Qur'an&Sunnahالقرآن

Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl

أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي · AR

قسم V01/P042–V01/P045Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P042–V01/P045)

ثم إني لما فرغت من هذه العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية ، وعلمت أن طريقتهم إنا تتم بعلم وعمل ، وكان حاصل علومهم قطع عقبات النفس ، والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة ، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى وتحليته بذكر الله . وكان العلم أيسر علي من العمل ، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل : قوت القلوب لأبي طالب المكي رحمه الله ، وكتب الحارث المحاسبي ، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي قدس الله أرواحهم وغيرهم من المشايخ ، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية ، وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع . فظهر لي أن أخص خواصهم ، ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات . وكم من الفرق بين أن تعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما ، وبين أن تكون صحيحا وشبعان ؟ وبين أن تعرف حد السكر ، وأنه عبارة عن حالة تحصل من استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة على معادن الفكر ، وبين أن تكون سكران ! بل السكران لا يعرف حد السكر ، وعلمه وهو سكران وما معه من علمه شيء . الطبيب في حالة المرض يعرف حد الصحة وأسبابها وأدويتها ، وهو فاقد الصحة . فكذلك فرق بين أن تعرف حقيقة الزهد وشروطه وأسبابه ، وبين أن تكون حالك الزهد ، وعزوف النفس عن الدنيا ! . فعلمت يقينا أنهم أرباب الأحوال ، لا أصحاب الأقوال . وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصلته ، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم ، بل بالذوق والسلوك . وكان قد حصل معي - من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها ، في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى ، وبالنبوة ، وباليوم الآخر . فهذه الأصول الثلاثة من الإيمان كانت قد رسخت في نفسي ، لا بدليل معين مجرد ، بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها . وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع لي في سعادة الآخرة إلا بالتقوى ، وكف النفس عن الهوى ، وأن رأس ذلك كله ، قطع علاقة القلب عن الدنيا ، بالتجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى . وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال ، والهرب من الشواغل والعلائق . ثم لاحظت أحوالي ، فإذا أنا منغمس في العلائق ، وقد أحدقت بي من الجوانب ، ولاحظت أعمالي - وأحسنها التدريس والتعليم - فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة ، ولا نافعة في طريق الآخرة . ثم تفكرت في نيتي في التدريس ، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى ، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت ، فتيقنت أني على شفا جرف هار ، وأني قد أشفيت على النار ، إن لم أشتغل بتلافي الأحوال . فلم أزل أتفكر فيه مدة ، وأنا بعد على مقام الاختيار ، أصمم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوما ، وأحل العزم يوما ، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى . لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة ، إلا ويحمل عليها جلد الشهوة حملة فيفترها عشية ، فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام ، ومنادي الإيمان ينادي : الرحيل الرحيل ! فلم يبق من العمر إلا قليل ، وبين يديك السفر الطويل ، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل ! فإن لم تستعد الآن للآخرة ، فمتى تستعد ؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع ؟ فعند ذلك تنبعث الداعية ، وينجزم العزم على الهرب والفرار !

قسم V01/P045–V01/P048Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P045–V01/P048)

ثم يعود الشيطان ويقول : هذه حال عارضة ، إياك أن تطاوعها ، فإنها سريعة الزوال ، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض ، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص ، والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم ، ربما التفتت إليه نفسك ، ولا يتيسر لك المعاودة . فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ، ودواعي الآخرة ، قريبا من ستة أشهر أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربع مئة ، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار ، إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس ، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا تطييبا لقلوب المختلفة إلي ، فكان لا ينطلق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة ، حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزنا في القلب ، بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب ، فكان لا ينساغ لي ثريد ، ولا تنهضم لي لقمة ، وتعدى إلى ضعف القوى ، حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج وقالوا : هذا أمر نزل بالقلب ، ومنه سرى إلى المزاج ، فلا سبيل إليه بالعلاج ، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم . ثم لما أحسست بعجزي ، وسقط بالكلية اختياري ، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له ، فأجابني الذي يجبي المضطر إذا دعاه وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب ، وأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبر في نفسي سفر الشام حذرا أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي على المقام في الشام ، فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم أن لا أعاودها أبدا . واستهدفت لأئمة أهل العراق كافة ، إذ لم يكن فيهم من يجوز أن يكون للإعراض عما كنت فيه سبب ديني ، إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين ، وكان ذلك مبلغهم من العلم ، ثم ارتبك الناس في الاستنباطات ، وظن من بعد عن العراق ، أن ذلك كان لاستشعار من جهة الولاة ، وأما من قرب من الولاة كان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي والانكباب علي ، وإعراضي عنهم ، وعن الالتفات إلى قولهم ، فيقولون : هذا أمر سماوي ، وليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة أهل العلم . ففارقت بغداد ، وفرقت ما كان معي من المال ، ولم أدخر إلا قدر الكفاف ، وقوت الأطفال ، وترخصا بأن مال العراق مرصد للمصالح ، ولكونه وقفا على المسلمين . فلم أر في العالم مالا يأخذه العالم لعياله أصلح منه . ثم دخلت الشام ، وأقمت به قريبا من سنتين اشغل الشغل لي إلا العزلة والخلوة ، والرياضة والمجاهدة ، اشتغالا بتزكية النفس ، وتهذيب الأخلاق ، وتصفية القلب لذكر الله تعالى ، كما كنت حصلته من كتب الصوفية . فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق ، أصعد منارة المسجد طول النهار ، وأغلق بابها على نفسي ، وثم رحلت منها إلى بيت المقدس ، أدخل كل يوم الصخرة ، وأغلق بابها على نفسي . ثم تحركت في داعية فريضة الحج ، والاستمداد من بركات مكة والمدينة وزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله وسلامه عليه ، وفسرت إلى الحجاز ، ثم جذبتني الهمم ، ودعوات الأطفال إلى الوطن ، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه ، فآثرت العزلة به أيضا حرصا على الخلوة ، وتصفية القلب للذكر . وكانت حوادث الزمان ، ومهمات العيال ، وضرورات المعيشة ، تغير في وجه المراد ، وتشوش صفوة الخلوة ، وكان لا يصفو لي الحال إلا في أقوات متفرقة . لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها ، فتدفعني عنها العوائق ، وأعود إليها . ودمت على ذلك مقدار عشر سنين ، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها ، والقدر الذي أذكره لينتفع به .

قسم V01/P048–V01/P050Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P048–V01/P050)

إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السير ، وطريقهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق ، بل لو جمع عقل العقلاء ، وحكمة الحكماء ، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ، ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ، ويبدلوه بما هو خير منه ، لم يجدوا إليه سبيلا . فإن جميع حركاتهم وسكناتهم ، في ظاهرهم وباطنهم ، مقتبسة من نور مشكاة النبوة ، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به . وبالجملة ، فماذا يقول القائلون في طريقة ، طهارتها - وهي أول شروطها - تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى ، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة ، استغراق القلب بالكلية بذكر الله ، وآخرها الفناء بالكلية في الله ؟ ! وهذا آخرها بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها . وهي على التحقيق أول الطريقة ، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه . ومن أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات ، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة ، وأرواح الأنبياء ويسمعون أصواتا ويقتبسون منهم فوائد . ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال ، إلى درجات يضيق عنها النطق ، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه . وعلى الجملة ، ينتهي الأمر إلى قرب ، يكاد يتخيل منه طائفة الحلول ، وطائفة الاتحاد ، وطائفة الوصول ، وكل ذلك خطأ . وقد بينا وجه الخطأ فيه في كتاب المقصد الأسنى . بل الذي لابسته تلك الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول : وكان ما كان مما لست أذكره . . . فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر وبالجملة فمن لم يرزق منه شيئا بالذوق ، فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم ، وكرامات الأولياء ، هي على التحقيق ، بدايات الأنبياء . وكان ذلك أول حال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل إلى جبل حراء حيث كان يخلو فيه بربه ويتعبد ، حتى قالت العرب : إن محمدا عشق ربه . وهذه حالة ، يتحققها بالذوق من يسلك سبيلها . فمن لم يرزق الذوق ، فيتيقنها بالتجربة والتسامع ، وإن أكثر الصحبة ، حتى يفهم ذلك بقرائن الأحوال يقينا . ومن جالسهم ، استفاد منهم هذا الإيمان فهم القوم لا يشقى جليسهم . ومن لم يرزق صحبتهم فليعلم إمكان ذلك يقينا بشواهد البرهان ، على ما ذكرناه في كتاب عجائب القلب من كتب إحياء علوم الدين . والتحقيق بالبرهان علم ، وملابسة عين تلك الحالة ذوق ، والقبول من التسامح والتجربة بحسن الظن إيمان . فهذه ثلاث درجات : ' يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ' . ووراء هؤلاء قوم جهال ، هم المنكرون لأصل ذلك ، المتعجبون من هذا الكلام ، ويستمعون ويسخرون ، ويقولون : العجب ! إنهم كيف يهذون ! وفهيم قال الله تعالى : ' ومنهم من يسمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم فأصمهم وأعمى أبصارهم ' . ومما بان لي بالضرورة من ممارسة طريقتهم ، حقيقة النبوة وخاصيتها ولا بد من التنويه على أصلها لشدة مسيس الحاجة إليها .

قسم V01/P050Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P050)

حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها

قسم V01/P050–V01/P053Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P050–V01/P053)

اعلم : أن جوهر الإنسان في أصل الفطرة ، خلق خاليا ساذجا لا خير معه من عوالم الله تعالى ، والعوالم كثيرة لا يحصيها إلا الله تعالى ، كما قال : ' وما يعلم جنود ربك إلا هو ' وإنما خبره من العوالم بواسطة الإدراك وكل إدراك من الإدراكات خلق ليطلع الإنسان به على عالم من الموجودات ، ونعني بالعوالم ، أجناس الموجودات . فأول ما يخلق في الإنسان حاسة اللمس ، فيدرك بها أجناسا من الموجودات : كالحرارة ، والبرودة ، والرطوبة ، واليبوسة ، واللين ، والخشونة ، وغيرها . واللمس قاصر عن الألوان والأصوات قطعا ، بل هلي كالمعدوم في حس اللمس . ثم تخلق له حاسة البصر ، فيدرك بها الألوان والأشكال ، وهو أوسع عالم المحسوسات . ثم ينفتح له السمع ، فيسمع الأصوات والنغمات ، ثم يخلق له الذوق . وكذلك إلى أن يجاوز عالم المحسوسات ، فيخلق فيه التمييز ، وهو قريب من سبع سنين ، وهو طور آخر من أطور وجوده . فيدرك فيه أمورا زائدة على عالم المحسوسات ، ولا يوجد منها شيء في عالم الحس . ثم يترقى إلى طول آخر ، فيخلق له العقل ، فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات ، وأمورا لا توجد في الأطوار التي قبله . ووراء العقل طور آخر تفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل ، وأمورا أخر ، العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز . من إدراك المعقولات ، وكعزل قوة الحس عن مدركات التمييز ، وكما أن المميز لو عرضت عليه مدركات العقل لأباها واستبعدها ، فكذلك بعض العقلاء أبوا مدركات النبوة واستبعدوها ، وذلك عين الجهل : إذ لا مستند لهم إلا أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه ، فيظن أنه غير موجود في نفسه . والأكمه لو لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوان والأشكال ، وحكي له ذلك ابتداء ، لم يفهمها ولم يقربها . وقد قرب الله تعالى على خلقه بأن أعطاهم نموذجا من خاصية النبوة ، وهو النوم ، إذ النائم يدرك ما سيكون من الغيب ، إما صريحا وإما في كسوة مثال يكشف عنه التعبير . وهذا لو لم يجربه الإنسان من نفسه - وقيل له : إن من الناس من يسقط مغشيا عليه كالميت ، ويزول عنه إحساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب - لأنكره ، وأقام البرهان على استحالته وقال : القوى الحساسة أسباب الإدراك فمن لا يدرك الأشياء مع وجودها وحضورها ، فبأن لا يدرك مع ركودها أولى وأحق . وهذا نوع قياسي يكذبه الوجود والمشاهدة فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي ، يحصل فيه عين يبصر بها أنواعا من المعقولات ، والحواس معزولة عنها ، فالنبوة أيضا عبارة عن طور يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها الغيب ، وأمور لا يدركها العقل . والشك في النبوة ، وإما أن يقع في مكانها ، وأو في وجودها ووقوعها ، وأو في حصولها لشخص معين . ودليل إمكانها ووجودها . ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا يتصور أن تنال بالعقل ، كعلم الطب والنجوم ، فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهي ، وتوفيق من جهة الله تعالى ، ولا سبيل إليها بالتجربة فمن الأحكام النجومية ما لا يقع إلا في كل ألف سنة مرة ، فكيف ينال ذلك بالتجربة ؟ وكذلك خواص الأدوية فتبين بهذا البر هان ، أن في الإمكان وجود طريق لإدراك هذه الأمور التي لا يدركها العقل ، وهو المراد بالنبوة ، لا أن النبوة عبارة عنها فقط ، بل إدراك هذا الجنس الخارج عن مدركات العقل إحدى خواص النبوة ، ولها خواص كثيرة سواها .

قسم V01/P053–V01/P056Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P053–V01/P056)

وما ذكرنا فقطرة من بحرها ، إنما ذكرناها لأن معك نموذجا منها ، وهو مدركاتك في النوم ، ومعك علوم من جنسها في الطب والنجوم ، وهي معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ولا سبيل إليها للعقلاء ببضاعة العقل أصلا . وأما ما عدا هذا من خواص النبوة ، فإنما يدرك بالذوق ، من سلوك طريق التصوف ، لأن هذا إنما فهمته بأنموذج رزقته وهو النوم ، ولولاه لما صدقت به . فإن كان للنبي خاصة ليس لك منها أنموذج ، ولا تفهمها أصلا ، فكيف تصدق بها ؟ وإنما التصديق بعد الفهم . وذلك الأنموذج تحصل في أوائل طريق التصوف ، فيحصل به نوع من الذوق بالقدر الحاصل ونوع من التصديق بما لم يحصل بالقياس إليه فهذه الخاصية الواحدة تكفيك للإيمان بأصل النبوة . فإن وقع لك الشك في شخص معين ، أنه نبي أم لا ؟ فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة أحواله ، إما بالمشاهدة ، أو بالتواتر والتسامع ، فإنك إذا عرفت الطب والفقه ، يمكنك أن تعرف الفقهاء والأطباء بمشاهدة أحوالهم ، وسماع أقوالهم ، وإن لم تشاهدهم ، ولا تعجز أيضا عن معرفة كون الشافعي رحمه الله فقيها ، وكون جالينوس طبيبا ، معرفة بالحقيقة لا بالتقليد عن الغير . بل بأن تتعلم شيئا من الفقه والطب وتطالع كتبهما وتصانيفهما ، فيحصل لك علم ضروري بحالهما . فكذلك إذا فهمت معنى النبوة فأكثرت النظر في القرآن والأخبار ، يحصل لك العلم الضروري بكونه صلى الله عليه وسلم على أعلى درجات النبوة ، وأعضد ذلك بتجربة ما قاله في العبادات وتأثيرها في تصفية القلوب ، وكيف صدق صلى الله عليه وسلم في قوله : ' من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ' ويكف صدق في قوله : ' من أعان ظالما سلطه الله عليه ' وكيف صدق في قوله : ' من اصبح وهمومه هم واحد الله تعالى هموم الدنيا والآخرة ' . فإذا جربت ذلك في ألف وألفين وآلاف ، حصل لك علم ضروري ولا تتمارى فيه . فمن هذا الطريق اطلب اليقين بالنبوة ، ولا من قلب العصا ثعبانا ، وشق القمر ، فإذن ذلك إذا نظرت إليه وحده ، ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة عن الحصر ، وربما ظننت أنه سحر وتخييل ، وأنه من الله تعالى إضلال فإنه ' يضل من يشاء ويهدي من يشاء ' . وترد عليك أسئلة المعجزات ، فإذا كان مستند إيمانك إلى كلام منظوم في وجه دلالة المعجزة ، فينجزم إيمانك بكلام مرتب في وجه الإشكالات والشبهة عليها ، فليكن مثل هذه الخوارق إحدى الدلائل والقرائن في جملة نظرك ، حتى يحصل لك علم ضروري لا يمكنك ذكر مستنده على التعيين ، كالذي يخبرك جماعة بخبر متواتر لا يمكنه أن يذكر أن اليقين مستفاد من قول واحد معين ، بل من حيث لا يدري ولا يخرج من جملة ذلك ولا بتعيين الآحاد . فهذا هو الإيمان القوي العلمي . وأما الذوق فهو كالمشاهدة والأخذ باليد ، ولا يوجد إلا في طريق الصوفية فهذا القدر من حقيقة النبوة ، كاف في الغرض الذي أقصده الآن ، وسأذكر وجه الحاجة إليه .

قسم V01/P056Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P056)

سبب نشر العلم بعد الإعراض عنه

قسم V01/P056–V01/P059Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P056–V01/P059)

ثم إني لما واظبت على العزلة والخلوة قريبا من عشر سنين ، وبان لي في أثناء ذلك على الضرورة من أسباب لا أحصيها ، مرة بالذوق ، ومرة بالعلم البرهاني ومرة بالقبول الإيماني : أن للإنسان بدنا وقلبا ، وأعني بالقلب حقيقة روحه التي هي محل معرفة الله ، دون اللحم والدم الذي يشارك فيه الميت والبهيمة ، وأن البدن له صحة بها سعادته ومرض فيه هلاكه ، وأن القلب كذلك له صحة وسلامة ، ولا ينجو ' إلا من أتى الله بقلب سليم ' وله مرض فيه هلاكه الأبدي الأخروي ، كما قال تعالى : في قلوبهم مرض ' وأن الجهل بالله سم مهلك ، وأن معصية الله بمتابعة الهوى ، داؤه الممرض ، وأن معرفة الله تعالى ترياقه المحيي ، وطاعته بمخالفة الهوى دواؤه الشافي ، وأنه لا سبيل إلى معالجة البدن إلا بذلك . وكما أن أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة بخاصية فيها ، لا يدركها العقلاء ببضاعة العقل ، بل يجب فيها تقليد الأطباء الذين أخذوها من الأنبياء ، الذين اطلعوا بخاصية النبوة على خواص الأشياء ، فكذلك بان لي ، على الضرورة بأن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء ، لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء ، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور النبوة ، لا ببضاعة العقل . وكما أن الأدوية تركب من أخلاط مختلفة النوع والمقدار وبعضها ضعف البعض في الوزن فلا يخلو اختلاف مقاديرها عن سر هو من قبيل الخواص ، فكذلك العبادات التي هي أدوية داء القلوب ، مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار ، حتى أن السجود ضعف الركوع ، وصلاة الصبح نصف صلاة العصر في المقدار ، ولا يخلو عن سر إلهي فيها ، يقتضيها بطريق الخاصية . وكما أن في الأدوية أصولا هي أركانها وزوائد هي متمماتها ، لكل واحد منها خصوص تأثير في أعمال أصولها ، كذلك النوافل والسنن متممات لتكميل آثار أركان العبادات . وعلى الجملة : فالأنبياء عليهم السلام أطباء أمراض القلوب ، وإنما فائدة العقل وتصرفه ، إن عرفنا ذلك ، وشهد للنبوة بالتصديق ولنفسه بالعمى عن درك ما يدرك بعين النبوة ، أخذ بأيدينا وسلمنا إليها تسليم العميان إلى العميان إلى العقائدين ، وتسليم المرضى المتحيرين إلى الأطباء المشفقين . فإلى ههنا مجرى العقل ومخطاه وهو معزول عما بعد ذلك ، إلا عن تفهم ما يلقيه الطبيب إليه . فهذه أمور عرفناها بالضرورة الجارية مجرى المشاهدة ، في مدة الخلوة والعزلة ، ثم رأينا فتور الاعتقادات في أصل النبوة ، ثم في حقيقة النبوة ، ثم في العمل بما شرحته النبوة ، وتحققنا شيوع ذلك بين الخلق ، فنظرت إلى أسباب فتور الخلق ، وضعف إيمانهم ، فإذا هي أربعة : 1 - سبب من الخائضين في علم الفلسفة . 2 - وسبب من الخائضين في طريق التصوف . 3 - وسبب من المنتسبين إلى دعوى التعليم . 4 - وسبب من معاملة الموسومين بالعلم فيما بين الناس . فإني تتبعت مدة آحاد الخلق ، أسأل من يقصر منهم في متابعة الشرع وأسأله عن شبهته وأبحث عن عقيدته وسره وقلت له : مالك تقصر فيها فإن كنت تؤمن بالآخرة ولست تستعد لها وتبيعها بالدنيا ، فهذه حماقة ، فإنك لا تبيع الاثنين بواحد ، فكيف تبيع ما لا نهاية له بأيام معدودة ؟ وإن كنت لا تؤمن ، فأنت كافر ، فدبر نفسك في طلب الإيمان ، وانظر سبب كفرك الخفي الذي هو مذهبك باطنا ، وهو سبب جرأتك ظاهرا ، وإن كنت لا تصرح به تجملا بالإيمان وتشرفا بذكر الشرع . فقائل يقول : إن هذا أمر لو وجبت المحافظة عليه ، لكان العلماء أجدر بذلك ، وفلان من المشاهير بين الفضلاء لا يصلي ، وفلان يشرب الخمر ، وفلان يأكل أموال الأوقاف وأموال اليتامى .

قسم V01/P059–V01/P062Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P059–V01/P062)

وفلان يأكل إدرار السلطان ولا يحترز عن الحرام ، وفلان يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة وهلم جرا إلى أمثاله . وقائل ثان : يدعي علم التصوف ، ويزعم أنه قد بلغ مبلغا ترقى عن الحاجة إلى العبادة ! . وقائل ثالث يتعلل بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة ! وهؤلاء هم الذين ضلوا عن التصوف . وقائل رابع لقي أهل التعليم فيقول : الحق مشكل ، والطريق متعسرة والاختلاف فيه كثير ، وليس بعض المذاهب أولى من بعض ، وأدلة العقول متعارضة ، فلا ثقة برأي أهل الرأي . والداعي إلى التعليم متحكم لا حجة له ، فكيف أدع اليقين بالشك ؟ وقائل خامس يقول : لست أفعل هذا تقليدا ، ولكنني قرأت علم الفلسفة ، وأدركت حقيقة النبوة ، وإن حاصلها يرجع إلى الحكمة والمصلحة ، وأن المقصود من تعبداتها ضبط عوام الخلق وتقيدهم عن التقاتل والتنازع والاسترسال في الشهوات ، فما أنا من العوام الجهال حتى أدخل في حجر التكليف ، وإنما أنا من الحكماء أتبع الحكمة وأنا بصير ، مستغن فيها عن التقليد ! . هذا منتهى إيمان من قرأ مذهب فلسفة الإلهيين منهم ، وتعلم ذلك من كتب ابن سينا وأبي نصر الفارابي . وهؤلاء هم المتجملون بالإسلام . وربما ترى الواحد منهم يقرأ القرآن ويحضر الجماعات والصلوات ، ويعظم الشريعة بلسانه ، ولكنه مع ذلك لا يترك شرب الخمر ، وأنواعا من الفسق والفجور ، وإذا قيل له : إن كانت غير صحيحة فلم تصلي ؟ فربما يقول : لرياضة الجسد ، ولعادة أهل البلد ، وحفظ المال والولد . وربما قال : الشريعة صحيحة ، والنبوة حق فيقال : فلم تشرب الخمر ؟ فيقول : إنما نهي عن الخمر لأنها تورث العداوة والبغضاء ، وأنا بحكمتي محترز عن ذلك ، وإني أقصد به تشحيذ خاطري . حتى أن ابن سينا ذكر في وصية له كتب فيها : إنه عاهد الله تعالى على كذا وكذا ، وأن يعظم الأوضاع الشرعية ، ولا يقصر في العبادات الدينية ، ولا يشرب تلهيا بل تداويا وتشافيا فكان منتهى حالته في صفاء الإيمان ، والتزام العبادات ، أن استثنى شرب الخمرة لغرض التشافي ، فهذا إيمان من يدعي الإيمان منهم ، وقد انخدع بهم جماعة ، وزادهم انخداعا ضعف اعتراض المعترضين عليهم ، إذ اعترضوا بمجاهدة علم الهندسة والمنطق ، وغير ذلك مما هو ضروري لهم ، على ما بينا علته من قبل . فلما رأيت أصناف الخلق قد ضعف إيمانهم إلى هذا الحد بهذه الأسباب ، ورأيت نفسي ملبة بكشف هذه الشبهة ، حتى كان إفضاح هؤلاء أيسر عندي من شربة ماء ، ولكثرة خوضي في علومهم وطرقهم ، وأعني طرق الصوفية والفلاسفة والتعليمية والمتوسمين من العلماء . وانقدح في نفسي أن ذلك متعين في هذا الوقت محتوم . فماذا تغنيك الخلوة والعزلة ، وقد عم الداء ، ومرض الأطباء ، وأشرف الخلق على الهلاك ! ثم قلت في نفسي : متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة ومصادمة هذه الظلمة ، والزمان زمان الفترة ، والدور دور الباطل ، ولو اشتغلت بدعوة الخلق ، عن طرقهم إلى الحق ، لعاداك أهل الزمان بأجمعهم ، وأنى تقاومهم فكيف تعايشهم ، ولا يتم ذلك إلا بزمان مساعد ، وسلطان متدين قاهر . فترخصت بيني وبين الله تعالى بالاستمرار على العزلة تعللا بالعجز عن إظهار الحق بالحجة . فقدر الله تعالى أن حرك داعية سلطان الوقت من نفسه ، لا بتحريك من خارج .

قسم V01/P062–V01/P064Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P062–V01/P064)

فأمر إلزام بالنهوض إلى نيسابور ، لتدارك هذه الفترة ، وبلغ الإلزام حدا كان ينتهي لو أصررت على الخلاف إلى حد الوحشة ، فخطر لي أن سبب الرخصة قد ضعف ، فلا ينبغي أن يكون باعثك على ملازمة العزلة الكسل والاستراحة ، وطلب عز النفس وصونها عن أذى الخلق ، ولم ترخص لنفسك عسر معاناة الخلق والله سبحانه وتعالى يقول : بسم الله الرحمن الرحيم ' ألم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم ' ويقول عز وجل لرسوله وهو أعز خلقه ' ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا ولقد جاءك من نبأ المرسلين ' ويقول عز وجل بسم الله الرحمن الرحيم ' يس والقرآن الحكيم . . إلى قوله إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب ' فشاورت في ذلك جماعة من أرباب القلوب والمشاهدات ، فاتفقوا على الإشارة بترك العزلة ، والخروج من الزاوية ، وانضاف إلى ذلك منامات من الصالحين كثيرة متواترة ، وتشهد بأن هذه الحركة مبدأ خير ورشد قدرها الله سبحانه على رأس هذه المائة فاستحكم الرجاء . وغلب حسن الظن بسبب هذه الشهادات وقد وعد الله سبحانه بإحياء دينه على رأس كل مئة ، ويسر الله الحركة إلى نيسابور ، للقيام بهذا المهم في ذي القعدة سن تسع وتسعين وأربع مئة ، وكان الخروج من بغداد سنة ثمان وثمانين وأربع مئة ، وبلغت العزلة إحدى عشر سنة وهذه حركة قدرها الله تعالى ، وهي من عجائب تقديراته التي لم يكن لهذا انقداح في القلب في هذه العزلة ، كما لم يكن الخروج من بغداد ، والنزوع عن تلك الأحوال مما خطر إمكانه أصلا بالبال ، والله تعالى مقلب القلوب والأحوال و ' قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ' وأنا أعلم أني ، وإن رجعت إلى نشر العلم فما رجعت فإن الرجوع عود إلى ما كان وكنت في ذلك الزمان أنشر العلم الذي به يكتسب الجاه ، وأدعو إليه بقولي وعملي ، وكان ذلك قصدي ونيتي . أما الآن فأدعو إلى العلم الذي به يترك الجاه ، ويعرف به سقوط رتبة الجاه . هذا هو الآن نيتي وقصدي وأمنيتي ، يعلم الله ذلك مني وأنا أبغي أن أصلح نفسي وغيري ، ولست أدري أأصل مرادي أم أخترم دون غرضي ؟ ولكني أؤمن إيمان يقين ومشاهدة أنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وأني لم أتحرك ، ولكنه حركني ، وإني لم أعمل ، لكنه استعملني ، فأساله أن يصلحني أولا ، ثم يصلح بي ، ويهدني ثم يهدي بي وأن يريني الحق حقا ويرزقني اتباعه ، ويريني الباطل باطلا ويرزقني اجتنابه ، ونعود الآن إلى ما ذكرناه من أسباب ضعف الإيمان بذلك طريق إرشادهم وإنقاذهم من مهالكهم . أما الذين ادعوا الحيرة من أهل التعليم فعلاجهم ما ذكرناه في كتاب القسطاس المستقيم ولا نطول بذكره في هذه الرسالة . وأما ما توهمه أهل الإباحة ، فقد حصرنا شبههم في سبعة أنواع وكشفناها في كيمياء السعادة . وأما من فسد إيمانه بطريق الفلسفة ، حتى أنكر أصل النبوة ، فقد ذكرنا حقيقة النبوة ووجودها بالضرورة ، بدليل وجود عمل خواص الأدوية والنجوم وغيرهما . وإنما قدمنا هذه المقدمة لأجل ذلك وأننا أوردنا الدليل من خواص الطب والنجوم ، لأنه من نفس علمهم . ونحن نبين لكل عالم بفن من العلوم كالنجوم والطب والطبيعة والسحر والطلسمات مثلا من نفس علمه برهان النبوة .

%0
10 Bölüm