه في الشوق دانقا، فإن أهداه واحد إلى ملك مع خسته، فوقع منه موقع الرضا..