Qur'an&Sunnahالقرآن

Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye

jilani · AR

قسم V01/P288–V01/P290Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P288–V01/P290)

قال: فلما جعلت الأغلال في أعناقهم ملأت ما بين مناكبهم إلى آذانهم، فاحترقت لحومهم وتقطعت شفاههم وبدت أنيابهم وألسنتهم بصوت وصراخ، ووهج لها لهب عال يجرى حرها مجرى الدم في عروقها مجوفة، ويجرى خلالها لهب النار فيبلغ حر تلك الأغلال قلوبهم، فتسلخت حتى بلغت حناجرهم، فاشتد خناقهم وانقطعت أصواتهم وفنيت جلودهم. قال: فبينا هم كذلك أمر الله تعالى خزنة جهنم أن يكسوهم ثيابا، قال: فألبسوهم ثيابهم وسرابيلهم شديدا سوادها، ومنتنا ريحها وخشنا مسها تلظى من شدة حرها، لو وضعت على جبال الأرض أذابتها. قال: ثم يقول الله عز وجل لخزنة جهنم: سوقوهم إلى منازلهم، قال: فيأتون بسلاسل أخر أطول وأغلظ من اللاتي أوثقوا فيها، قال: فيأخذ كل ملك سلسلة من تلك السلاسل فيقرن فيها أمة من الأمم، ثم يضع طرفها على عاتقه فيوليهم ظهره، ثم ينطلق بهم مسحوبين على وجوههم، في دبر كل أمة منهم سبعون ألف ملك، يضربونهم بمقامع حتى يأتوا بهم جهنم فيوقفونهم عليها. قال: ثم تقول لهم الملائكة: {هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون أصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون} [الطور: 14 - 16]. قال: فلما أوقفوا عليها فتحت لهم أبوابها وكشف عنها غطاؤها، فتسعرت وألهبت نارها، فخرج منها دخان شديد مع شرر كعدد نجوم السماء فطارت إلى السماء مقدار سبعين عاما، ثم رجع ذلك فوقع على رؤوسهم، فاحترقت أشعارهم وانقلعت جماجمهم. قال: ثم صرخت جهنم بأعلى صوتها: إلى يا أهل النار إلى يا أهل النار، أما وعزة # ربي لأنتقمن منكم. ثم قالت: الحمد لله الذي جعلني أغضب لغضبه وينتقم بي من أعدائه، رب زدني حرا إلى حرى وقوة إلى قوتي. قال: فتخرج منها ملائكة أخر، فيستقبل كل أحد منهم أمة من الأمم، فيرفعهم براحته فيكبهم في جهنم على وجوههم، فيهوون على رؤوسهم مقدار سبعين عاما من قبل أن يبلغوا رؤوس جبالها. قال: وإذا بلغوا رؤوس جبالها لم يتقاروا عليها حتى يبدل لكل إنسان منهم سبعون جلدا. قال: فأول أكلة يأكلون على رؤوس تلك الجبال أكلة من الزقوم، ظاهرة حرارتها شديدة مرارتها كثير شوكها. قال: فبينما هم يمضغون أكلتهم تلك، إذ أتتهم الملائكة يضربونهم بمقامعهم فتكسرت عظامهم ثم أخذوا بأرجلهم فألقوهم في جهنم فهووا على رؤوسهم مقدار سبعين عاما من قبل أن يتقاروا في شعابها. قال: فما تقاروا في شعابها حتى يبدل لكل إنسان منهم سبعون جلدا. قال: وأكلتهم تلك في أفواههم لا يستطيعون أن يسيغوها، قال: فتجتمع الأكلة والقلب عند الحلق فيغص بها، فيستغيث كل إنسان منهم بالشرب فإذا في تلك الشعاب أودية تنصب إلى جهنم. قال: فينطلقون يمشون حتى يردوها، فينكبون عليها يشربون منها. قال: فتتقطع جلودهم وجوههم فتقع فيها. قال: فلا يستطيعون أن يشربوا منها. قال: فيعرضون عنها إعراضه فتدركهم الملائكة وهم منكبون على تلك العيون، فيضربونهم فتكسر عظامهم ثم يأخذون بأرجلهم فيلقونهم في جهنم، فيهوون على رؤوسهم مقدار أربعين ومائة عام في لهب ودخان شديد من قبل أن يتقاروا في أوديتها. قال: فلا يتقارون في أوديتها حتى يبدل لكل إنسان منهم سبعون جلدا. قال: ومنتهى تلك العيون في تلك الأودية. قال: فيشربون منها فإذا هي ماء حميم، فلا يتقار في بطونهم حتى يبدل الله لكل # إنسان منهم سبعة جلود.

قسم V01/P290–V01/P291Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P290–V01/P291)

قال: فإذا تقار في بطونهم قطع أمعاءهم، فخرجت من مقاعدهم وجرى باقية في عروقهم، فذابت لحومهم، وتصدعت عظامهم وأدركتهم الملائكة فضربت وجوههم وأدبارهم ورؤوسهم بمقامعهم، لكل مقمع منها ثلاثمائة وستون حرفا، فإذا ضربت بها رؤوسهم انقعلت جماجمهم وتكسرت أصلابهم، وسحبوا في النار على وجوههم حتى توسطوا جحيمها، فاشتعلت النار في جلودهم وتشعبت في آذانهم، فخرج لهبها من مناخرهم وأضلاعهم، وتفجر الصديد من أجسادهم، وخرجت أعينهم فتعلقت على خدودهم، ثم قرنوا مع شياطينهم الذين كانوا يطيعونهم، وآلهتهم التي كانت مستغاثهم، فألقوا في أماكن ضيقة مقرنين، فهتفوا بويلهم ثم جئ بأموالهم فأحميت في نارهم، فكويت بها جباهم وجنوبهم ووضعت على ظهورهم فخرجت من بطونهم، فهم أولياء جهنم وقرناء الشياطين والحجارة، وعلقوا بخطاياهم كالجبال ليشتد عليهم العذاب فطول أحدهم مسيرة شهر وعرضه مسيرة خمسة أيام وغلظه مسيرة ثلاث ليال ورأسه مثل الأقرع وهو جبل بأقصى الشام، في فيه اثنان وثلاثون نابا، قد خرج بعضها من رأسه وبعضها من أسفل لحيته وأنفه مثل الرابية العظيمة، طول شعر رأسه وغلظه مثل شجرة الأرز وكثرته كآجام الدنيا، وشفته العليا قالصة، والسفلى تسعون ذراعا، وطول يده مسيرة عشرة أيام وغلظها مسيرة يوم، وفخذه مثل ورقان وغلظ جلده أربعون ذراعا بذراعه، وطول ساقه مسيرة خمس ليال وغلظها يوم، كل حدقة له مثل حراء، وهو جبل بمكة، إذا صب فوق رأسه القطران اشتعلت فيه النار، فلم تزدد إلا التهابا. قال: وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: والذي نفسي بيده لو أن رجلا خرج من النار يجر سلسلة مغلولة يداه إلى عنقه، في عنقه الأغلال وفي رجليه الكبول، ثم رآه الخلائق لانهزموا عنه وفروا منه كل مفر. قال: فمن شدة حرها وغمها وألوان عذابها وضيق منازلها، اخضرت لحومهم وتصدعت عظامهم وغلت أدمغتهم ففارت على جلودهم، واحترقت جلودهم فغضت أوصالهم، فسال منها صديدهم، فتدودت أجسامهم وسمنت ديدانهم وصارت مثل حمر الوحش، لها أظافير مثل أظافير النسور والعقبان، تشتد ما بين جلدهم ولحمهم، # وتنهشهم، وتزفر زفرة، وتتردد كما يتردد الوحش المذعور، يأكلن لحمه ويشربن دمه، ليس لها مأكل ولا مشرب غيرها، ثم تأخذهن الملائكة فتسحبهم على وجوههم على الجمر والحجارة كأنها أسنة، مستعدين منطلقين بهم إلى بحر جهنم، مسيرة سبعين عاما، فلا يبلغونه حتى تنقطع أوصالهم وتبدل جلودهم كل يوم سبعين ألف مرة، فإذا انتهى إلى خزنتها أخذوا بأرجلهم فدفعوهم فيه، فلا يعلم أحد قعر ذلك البحر إلا الذي خلقه. وقد قيل: إنه مكتوب في بعض أسفار التوراة: أن بحر الدنيا عند بحر جهنم كعين صغيرة في ساحل بحر الدنيا. قال: فإذا قذفوا فيه ووجدوا مس العذاب قال بعضهم لبعض: كأنما الذي عذبنا به قبل هذا حلم. قال: فيغمسون مرة ويرتفعون ويغلى فتقذفهم سبعين باعا، بعد كل باع كبعد المشرق من المغرب ثم تسوقهم الملائكة بمقامعهم، فيضربونهم بها ويردونهم إلى قعرها مسيرة سبعين عاما، منها طعامهم وشرابهم فيرتفعون من قعرها مقدار أربعين ومائة عام فيريد أحدهم أن يتنفس، فتستقبله الملائكة بمقامعهم متبادرين إليه لضربه، غير أنه يذكر أنه إذا رفع رأسه وقع على رأسه سبعون ألف مقمع لا يخطئه شيء منها، فيرده سبعين عاما في قعرها، كل باع منها كبعد المشرق من المغرب. قال: فهم فيها ما شاء الله من ذلك، حتى تأكل لحومهم وعظامهم، وتبقى رواحهم، فيضربهم موجه سبعين عاما، ثم تنبذهم إلى ساحل من سواحله فيه سبعون ألف مغارة، في جوف كل مغارة سبعون ألف شق، كل شق منها مسيرة سبعين عاما، في جوف كل شق منها سبعون ألف ثعبان، طول كل ثعبان منها سبعون ذراعا، لكل ثعبان منها سبعون نابا، في كل ناب منها قلة سم، في شدق كل ثعبان منها ألف عقرب، لكل عقرب منها سبعون فقارة، في كل فقارة منها قلة من سم.

قسم V01/P291–V01/P293Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P291–V01/P293)

قال: فتخرج أرواحهم من ذلك البحر إلى تلك المغارة، فتجدد لهم أجساد وجلود، ويغلون في الحديد، فتخرج عليهم تلك الحيات والعقارب فتعلق في كل إنسان منهم سبعون ألف حية وسبعون ألف عقرب، فيصبرون، ثم ترتفع إلى ركبهم فيصبرون، ثم ترتفع إلى صدورهم فيصبرون، ثم ترتفع إلى تراقيهم فيصبرون، ثم ترتفع فتعلق # بمناخرهم وشفاههم وألسنتهم وآذانهم فيجزعون، وليس لهم مستغاث إلا أن يهربوا إلى جهنم، فيقعوا فيها. فأما الحيات فتمضغ لحومهم وتنشف دماءهم، وأما العقارب فتلدغهم فتتساقط لحومهم وتقطع أوصالهم، فإذا وقعوا في النار مكثت النار سبعين عاما لا تحرقهم من سم الحيات والعقارب. قال: ثم تحرقهم النار سبعين عاما، ثم تجدد لهم جلود غير جلودهم، ثم يستغيثون بالطعام، فتأتيهم الملائكة بطعام يقال له الوليمة، وهو أشد يبسا من الحديد، فيمضغونه فلا يستطيعون أن يأكلوا منه شيئا، فيلقونه من أفواههم ويبدأون بأيديهم من شدة الجوع، فيأكلون أناملهم ثم يأكلون أكفهم، فإذا أكلوها بدأوا بسواعدهم فأكلوها أيضا إلى مرافقهم، ثم بدأوا بمرافقهم فأكلوها إلى مناكبهم، فتبقى رؤوس المناكب، ولو نالوا بعدها شيئا من أجسادهم بأفواههم لأكلوه فإذا فعلوا ذلك بأجسادهم أخذوا فنوطوا بعراقيبهم بكلاليب من حديد على شجرة الزقوم. قال: فنوط منهم سبعون ألفا في شعبة واحدة فما تنحني، مصوبين على رؤوسهم، فيوقد تحتهم الحميم، فيستقبل حر النار وجوههم مقدار سبعين عاما حتى تذوب أجسادهم وتبقى أرواحهم، ثم تجدد لهم جلود وأجساد، ثم يناطون بأناملهم ولهب النار من تحتهم، تدخل من مقاعدهم وتأكل من أفئدتهم حتى تخرج من مناخرهم وأفواههم ومسامعهم مقدار سبعين عاما، حتى تذوب عظامهم ولحومهم وتبقى أرواحهم، ثم يتركون ويجدد لهم جلود وأجساد، ثم يناطون بأبصارهم مثلها، فلا يزالون يعذبون كذلك حتى لا يبقى مفصل في أجسادهم إلا نوطوا به مقدار سبعين عاما، ولا تبقى شعرة في رؤوسهم إلا نوطوا بها، فيأتيهم الموت من مكان كل مفصل منهم، وما هم بميتين ومن ورائهم عذاب غليظ، فإذا فعل ذلك بهم كله أنزلوهم فانطلقوا بكل إنسان منهم إلى منزله مغلولا بسلسلة مسحوبا على وجهه. قال: ولهم منازل فيها كقدر أعمالهم، فمنهم من يعطى منزلة مسيرة شهر طولها وعرضها مثل ذلك نار تتوقد لا ينزلها غيره. ومنهم من يعطى منزلة مسيرة تسع وعشرين ليلة طولا وعرضا مثل ذلك، ثم كذلك تنتقص منازلهم وتضيق، حتى إن أحدهم ليعطى منزلة مسيرة يوم طولا وعرضا، ومن # نحو سعة منزلهم يعذبون. فمنهم من يعذاب على القفا، ومنهم من يعذب جالسا، ومنهم من يعذب جاثيأ على ركبتيه، ومنهم من يعذب قائما على رجليه، ومنهم من يعذب منبطحا على بطنه، فهذه المنازل كلها أضيق على أهلها من زج الرمح. ومنهم من تكون ناره إلى كعبه، ومنهم من تكون ناره إلى ركبته، ومنهم من تكون ناره إلى حقويه، ومنهم من تكون ناره إلى سرته، ومنهم من تكون ناره إلى ترقوته، ومنهم من تكون ناره غرقا، فمرة تعلو به ومرة تديره فتبلغه مسيرة شهر في قعرها. فإذا وقعوا في منازلهم قرن كل منهم مع قرنائهم، فبكوا حتى تنزف دموعهم، ثم يبكون الدم بعدم الدموع، حتى لو أن السفن أرسلت إذا بكوا في دموعهم لجرت. قال: ولهم يوم يجتمعون فيه في أصل الجحيم، ثم لا تكون جماعة أبدا. قال: فإذا أذن الله في ذلك اليوم نادى مناد في أصل الجحيم يسمع صوته أعلاهم وأسفلهم، وأدناهم وأقصاهم يقال له "حشر" يقول: يا أهل النار اجتمعوا، فيجتمعون أجمعون في أصل الجحيم، ومعهم الزبانية. قال: فيأتمرون بينهم فيقول الذين استضعفوا {للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا} [إبراهيم: 21] في الدنيا {فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء} [إبراهيم: 21] {قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد} [غافر: 48]. وقال الذين استكبروا للذين استضعفوا {لا مرحبا بكم} [ص: 60] بنا تستغيثون، قال الذين استضعفوا للذين استكبروا: {بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتوه لنا فبئس القرار} [ص: 60]. وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا {ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار} [ص: 61].

قسم V01/P293–V01/P295Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P293–V01/P295)

فقال الذين استكبروا للذين استضعفوا {لو هدانا الله لهديناكم} [إبراهيم: 21]. {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا} [سبأ: 33] فنتبرأ منكم وما كنتم تدعوننا إليه في الدنيا. قال: ثم أقبلوا أجمعون على قرنائهم من الشياطين، فقالوا: أغويناكم كما غوينا، قال الشيطان عند آخر مقالتهم بصوت له عال: يا أهل النار {إن الله وعدكم وعد # الحق} [إبراهيم: 22] ودعاكم الله فلم تجيبوا ولم تصدقوا {و} إني {وعدتكم} وعدا {فخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي} [إبراهيم: 22] فأنا أكفر اليوم بما عبدتموني من دون الله. قال: {فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين} [الأعراف: 44]. قال: فلعن عند ذلك الذين استضعفوا الذين استكبروا، ولعن الذين استكبروا الذين استضعفوا، ولعنوا قرناءهم من الشياطين، ولعنهم قرناؤهم، ثم قالوا لقرنائهم: يا ليت بيننا وبينكم بعد المشرقين، فبئس القرناء أنتم لنا اليوم، وبئس الوزراء كنتم لنا في الدنيا، فلما نظروا إلى جماعتهم قال بعضهم لبعض هلموا فلنطلب الخزنة، فلعلهم يشفعون لنا عند ربهم، ف {يخفف عنا يوما من العذاب} [غافر: 49]. قالوا: نعم فنادوا بأجمعهم الخزنة {ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب} [غافر: 49] قال: وهم على ذلك يعذبون. قال: وبين مراجعة الخزنة إياهم مقدار سبعين عاما ثم يراجعونهم، فيقولون: {أولم تلك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا} بأجمعهم {بلى} [غافر: 50]. قال الخزنة: {فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [غافر: 50]. قال: فلما رأوا أن الخزنة لا ترد عليهم خيرا استغاثوا بمالك، فقالوا: يا مالك ادع لنا ربك فليقض علينا الموت، فيمكث مالك مقدار الدنيا لا يجيبهم ولا يرد عليهم قولا، ثم يراجعون فيقول: {إنكم ماكثون} [الزخرف: 77] أحقابا من قبل أن يقضى عليكم بالموت، فلما رأوا مالكا لا يرد عليهم خبرا استغاثوا بربهم، فقالوا: {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} [المؤمنون: 107]. يعني نقول إن عدنا في معصيتك، قال: فمكث الجبار سبحانه وتعالى مقدار سبعين عاما لا يراجعهم بقولهم ولا يرد عليهم خيرا، ثم أجابهم بقوله وأنزلهم منزله الكلاب {اخسئوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: 108]. قال: فلما رأوا ربهم لا يرحمهم ولا يرد عليهم خيرا، قال بعضهم لبعض: {سواء علينا أجزعنا} من العذاب {أم صبرنا ما لنا من محيص} [إبراهيم: 21]، {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} [الشعراء: 100 - 101]، {فلو أن لنا كرة فنكون من # المؤمنين} [الشعراء: 102]. قال: ثم تنصرف بهم الملائكة إلى مساكنهم، فزلت عند ذلك أقدامهم ودحضت حجتهم ونظروا ما عند ربهم عز وجل، ويئسوا من رحمة ربهم وتلقاهم الكرب الشديد ونزل بهم الخزي والهوان الطويل، فهتفوا بحسرتهم على ما فرطوا في دنياهم، وحملوا أوزارهم على رقابهم وأوزار أتباعهم، من غير أن ينقص شيء من أوزارهم وعذابهم أكثر من تراب أرضهم وقطر بحورهم مع زبانية سريع أمرهم غليظ كلامهم عظيمة أجسادهم كالبرق، وجوههم كالجمر، أعينهم كاللهب، ألوانهم كالحة، أنيابهم كصياصي البقر أظفارهم، يعنى القرون، والمقامع الطوال الثقال المحرقة بأيديهم لو ضربوا بها الجبال انصدعت، وكانت رميما، يضربون بها عصاه ربهم فيحق لهم أن تسيل عينهم الدم بعد الدموع، لأنهم إن دعوهم لم يجيبوهم، وإن بكوا لم يرحموهم، وإن استغاثوا بماء بارد لم يغيثوهم إلا بماء كالمهل يشوى الوجوه. وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إنه لتأتى أهل النار سحابة عظيمة كل يوم فتبسط عليهم لها صواعق تخطف أبصارهم، ورعد يقصف ظهورهم، وظلمة لا يبصرون معها زبانيتهم، فتنادى تلك السحابة بصوت له جهر: يا أهل النار أما تريدون أن أمطركم؟ فيقولون بأجمعهم: امطرينا الماء البارد، فتمطرهم ساعة حجارة تقع على رؤوسهم فتقطع جماجمهم، ثم تمطرهم ساعة أخرى أنهارا من حميم وجمرا كثيرا وشواظا وخطاطيف من الحديد، ثم تمطرهم ساعة أخرى حيات وعقارب ودودا وغسلين.

قسم V01/P295–V01/P297Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P295–V01/P297)

قال: فإذا أمطرت في جهنم سجر بحرها فماجت لججها وغضبت، فلم تترك في جهنم سهلا ولا جبلا إلا ارتفعت عليه، فغرقت أهل النار أجمعين من غير أن يموتوا. قال: فتزداد جهنم على من فيها من العصاة غيظا وحرا وزفيرا وشهيقا ولهبا ودخانا وظلمة ووعثا وسموما وحميما وجحيما وسعيرا وشدة على من فيها لنقمة ربها". فنعوذ بالله منها ومن أعمالها ومقارنة أهلها، اللهم ربنا وربها لا توردنا حياضها، ولا تجعل في أعناقها أغلالها، ولا تكسنا من ثيابها، ولا تطعمنا من زقومها، ولا تسقنا من حميمها، ولا تسلط علينا خزنتها، ولا تجعلنا مأكلة لنارهم، ولكن جوزنا برحمتك صراطها واصرف عنا شرورها ولهبها حتى تنجينا برحمتك منها ومن دخانها ومن كربها وعذابها، آمين يا رب العالمين. وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ولو أن أدنى باب من أبواب جهنم فتح بالمغرب لذابت منه جبال المشرق كما يذوب القطر، ولو أن شرارة من شرر جهنم طارت فوقعت بالمغرب ورجل بالمشرق لغلى دماغه حتى يفوز على جسده، وإن أدنى أهل النار عذابا رجال تحذي لهم نعال من نار فتخرج من مسامعهم ومناخرهم وتغلي منها أدمغتهم، والذين يلونهم يلقون على صخرة من صخور جهنم فينتفضون فيها كما ينتفض الحب من المقلى الحار، وكلما سقطوا من صخرة وقعوا على أخرى ... ". فأهل النار كلهم يعذبون على قدر أعمالهم، فنعوذ بالله من أعمالهم ومصيرهم. قال -صلى الله عليه وسلم-: "وأما عذاب الذين لا يحفظون فروجهم، فيناطون بفروجهم بقدر ما كانت في الدنيا حتى تذوب أجسادهم وتبقى أرواحهم، ثم يتركون فتجدد لهم أجساد وجلود، ثم يضربون، فيجلد كل إنسان منهم سبعون ألف ملك قدر ما كانت الدنيا حتى تذوب أجسادهم وتبقى أرواحهم، فذلك عذابهم". وأما عذاب السارق، فيقطع عضوا عضوا ثم يجدد، فلذلك عذابه غير أنه يتبادر إلى كل إنسان منهم سبعون ألف ملك معهم الشفار. وأما عذاب الذين يشهدون الزور، فيناطون بألسنتهم، ثم يجلد كل إنسان منهم سبعون ألف ملك حتى تذوب أجسادهم وتبقى أرواحهم. وأما عذاب المشركين، فيجعلون في مغار جهنم ثم يغلق عليهم وفيها حيات وعقارب وحجر كثير ولهب ودخان شديد، يجدد لكل إنسان منهم كل ساعة سبعون ألف جلد فذلك عذابهم. وأما عذاب الجبارين المتكبرين، فيجعلون في توابيت من نار ثم يقفل عليهم فتوضع في الدرك الأسفل من النار. قال: فيعذب كل إنسان منهم كل ساعة تسعة وتسعين لونا من العذاب، يجدد لهم في كل يوم ألف جلد، فذلك عذابهم. قال: وأما الذين يغلون فيأتون بغلولهم ثم يلقى بهم في بحر جهنم ثم يقال لهم غوصوا حتى تخرجوا غلولكم لينتهوا إلى قعره، ولا يعلم قعره إلا الذي خلقه. قال: فيغوصون ما شاء الله، ثم يخرجون رؤوسهم يتنفسون فيبتدر إلى كل إنسان منهم سبعون ألف ملك، مع كل ملك مقمع من حديد فيهوى بها إلى رأسه، فذلك # عذابهم أبدا. قال: وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الله قضى على أهل النار أنهم لابثون فيها أحقابا، فلا أدرى كم من حقب، غير أن الحقب الواحد ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم ألف سنة مما تعدون".

قسم V01/P297–V01/P298Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P297–V01/P298)

فالويل لأهل النار، والويل لتلك الوجوه التي كانت لا تصبر على حر الشمس حين تلفحها النار، وويل لتلك الرؤوس التي كانت لا تصبر على الصداع حين يصب فوقها الحميم، وويل لتلك الأعين التي كانت لا تصبر على الرمد حين تزرق وتشخص في النار، وويل لتلك الآذان التي كانت تسمع الأحاديث فتلذا بها حين يفور منها لهب النار، وويل لتلك المناخر التي كانت تجزع من ريح الجيف حين تنشقت بالنار، وويل لتلك الأعناق التي كانت لا تصبر على الوجع حين يجعل فيها الأغلال، وويل لتلك الجلود التي كانت لا تصبر على اللباس الخشن حين يجعل عليها ثياب من نار خشن مسها، منتن ريحها تتلظى نارا، وويل لتلك البطون التي كانت لا تصبر على الأذى حين يدخلها الزقوم مع ماء حميم يقطع أمعاءهم، وويل لتلك الأقدام التي كانت لا تصبر على الحفا حين تحذي لها نعال من نار، فويل لأهل النار من أصناف العذاب. (فصل) وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: "إن لجسر جهنم سبع قناطر ، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض الجسر كحد السيف، فيجوز عليه أول زمرة من الناس سراعا كطرف العين، والزمرة الثانية كالبرق الخاطف، والزمرة الثالثة كالريح، والزمرة الرابعة كالطير، والزمرة الخامسة كالخيل، والزمرة السادسة كالرجل المسرع، والزمرة السابعة يمرون عليها مشاة، ثم يبقى رجل واحد فهو آخر من يمر على ذلك الجسر، فيقال له: مر، فيضع عليه قدميه فتزل إحداهما ثم يركبه فيحبو على ركبتيه، فتصيب النار من شعره وجلده. قال: فلا يزال يترجرج على بطنه فتزل قدمه الأخرى وتثبت يده وتتعلق الأخرى، فهو على ذلك تصيبه النار، وهو يظن أنه لا ينجو منها، فلا يزال يترجرج على بطنه حتى يخرج منها، فإذا خرج منها نظر إليها فقال: تبارك الذي أنجاني منك، ما أظن أن ربي أعطى أحدا من الأولين والآخرين مثل ما أعطاني، أنه نجاني منك، بعد إذ رأيت ولقيت. قال: فيأتيه ملك من الملائكة، فيأخذ بيده فينطلق به إلى غدير بين يدي باب الجنة، فيقول له الملك: اغتسل في هذا الغدير واشرب منه. قال: فيغتسل ويشرب منه، فيعود له ريح أهل الجنة وألوانهم، ثم ينطلق به فيوقفه على باب جهنم ويقول له: قف هاهنا حتى يأتيك إذنك من ربك عز وجل. قال: فينظر إلى أهل النار ويسمع عواءهم كعواء الكلاب. قال: فيبكي فيقول: يا رب اصرف وجهي عن أهل النار، لا أسألك يا رب غيره. قال: فيأتيه ذلك الملك من عند رب العالمين عز وجل، فيحول وجهه عن النار إلى الجنة. قال: وبين مقامه إلى باب الجنة خطوة، فينظر إلى باب الجنة وعرضه، وأن ما بين عضادتي باب الجنة مسيرة أربعين عاما للطير المسرع. قال: فيسأل ذلك الرجل ربه عز وجل فيقول: يا رب إنك قد أحسنت إلى الإحسان كله، أنجيتني من النار وصرفت وجهي عن أهل النار إلى أهل الجنة، وإنما بيني وبين باب الجنة خطوة فأسألك يا رب بعزتك أن تدخلني الباب، ولا أسألك غيره، ولكن أجعل الباب بيني وبين أهل النار، فلا أسمع حسيسها، ولا أرى أهلها. قال: فيأتيه ذلك الملك من عند رب العالمين، فيقول: يا ابن آدم ما أكذبك ألست زعمت أنك لا تسأل غيره. قال عليه السلام: فيقول: ويحلف-: لا وعزة الرب لا أسألك غيره، فيأخذ بيده فيدخله الباب ثم ينطلق الملك إلى رب العالمين عز وجل. قال: فينظر ذلك الرجل في الجنة عن يمينه وشماله وبين يديه مسيرة سنة، فلا يرى أحدا غير الشجر والثمر وبين مقامه إلى أدنى شجرة خطوة. قال: فينظر إليها فإذا أصلها ذهب وغصنها فضة بيضاء، وورقها كأحسن حلل رآها آدمي وثمارها ألين من الزبد وأحلى من العسل وأطيب ريحا من المسك. قال: فتحير ذلك الرجل مما رأى. قال: فيقول: يا رب نجيتني من جهنم وأدخلتني باب الجنة وأحسنت إلى الإحسان كله، وإنما بيني وبين هذه الشجرة خطوة لا أسألك غيرها.

قسم V01/P298–V01/P300Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P298–V01/P300)

قال: فيأتيه ذلك الملك فيقول: ما أكذبك يا ابن آدم ألست زعمت أنك لا تسأل # غيرها زيادة، فما لك تسأل وأين ما أقسمت ألا تستحي؟ قال: فيأخذ بيده فينطلق به إلى أدنى منازله فإذا هو بقصر من لؤلؤ بين يديه على مسيرة سنة. قال: فإذا أتاه نظر إلى ما بين يديه فرأى منزلا كأنما كان ذلك القصر وما وراءه معه حلما، فلا يملك نفسه حين ينظر إليه فيقول: يا رب أسألك هذا المنزل ولا أسألك غيره. قال: فيأتيه ملك من الملائكة فيقول: يا ابن آدم أما أقسمت بربك عليك ألا تسأل غيره، ما أكذبك يا ابن آدم هو لك فإذا أتاه نظر إلى ما هو بين يديه كأنما كان منزله معه حلما. قال: فيقول: يا رب أسألك هذا المنزل، قال: فيأتيه ذلك الملك فيقول له: يا ابن آدم ما لك لا توفى بالعهد، ألست زعمت أنك لا تسأل غيره؟ ولا يلومه لأنه يرى ما تكاد نفسه تخرج منه من العجائب. قال: فيقول: هو لك، قال: فإذا بين يديه منزل آخر، كأنما كانت معه تلك المنازل حلما، فيبقى مبهوتا لا يستطيع أن يتكلم. قال عليه الصلاة والسلام: فيقول له رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ما لك لا تسأل ربك؟ فيقول: يا سيدي صلى الله عليك، والله لقد حلفت لرب العزة حتى خشيت منه وسألته حتى استحيت. قال: فيقول له رب العزة جل جلاله: أيرضيك أن أجمع لك الدنيا منذ يوم خلقتها إلى يوم أفنيتها ثم أضعفها لك عشرة أضعاف؟ قال فيقول ذلك الرجل: يا رب أتهزأ بي وأنت رب العالمين؟ قال: فيقول له رب العزة جل وعلا: إني لقادر أن أفعله فاسألني ما شئت. قال: فيقول الرجل: يا رب ألحقني بالناس. قال: فيأتيه ملك فيأخذ بيده، فينطلق به يمشي في الجنة حتى يبدو له شيء كأنه لم يكن رأى معه شيئا فيخر ساجدا، ويقول في سجوده: إن ربي عز وجل تجلى لي، فيقول له الملك: ارفع رأسك إن هذا منزلك وهو أدنى منازلك. قال: فيقول: لولا أن الله عز وجل حبس بصري لحار من نور هذا القصر، قال: فينزل في ذلك القصر فيلقاه رجل إذا رأى وجهه وثيابه يبقى مبهوتا يظن أنه ملك، فيأتيه ذلك الرجل فيقول: السلام عليك ورحمة الله وبركاته؛ لقد آن لك أن تجئ، فيرد عليه السلام ثم يقول له: من أنت يا عبد الله؟ فيقول: أنا قهرمان لك وأنا على هذا المنزل ولك مثلي ألف قهرمان، كل واحد منهم على قصر من قصورك، ولك ألف قصر في كل قصر ألف خادم وزوجة من الحور العين. قال: فيدخل في قصره ذلك فإذا هو بقبة من لؤلؤة بيضاء وفي جوفها سبعون بيتا، في كل بيت سبعون غرفة، لكل غرفة سبعون بابا، لكل باب منها قبة من لؤلؤ فيدخل تلك القباب فيفتحتها ولم يفتحها أحد من خلق الله قبله، فإذا هو في جوف تلك القبة بقبة من جوهرة حمراء طولها سبعون ذراعا، لها سبعون بابا، كل باب منها يفضى إلى جوهرة حمراء على مثل طولها لها سبعون بابا، ليس منها جوهرة على لون صاحبتها في كل جوهرة أزواج ومناص وأسرة. قال: فإذا دخلها وجد فيها زوجة من الحور العين، فتسلم عليه فيرد عليها السلام ثم يقوم مبهوتا، فتقول له: قد آن لك أن تزورنا وأنا زوجتك. قال: فينظر في وجهها فيرى وجهه في وجهها كما يرى أحدكم وجهه في المرآة من الحسن والجمال والصفوة، فإذا عليها سبعون حلة في كل حلة سبعون لونا ليس فيها لون على لون صاحبتها يرى مخ ساقها من ورائهن، لا يعرض عنها إعراضه إلا ازدادت حسنا في عينه سبعين ضعفا، فهي له مرآة وهو لها مرآة.

قسم V01/P300–V01/P302Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P300–V01/P302)

قال: وإن لكل قصر منها ثلثمائة وستون بابا، على كل باب ثلثمائة وستون قبة من لؤلؤة وياقوتة وجوهرة ليس منها قبة على لون صاحبتها، فإذا أشرف على ظهر القصر أشرف على ملكه مسيرة من الأرض ما ينفذ بصره فيها، إذا سار فيه سار في ملكه مائة سنة لا ينتهي إلى شيء فيه إلا نظر فيه أجمع، وإن الملائكة تدخل عليه في كل قصوره من كل باب بالسلام والهدايا من عند رب العالمين، ليس منهم ملك إلا ومعه من الهدايا ما ليس مع الآخر كل يوم في النهار تسلم عليه الملائكة معها الهدايا. وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل يقول: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار} [الرعد: 23 - 24]. وقال تعالى: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} [مريم: 62]. وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن هذا الرجل يسميه أهل الجنة المسكين لفضل منازلهم على منزله وإن لهذا المسكين ثمانين ألف خادم في طعامه إذا اشتهى الطعام نصبوا له مائدة من موائدها من ياقوتة حمراء ممنطقة من ياقوتة صفراء محفوفة بالدار والزبرجد وقوائمها من لؤلؤ حافتها عشرون ميلا. قال: فيوضع له عليها من الطعام سبعون لونا، ويقوم بين يديه ثمانون خادما مع كل خادم منهم صحفة فيها طعام وكأس فيه شراب، في كل صحفة من الطعام ما ليس في الأخرى، وفي كل كأس شربة ما ليس في الأخرى، يجد طعم أولها كطعم آخرها، ويجد لذة آخرها كلذة أولها، يشبه بعضه بعضا، وليس منها لون إلا وهو يصيب منه، وليس خادم إلا ويعطى حظه من ذلك الطعام والشراب إذا رفع من بين يديه". وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "وإن أهل الدرجة العليا يزورونه ولا يزورهم، وإن أهل الدرجة العليا ليسعى على كل رجل منهم ثمانمائة ألف خادم، وبيد كل خادم منهم صحفة فيها طعام ليس في الأخرى، وليس منها لون إلا وهو يصيب منه، وليس منهم خادم وإلا ويعطي حظه من ذلك الطعام والشراب إذا رفع من بين يديه، وما منهم من أحد إلا وله اثنتان وسبعون زوجة من الحور العين وآدميتان، لكل زوجة منهن قصر من ياقوتة خضراء ممنطقة بحمراء، فيها سبعون ألف مصراع، لكل مصراع قبة وليس منها زوجة إلا وعليها سبعون ألف حلة في كل حلة سبعون ألف لون، ليس منها حلة تشبه الأخرى، وليس منهن زوجة إلا بين يديها ألف جارية قيام لحوائجها، وسبعون ألف جارية لمجلسها، وما منهن جارية إلا وقد أشغلتها في حاجتها، إذا قرب إليها الطعام قام بين يديها سبعون ألف جارية، كل جارية منهم بيدها صحفة فيها من الطعام، وكأس فيها من الشراب ما ليس في الأخرى". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يشتاق الرجل إلى أخ له كان يحبه في الله عز وجل في الدنيا، فيقول: يا ليت شعري ما فعل أخي فلان شفقة عليه أن يكون قد هلك، فيطلع الله عز وجل على ما في قلبه، فيوحي إلى الملائكة أن سيروا بعبدي هذا إلى أخيه فتأتيه الملائكة بنجيبة عليها رحلها من مياثر النور. قال: فيسلم عليه، فيرد عليه السلام ويقول له: قم فاركب وانطلق إلى أخيك. قال: فيركب عليها، فيسير في الجنة ألف عام أسرع من أحدكم إذا ركب بنجيبته # فسار عليها فرسخا. قال: فلا يكون شيء أسرع حتى يبلغ منزل أخيه. قال: فيسلم عليه، فيرد عليه السلام ويرحب به. قال: فيقول: أين كنت يا أخي لقد كنت أشفقت عليك؟. قال: فيعتنق كل واحد منهما صاحبه ثم يقولان: الحمد لله الذي جمع بيننا، فيحمدان الله عز وجل بأحسن أصوات سمعها أحد من الناس. قال: فيقول الله عز وجل لهما عند ذلك: يا عبدي ليس هذا حين عمل، ولكن هذا حين تحية ومسألة، فاسألاني أعطيكما ما شئتما. قال: فيقولان: يا رب أجمع بيننا في هذه الدرجة. قال: فيجعل الله عز وجل تلك الدرجة مجلسهما في خيمة محفوفة بالدر والياقوت، ولأزواجهما منزل سوى ذلك. قال: فيشربون ويأكلون ويتمتعون .... ".

قسم V01/P302–V01/P304Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P302–V01/P304)

وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الرجل منهم ليأخذ لقمة فيجعلها في فيه، ثم يخطر بباله طعام آخر، فتتحول تلك اللقمة إلى الذي تمنى". قيل: يا رسول الله ما ارض الجنة؟ قال: أرضها رخامة من فضة مملسة، وترابها مسك، وتلالها زعفران، وحيطانها در وياقوت وذهب وفضة، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، وليس في الجنة قصر إلا يرى ظاهره من باطنه، وباطنه من ظاهره، وليس في الجنة رجل إلا وهو يلبس إزارا ورداء وحللا غير مقطعة وغير مخيطة، وليس منهم رجل إلا وهو يلبس تاجا من لؤلؤ مجوفا بالدر والياقوت والزبرجد، له ضفيرتان من الذهب، في عنقه طوق من ذهب محفوف بالدر والياقوت الأخضر، وفي يد كل رجل منهم ثلاث أسورة، سوار من ذهب، وسوار من فضة، سوار من لؤلؤ، تحت تيجانهم أكاليل من در وياقوت، وعلى حللهم تلك يلبسون السندس، وعلى السندس الإستبرق والحرير الأخضر، متكئين على فرش بطائنها من إستبرق، وظواهرها العبقري الحسان، أسرتها من ياقوت أحمر، وقوائمها اللؤلؤ على كل سرير منها ألف مثال، لكل مثال سبعون لونا، ليس منها مثال يشبه الآخر، بين يدي كل سرير منها سبعون ألف زريبة لكل زريبة سبعون لونا، ليس منها زريبة تشبه # صاحبتها، عن يمين كل سرير منها سبعون ألف كرسي، وعن شمالها مثل ذلك، ليس منها كرسي يشبه الآخر. وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن أهل الجنة أجمعين أعلاهم وأسفلهم على طول آدم، وطول آدم عليه السلام ستون ذراعا، شبابا جردا مردا مكحولين محممين هم ونساءهم على قدر واحد". قال: فلما فعل ذلك بهم، نادي مناد في الجنة، فيسمع صوته أدناهم وأقصاهم، فيقول: يا أهل الجنة أرضيتم منازلكم؟ فيقولون بأجمعهم: نعم والله لقد أنزلنا ربنا منزل الكرامة، لا نبغي عنها حولا ولا بها بدلا، رضينا بربنا جارا، اللهم ربنا فإنا سمعنا مناديك فأجبناه القول الصادق، اللهم ربنا فإنا اشتهينا النظر إلى وجهك فأرناه، فإنه أفضل ثوابنا عندك. قال: فأمر الله عز وجل عند ذلك الجنة فيها منزله ومجلسه واسمها دار السلام، خذي زينتك، وتزيني واستعدي لزيارة عبادي فاستمعت لربها وأطاعته قبل أن تنقضي الكلمة، وأخذت زينتها واستعدت لزوار الله تعالى، فيأمر الله تعالى ملكا من الملائكة أن أدع عبادي إلى زيارتي. قال: فيخرج ذلك الملك من عند الرحمن، فينادي بأعلى صوته، بصوت له لذيذ ممدود يقول: يا أهل الجنة، يا أولياء الله زوروا ربكم. قال: فيسمع صوته أعلاهم وأسفلهم، فيركبون على النوق والبراذين بأجمعهم، فيسيرون في ظل إلى جنب تلال من مسك أبيض وزعفران أصفر، فيسلمون عند الباب وتسليمهم أن يقولوا: السلام علينا من ربنا، فيستأذنون فيؤذن لهم، فيعمدون فيدخلون الباب، فتهب ريح من تحت العرش اسمها المثيرة، فتنسف تلال المسك والزعفران، فتغبر جيوبهم ورؤوسهم وثيابهم، فيدخلون وينظرون إلى عرش ربهم وكرسيه نورا يتلألأ عليهم من غير أن يتجلى لهم، فيقولون: سبحانك ربنا قدوس، رب الملائكة والروح، تباركت ربنا وتعاليت، أرنا ننظر إلى وجهك. قال: فيأمر الله عز وجل الحجب التي من نور: أن اعتزلي، فلا يزال يرتفع حجاب وراء حجاب حتى يرتفع سبعون حجابا، كل حجاب هو أشد نورا من الذي يليه سبعين ضعفا، فيتجلى لهم رب العزة عز وجل، فيخرون له سجدا ما شاء الله، يقولون وهم # ساجدون: سبحانك لك الحمد والتسبيح أبدا، أنجيتنا من النار وأدخلتنا الجنة، فنعم الدار رضينا عنك الرضا كله، فارض عنا، فيقول تبارك وتعالى: إني قد رضيت عنكم الرضا كله، وليس هذا أوان عمل، ولكن هذا حين نضرة ونعيم، فاسألوني أعطكم، وتمنوا على أزدكم. قال: فيتمنون من غير أن يتكلموا، فيتمنون أن يديهم لهم ما أعطاهم، فيقول تعالى: إني معطيكم الذي تمنيتم ومثل الذي أعطيتكم. قال: فيرفعون رؤوسهم بالتكبير، ولا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم إلى ربهم عز وجل من شدة نور رب العزة، وذلك المجلس يسمى شرقي قبة عرش رب العالمين، فيقول لهم رب العزة مرحبا يا عبادي وجيراني وأصفيائي وأحبائي وأوليائي وخيرتي من خلقي وأهل طاعتي.

قسم V01/P304–V01/P306Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye (s. V01/P304–V01/P306)

قال: فإذا بين يدي عرش رب العزة منابر من نور، من دون تلك المنابر كراسي من نور، من دون تلك الكراسي الفرش، ودون الفرش النمارق، ودون النمارق الزرابي. قال: فيقول لهم رب العزة: هلم اجلسوا على كرامتكم، فيتقدم الرسل فيجلسون على تلك المنابر، ويتقدم الأنبياء فيجلسون على تلك الكراسي، ويتقدم الصالحون فيجلسون على تلك الزرابي. قال: فتوضع لهم موائد من نور، على كل مائدة سبعون لونا مكللة باللؤلؤ والياقوت. قال: فيقول رب العزة لحفدته: أطعموهم، قال: فيوضع لهم على كل مائدة سبعون ألف صحفة من در وياقوت، وفي كل صحفة سبعون لونا من الطعام. قال: فيقول عز وجل: كلوا يا عبادي، قال: فيأكلون ما شاء الله من ذلك، قال: فيقول بعضهم لبعض: إن طعامنا الذي عند أهلنا عند هذا حلم. قال: فيقول رب العزة لحفدته: اسقوا عبادي، قال: فيأتونهم بشراب فيشربون منه، فيقول بعضهم لبعض: إن شرابنا عند هذا الشراب حلم. قال: فيقول رب العزة لحفدته: أطعمتموهم وسقيتموهم ففكهوهم الآن. قال: فيأتون بفاكهة فيأكلون منها، فيقول بعضهم لبعض: إن فاكهتنا عند هذه حلم. قال: فيقول رب العزة سبحانه: أطعمتموهم وفكهتموهم وسقيتموهم، أكسوهم # وحلوهم: قال: فيأتونهم بكسوة وحلية فيلبسونها، فيقول بعضهم لبعض: إن كسوتنا وحليتنا عند هذه حلم. قال: فبينما هم جلوس على كراسيهم بعث الله عز وجل عليهم ريحا من تحت العرش تسمى المثيرة، فتأتيهم بمسك وزعفران وكافور من تحت العرش أشد بياضا من الثلج، فتغبر ثيابهم ورؤوسهم وجيوبهم فتطيبهم، ثم ترفع عنهم الموائد مع ما عليها من الطعام. قال -عليه الصلاة والسلام-: فيقول لهم رب العزة سلوني الآن أعطكم وتمنوا أزدكم، قال: فيقولون بأجمعهم: اللهم ربنا فإنا نسألك رضاك عنا، فيقول عز وجل: إني قد رضيت يا عبادي عنكم، قال: فيخرون له سجدا بالتسبيح والتكبير، فيقول رب العزة: يا عبادي ارفعوا رؤوسكم ليس هذا حين عمل هذا حين نظرة ونعيم. قال: فيرفعون رؤوسهم ووجوههم مشرقة من نور ربهم، قال: فيقول رب العزة عز وجل: انصرفوا إلى منازلكم، قال: فيخرجون من عند ربهم، ثم تلقاهم غلمانهم بدوابهم، قال: فيركب كل واحد منهم على ناقته أو برذونه، ويركب معه سبعون ألف غلام على مثل الذي يركب، فيسير من شاء منهم بالسواء إلى داره، ثم يسير معه سائرهم حتى يقدم القصر الذي يريد. قال: فإذا جاء قصره فدخل على زوجته قامت إليه فرحبت به وقالت له، جئتني يا حبيبي، جئتني بحسن ونور وجمال وكسوة وريح وحلية لم أفارقك عليها. قال: فينادي ملك من عند الرحمن عز وجل بصوت عال فيقول: يا أهل الجنة كذلك أنتم أبدا، يجدد لكم النعيم قال: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار} [الرعد: 23 - 24] إن ربكم يقرأ عليكم السلام ومعهم من الأطعمة والأشربة والكسوة والحلية". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين أمير يرون له الفضيلة والسؤدد، فيها جبال من مسك أبيض وزعفران أصفر، إذا أكلوا طعامهم تجشوا أطيب من المسك، فإذا شربوا شرابهم رشحت جلودهم المسك لا يتغوطون ولا يهريقون الماء ولا يبصقون ولا يمتخطون ولا يمرضون ولا يصدعون". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "أهل الجنة أعلاهم وأسفلهم يتغدون متكئين ساعتين، ويتفاضلون # ساعتين، ويمجدون خالقهم أربع ساعات، ويتزاورون ساعتين، وفيها ليل ونهار وظلمة، ليلها أشد بياضا من النهار، اليوم سبعين جزءا". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن أدنى أهل الجنة عطية من لو نزل عليه الإنس والجن لكان عنده من الكراسي والفرش والنمارق والزرابي ما يجلسون ويتكئون عليه، ويفضل عليهم من الموائد والصحائف والخدم والطعام والشراب إلا كقدر ما أصاب رجلا واحدا".

%0
10 Bölüm