Qur'an&Sunnahالقرآن

Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye

jilani · AR

قسم V01/P248–V01/P250Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P248–V01/P250)

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أيها الناس إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه فلا تستبقوا الرزق، واتقوا الله وأجملوا في الطلب، وخذوا ما حل لكم، وذروا ما حرم عليكم" وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا يكتب العبد مالا من الحرام ويتصدق به فيؤجر عليه، ولا ينفق منه شيئا فيبارك له فيه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار". وقال-صلى الله عليه وسلم-: "إن الله لا يمحو الشر بالشر، ولكن يمحو الشر بالخير". وعن عمران بن الحصين رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن الله تعالى يقول عبدي أد ما افترضت عليك تكن من أعبد الناس، وانه عما ينهيك عنه تكن من أورع الناس، واقنع بما رزقتك تكن من أغنى الناس". وقال -صلى الله عليه وسلم- لأبي هريرة رضي الله عنه: "كن ورعا تكن من أعبد الناس". وقال الحسن البصري رحمه الله: "مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة". وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: لا يتقرب إلى المتقربون بمثل الورع. وقيل: رد دائق من فضة أفضل عند الله من ستمائة حجة مبرورة، وقيل: سبعين حجة متقبلة. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: جلساء الله تعالى غدا أهل الورع والزهد. وقال ابن المبارك رحمه الله: ترك فلس من الحرام أفضل من مائة فلس يتصدق به. روى عن ابن المبارك أنه كان بالشام يكتب الحديث، فانكسر قلمه فاستعار قلما، فلما فرغ من الكتابة نسى، فجعل القلم في مقلمته، فلما رجع إلى مرور، رأى القلم وعرفه، فتجهز للقدوم إلى الشام لرد القلم إلى صاحبه. وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه أنا كان يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "الحلال بين الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن لم يتق الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمي يوشك أن يقع فيه، وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها الجسد كله، وإذا فسدت فسد لها الجسد كله، ألا وهي القلب". وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: لكل شيء حد، وحدود الإسلام: الورع والتواضع والصبر والشكر، فالورع ملاك الأمور، والصبر النجاة من النار، # والشكر الفوز بالجنة. ودخل الحسن البصري رحمه الله مكة، فرأى غلاما من أولاد علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد أسند ظهره إلى الكعبة يعظ الناس فوقف عليه الحسن وقال له: ما ملاك الدين؟ فقال: الورع، فقال: ما آفة الدين؟ قال: الطمع، فتعجب الحسن منه. وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: الورع ورعان، ورع فرض، وورع حذر، فورع الفرض: الكف عن كل معاصي الله، وورع الحذر: الكف عن الشبهات في محارم الله تعالى. فورع العام من الحرام والشبهة، وهو كل ما كان للخلق عليه تبعة، وللشرع فيه مطالبه، وورع الخاص من كل ما كان فيه الهوى وللنفس فيه شهوة ولذة، وورع خاص الخاص من كل ما كان لهم فيه إرادة ورؤية. فالعام يتورع في ترك الدنيا، والخاص يتورع في ترك الجنة العليا، وخاص الخاص يتورع في ترك ما سوى الذي خلق وبرأ. قال يحيي بن معاذ الرازي رحمه الله: الورع على وجهين، ورع في الظاهر وهو ألا تتحرك إلا لله، وورع في الباطن، وهو ألا يدخل في قلبك سواء تبارك وتعالى. وقال يحيي رحمه الله أيضا: من لم ينظر في دقيق من الورع لم يحصل له شيء ولم يصل إلى الجليل من العطاء. وقيل: من دق في الورع نظره جل في القيامة خطره. وقيل: الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة؛ والزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة، لأنك تبذلهما في طلب الرياسة.

قسم V01/P250–V01/P252Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P250–V01/P252)

وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله: الورع أول الزهد، كما أن القناعة طرف الرضا. وقال أبو عثمان رحمه الله: ثواب الورع خفة الحساب. وقال يحيي بن معاذ رحمه الله: من لم يصحبه الورع في فقره أكل الحرام النص. وقال يونس بن عبيد الله رحمه الله: الورع الخروج من كل شبهة، ومحاسبة النفس # مع كل طرفة. وقال سفيان الثوري رحمه الله: ما رأيت أسهل من الورع، كل ما حاك في نفسك تركته، وهو قول النبي-صلى الله عليه وسلم-: "الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس" وهو إذا لم ينشرح الصر به وكان في قلبك منه شيء، وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: "الإثم حزاز القلوب" يعني ما حز في صدرك وحاك ولم يطمئن عليه القلب فاجتنبه، ومنه الحديث "إياكم والحكاكات فإنها المأثم" وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". وقال معروف الكرخي رحمه الله: أحفظ لسانك من المدح كما تحفظه من الذم. وقال بشر بن الحارث رحمه الله: أشد الأعمال ثلاثة: الجود في القلة، والورع في الخلوة، وكلمة حق عند من يخاف ويرجى. وقيل: جاءت أخت بشير بن الحارث الحافي إلى الإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله وقالت: يا إمام إنا نغزل على سطوحنا فتمر بنا مشاعل الظاهرية ويقع الشعاع علينا، فيحوز لنا الغزل في شعاعها؟ فقال: من أنت عافاك الله؟ قالت: أنا أخت بشر بن الحارث، فبكى الإمام أحمد رحمه الله وقال: من بيتكم يخرج الورع الصادق، لا تغزلي في شعاعها. وقال على العطار رحمه الله: مررت بالبصرة في بعض الشوارع وإذا مشايخ قعود وصبيان يلعبون، فقلت: ألا تستحيون من هؤلاء المشايخ؟ فقال صبي من بينهم: هؤلاء المشايخ قل ورعهم فقلت هيبتهم. وقيل: إن مالك بن دينار رحمه الله مكث بالبصرة أربعين سنة، فلم يصح له يأكل من تمر البصرة ولا رطبها حتى مات ولم يذقه، وكان إذا انقضى وقت الرطب قال: يا أهل البصرة هذا بطني ما نقص منه شيء ولا زاد فيكم شيئا. وقيل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله: ألا تشرب من ماء زمزم؟ فقال: لو كان لي دلو لشربت. وقيل: كان الحارث المحاسبي رحمه الله إذا مد بصره إلى طعام فيه شبهة ضرب على # رأس أصبعه عرق، فيعلم أنه غير حلال. وقيل: إن بشرا الحافي رحمه الله كان إذا قدم بين يديه طعام فيه شبهة لا تمتد إليه يده. وقيل: إن أم أبي يزيد البسطامي رحمهما الله كانت إذا مدت يدها إلى طعام فيه شبهة تباعد حال كونها حبلي بأبي يزيد فلم تمد يدها إليه. وكان بعضهم إذا قدم إليه طعام فيه شبهة فاحت منه رائحة منكرة، فعلم من ذلك فامتنع من أكله. وقيل عن بعضهم: أنه كان إذا وضع في لقمة من طعام فيه شبهة لم يمتضغ فتصير كالرمل في فمه. وإنما فعل الله تعالى لهم ذلك تخفيفا ورحمه وشفقة وحمية لهم، لما صفوا اللقم واجتهدوا في طلب الحلال وترك الحرام والشبهة، حماهم الله تعالى عما يكرهونه من المطاعم، فذب عنهم في معرفة ذلك، وكفاهم مؤنه التفتيش والتنقير عن بائع الطعام وكسبه ومعيشته، وعن الثمن الذي اشترى به وأصله وتحصيله من وجه الحلال. فجعل ذلك علامة عندهم في أي وقت رأوها كفوا أيديهم عن تناول الطعام، وإذا لم يروها تناولوه، هذا في حق هؤلاء السادة الكرام الذين سبقت لهم العناية وعمتهم الرعاية. وأما الحلال في حق العوام من المؤمنين، فكل ما لا يكون للخلق فيه تبعة ولا للشرع عليه مطالبة، كما قال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله حين سئل عن الحلال قال: الحلال هو الذي لا يعصى الله فيه، وقال مرة أخرى: الحلال الصافي الذي لا ينسى فيه.

قسم V01/P252–V01/P254Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P252–V01/P254)

فالحلال حلال حكم لا حلال عين، إذ لو كان حلال عين لم يحل لأحد أكل الميتة، ولا إذا اشترى الشرطي بماله الحرام طعاما حلالا، ثم رجع فاستقال البيع فرجع الطعام إلى يد مالكه الأول ألا يجوز أكله للمتورع المؤمن، لأنه قد تخلل بينهما حالة يحرم أكله فيها، وهو حصوله في يد الشرطي. فلما اتفق المسلمون على جواز أكل هذا الطعام الذي حصل في ملك الشرطي المشتري بماله الحرام الذي يحرم أكله عند جميع المسلمين علم أن الحلال والحرام ما كان # الشرع حكم به لا نفس العين لأن ذلك طعام الأنبياء كما جاء في الحديث "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع رجلا يقول: اللهم ارزقني الحلال المطلق، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ذلك رزق الأنبياء، سل الله رزقا لا يعذبك عليه". وكذلك في الشرع من اتجر من أهل الذمة واليهود والنصارى والمجوس في المحرمات من الخمر والخنزير وليناهم بيعها وأخذنا منهم العشر من أثمانها، وروى ذلك عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، فقال: ولوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها. فإذا أخذ العشر منهم فما يصنع به، أليس ينتفع به المسلمون؟ فلو كان الحلال حلال العين لما جاز أخذ ذلك، لأن الخمر والخنزير وثمنهما حرام، فأحل ذلك لدخول اليد والعقد، كما قيل بين الحلال والحرام يد، فمن أخذ الشرع في يده مصباحا فأخذ به وأعطى به ولم يتأول فيه ولم يخرج عنه، فأخذ ما أذن له الشرع وأعطى ما أذن له الشرع فيه، وصار جميع تصرفاته بالشرع أكل الحلال بالشرع، وليس عليه طلب الحلال المطلق والعين، إذ ذاك لا يكاد يدرك إلا أن يشاء الله أن يكرم به بعض أوليائه وأصفيائه {وما ذلك على الله بعزيز} [إبراهيم: 20، وفاطر: 17]. فالناس في الطعام على ثلاثة أضرب، متق، وولي، ويدل عارف، فحلال المتقي ما ليس للخلق عليه تبعة، ولا للشرع عليه مطالبة. وطعام الولي المحق الذي هو الزاهد الزائل الهوى ما ليس فيه الهوى، بل هو مجرد بأمره. وطعام البدل الذي هو المعارف المفعول فيه زائل الإرادة كرة القدر، وهو ما لم تكن فيه همسة ولا إرادة بل فضل كله من الله عز وجل، يرزقه ويدلله ويربيه بقدرته الشاملة ومنته العامة ومشيئته النافذة، كالطفل الرضيع في حجر أنه الشفيقة. فما لم يتحقق له المقام الأول لا يصل إلى المقام الثاني، وما لم يتحقق له المقام الثاني لا يصل إلى المقام الثالث. فطعام التقي شبهة في حق زائل الهوى، وطعام زائل الهوى شبهة في حق زائل الإرادة والهمة، كما قيل: سيئات المقربين حسنات الأبرار. فطعام الشيخ مباح للمريد، وطعام المريد حرام في حق الشيخ لصفاء حالته ونزاهة # رتبته وعلو منزلته وقربه من ربه عز وجل. ومن دقائق الورع ما نقل عن كهمس رحمه الله أنه قال: أذنبت ذنبا وأنا أبكي عليه منذ أربعين سنة، وذلك أنه زارتي أخ لي فاشتريت بدانق سمكة مشوية، فلما فرغ أكلها أخذت قطعة من طين من جدار جار لي حتى غسل يده ولم استحله. وقيل: إن رجلا كان في بيت بكراء، فكتب رقعة وأراد أن يتربها من جدار البيت، فخطر بباله أن البيت بالكراء، ثم إنه خطر بباله ألا خطر لهذا، فترب الكتاب فسمع هاتفا يقول: سيعلم المستخف بالتراب ما يلقي غدا من طول الحساب. ورؤى عتبة الغلام يتصب عرفا في الشتاء فقيل له في ذلك؟ فقال: إنه مكان عصيت فيه ربي ، فسئل عنه فقال: كشطت من هذا الجدار قطعة طين غسل ضيف لي يده بها ولم استحل صاحبه. وقيل: إن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله رهن سطلا له عند بقال بمكة، فلما أراد فكاكه أخرج البقال إليه سطلين وقال: خذ أيهما لك، فقال الإمام أحمد؛ أشكل على سطلي فهو لك والدراهم لك، فقال البقال: سطلك هذا وإنما أردت أن أجريك، فقال: لا أخذه ومضى وترك السطل عنده.

قسم V01/P254–V01/P256Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P254–V01/P256)

وقيل: إن رابعة العدوية رحمها الله خاطت شفا في قميصها في ضوء مشعلة سلطانية، ففقدت قلبها زمانا حتى تذكرت ذلك فشقت قميصها فوجدت قلبها. ورؤى سفيان الثوري رحمه الله في المنام وله جناحان يطير بهما في الجنة من شجرة إلى شجرة، فقيل له: بم نلت هذا؟ قال: بالورع. وكان حسان بن أبي سنان رحمه الله لا ينام مضطجعا ولا يأكل سمينا ولا يثرب باردا ستين سنة، فرؤى في المنام بعد ما مات فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: خيرا، إلا أني محبوس عن الجنة بإبرة استعرتها فلم أردها. وكان لعبد الواحد بن زيد غلام خدمة سنين وتعبد أربعين سنة، وكان في ابتداء أمره كيالا، فلما مات رؤى في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: خيرا غير أني محبوس عن الجنة، وقد أخرج على من غبار القفيز أربعين قفيزا. ومر عيسى ابن مريم عليه السلام بمقبرة، فنادى رجلا منهم فأحياء الله تعالى فقال: من أنت؟ كنت حمالا أنقل للناس، فنقلت يوما لإنسان حطبا فكسرت منه خلالا # تخللت به فأنا مطالب به منذ مت. (فصل) ولا يتم الورع إلا أن يرى عشرة أشياء فريضة على نفسه : أولها: حفظ اللسان من الغيبة لقوله تعالى {ولا يغتب بعضكم بعضا} [الحجرات: 12] والثاني: الاجتناب عن سوء الظن لقوله تعالى: {اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} [الحجرات: 12] ولقوله -صلي الله عليه وسلم-: "إياكم والظن فإنه أكذب الحديث". والثالث: الاجتناب عن السخرية لقوله تعالى: {لا يسخر قوم من قوم} [الحجرات: 11] والرابع: غض البصر عن المحارم لقوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [النور:30]. والخامس: صدق اللسان لقوله تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا} [الأنعام: 152]. يعني فاصدقوا. والسادس: أن يعرف منة الله تعالى عليه لكيلا يعجب بنفسه لقوله تعالى: {بل والله يمن عليكم أن هداكم للإيمان} [الحجرات: 17]. والسابع: أن ينفق ماله في الحق ولا ينفقه في الباطل لقوله تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا} [الفرقان: 67]. يعني لم ينفقوا في المعصية ولم يمنعوا من الطاعة. والثامن: ألا يطلب لنفسه العلو والكبر لقوله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا} [القصص:83]. والتاسع: المحافظة على الصلوات الخمس في مواقيتها بركوعها وسجودها لقوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238]. والعاشر: الاستقامة على السنة والجماعة لقوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153]. (فصل) ويجوز أن يتوب عن بعض الذنوب دون بعض إذا لم يمكنه التوبة عن جميعها في حالة واحدة، مثل أن يتوب عن الكبائر دون الصغائر، لعلمه أن الكبائر # أعظم عند الله وأجلب لسخطه ومقته، والصغائر دونها، في الرتبة، إذ هي أقرب إلى تطرق العفو إليها، فلا يستحيل أن يتوب عن الأعظم، ثم إذا قوى الإيمان واليقين في قلبه، وظهرت أنوار الهداية وانشراح صدره للإنابة إلى الله تعالى، حينئذ تاب عن جميع الصغائر ودقائق الزلات والشرك الخفي وذنوب القلب أجمع، ومعاصي الحالات والمقامات بعد ذلك كلما رفع إلى حالة ومقام كان هناك ما يأتي وما يذر، أمر ونهى يعرفه كل ذائق لهذا الأمر، وسالك لهذه الطريق ومخالط لأهله. فلا يأخذ الناس في أول وهلة بما هو منتهي الأمر "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ولا منفرين، إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت - أي المنقطع - لا طريقا سلك ولا ظهرا أبقى". ومثل من يتوب عن بعض الكبائر دون بعض لعلمه أن بعضها أشد من البعض عند الله وأغلظ عقوبة وأبلغ، كالذي يتوب عن القتل والنهب والظلم للعباد، لعلمه أن ديون العباد لا تترك، وما بينه وما بين الله تعالى يتسارع العفو إليه. ومثل أن يتوب عن شرب الخمر دون الزنا، لعلمه أن الخمر مفتاح الشر، فإنه إذا زال عقله ارتكب جميع المعاصي وهو لا يشعر بها من القذف والسب والكفر بالله والزنا والقتل والغصب، لأن الخمر مجمع المعاصي وأمها وأصلها.

قسم V01/P256–V01/P258Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P256–V01/P258)

وكمن يتوب عن صغيرة أو صغائر وهو مصر على كبيرة، مثل أن يتوب عن الغيبة أو عن النظر إلى المحرم، وهو مصر على شرب الخمر لشدة ضراوته بالخمر ولهجه بها وتعوده لها وتسويل نفسه بأنه مداو مرضه بها، وقد أمرنا باستعمال الدواء وتزيين الشيطان له ذلك وتحسينه وقوة شهوته فيها لما في شربها من السرور والفرح وذهاب الهموم وصحة الجسم على زعمهم، وذهول عن بوائقها وعاقبتها، والغفلة عن عقوبة الله له لأجلها، وفساد الدين والدنيا بها، لأنها سبب زوال العقل الذي به انتظام أمر الدين والدنيا والآخرة. وإنما قلنا أنه تصح التوبة عن بعض هذه الذنوب دون بعض لأنه لا يخلو كل مسلم من جمع بين طاعة الله ومعصيته في الأحوال كلها، وإنما يتفاوتون في الحالات وعظم الذنوب وصغرها على قرب أحوالهم من الله وبعدها. فإذا قال الفاسق إن قهرني الشيطان بواسطة غلبة الشهوة في بعض المعاصي، فلا # ينبغي لي أن أرخى العنان وخلع العذار بالكلية، فأنمزج في المعاصي، بل أجاهد فيما يخف على من ترك بعض المعاصي فأتركها فيكون قهري لبعض ذلك كفارة لبعض الباقي، ولعل الله يراني أخافه في بعض معاصيه، وأتركها لأجله، وأجاهد نفسي وشيطاني في تركها، فيعينني ويوفقني، ويحول بيني وبين بقية المعاصي برحمته. ولو لم يكن الأمر على ما قلنا لما صحت صلاة كل فاسق ولا صومه ولا زكاته ولا حجه ولا شيء من الطاعات، بأن يقال له: أنت فاسق خارج من طاعة الله بفسقك، مخالف لأمره، فعبادتك هذه لغير الله تعالى، فإن زعمت أنها لله عز وجل فاترك الفسق، فإن أمر الله فيه واحد ولا يتصور أن تقصد بصلاتك التقرب إلى الله ما لم تتقرب بترك الفسق. وهذا محال لا يقال، فما هذا إلا بمثابة من عليه ديناران لرجلين وهو قادر على الأداء إليهما، فأدى أحد الدينارين إلى أحدهما وجحد الآخر، وحلف عليه مع علمه ذلك وتحققه له، فلا شك أن ذمته بريئة مما قد أدى ومشتغلة بما جحد وأبى. فكذلك من أطاع الله تعالى في بعض أوامره مطيع له بطاعته، وإذا عصاه في بعض نواهيه عاص له بمعصية فهو مؤمن ملئ ناقص الإيمان طائع بطاعته عاص مخالف له بمخالفته، وهذا هو دأب كل مخلط في أمر دينه إلى أن يبلغ إلى حالة يزول هواه، فتنقطع عنه جميع المعاصي إلا من شاء الله أن يقضي عليه بها، إذ لا معصوم، ويتوب الله على من تاب، ويتفضل بالرحمة على من تاب. (فصل: في ذكر الأخبار والآثار الواردة في التوبة) قال جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: "خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة فقال: أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم تسعدوا، وأكثروا الصدقة ترزقوا، وأمروا بالمعروف تحصنوا، وانهوا عن المنكر تنصروا". وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرا ما يقول: "اللهم اغفر لي وتب على إنك أنت التواب الرحيم". وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن إبليس حين اهبط إلى الأرض قال: وعزتك وجلالك لا أزال أغوى ابن آدم ما دام الروح في جسده، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أمنعه التوبة ما لم يتغرغر بنفسه". وعن محمد بن عبد الله السلمي رحمه الله أنه قال: جلست إلى نفر من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة فقال رجل منهم: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من تاب قبل موته بنصف يوم تاب الله عليه". وقال آخر: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من تاب قبل الغرغرة تاب الله عليه". وعن محمد بن مطرف رحمه الله أنه قال: يقول الله تعالى: ويح ابن آدم يذنب الذنب فيستغفرني فأغفر له، ثم يعود فأغفر له، ويحه لا هو يترك ذنبه ولا هو ييأس من رحمتي، أشهدكم أني قد غفرت له.

قسم V01/P258–V01/P260Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P258–V01/P260)

وقال أنس رضي الله عنه: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته بعدما أنزلت {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} [هود: 3] يستغفرون كل يوم مائة مرة ويقولون: نستغفر الله ونتوب إليه. قال: "وجاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إني أذنبت ذنبا، قال -صلى الله عليه وسلم-: استغفر الله، فقال: إني أتوب ثم أعود، قال -صلى الله عليه وسلم-: كلما أذنبت فتب حتى يكون الشيطان هو الحسير، قال: يا نبي الله إذا تكثر ذنوبي، فقال -صلى الله عليه وسلم-: عفو الله أكثر من ذنوبك ... ". وقال الحسن رحمه الله: لا تتمنى المغفرة بغير التوبة ولا تتمنى الثواب بغير العمل، لأن الغرة بالله أن تتمادى في سخطه، وتترك العمل بما يرضيه، وتتمنى عليه المغفرة، فتغرك الأماني، حتى يحل بك أمره، أما سمعته يقول: {وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور} [الحديد: 14]، وقال الله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} [طه: 82]، وقال عز وجل: {ورحمتي وسعت كل شيء # فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} [الأعراف: 156]. فالطمع في الرحمة والجنة من غير توبة وغير تقوى حمق وجهل وغرور لأنهما مقيدتان بهاتين الآيتين. وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه بأصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا فطار". وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن العبد ليذنب الذنب فيدخله الجنة، فقالوا: يا نبي الله وكيف يدخله الجنة؟ قال: يكون الذنب نصب عينه يستغفر منه ويندم عليه حتى يدخله الجنة". وقال -صلى الله عليه وسلم-: "لم أر شيئا أحسن طلبا ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم {إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} [هود: 114]. وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أذنب العبد ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإذا تاب وفزع واستغفر صفا قلبه منها، وإذا لم يتب ولم ينزع ولم يستغفر كان الذنب على الذنب والسواد على السواد حتى يعمى القلب فيموت، فذلك قوله عز وجل: {كلا بل ران على قلوبهم كانوا يكسبون} [المطففين: 14] ". وقال -صلى الله عليه وسلم-: "ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة فاغتنم غفلة المنية". قال: وكان آدم بن زياد رحمه الله يقول: لينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت، فاستقال ربه فأقاله، فليعمل بطاعة الله. قيل: أوحى الله تعالى إلي داود عليه السلام: أتق أن آخذك على غرة فتلقاني بلا حجة. ودخل بعض الصالحين على عبد الملك بن مروان، فقال له: عظني، فقال: هل أنت على استعداد لحلول الموت إن أتاك؟ قال: لا. قال: فهل أنت مجمع على التحول عن هذه الحالة إلى حالة ترضاها؟ قال: لا. قال: فهل بعد الموت دار فيها مستعتب؟ قال: لا. قال: فهل تأمن الموت أن يأتيك على غرة؟ قال: لا. قال: ما رأيت مثل هذه الخصال يرضى بها عاقل. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الندم توبة". وقال -صلى الله عليه وسلم-: "من أذنب ذنبا ثم ندم عليه فهو كفارته". وقال الحسن رحمه الله: التوبة على أربع: دعاء، ثم استغفار باللسان، وندم بالقلب، وترك بالجوارح، وإضمار ألا يعود. وقال: التوبة النصوح: أن يتوب ثم لا يرجع فيما تاب منه. وقال -صلى الله عليه وسلم-: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه، كالمستهزئ بربه، وإن الرجل إذا قال: أستغفرك وأتوب إليك، ثم عاد ثم قالها ثم عاد ثلاث مرات كتبت في الرابعة من الكبائر". وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: كن وصي نفسك ولا تجعل الرجال أوصياءك، كيف تلومهم أن يضيعوا وصيتك وقد ضيعتها في حياتك؟ وأنشد بعضهم يقول: تمتع إنما الدنيا متاع ... وإن دوامها لا يستطاع وقدم ما ملكت وأنت حي ... أمير فيه متبع مطاع ولا يغررك من توصى إليه ... فقصر وصية المرء الضياع وقال آخر:

قسم V01/P260–V01/P262Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P260–V01/P262)

إذا مات كنت متخذا وصيا ... فكن فيما ملكت وصى نفسك ستحصد ما زرعت غدا وتجنى ... إذا وضع الحساب ثمار غرسك (فصل آخر: في ذلك) عن أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه- قال: "إن الرجل موكل به ملكان أحدهما عن يمينه والثاني عن شماله، صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، فإذا عمل العبد # حسنة كتب له صاحب اليمين عشرا، فإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال صاحب اليمين أمسك عنه فيمسك عنه ست ساعات من النهار أو سبعا، فإن استغفر الله تعالى منها لم يكتب عليه شيئا، وإن لم يستغفر كتب عليه سيئة واحدة". وفي لفظ آخر: "إن العبد إذا أذنب لم يكتب عليه حتى يذنب ذنبا آخر فإذا اجتمعت عليه خمسة من الذنوب فإذا عمل حسنة واحدة كتب له خمس حسنات وجعل الخمس بإزاء خمس سيئات، فيصيح عند ذلك إبليس لعنة الله ويقول: كيف لي أن استطيع على ابن آدم فإني وإن اجتهدت عليه يبطل بحسنة واحدة جميع جهدي". وروي يونس عن الحسن -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليس من عبد إلا عليه ملكان، وصاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، فإذا عمل العبد السيئة قال له صاحب الشمال: أكتبها؟ فيقول له صاحب اليمين: دعه حتى يعمل خمس سيئات، فإذا عمل خمس سيئات، قال صاحب الشمال أكتبها؟ فيقول صاحب اليمين: دعه حتى يعمل حسنة، فإذا عمل حسنة، قال له صاحب اليمين: قد أخبرنا بأن الحسنة بعشر أمثالها، فتعال نمحو خمسا بخمس ونثبت له خمسا من الحسنات، قال: فيصيح الشيطان عند ذلك فيقول: متى أدرك ابن آدم. وهذه الأحاديث موافقة لقوله عز وجل: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} [طه: 82]. قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "مكتوب حول العرش قبل آدم بأربعة آلاف عام {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} [طه: 82]. وموافقة لقوله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} [هود: 114]. وروى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: إذا تاب العبد وتاب الله عليه أنسى الله تعالى حفظته ما كان قد عمل من مساوئ عمله، وأنسى جوارحه ما عملت من الخطايا، وأنسى مقامه من الأرض، وأنسى مقامه من السماء فيجئ يوم القيامة وليس عليه شيء شهيد عليه". وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له ... " وفي لفظ "ولو عاد في اليوم سبعين مرة". وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "من قال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، ثلاث مرات، غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر". وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: "ينظر الإنسان في كتابه يوم القيامة فيرى في أوله المعاصي وفي آخره الحسنات، فإذا رجع إلى أول الكتاب رأى كل ذلك حسنات، وذلك قوله تعالى: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} [الفرقان: 70]. وهذا هو في حق التائب الذي ختم الله له بالتوبة والإنابة. وقال بعض السلف: إن العبد إذا تاب من الذنوب صارت الذنوب الماضية كلها حسنات. ولهذا قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: وليتمنين أناس يوم القيامة أن تكثر سيئاتهم، وإنما قال ذلك لما ذكر الله تعالى من تبديل السيئات بالحسنات لمن يشاء من عباده. وروى عن الحسن البصري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لو أخطأ أحدكم حتى يملأ ما بين السماء والأرض ثم تاب، تاب الله عليه". ولهذا جاء في الخبر: "يا ابن آدم لو لقيتني بقراب الأرض ذنوبا لقيتك بقرابها مغفرة". (فصل آخر: في ذلك)

قسم V01/P262–V01/P264Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P262–V01/P264)

وروى أن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- ذات يوم في موضع من نواحي الكوفة، وإذا الفساق قد اجتمعوا في دار رجل منهم وهم يشربون الخمر، ومعهم مغن يقال له زاذان كان يضرب بالعود ويغنى بصوت حسن، فلما سمع ذلك عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله تعالى كان أحسن، وجهل رداءه على رأسه ومضى، فسمع ذلك الصوت زاذان، فقال: من هذا؟ قالوا: كان عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: وأيش قال؟ قالوا: قال: ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة القرآن كان أحسن، فدخلت الهيبة قلبه، فقام فضرب بالعود على الأرض فكسره، ثم أسرع حتى أدركه وجعل المنديل في عنق نفسه وجعل يبكى بين يدي عبد لله فاعتنقه عبد الله وجعل يبكي كل واحد منهما، ثم قال عبد الله -رضي الله عنه-: كيف لا أحب من قد أحبه الله؟ فتاب من ضربه بالعود، وجعل يلازم عبد الله حتى تعلم القرآن وأخذ الحظ الوافر من العلم حتى صار إماما في العلم، وقد جاء في كثير من الأخبار روي زاذان عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، وروي زاذان عن سلمان الفارسي -رضي الله عنه-. وفي الإسرائيليات مروى أنه كانت امرأة بغية مغنية مفتنة للناس بجمالها، وكان باب دارها أبدا مفتوحا وهي قاعدة على السرير بحذاء الباب فكل من مر بها ونظر إليها افتتن بها واحتاج إلى عشرة دنانير أو أكثر من ذلك حتى تأذن له بالدخول عليها، فمر على بابها ذات يوم عابد من عباد بني إسرائيل فوقع بصره عليها في الدار وهي قاعدة على السرير فافتتن بها وجهل يجادل نفسه حتى أنه يدعو الله تعالى أن يزول ذلك عن قلبه، فلم يزل ذلك عن نفسه، ولم يملك نفسه حتى باع قماشا كان له، فجمع من الدنانير ما يحتاج إليه، فجاء إلى بابها فأمرته أن يسلم الذهب إلى وكيل لها وواعدته لمجيئه، فجاء إليها لذلك الوعد وقد تزينت وجلست في بيتها على سريرها، فدخل عليها العابد وجلس معها على السرير، فلما مد يديه إليها وانبسط معها، تداركه الله برحمته ببركة عبادته المتقدمة، فوقع في قلبه أن الله تعالى يراني في هذه الحالة من فوق عرشه، وأنا في الحرام وقد حبط عملي كله، فوقعت الهيبة في قلبه، فارتعد في نفسه، وتغير لونه، فنظرت إليه المرأة فرأته متغير اللون، فقالت له: أيش أصابك يا رجل؟ فقال: إني أخاف الله ربي، فأذني لي بالخروج، فقالت له: ويحك إن كثيرا من الناس يتمنون الذي وجدته فأيش هذا الذي أنت فيه؟ فقال: إني أخاف الله جل ثناؤه وإن المال الذي دفعته إلى وكيلك هو لك حلال، فأذني لي بالخروج، فقالت له: كأنك لم تعمل هذا العمل قط؟ قال: لا، فقالت له: من أين أنت وما اسمك؟ فأخبرها أنه من قرية كذا واسمه كذا، فأذنت له بالخروج من عندها، فخرج وهو يدعو بالويل والثبور ويبكي على نفسه، فوقعت الهيبة في قلب المرأة ببركة ذلك العابد، فقالت في نفسها: إن هذا الرجل أو ذنب أذنب فدخل عليه من الخوف ما دخل، وإني قد أذنبت منذ كذا وكذا سنة، # وإن ربه الذي خاف منه هو ربي، فينبغي أن يكون خوفي أشد من خوفه، فتابت إلى الله وغلقت الباب على الناس ولبست ثيابا خلقا وأقبلت على العبادة، فكانت في عبادتها ما شاء الله تعالى، فقالت في نفسها: إني لو انتهيت إلى ذلك الرجل لعله يتزوجني، فأكون عنده وأتعلم منه أمر ديني ويكون عونا لي علي عبادة ربي، فتجهزت وحملت من الأموال والخدم ما شاء الله، وانتهت إلى تلك القرية وسألت عنه، فأخبروا العابد أنه قدمت امرأة تسأل عنك، فخرج العابد إليها، فلما رأته المرأة كشفت عن وجهها لكي يعرفها، فلما رآها العابد وعرف وجهها وتذكر الأمر الذي كان بينه وبينها صاح صيحة فخرجت روحه.

قسم V01/P264–V01/P266Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P264–V01/P266)

فبقيت المرأة حزينة وقالت في نفسها: إني خرجت لأجله وقد مات فهل له أحد من أقربائه يحتاج إلى امرأة، فقالوا لها: له أخ صالح لكنه معسر لا مال له، فقالت: لا بأس به، فإن لي مالا يكفينا، فجاء أخوه فتزوج بها، فولدت له سبعا من البنين (كلهم صاروا أنبياء في بني إسرائيل). فانظر إلى بركة الصدق والطاعة وحسن النية كيف هدى الله زاذان بعبد الله بن مسعود لما كان صادقا حسن السريرة فلا يصلح بك الفاسد حتى تكون أنت صالحا في ذات نفسك، خائفا لربك إذا خلوت، مخلصا له إذا خالطت، غير مراء للخلق في حركاتك وسكناتك، موحدا لله عز وجل في ذلك كله، فحينئذ يزاد في توفيقك وتسديد وتحفظ عن الهوى والإغواء من شياطين الجن والإنس والمنكرات كلها والفساق والبدع والضلالات أجمع، فزال بك المنكر من غير تكلف، ومن غير أن يصير المعروف منكرا، كما هو في زماننا، ينكر أحدهم منكرا واحدا فيتفرع منه منكرات جمة وفاسد عظيم من السب والقذف والضرب والكسر وتخريق الثياب وإفساد الأموال، وكل ذلك لقلة صدقهم ونقصان إيمانهم ويقينهم وغلبة أهويتهم عليهم. فالمنكر فيهم بعد وفرض إزالته متوجه عليهم وبأنفسهم شغل طويل وهم ينكرون على الغير فيتركون الفرض العين ويتعلقون بالفرض على الكفاية، ويتركون ما يعنيهم ويشتغلون بما لا يعنيهم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". من أراد أن يزول به المنكر بسرعة، فعليه بالإنكار على نفسه والوعظ لها، ومنعها # وفطمها عن المعاصي ما ظهر منها وما بطن، فإذا تطهر من ذلك كله حينئذ اشتغل بغيره، فزال به المنكر بأحسن ما يكون من الوجوه، كما زال في حق عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-. وانظر إلى بركة العبادة والصدق أيضا في حق العابد كيف نجاه الله من البغية وارتكاب الكبيرة {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف: 24]. فالله تعالى حال بينه وبين تلك الفاحشة لما تقدم له من الصدق في الخلوات وحسن الطاعة فيما سلف من الأيام والساعات، ثم كيف نجى الله تعالى تلك البغية ببركة العابد، ثم كيف نالت بركته أخاه، فأزال الله فقره وجهده، وزوجه بأحسن النساء، وأغناه ورزقه من حيث لا يحتسب، وجعله أبا الأنبياء السبعة، وجعلها أمهم عليهم السلام. فالخير كله في الطاعة والشر كله في المعصية، فلا كانت المعصية ولا كنا إذا كنا من أهلها. (فصل) وإنما تعرف توبة التائب في أربعة أشياء : أحدها: أن يملك لسانه من الفضول والغيبة والنميمة والكذب. والثاني: ألا يرى لأحد في قلبه حسدا ولا عداوة. والثالث: أن يفارق إخوان السوء، فإنهم هم الذين يحملونه على رد هذا القصد ويشوشون عليه صحة هذا العزم، ولا يتم له ذلك إلا بالمواظبة على المشاهدة التي تزيد بها رغبته في التوبة، وتوفر دواعيه على إتمام ما عزم عليها مما يقوى خوف ورجاءه، فعند ذلك تنحل من قلبه عقد الإصرار على ما هي عليه من قبيح الأفعال، فيقف عن تعاطي المحظورات، ويكبح لجام نفسه عن متابعة الشهوات فيفارق الزلة في الحال، ويبرم العزيمة على ألا يعود إلى مثلها في الاستقبال. والرابع: أن يكون مستعدا للموت نادما مستغفرا لما سلف من ذنوبه مجتهدا في طاعة ربه. وقيل: علامة أنه مقبول التوبة أربعة أشياء. أولها: أن ينقطع عن أصحاب الفسق ويريهم هيبته من نفسه، ويخالط الصالحين. والثاني: أن يكون منقطعا عن كل ذنب مقبلا على جميع الطاعات. والثالث: أن يذهب فرح الدنيا من قلبه، ويرى حزن الآخرة دائما في قلبه. والرابع: أن يرى نفسه فارغا عما ضمن الله له، يعني الرزق، مشتغلا بما أمر الله به. فإذا وجدت فيه هذه العلامات كان من الذين قال الله تعالى في حقهم: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} [البقرة: 222]. ووجب له على الناس أربعة أشياء: أولها: أن يحبوه لأن الله قد أحبه. والثاني: أن يحفظوه بالدعاء على أن يثبته الله تعالى على التوبة.

قسم V01/P266–V01/P268Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P266–V01/P268)

والثالث: ألا يعيروه بما سلف من ذنوبه لما روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من عير مؤمنا بفاحشة فهو كفارة لها، وكان حقا على الله تعالى أن يوقعه فيها، ومن عير مؤمنا بجريرة لم يخرج من الدنيا حتى يركبها ويفتضح بها". ولأن المؤمن لا يقصد الوقوع في الذنب ولا يتعمده ولا يعتقده دينا بتدين به، وإنما يكون ذلك فيه بتزيين الشيطان وفرط ضراوة الشهوة وشد الشبق وتراكم الغفلة والغرة، قال الله تعالى: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} [الحجرات: 7]. فقد أخبر أنه بغض إلى المؤمنين المعصية، فلا يجوز أن يعير بها إذا تاب وأناب، بل يدعى له بالثبات على التوبة والتوفيق والحفظ. والرابع: أن يجالسوه ويذاكروه ويعينوه. ويكرمه الله تعالى أيضا بأربع كرامات: أحدها: أن يخرجه من الذنوب كأنه لم يذنب قط. والثانية: يحبه الله تعالى. والثالثة: ألا يسلط عليه الشيطان ويحفظه منه. والرابعة: أن يؤمنه من الخوف قبل أن يخرجه من الدنيا لأنه عز وجل قال: {تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون} [فصلت: 30]. (فصل: في ذكر أقاويل شيوخ الطريقة في التوبة) قال أبو علي الدقاق رحمه الله: التوبة على ثلاثة أقسام: أولها: التوبة، وأوسطها: الإنابة، وآخرها: الأوبة. فالتوبة بداية والإنابة واسطة والأوبة نهاية. فإن من تاب لخوف العقوبة كان صاحب توبة، ومن تاب طمعا في الثواب أو رهبة من العقاب كان صاحب إنابة، ومن تاب مراعاة للأمر لا لرغبة في الثواب أو رهبة من العقاب كان صاحب أوبة. وقيل أيضا: التوبة: صفة المؤمنين، قال الله تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} [ص: 30، 44]. وقال الجنيد رحمه الله تعالى: التوبة على ثلاثة معان: الأول: يندم. والثاني: يعزم على ترك المعاودة لما نهى الله عنه. والثالث: يسعى في أداء المظالم. وقال سهل بن عبد الله رحمه الله: التوبة وترك التسويف. وقال الجنيد: سمعت الحارث يقول: ما قلت قط اللهم إني أسألك التوبة، ولكني أقول: أسألك شهوة التوبة. وقال الجنيد: دخلت على السري رحمه الله يوما فرأيته متغيرا، فقلت له: ما لك؟ فقال: دخل على شاب فسألني عن التوبة، فقلت له: إلا تنسى ذنبك، فعارضني وقال: بل التوبة أن تنسى ذنبك، فقلت: إن الأمر عندي على ما قاله الشاب، فقال: لم؟ قلت: لأني إذا كنت في حال الجفاء فنقلني إلى حال الوفاء، فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء، فسكت. وقال سهل بن عبد الله رحمه الله: التوبة ألا تنسى ذنبك. وقال الجنيد رحمه الله حين سئل عن التوبة: هي أن تنسى ذنبك. وتكلم أبو نصر السراج رحمه الله في المقالتين فقال: أشار سهل إلى أحوال المريدين # والمتعرضين تارة لهم وتارة عليهم. فأما الجنيد فإنه أشار إلى توبة المحققين، فلا يذكرون ذنوبهم مما غلب على قلوبهم من عظمة الله تعالى ودوام ذكره. وقال: وهو مثل ما سئل رويم عن التوبة فقال: التوبة من التوبة. وقال ذو النون المصري رحمه الله: توبة العوام من الذنوب وتوبة الخواص من الغفلة. وقال أبو الحسين النوري رحمه الله: التوبة أن نتوب من كل شيء سوى الله عز وجل. قال عبد الله بن علي بن محمد التميمي رحمهم الله: شتان بين تائب يتوب من الزلات، وتائب يتوب من الغفلات، وتائب يتوب من رؤية الحسنات. وقال أبو بكر الواسطى رحمه الله: التوبة النصوح ألا يبقى على صاحبها أثر من المعصية سرا ولا جهرا، ومن كانت توبته نصوحا لا يبالي كيف أمسى وأصبح. وقال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله في مناجاته: إلهي لا أقول تبت ولا أعود لما أعرف من خلقي، ولا أضمن ترك الذنوب لما أعرف من ضعفي، ثم إني أقول لا أعود لعلي أموت قبل أن أعود. وقال ذو النون رحمه الله: الاستغفار من غير إقلاع توبة الكذابين.

%0
10 Bölüm