، ويمثل الكعبة البيت الحرام أمامه ونصب عينيه على ما تقدم بيانه في أول الكتاب. ويتيقن قيامه بين يدي الله تعالى، ولا # يشك أنه بعين الله منتصب حيث يراه لقوله تعالى: {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين} [الشعراء: 218 - 219]. ولقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك". وينوي الصلاة الفريضة بعينها ويصفها بالأداء والقضاء، فهو أولى، ويرفع يديه إلى فروع أذنيه أو حذو منكبيه، وقد بينا صفة ذلك في أول الكتاب. وهل يضم الأصابع بعضها إلى بعض أن يفرجها على روايتين، وإذا رفع يديه وكبر كأنه رفع الحجاب الذي بينه وبين الله تعالى، فيحصل في المكان الذي لا يجوز التلفت فيه ولا التشاغل عنه، ولعلمه أنه بعين من يرى حركته، ويعلم ما يتلجلج في نفسه، وينطوي عليه سره وقلبه، فينظر موضع سجوده ولا يلتفت يمينا وشمالا، ولا يرفع رأسه إلى السماء. وإذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، علم أنه يخاطب من هو سامع منه مقبل عليه ناظر إليه، ولا يخفى عليه موضع شعرة ولا حركة جارحة عنه. وكذلك قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 5 - 6] يعقل ما يقول ويدري من يخاطب بهذا الخطاب، ولا ينسى مع ذلك الخضوع والتحفظ حذرا من وقوع السهو عليه فيما هو قائم له وماثل فيه، ويأتي بإحدى عشرة تشديدة في الفاتحة، ويحذر اللحن الذي يغير المعنى فيها، فإن قراءتها فريضة، وهي ركن تبطل الصلاة بتركها، ومع ذلك يرى كأنه واقف على الصراط، وأن الجنة عن يمينه بصفتها والنار عن شماله بما فيها، وأنه بصلاته يستنجز ما وعد الله عز وجل بها إذا صحت صلاته من ثواب الجنة، ومستحصن بها من وعيد الله بعقاب النار، كل ذلك بيقن من قلبه، وحضور من عقله، ويعتقد مع ذلك أنه يصلي صلاة مودع لا يشك أنها تعرض على الله تعالى، وأنه لا يصح له منها إلا ما يصح له عند الله فقط، ثم يأتي بقراءة ما يسر من السور الكوامل، وهي أول من قراءة أواخرها وأواسطها، ويكون ناصتا إلى ما يقرأ متفهما إلى ما يلفظ ويتلو. وكذلك إن كان مأموما ينصت إلى قراءة الإمام ويفهمها ويتعظ بمواعظها وزواجرها، # ويعتقد امتثال أوامرها هكذا إلى أن تنتهي السورة. فإذا فرغ من القراءة ثبت قائما وسكت حتى يرجع إليه نفسه قبل أن يركع، ولا يصل قراءته بتكبيرة الركوع، ثم يكبر ويرفع يديه إلى فروع أذنيه أو حذو منكبيه على ما بينا في أول الكتاب. فإذا انقضى التكبير حط يديه، ثم انحط في قيامه للركوع، ويلقم راحته ركبتيه، ويفرق يبن أصابعه، ويعتمد على ضبعيه وساعديه، ويسوي ظهره، ولا يرفع رأسه، ولا يخفض فينكسه، فقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أنه كان إذا ركع لو كانت قطرة ماء على ظهره ما تحركت عن موضعها". وجاء عنه -صلى الله عليه وسلم- "أنه كان إذا ركع لو كان قدح من ماء على ظهره ما تحرك عن موضعه". وذلك لاستواء ظهره ومبالغته في ركوعه -صلى الله عليه وسلم-، ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثا وهو أدنى الكمال. وقال الحسن البصري رحمه الله: التسبيح التام سبع، والوسط من ذلك خمس، وأدناه ثلاث تسبيحات. ثم يرفع رأسه مسمعا فينتصب معتدلا فيطمئن مترسلا يديه، ثم ينحط للسجود فيبدأ بوضع ركبتيه على الأرض ثم يديه ثم جبهته وأنفه، ويتمكن من الأرض ويطمئن في سجوده، ويتوجه بكل عضو منه وجزء إلى القبلة. وجاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أمرت بالسجود على سبع أعظم". وي حديث آخر "إن العبد يسجد على سعة أعضاء، فأي عضو منها ضيعه لم يزل ذلك العضو يلعنه".
Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye
jilani · AR
ويكون في سجوده منقبضا لا ينبسط على الأرض، ولا يفرش ذراعيه وينام عليهما ولا على فخذيه بل يضع أصابع يديه على الأرض حتى يحاذي بها أذنيه أو منكبه الموضع الذي يستحب رفع اليد إليه في التكبير في حال القيام، ولا يضعهما حداء رأسه، ويضم أصابعه ويوجهها نحو القبلة، ويبين العضدين عن الجنبين، والفخذين عن # الساقين، والبطن عن الأرض على ما تقدم بيانه. ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا كالركوع، ثم يرفع رأسه مكبرا، ويجلس على رجله اليسرى، وينصب اليمنى ويقول: رب اغفر لي ثلاثا، ناظرا إلى حجره، ثم يسجد ثانية كذلك، ثم يرفع رأسه مكبرا من الأرض ثم يديه ثم ركبتيه معتمدا على ركبتيه، فينهض على صدور قدميه، ولا يقدم إحدى رجليه فإنه مكروه. وقيل: إنه يقطع الصلاة مروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، ويفعل كذلك في الركعة الثانية، فإذا جلس للتشهد الأول جلس على رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى ويوجه أصابعه نحو القبلة، ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويده اليمنى على فخذه اليمنى، ويشير بأصبعه التي تلي الإبهام وهي السبابة، ويحلق الإبهام مع الوسطى، ويقبض الخنصر والبنصر، وتكون عينه إلى إصبعه من أول تشهده إلى آخره، لما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا كان أحدكم في الصلاة فجلس فلا يعبث بشيء، فإنه يناجي ربه"، ولكن يجعل يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويده اليمنى على فخذه اليمنى، ثم ليكن قلبه وبصره إلى أصبعه فإنها مذبة للشيطان، ويتشهد فيقول: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". ثم يقوم مكبرا فيقرأ الفاتحة فحسب، ويركع ويسجد كذلك، ثم يصلي الركعة الرابعة كذلك، ثم يجلس للتشهد فيأتي به على ما ذكرنا. فإذا بلغ عبده ورسوله قال: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد". وعن إمامنا أحمد رواية أخرى: أنه يذكر إبراهيم ثم يذكر آله فيقول على إبراهيم وعلى إبراهيم، وهذا آخر التشهد. ويستحب له أن يستعيذ من أربع فيقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات". ثم يدعو فيقول: "اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون، وأعوذ بك من رش ما استعاذك منه عبادك الصالحون. اللهم إني أسالك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 201]، {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد} [آل عمران: 193 - 194]. وإن زاد على ذلك جاز، إلا أن يكون إماما فيطول ذلك على المأمومين، فالمستحب الاقتصار حفظا لقلوبهم، لعل أن يكون فيهم ذو الحاجة، ثم يسلم ويدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين، ويكون في جميع ذلك متخوفا من عاقبتها، كيف وقد وقعت عند الله عز وجل الداعي إليها الآمر بها المثيب عليها والمعاقب عليها عند إساءتها، فإذا خرج منها عرضها على العلم. فإن شهد لها ببراءة الساحة وسلامة المنزلة حمد الله تعالى وأثنى عليه إذ جعله أهلا لذلك، وأن وجد فيها نقصانا وخللا تاب إلى الله عز وجل واستغفر الله وتأهب واجتهد في التحفظ على التي بعدها.
وللصلاة المقبولة علامة بينة وللمردودة علامة بينة فعلامة المقبولة نهيها وكفها لصابحها عن الفواحش والمناكر، وترغيبه في الخير، وتجديد نيته في الصلاة والازدياد من الطاعات وفعل الخيرات، والرغبة في المثوبات، وارتداعه عن الاسواء وكراهة المعاصي والخطيئات، لقول الله عز وجل: {وإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] وهذا الذي ذكرنا يشترك فيه الإمام والمأموم والمنفرد. فأما شرائط الصلاة وواجباتها ومسنوناتها فقد ذكرناها في أول الكتاب. (فصل: فيما يختص بالإمام) ولا ينبغي للرجل أن يكون إماما حتى تكون فيه هذه الخصال التي نذكرها. وهي ألا يحب أن يتقدم وهو يجد من يكفيه ذلك، ولا يتقدم وهناك من هو أفضل منه، لأنه جاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا أم القوم رجل وخلفه من هو أفضل منه لم يزالوا في سفال". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لأن أقدم فترض عنقي ولا يقربني ذلك من إثم خير من أن أتقدم قوما فيهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وأن يكون قارئا لكتاب الله، فقيها في دين الله، بصيرا بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأنه جاء في الحديث "اجعلوا أمر دينكم إلى فقهائكم، وأئمتكم قراؤكم"، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يؤمكم خياركم فإنهم وفودكم إلى الله عز وجل". وإنما خصهم -صلى الله عليه وسلم- بذلك لأنهم أهل الدين والفضل والعلم بالله عز وجل والخوف من الله تعالى، الذي يعنون بصلاتهم وصلاة من خلفهم، ويتقون ما يلزمهم من وزر أنفسهم ووزر من خلفهم إن أساؤوا في صلاتهم، وما أراد -صلى الله عليه وسلم- بالقراء الحفظة للقرآن فحسب من غير أن يعملوا به، وإنما أراد -صلى الله عليه وسلم- العمال بالقرآن مع حفظه، وقد جاء في الحديث: "إن أحق الناس بهذا القرآن من كان يعمل به وإن كان لا يقرؤه". وقد يحفظ القرآن من لا يعمل به ولا يعبأ بإقامة حدوده مما فرض الله عليه من العمل به وما نهاه من النهي عنه، فلا نعنى نحن به ولا كرامة له، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما آمن بالقرآن من استحل محارمه". فلا يجوز للناس أن يقدموا عليهم في صلاتهم إماما إلا أعلمهم بالله وأخوفهم له، فإن خالفوا وقدموا غيره لم يزالوا في سفال وإدبار وانتقاص في دينهم وبعد من الله تعالى ومن رضوانه وجنته. فرحم الله قوما عنوا بدينهم وصلواتهم، فقدموا خيارهم واتبعوا في ذلك سنة نبيهم # -صلى الله عليه وسلم- وطلبوا بذلك القربة إلى ربهم تبارك وتعالى. وينبغي أن يكون الإمام حافظا للسانه من عيب الناس عليه وغيبتهم إلا من الخير، ويكون يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه، ويحب الخير وأهله، ويبغض الشر وأهله، عارفا بمواقيت الصلاة محافظا عليها، مقبلا على شأنه، عفيف البطن والفرج، منقبض اليد عن الحرام، قليل السعي إلا في ابتغاء مرضاة الله عز وجل، وقورا حمولا صبورا على الأذى، يغضى عن الشر ويحتمل ممن يتكلم فيه، ويصبر على من يجهل عليه، ويحسن إلى من أساء إليه، ويكون غضيض الطرف عن المحارم، إن رأى عورة سترها، وإن رأى مخزية دفنها، يعرض عن الجاهلين ويقول لهم: اللهم سلاما، الناس منه في راحة، وهو من نفسه في عناء، حريصا على فكاك رقبته، مجدا في خلاص نفسه، ويعلم أنه قد بلي بشيء عظيم جليل خطره، كبير شأنه. وليكن همه ما قد كلف به من عظيم قدر الإمامة وخطر قدرها وخيرها، وليكن قليل الكلام إلا فيما يعنيه، له حال وللناس حال، إذا قام في محرابه علم أنه قائم في مقام النبيين، وخليفه سيد المرسلين، ويناجي رب العالمين. يتحرى الاجتهاد لتمام الصلاة وليسلم من خلفه، ممن تقلد إمامته، خفيف الصلاة في تمام، يصلي بصلاة أضعفهم، فيرى في نفسه أنه دونهم وأنه مبتلى بإمامتهم، وأن الله تعالى يسأله عن أداء الفرائض عن نفسه وعنهم.
وهو بتقدمه باك على خطيئته، نادم على ما سلف من تفريطه وقديم أيامه، وما انقضى من أوقاته، لا يتكبر على من خلفه، ولا يتجبر على من هو دونه، ولا يغضب حمية لنفسه، إذا قيل ما فيه وما هو عنه بريء، ولا يحب حمدهم ولا يكره ذمهم، فتكون الجماعة عنده في الحالتين سواء، لم يجرب عليه كذبة، طيب الطعام، نظيف اللباس، متواضعا في لبسه متخاشعا في جلسته، غير محدود في الإسلام، ولا ذا ريبة في الأنام، ولا غمازا على أخيه عند السلطان، ولا هو ساع إلى الشر، ولا ذي غمز في حقه، ولا خائن في وديعة وتجارته وعاريته، ولا يتقدم وهو خبيث المطعم والمكسب، ولا يتقدم وهو يشتهي الإمامة، ولا يتقدم وهو يعلم أن فيه حسدا ولا بغيا ولا حقدا ولا إحنة ولا غلا ولا رجاء ولا طالبا لثأر، ولا منتصرا لنفسه، ولا متشفيا من غيظ، ولا متتبعا عورة رجل مسلم، ولا غاشا لأحد من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-. ولا يتكلم في فتنة ولا يسعى فيها ولا يقويها، بل يعين أهل الحق على أهل الباطن بيده ولسانه وقلبه، يقول الحق وإن كان مرا، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يحب مدح الناس له، ولا يكره ذمهم، ولا يخص نفسه بشيء من الدعاء، بل يعمم الدعاء له ولهم وقت ما يدعو عقيب الصلاة بهم، فإن أفرد نفسه بذلك كان خيانة منه لهم، ولا يؤثر بعضهم على بعض إلا أولى العلم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ليليني أولو الأحلام والنهي". وكذلك الذين يلونهم وراء ظهره، ولا يقرب الغنى ويزري بالفقير، ولا ينبغي له أن يتقدم بقوم وفيهم من يكره إمامته، فإن كان فيهم من يكره ومن لا يكره نظر، فإن كان الأكثر يكرهونه اعتزل المحراب ولا يقربه، هذا إذا كانت كراهتهم له بعلم وحق، وإن كانت بجهل وباطل ورعونة نفس وعصبية لمذهب أو هوى لم يلتفت إلى كراهتهم، ولا يترك الصلاة بهم إلا أن يخاف الفتنة في القوم لأجله، فيتنحى ويعتزل المحراب لذلك حتى يصطلحوا أو يرضوا، ولا ينبغي له أن يكون مماريا ولا حلافا ولا لعانا، ولا يدخل مداخل السوء والتهم، ولا يأنف ولا يخالط من الناس إلا الصالحين، ولا ينبغي له أن يكون إماما وهو يحب الفتنة وأهلها، والعصبية وأهلها، والرياسة وأهلها، وينبغي أن يكون صبورا على أذية الناس متوددا إليهم، طالبا لمنفعتهم، مجتهدا في نصيحتهم، لا يماري على الإمامة ولا يقاتل عليها من كفاه عظيم مؤنتها. ولقد نقل عن الأكابر ممن تقدم من السلف الصالحين أنهم كرهوا الإمامة وقدموا من ليس هو مثلهم في الشرف والديانة ابتغاء حمل المؤنة عنهم وتخفيفا، وخيفة من تقصير يقع لهم. وينبغي للإمام إذا حضر عنده ذو سلطان ألا يتقدم عليه في الصلاة إلا بإذنه، وكذلك لا جلس إلا بإذنه، وإذا نزل بقرية أو محلة أو قبيلة أو حي من أحياء العرب لا يؤمهم إلا بإذنهم، وكذلك إذا اتفق مع قوم في قافلة وسفر ومجمع لا يؤمهم إلا بإذنهم. وينبغي للإمام ألا يطيل الصلاة بل يخففها مع التمام لما روي عن أبي هريرة رضي # الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا كان أحدكم إماما فليخفف، فإنه يقوم وراءه الصغير والكبير وذو الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطل ما شاء". وعن أبي واقد رضي الله عنه قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أوجز الناس صلاة على الناس، وأدومه على نفسه". (فصل) وينبغي للإمام ألا يدخل في الصلاة ولا يكبر حتى ينوي الإمامة بقلبه
، وإن تلفظ ذلك بلسانه كأن أحسن، ويلتفت يمينا وشمالا فيسوى الصفوف فيقول: استووا رحمكم الله، واعتدلوا رضي الله عنكم، ويأمرهم بسد الفرح وتسويه المناكب ودنو بعضهم إلى بعض حتى تتماس مناكبهم، لأن اختلاف المناكب واعوجاج الصفوف نقص في الصلاة وحضور الشياطين وقيامهم مع الناس في الصفوف، جاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "راصوا الصفوف وحاذوا المناكب وسدوا الخلل حتى لا يقوم بينكم مثل أولاد الحذف" يعني مثل أولاد الغنم من الشياطين. وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قام مقامه إلى الصلاة لم يكبر حتى يلتفت يمينا وشمالا فيأمرهم بتسوية مناكبهم ويقول: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم". ورأى -صلى الله عليه وسلم- يوما رجلا قد خرج صدره من الصف فقال: "لتسون مناكبكم أو ليخالفن الله تعالى بين قلوبكم". وفيما اتفق عليه مسلم والبخاري رحمهما الله عن سالم بن أبي الجعد رحمه الله قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله تعالى بين وجوهكم". وفي حديث آخر عن قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة". وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قام مقام الإمام لا يكبر حتى يأتيه رجل قد وكله بإقامة الصفوف فيخبره أنهم قد استووا فيكبر حينئذ. وكذلك كان يفعل عمر بن عبد العزيز رحمه الله. وروى أن بلالا المؤذن رضي الله عنه كان يسوى الصفوف ويضرب عراقيبهم بالدرة حتى يستووا. وقال بعض العلماء: إن الظاهر من هذا أنه كان يفعل ذلك على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند إقامته قبل أن يدخل في الصلاة لأن بلالا رضي الله عنه لم يؤذن لأحد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا يوما واحدا عند مرجعه من الشام في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بسؤاله وسؤال الصحابة رضي الله عنهم شوقا إلى رسول الله -صلى الله عله وسلم- وعهده، فلما بلغ بلال رضي الله عنه إلى قوله: أشهد أن محمدا رسول الله، امتنع من الآذان فلم يقدر عليه، فسقط مغشيا عليه حبا للنبي -صلى الله عليه وسلم- وشوقا إليه، واشتد عند ذلك بكاء أهل المدينة من المهاجرين والأنصار حتى خرجت العوائق من خدورهن شوقا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فثبت بذلك أن ضربه لعراقيب الناس كان على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وينبغي للإمام ألا يدخل طاقة القبلة فيمنع من ورائه رؤيته، بل يخرج منه قليلا. وعن إمامنا أحمد رحمه الله رواية أخرى: أنه يستحب قيامه فيه، ولا يقف مقاما أعلى من مقام المأمومين، فإن فعل فهل تبطل صلاته على وجهين. وينبغي له إذا سلم من صلاته ألا يلبث في محرابه، وليقم وليتنح إلى يساره، فليأت بتنفله ناحية من المحراب، لما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يتطوع الإمام في مقامه الذي يصلى فيه بالناس المكتوبة" وأما المأموم فجائز له ذلك، وهو مخير إن شاء صلى في موضعه أو يتأخر قليلا. وينبغي أن تكون له سكتتان سكتة عند افتتاح الصلاة وسكتة إذا فرغ من القراءة قبل أن يركع حتى يتنفس ويسكن وهج قراءته، ولا يصل قراءته بتكبيرة الركوع، لأن ذلك مروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في ديث سمرة بن جندب رضي الله عنه. وينبغي إذا صلى إلى سترة أن يدنو منها، ولا يدع بينه وبينها فرجة بعيدة لئلا يمر بينهما كلب أسود بهيم أو حمار أو امرأة، فإن صلاته تنقطع بذلك عند أحمد إمامنا # رحمه الله. وعنه في المرأة والحمار رواية أخرى لا بأس بهما. وينبغي له إذا ركع سبح ثلاث تسبيحات على ما ذكرنا، ولا يسرع فيها ولا يبادر، وليكن بتمام من كلامه، وبتأييد وتمكن، لأنه إذا أسرع بالتسبيح لم يدركه من خلفه، فيؤدي ذلك إلى مسابقة المأموم فتفسد صلاتهم، فيرجع وزرهم إليه.
وكذلك ينبغي له إذا رفع رأسه من الركوع وقال: "سمع الله لمن حمده" ثبت قائما معتدلا ويقول: "ربنا ولك الحمد" من غير عجلة في كلامه حتى يدركه المأمون، وإن زاد على ذلك فقال: ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، جاز لأن ذلك مروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وجاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا رفع رأسه من الركوع يقوم حتى يقال قد نس". وكذلك يثبت في السجود وفي الجلسة بين السجدتين ليدركه من خلفه في الركن. ولا نظر إلى قول من يقول: إذا فعل ذلك سبقه المأموم فبطلت صلاته، إذا تكرر ذلك منه، ففي ذلك فساد لأن الناس إذا رأوه يديم ذلك ويواظب عليه علموا أن التثبيت دأبه فثبتوا له ولم يبادروا، ثم يقال للإمام: يستحب لك أن تخوفهم قبل الشروع في الصلاة وتحذرهم من مسابقتك، على ما نذكره في الفصل الذي يليه، فلا يؤدى ذلك إلى فساد بل إلى مصلحة عامة وتمام صلاة الجميع، وقد جاء في الحديث "إن كل مصل راع ومسئول عن رعيته". وقيل: إن الإمام راع لمن يصلي بهم، فعلى الإمام النصيحة لمن يصلى خلفه، وينهاهم عن المسابقة في الركوع والسجود، ويحسن أدبهم إذ هو راع لهم ومسئول غدا عنهم، ويتم صلاته ويحكمها ويحسنها حتى يكون له مثل أجر من يصلي خلفه، وإلا عليه مثل أوزارهم إذا أسا وقصر. (فصل) ويجب على المأموم أن ينوي الائتمام ، ويقف على يمين الإمام ولا يقف قدامه ولا عن يساره، فإن كانوا جماعة فالسنة أن يقفوا خلفه، فإن كبر عن يمينه وجاء آخر فإنه يكبر معه ويحصل معه صفا ثم يخرجان وراء الإمام، فإن كبر الثاني أخرجهما الإمام بيده إلى ورائه، ولا يتقدم هو عن موضعه إلا أن يكون وراءه ضيق، وإذا حضر # الجماعة فوجد في الصف فرجة دخل فيها، وإن لم يجد وقف عن يمين الإمام، ولا يجذب رجلا فيقوم معه صفا لأنه يؤدي إلى الهرج والفتنة والبغضاء والعداوة، ولأنه يؤدي ذلك إلى بطلان صلاة المجذوب، لأنه يصير فذا بذلك، وذلك يبطل الصلاة عندنا، ولكن يجتهد فيحصل كتفيه في الصف، فيكبر ويحرم بالصلاة، ثم يخرج مع واحد منهم إلى وراء الصف، وإذا دخل المسجد والإمام في الرجوع كبر تكبيرتين: إحداهما للإحرام، والأخرى للركوع، فإن كبر واحدة ونواهما جاز، وإذا دخل والإمام في التشهد الأخير استحب له أن ينوى الصلاة ويكبر ويجلس مع الإمام ليدرك فضل الجماعة، فإذا سلم الإمام بنى على تكبيره وصلى. (فصل) وينبغي للمأموم أيضا ألا يسبق الإمام في التكبير ولا في الركوع والسجود ولا في الرفع عنهما، ويحذر ذلك جدا، ويجتهد وسعه ويبذل طاقته أن تكون أفعاله جميعها في الصلاة عقيب فعل إمامه. وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. من ذلك ما روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أما يخاف الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار". وفي حديث آخر عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الإمام يركع قبلكم ويسجد قبلكم ويرفع قبلكم". وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: "كنا خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان إذا انحط من قيامه للسجود لا يحنى أحد منا ظهره حتى يضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جبهته على الأرض، وكان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يلبثون خلفه قياما حتى ينحط النبي -صلى الله عليه وسلم- ويكبر ويضع جبهته على الأرض وهم قيام ثم يتبعونه". وقد جاء عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم قالوا: "لقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستوي قائما وإنا لسجد بعد". وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أما يخشى الذي يرفع # رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو رأس خنزير".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا القاسم -صلى الله عليه وسلم- يقول: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار". وروى أن ابن مسعود رضي الله عنه نظر إلى من سبق الإمام فقال: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت، والذي لم يصل وحده ولم يقتد بإمامه فذلك الذي لا صلاة له. وكذلك روى أن ابن عمر رضي الله عنهما نظر إلى من سبق الإمام فقال له: ما صليت وحدك ولا صليت مع الإمام، ثم ضربه وأمره أن يعيد الصلاة. وعن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع رأسه فارفعوا رؤوسكم، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا جميعا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا قبل أن يسجد، وإذا رفع رأسه فارفعوا رؤوسكم، ولا ترفعوا رؤوسكم قبل أن يرفع وإذا صلى جالسا فصلوا أجمعون جلوسا". وروى إمامنا أبو عبد الله أحمد رحمه الله في رسالة له بإسناده عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علمنا صلاتنا وعلمنا ما نقول فيها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين ...} فقولوا: "آمين"، يجبكم الله، وإذا كبروا فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، فارفعوا رؤوسكم وقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم، وإذا كبروا وسجد فكبروا واسجدوا، وإذا رفع رأسه وكبر فارفعوا رؤوسكم وكبروا، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فتلك بتلك، وإذا كان في القعدة فليكن من قول أحدكم: التحيات لله والصلوات والطيبات، حتى تفرغوا من التشهد". قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رحمه الله، وأماتنا على مذهبه أصلا وفرعا، وحشرنا في زمرته: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا كبر فكبروا" معناه أن ينتظروا الإمام حتى يكبر ويفرغ من تكبيره وينقطع صوته ثم يكبرون بعده، والناس # يغلطون في هذه الأحاديث ويجهلونها مع ما عليه عامتهم من الاستخفاف بالصلاة والاستهانة بها، فتارة يأخذ الإمام في التكبير فيأخذون معه في التكبير، وهذا خطأ لا ينبغي لهم أن يأخذوا في التكبير حتى يكبر الإمام ويفرغ من تكبيره وينقطع صوته وهكذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- "إذا كبر الإمام فكبروا" والإمام لا يكون مكبرا حتى يقول: الله أكبر، لأن الإمام لو قال الله ثم سكت لم يكن مكبرا حتى يقول: الله أكبر فيكبر الناس بعد قوله: الله أكبر، فأخذهم في التكبير مع الإمام خطأ، وترك لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-، لأنك لو قلت إذا صلى فلان فكلمه كان معناه أن انتظره حتى إذا صلى وفرغ من صلاته كلمته، وليس لك أن تكلمه وهو يصلى، وكذلك معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا كبر الإمام فكبروا" وربما طول الإمام في التكبير إذا لم يكن له فقه، والذي يكبر معه ربما جزم التكبير ففرغ من التكبير قبل أن يفرغ الإمام، فقد صار هذا مكبرا قبل الإمام، ومن كبر قبل الإمام فليست له صلاة، لأنه دخل في الصلاة قبل الإمام وكبر قبل الإمام فلا صلاة له. وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا كبر وركع فكبروا واركعوا" معناه: أن ينتظروا الإمام حتى يكبر ويركع وينقطع صوته، وهم قيام ثم يتبعونه. وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فإذا رفع رأسه وقال: سمع الله لمن حمده فارفعوا رؤوسكم وقولوا: اللهم ربنا لك الحمد" معناه: أن ينتظروا الإمام ويثبتوا ركوعا حتى يرفع الإمام رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده، وينقطع صوته وهم ركوع، ثم يتبعونه فيرفعون رؤوسهم ويقولون: اللهم ربنا لك الحمد.
وقوله: "فإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا" معناه: أن يكونوا قياما حتى يكبر وينحط للسجود ويضع جبهته على الأرض وهم قيام، ثم يتبعونه. وكذلك جاء عن البراء بن عازب رضي الله عنهما، وهذا كله موافق لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الإمام يركع قبلكم ويسجد قبلكم ويرفع قبلكم". وقوله: "إذا كبر ورفع رأسه فارفعوا رؤوسكم وكبروا" معناه: أن يثبتوا سجودا حتى يرفع رأسه ويكبر، فإذا انقطع صوته وهم سجود اتبعوه فرفعوا رؤوسهم. وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فتلك بتلك" يعني: انتظاركم إياه قياما حتى يكبر ويركع وأنتم قيام فتتبعونه، وانتظاركم إياه ركوعا حتى يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده وأنتم # ركوع، فإذا قال: سمع الله لمن حمده وانقطع صوته وأنتم ركوع اتبعتموه فرفعتم رؤوسكم وقلتم ربنا لك الحمد. وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فتلك بتلك" في كل رفع وخفض، وهذا تمام الصلاة فاعقلوه وأبصروه وأحكموه، واعملوا أن كثيرا من الناس يوم القيامة ما تكون لهم صلاة لسبق الإمام بالركوع والسجود والرفع والخفض. وقد جاء في الحديث "أنه يأتي على الناس زمان يصلون ولا يصلون" ويوشك أن يكون زماننا هذا، فإن الغالب عليهم مسابقة الإمام وتضييع أركان الصلاة وواجباتها ومسنوناتها وتمامها. (فصل) ويجب على من رأى من يقصر في صلاته ويسقط أركانها وواجباتها وآدابها أن يعظه ويعلمه وينصحه ليصلح فيما بقى ويستغفر عما مضى، فإن لم يفعل كان شريكه في ذلك وعليه وزره وإثمه. وقد جاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ويل للعالم من الجاهل حيث لا يعلمه". فلولا أن تعليم الجاهل واجب على العالم ولازم له وفرض عليه لما توعده -صلى الله عليه وسلم- بالويل في السكوت عنه، لأن الوعيد لا يستحقه إلا من ترك الواجب والفرض دون النفل. وجاء في الحديث عن بلال بن سعد أنه قال: الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا ظهرت فلم تغير ضرت العامة، وذلك لتركهم ما لزمهم من التغيير والإنكار على من ظهرت الخطيئة منه وسكوتهم عنه، فلما سكتوا تفاقم الأمر والوبال على الجميع، وشارك المحسن المسئ في إساءته إذا لم ينهه وينصحه. وقد ورد عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: من رأى من يسئ في صلاته فلم ينهه شاركه في وزرها وعارها ويكون موافقا للشيطان اللعين، لأنه يريد أن يسكت عن الكلام في ذلك، وأن يترك التعاون على البر والتقوى اللذين أوصى الله تعالى بهما في قوله عز وجل: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة 2] والنصيحة التي هي واجبة عليهم بعضهم لبعض، ويريد أن يضمحل الدين ويذهب الإسلام، ويأثم الحلق كلهم، فلا ينبغي للعاقل أن يطيع الشيطان، قال الله عز وجل: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} [الأعراف 270]، وقال جل وعلا: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر 6]. واعلم أن جميع ما يوجد من النقص في الصلاة والزكاة وسائر العبادات لسكوت أهل العلم والفقه والتصبر عنهم وترك النصيحة والتعليم والتأديب، فينشأ ذلك أولا من أهل الجهل، ثم يعلم أهل العلم وينسب إليهم. ومن العجب لو أن رجلا رأى من يسرق حبة واحدة أو رغيفا من إنسان يهودي أو مسلم لم يتمالك من نفسه حتى يصبح عليه ويزجره ويقبح له ذلك، وإذا رأى من يصلي ويسرق أركان الصلاة ويسقطها مع الواجب ويسابق الإمام سكت عنه ولا ينطق، فينكر عليه ويعلمه ويستهين أمره. وقد جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "شر الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: لا يتم ركوعها ولا سجودها". وعن الحسن البصري رحمه الله قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ألا أخبركم بشر الناس سرقة؟ قالوا: بلى، من هو يا رسول الله؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: الذي لا يتم ركوع الصلاة ولا سجودها".
وقال سلمان الفارسي -رضي الله عنه-: الصلاة مكيال، فمن وفى وفى له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله تعالى في المطففين. وعن عبد الله بن علي أو علي بن شيبان -رضي الله عنه-، وكان من الوفد الذين وفدوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده". وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "إن رجلا دخل المسجد ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس في المسجد فصلى، ثم جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسلم عليه، فرد عليه السلام وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل فصلي كما صلى، ثم جاء فسلم، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ارجع فصل فإنك لم تصل ففعل ذلك ثلاث مرات، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر # معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اصنع ذلك في صلاتك كلها". وفي حديث آخر عن رفاعة بن رافع -رضي الله عنه- قال: "بينما نحن جلوس حول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ دخل رجل فاستقبل القبلة فصلى، فلما قضى صلاته جاء فسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى قومه، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ارجع فصل فإنك لم تصل، أمره بذلك مرتين أو ثلاثا، فقال الرجل: ما ألوت قدرتي فلا أدري ما عنيت من صلاتي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله تعالى فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه ويغسل رجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله تعالى ويحمده، ثم يقرأ من القرآن ما أذن له فيه، ثم يكبر فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ويستوي قائما حتى يقيم صلبه، ويأخذ كل عضو مأخذه، ثم يكبر ويسجد ويمكن وجهه حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يكبر ويستوي قاعدا على مقعده ويقيم صلبه، فوصف صلاته هكذا أربع ركعات، حتى فرغ، ثم قال: لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل كذلك". فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بإتمام الصلاة والركوع والسجود، وأخبر أن الصلاة لا تقبل إلا هكذا وما وسعه -صلى الله عليه وسلم- السكوت حين رأى الرجل يصلي صلاة ناقصة، فلو جاز تأخير البيان عن وقت الحاجة وترك الإنكار على الجاهل وتعليمه لسكت النبي -صلى الله عليه وسلم-، ووكل ذلك إلى ما قد بين من قبل الصحابة -رضي الله عنهم- وتجاوز عنه، فلما بالغ في ذلك الإنكار عليه والتعليم له دل على وجوب ذلك، وتنبيهه -صلى الله عليه وسلم- من حضره من الصحابة -رضي الله عنهم- أن يفعلوا كذلك إذا رأوا من يفعل في صلاته مثل ما فعل ذلك الرجل ويعلموا أصحابهم، وأصحابهم لأصحابهم كيفية أحكام الشرع إلى أن تقوم الساعة. (فصل) ويجب على المؤذن أن يصلح من لسانه ما لا يلحن في الشهادتين، ويكون عارفا بالأوقات، وألا يؤذن إلا بعد دخول الوقت إلا في الفجر خاصة ويحتسب بأذانه وجه الله تعالى، ولا يأخذ على أذانه أجرا، ويستقبل القبلة بوجهه في التكبير # والشهادتين، ويولى وجهه يمينا وشمالا في الدعاء إلى الصلاة، وإذا أذن لصلاة المغرب جلس بين الأذان والإقامة جلسة خفيفة، ويكره له أن يؤذن وهو جنب أو محدث، ولا ينبغي له أن يشق الصفوف إذا فرغ من الإقامة ليقوم في الصف الأول. وينبغي له أن يقيم موضع الأذان، إلا أن يشق عليه مثل أن يكون قد أذن في منارة، فإنه يقيم مواضع الصلاة، أو حيث تيسر له. (فصل) فرحم الله من أقبل على صلاته خاشعا خاضعا ذليلا لله عز وجل
خائفا واعيا راغبا وجلا مشفقا راجيا، وجعل أكثر همته في صلاته لربه تعالى، ومناجاته إياه وانتصابه بين يديه قائما وقاعدا وراكعا وساجدا، وفرغ لذلك قلبه وثمرة فؤاده، واجتهد في أداء فرائضه، فإنه لا يدري هل يصلي صلاة بعد التي هو فيها أو يعاجل عليه بوفاته قبل ذلك، فقام بين يدي ربه عز وجل محزونا مشفقا يرجو قبولها، ويخاف ردها، إن قبلها سعد وإن ردها شقى، فما أعظم خطرك يا أيها المؤمن المتحلي بأنوار الإسلام في هذه الصلاة وفي غيرها من عملك، وما أولاك من الهم والحزن والخوف والوجل فيها وفيما سواها، مما افترض عليك، أنك لا تدري هل قبلت منك صلاة أو حسنة قط أم لا؟ وهل غفرت لك سيئة أم لا؟ وأنت مع ذلك ضاحك فرح غافل منتفع بالعيش، كيف وقد جاء اليقين من مخبر صادق أمين أنك وارد النار فقال جل وعلا: {وإن منكم إلا واردها} [مريم 710] ولم يأتك اليقين أنك صادر عنها، فمن أحق بطول البكاء وطول الحزن منك حتى يتقبل الله منك، ثم مع هذا لا تدري لعلك لا تصبح إذا أمسيت ولا تمسي إذا أصبحت، فمبشر بالجنة أم مبشر بالنار، فمحقوق ألا تفرح بأهل ولا ولد ولا مال، وإن العجب كل العجب من طول غفلتك وطول سهوك عن هذا الأمر العظيم وأنت تساق سوقا حثيثا في كل يوم وليلة، وفي كل ساعة وطرفة عين، فتوقع أجلك ولا تغفل عن هذا الخطر العظيم الذي قد أظلك، فإنك لابد ذائق الموت ولاقيه، ولعله ينزل بساحتك في صباحك أو مسائك أشر ما تكون عليها إقبالا، فإنك قد أخرجت من ذلك كله وسلبته فإما إلى الجنة وإما إلى نار انقطعت عنها الصفات، وقصرت العبارات والحكايات عن بلوغ حقيقة وصفها ومعرفة قدرها وأنواع عذابها والإحاطة بغاية خبرها. وقال العبد الصالح رحمه الله: عجبت للنار كيف نام هاربها، وعجبت للجنة كيف نام طالبها، فوالله لئن كنت خارجا من الهرب والطلب لقد هلكت هلاكا بينا وعظم # شقاؤك وطال حزنك وبكاؤك غدا مع الأشقياء المعذبين، ولئن زعمت أنك هارب طالب، فلا تغرنك الأماني والعجب بما أنت متحل به فدونك الجد والاجتهاد، واحذر النفس والشيطان، فإن مثقبهما دقيق وغائلتهما شديدة ومكايدهما خبيثة، واحذر الدنيا لئلا تأخذك بزينتها وتخدعك بأباطيلها وكذبها وخضرتها ونضرتها. وقد جاء في الحديث عن سيد البشر "إن الدنيا تغر وتمر وتضر". قال الله عز وجل. {فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} [لقمان 33، وفاطر 5] فالغرور هو الشيطان الرجيم، الله الله ثم الله، احذر الهلاك والردى، احفظ الصلاة وما سواها من الأوامر، وانته عن المناهي أجمع، وذر الإثم ما ظهر منه وما بطن، وسلم إلى ربك جميع المقدور فيك وفي غيرك، وانقد لربك بطاعته فيما أمرك ونهاك، ولا تنفر منه بارتكابك ما نهاك عنه، ولا تسخطه عليك باعتراضك عليه في تدبيره فيك وترك رضاك عنه، فيما قسم لك من الأقسام والأرزاق، وفعل فيك من الأفعال، ما طوي عنك مصالحها وأخفى عنك عواقبها، وما سيظهر لك من أطيب ثمارها ومنافعها، قال عز من قائل: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكن وانه يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216]. وكن أبدا طائعا لمولاك راضيا بقضائه صابرا على بلائه شاكرا لآلائه داعيا بأسمائه، ذاكرا لأنعمه وآياته، موافقا لفعله ومراده، غير متهم له في تدبيره فيك وفي خلقه، حتى تأتيك الوفاة، فتتوفى مع الطيبين، وتحشر مع النبيين، وتدخل جنات النعيم برحمة رب العالمين، ومشيئة إله الأولين والآخرين. (فصل) وأما صلاة الخاصة لإيقاظ الخاشعين المراقبين ، حراس القلوب جلساء الرحمن رضوان الله عليهم وسلامه، فصفتها: