قوله : ولا يعول على نية أي لا يعتمد على نيته وعزمه ويثق بها فإن نيته وعزمه بيد الله تعالى لا بيده وهي إلى الله لا إليه فلتكن ثقته بمن هي في يده حقا لا بمن هي جارية عليه حكما فصل قال : الدرجة الثانية : معاينة الاضطرار فلا يرى عملا منجيا ولا ذنبا مهلكا ولا سببا حاملا أي يعاين فقره وفاقته وضرورته التامة إلى الله بحيث إنه يرى في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة وفاقة تامة إلى الله فنجاته إنما هي بالله لا بعمله وأما قوله : ولا ذنبا مهلكا فإن أراد به : أن هلاكه بالله لا بسبب ذنوبه : فباطل معاذ الله من ذلك وإن أراد به : أن فضل الله وسعته ومغفرته ورحمته ومشاهدة شدة ضرورته وفاقته إليه : يوجب له أن لا يرى ذنبا مهلكا فإن افتقاره وفاقته وضرورته تمنعه من الهلاك بذنوبه بل تمنعه من اقتحام الذنوب المهلكة إذ صاحب هذا المقام لا يصر على ذنوب تهلكه وهذا حاله فهذا حق وهو من مشاهد أهل المعرفة وقوله : ولا سببا حاملا أي يشهد : أن الحامل له هو الحق تعالى لا الأسباب التي يقوم بها فإنه وإياها محمولان بالله وحده فصل قال : الدرجة الثالثة : شهود انفراد الحق بملك الحركة والسكون والقبض والبسط ومعرفته بتصريف التفرقة والجمع هذه الدرجة تتعلق بشهود وصف الله تبارك وتعالى وشأنه والتي قبلها تتعلق بشهود حال العبد ووصفه أي يشهد حركات العالم وسكونه صادرة عن الحق تعالى في كل متحرك وساكن فيشهد تعلق الحركة باسمه الباسط وتعلق السكون باسمه القابض فيشهد تفرده سبحانه بالبسط والقبض وأما معرفته بتصريف التفرقة والجمع فأن يكون المشاهد عارفا بمواضع التفرقة والجمع والمراد بالتفرقة : نظر الاعتبار ونسبة الأفعال إلى الخلق والمراد بالجمع : شهود الأفعال منسوبة إلى موجدها الحق تعالى وقد يريدون بالتفرقة والجمع : معنى وراء هذا الشهود وهو حال التفرقة والجمع فحال التفرقة : تفرق القلب في أودية الإرادات وشعابها وحال الجمع : جمعيته على مراد الحق وحده فالأول : علم التفرقة والجمع والثاني : حالهما والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الثقة بالله تعالى قال صاحب المنازل : الثقة : سواد عين التوكل ونقطة دائرة التفويض وسويداء قلب التسليم وصدر الباب بقوله تعالى لأم موسى : فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني [ القصص : 7 ] فإن فعلها هذا هو عين ثقتها بالله تعالى إذ لولا كمال ثقتها بربها لما ألقت بولدها وفلذة كبدها في تيار الماء تتلاعب به أمواجه وجرياته إلى حيث ينتهى أو يقف ومراده : أن الثقة خلاصة التوكل ولبه كما أن سواد العين : أشرف ما في العين وأشار بأنه نقطة دائرة التفويض إلى أن مدار التوكل عليه وهو في وسطه كحال النقطة من الدائرة فإن النقطة هي المركز الذي عليه استدارة المحيط ونسبة جهات المحيط إليها نسبة واحدة وكل جزء من أجزاء المحيط مقابل لها كذلك الثقة هي النقطة التي يدور عليها التفويض وكذلك قوله : سويداء قلب التسليم فإن القلب أشرف ما فيه سويداؤه وهي المهجة التي تكون بها الحياة وهي في وسطه فلو كان التفويض قلبا لكانت الثقة سويداءه ولو كان عينا لكانت سوادها ولو كان دائرة لكانت نقطتها وقد تقدم أن كثيرا من الناس يفسر التوكل بالثقة ويجعله حقيقتها ومنهم من يفسره بالتفويض ومنهم من يفسره بالتسليم فعلمت : أن مقام التوكل يجمع ذلك كله فكأن الثقة عند الشيخ هي روح و التوكل كالبدن الحامل لها ونسبتها إلى التوكل كنسبة الإحسان إلى الإيمان والله أعلم فصل قال : وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : درجة الإياس وهو إياس البعد عن مقاومات الأحكام ليقعد عن منازعة الأقسام ليتخلص من قحة الإقدام
İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn
محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله · AR
يعني أن الواثق بالله لاعتقاده : أن الله تعالى إذا حكم بحكم وقضى أمرا فلا مرد لقضائه ولا معقب لحكمه فمن حكم الله له بحكم وقسم له بنصيب من الرزق أو الطاعة أو الحال أو العلم أو غيره : فلا بد من حصوله له ومن لم يقسم له ذلك : فلا سبيل له إليه ألبتة كما لا سبيل له إلى الطيران إلى السماء وحمل الجبال فبهذا القدر يقعد عن منازعة الأقسام فما كان له منها فسوف يأتيه على ضعفه وما لم يكن له منها فلن يناله بقوته والفرق بين قوله : مقاومة الأحكام و : منازعة الأقسام أن مقاومة الأحكام : أن تتعلق إرادته بعين ما في حكم الله وقضائه فإذا تعلقت إرادته بذلك جاذب الخلق الأقسام ونازعهم فيها وقوله : يتخلص من قحة الإقدام أي يتخلص بالثقة بالله من هذه القحة والجرأة على إقدامه على ما لم يحكم له به ولا قسم له والله سبحانه أعلم فصل قال : الدرجة الثانية : درجة الأمن وهو أمن العبد من فوت المقدور وانتقاض المسطور فيظفر بروح الرضى وإلا فبعين اليقين وإلا فبلطف الصبر يقول : من حصل له الإياس المذكور حصل له الأمن وذلك أن من تحقق بمعرفة الله وأن ما قضاه الله فلا مرد له ألبتة : أمن من فوت نصيبه الذي قسمه الله له وأمن أيضا من نقصان ما كتبه الله له وسطره في الكتاب المسطور فيظفر بروح الرضى أي براحته ولذته ونعيمه لأن صاحب الرضى في راحة ولذة وسرور كما في حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي قال : إن الله بعدله وقسطه جعل الروح والفرح في اليقين والرضى وجعل الهم والحزن في الشك والسخط فإن لم يقدر العبد على روح الرضى ظفر بعين اليقين وهو قوة الإيمان ومباشرته للقلب بحيث لا يبقى بينه وبين العيان إلا كشف الحجاب المانع من مكافحة البصر فإن لم يحصل له هذا المقام حصل على لطف الصبر وما فيه من حسن العاقبة كما في الأثر المعروف : إن استطعت أن تعمل لله بالرضى مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر ما تكره النفس خيرا كثيرا فصل قال : الدرجة الثالثة : معاينة أزلية الحق ليتخلص من محن القصود وتكاليف الحمايات والتعريج على مدارج الوسائل قوله : معاينة أزلية الحق أي متى شهد قلبه تفرد الرب سبحانه وتعالى بالأزلية غاب بها عن الطلب لتيقنه فراغ الرب تعالى من المقادير وسبق الأزل بها وثبوت حكمها هناك فيتخلص من المحن التي تعرض له دون القصود ويتخلص أيضا من تعريجه والتفاته وحبس مطيته على طرق الأسباب التي يتوسل بها إلى المطالب وهذا ليس على إطلاقه فإن مدارج الوسائل قسمان : وسائل موصلة إلى عين الرضى فالتعريج على مدارجها معرفة وعملا وحالا وإيثارا هو محض العبودية ولكن لا يجعل تعريجه كله على مدارجها بحيث ينسى بها الغاية التي هي وسائل إليها وأما تخلصه من تكاليف الحمايات فهو تخلصه من طلب ما حماه الله تعالى عنه قدرا فلا يتكلف طلبه وقد حمي عنه ووجه آخر : وهو أن يتخلص بمشاهدة سبق الأزلية من تكاليف احترازاته وشدة احتمائه من المكاره لعلمه بسبق الأزل بما كتب له منها فلا فائدة في تكلف الاحتماء نعم يحتمي مما نهى عنه وما لا ينفعه في طريقه ولا يعينه على الوصول فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التسليم وهي نوعان : تسليم لحكمه الديني الأمري وتسليم لحكمه الكوني القدري فأما الأول : فهو تسليم المؤمنين العارفين قال تعالى : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [ النساء : 65 ] فهذه ثلاث مراتب : التحكيم وسعة الصدر بانتفاء الحرج والتسليم
وأما التسليم للحكم الكونى : فمزلة أقدام ومضلة أفهام حير الأنام وأوقع الخصام وهي مسألة الرضى بالقضاء وقد تقدم الكلام عليها بما فيه كفاية وبينا أن التسليم للقضاء يحمد إذا لم يؤمر العبد بمنازعته ودفعه ولم يقدر على ذلك كالمصائب التي لا قدرة له على دفعها وأما الأحكام التي أمر بدفعها : فلا يجوز له التسليم إليها بل العبودية : مدافعتها بأحكام أخر أحب إلى الله منها فصل قال صاحب المنازل : وفي التسليم والثقة والتفويض : ما في التوكل من العلل وهو من أعلى درجات سبل العامة يعني أن العلل التي في التوكل من معاني الدعوى ونسبته الشيء إلى نفسه أولا حيث زعم أنه وكل ربه فيه وتوكل عليه فيه وجعله وكيله القائم عنه بمصالحه التي كان يحصلها لنفسه بالأسباب والتصرفات وغير ذلك من العلل المتقدمة وقد عرفت ما في ذلك وليس في التسليم إلا علة واحدة : وهي أن لا يكون تسليمه صادرا عن محض الرضى والاختيار بل يشوبه كره وانقباض فيسلم على نوع إغماض فهذه علة التسليم المؤثرة فاجتهد في الخلاص منها وإنما كان للعامة عنده لأن الخاصة في شغل عنه باستغراقهم بالفناء في عين الجمع وجعل الفناء غاية الاستغراق في عين الجمع : هو الذى أوجب ما أوجب والله المستعان قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : تسليم ما يزاحم العقول مما سبق على الأوهام من الغيب والإذعان لما يغالب القياس من سير الدول والقسم والإجابة لما يفزع المريد من ركوب الأحوال اعلم أن التسليم هو الخلاص من شبهة تعارض الخبر أو شهوة تعارض الأمر أو إرادة تعارض الإخلاص أو اعتراض يعارض القدر والشرع وصاحب هذا التخلص : هو صاحب القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به فإن التسليم ضد المنازعة والمنازعة : إما بشبهة فاسدة تعارض الإيمان بالخبر عما وصف الله به نفسه من صفاته وأفعاله وما أخبر به عن اليوم الآخر وغير ذلك فالتسليم له : ترك منازعته بشبهات المتكلمين الباطلة وإما بشهوة تعارض أمر الله عز وجل فالتسليم للأمر : بالتخلص منها أو إرادة تعارض مراد الله من عبده فتعارضه إرادة تتعلق بمراد العبد من الرب فالتسليم : بالتخلص منها أو اعتراض يعارض حكمته في خلقه وأمره بأن يظن أن مقتضى الحكمة خلاف ما شرع وخلاف ما قضى وقدر فالتسليم : التخلص من هذه المنازعات كلها وبهذا يتبين أنه من أجل مقامات الإيمان وأعلى طرق الخاصة وأن التسليم هو محض الصديقية التي هي بعد درجة النبوة وأن أكمل الناس تسليما أكملهم صديقية فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ فأما قوله : تسليم ما يزاحم العقول مما سبق على الأوهام فيعني : أن التسليم يقتضي ما ينهى عنه العقل ويزاحمه فإنه يقتضي التجريد عن الأسباب والعقل يأمر بها فصاحب التسليم يسلم إلى الله عز وجل ما هو غيب عن العبد فإن فعله سبحانه وتعالى لا يتوقف على هذه الأسباب التي ينهى العقل عن التجرد عنها فإذا سلم لله لم يلتفت إلى السبب في كل ما غاب عنه فالأوهام يسبق عليها أن ما غاب عنها من الحكم لا يحصل إلا بالأسباب والتسليميقتضي التجرد عنها والعقل ينهى عن ذلك والوهم قد سبق عليه أن الغيب موقوف عليها فههنا أمور ستة : عقل ومزاحم له ووهم وسائق إليه وغيب وتسليم لهذا المزاحم فالعقل هو الباعث له على الأسباب الداعي له إليها التي إذا خرج الرجل عنها عد خروجه قدحا في عقله والمزاحم له : التجرد عنها بكمال التسليم إلى من بيده أزمة الأمور : مواردها ومصادرها والوهم : اعتقاده توقف حصول السعادة والنجاة وحصول المقدور كائنا ما كان عليها وأنه لولاها لما حصل المقدور وهذا هو السائق إلى الوهم والغيب : هو الحكم الذي غاب عنه وهو فعل الله
والتسليم : تسليم هذا المزاحم إلى نفس الحكم مع أن في تنزيل عبارته على هذا المعنى وإفراغ هذا المعنى في قوالب ألفاظه نظرا وفيه وجه آخر : وهو أن يكون المراد : التسليم لما يبدو للعبد من معاني الغيب مما يزاحم معقوله في بادي الرأي لما يسبق إلى وهمه : أن الأمر بخلافه فيسبق على الأوهام من الغيب الذي أخبرت به شيء يزاحم معقولها فتقع المنازعة بين حكم العقل وحكم الوهم فإن كثيرا من الغيب قد يزاحم العقل بعض المزاحمة ويسبق إلى الوهم خلافه فالتسليم : تسليم هذا المزاحم إلى وليه ومن هو أخبر به والتجرد عما يسبق إلى الوهم مما يخالفه وهذا أولى المعنيين بكلامه إن شاء الله فالأول : تسليم منازعات الأسباب لتجريد التوحيد العملي القصدي الإرادي وهذا تجريد منازعات الأوهام المخالفة للخبر لتجريد التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي وهذا حقيقة التسليم قوله : والإذعان لما يغالب القياس من سير الدول والقسم أي الانقياد لما يقاوي عقله وقياسه مما جرى به حكم الله في الدول قديما وحديثا : من طي دولة ونشر دولة وإعزاز هذه وإذلال هذه والقسم التي قسمها على خلقه مع شدة تفاوتها وتباين مقاديرها وكيفياتها وأجناسها فيذعن لحكمة الله في كل ذلك ولا يعترض على ما وقع منها بشبهة وقياس ويحتمل أن يكون مراده ب الدول و القسم الأحوال التي تتداول على السالك ويختلف سيرها و القسم التي نالته من الله : ما كان قياس سعيه واجتهاده أن يحصل له أكثر منها فيذعن لما غالب قياسه منها ويسلم للقاسم المعطي بحكمته وعدله فإن من عباده من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغناه لأفسده ذلك ومنهم من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقره لأفسده ذلك ومنهم من لايصلحه إلا المرض ولو أصحه لأفسده ذلك ومنهم من لا يصلحه إلا الصحة ولو أمرضه لأفسده ذلك وقوله : والإجابة لما يفزع المريد من ركوب الأحوال يقول : إن صاحب هذه الدرجة من قوة التسليم يهجم على الأمور المفزعة ولا يلتفت إليها ولا يخاف معها من ركوب الأحوال واقتحام الأهوال لأن قوة تسليمه تحميه من خطرها فلا ينبغي له أن يخاف فإنه في حصن التسليم ومنعته وحمايته والله سبحانه وتعالى الموفق بحوله وقوته فصل قال : الدرجة الثانية : تسليم العلم إلى الحال والقصد إلى الكشف والرسم إلى الحقيقة أما تسليم العلم إلى الحال فليس المراد منه : تحكيم الحال على العلم حاشا الشيخ من ذلك وإنما أراد : الانتقال من الوقوف عند صور العلم الظاهرة إلى معانيها وحقائقها الباطنة وثمراتها المقصودة منها مثل الانتقال من محض التقليد والخبر إلى العيان واليقين حتى كأنه يرى ويشاهد ما أخبر به الرسول كما قال تعالى : ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق [ سبأ : 6 ] وقال تعالى : أفمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى [ الرعد : 19 ] وينتقل من الحجاب إلى الكشف فينتقل من العلم إلى اليقين ومن اليقين إلى عين اليقين ومن علم الإيمان إلى ذوق طعم الإيمان ووجدان حلاوته فإن هذا قدر زائد على مجرد علمه ومن علم التوكل إلى حاله وأشباه ذلك فيسلم العلم الصحيح إلى الحال الصحيح فإن سلطان الحال أقوى من سلطان العلم فإذا كان الحال مخالفا للعلم فهو ملك ظالم فليخرج عليه بسيف العلم وليحكمه فيه وأما تسليم القصد إلى الكشف فليس معناه : أن يترك القصد عن معاينة الكشف فإنه متى ترك القصد خلع ربقة العبودية من عنقه ولكن يجعل قصده سائرا طالبا لكشفه يؤمه فإذا وصل إليه سلمه إليه وصار الحكم للكشف إذ القصد آلة ووسيلة إليه فإن كان كشفا صحيحا مطابقا للحق في نفسه : كشف له عن آفات القصد ومفسداته ومصححاته وعيوبه فأقبل على تصحيحه بنور الكشف لا أن صاحب القصد ترك القصد لأجل الكشف فهذا سير أهل الإلحاد الناكبين عن سبيل الحق والرشاد
وأما ترك الرسم إلى الحقيقة فإنه يشير به إلى الفناء فإن من جملة تسليم صاحب الفناء : تسليم ذاته ليفنى في شهود الحقيقة فإن ذات العبد هى رسم والرسم تفنيه الحقيقة كما يفني النور الظلمة لأن عند أصحاب الفناء : أن الحق سبحانه لا يراه سواه ولا يشاهده غيره لا بمعنى الاتحاد ولكن بمعنى : أنه لا يشاهده العبد حتى يفنى عن إنيته ورسمه وجميع عوالمه فيفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل هذا كإجماع من الطائفة بل هو إجماع منهم قال : الدرجة الثالثة : تسليم ما دون الحق إلى الحق مع السلامة من رؤية التسليم بمعاينة تسليم الحق إياك إليه هذه الدرجة تكملة الدرجة التي قبلها فإن التسليم في التي قبلها بداية لها وهي واسطة بين الدرجة الأولى والثالثة فالأولى : بداية والثانية : وسط والثالثة : نهاية قوله : تسليم ما دون الحق إلى الحق يريد به : اضمحلال رسوم الخلق في شهود الحقيقة وكل ما دون الحق رسوم فإذا سلم رسمه الخاص إلى ربه : حصل له حقيقة الفناء وهذا التسليم نوعان أحدهما : تسليم رسمه الخاص به والثاني : تسليم رسوم الكائنات ورؤية تلاشيها واضمحلالها في عين الحقيقة وهذا علم ومعرفة والأول حال قوله : والسلامة من رؤية التسليم أي ينسلب أيضا من رسم رؤية التسليم فإن الرؤية أيضا رسم من جملة الرسوم فما دام مستصحبا لها : لم يسلم التسليم التام وقد بقيت عليه بقية من منازعات رسمه ثم عرف كيفية هذا التسليم فقال : بمعاينة تسليم الحق إياك إليه أي ينكشف لك حين تسلم ما دون الحق إلى الحق أن الحق تعالى هو الذي سلم إلى نفسه ما دونه فالحق تعالى هو الذى سلمك إليه فهو المسلم وهو المسلم إليه وأنت آلة التسليم فمن شهد هذا المشهد : وجد ذاته مسلمة إلى الحق وما سلمها إلى الحق غير الحق فقد سلم العبد من دعوى التسليم والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الصبر قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعا وهو واجب بإجماع الأمة وهو نصف الإيمان فإن الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر وهو مذكور في القرآن على ستة عشر نوعا الأول : الأمر به نحو قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة [ البقره : 153 ] وقوله : واستعينوا بالصبر والصلاة [ البقره : 45 ] وقوله : اصبروا وصابروا [ آل عمران : 20 ] وقوله : واصبر وما صبرك إلا بالله [ النحل : 127 ] الثاني : النهي عن ضده كقوله : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم [ الأحقاف : 35 ] وقوله : ولا تولوهم الأدبار [ الأنفال : 15 ] فإن تولية الأدبار : ترك للصبر والمصابرة وقوله : ولا تبطلوا أعمالكم 0 [ محمد : 33 ] فإن إبطالها ترك الصبر على إتمامها وقوله : فلا تهنوا ولا تحزنوا [ آل عمران : 139 ] فإن الوهن من عدم الصبر الثالث : الثناء على أهله كقوله تعالى : الصابرين والصادقين الآية [ آل عمران : 17 ] وقوله : والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون [ البقره : 177 ] وهو كثير في القرآن الرابع : إيجابه سبحانه محبته لهم كقوله : والله يحب الصابرين [ آل عمران : 146 ] الخامس : إيجاب معيته لهم وهي معية خاصة تتضمن حفظهم ونصرهم وتأييدهم ليست معية عامة وهي معية العلم والإحاطة كقوله : واصبروا إن الله مع الصابرين [ الأنفال : 46 ] وقوله : والله مع الصابرين [ البقره : 249 الأنفال : 69 ] السادس : إخباره بأن الصبر خير لأصحابه كقوله : ولئن صبرتم لهو خير للصابرين [ النحل : 126 ] وقوله : وأن تصبروا خير لكم [ النساء : 25 ]
السابع : إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم كقوله تعالى : ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [ النحل : 96 ] الثامن : إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب كقوله تعالى : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [ الزمر : 10 ] التاسع : إطلاق البشرى لأهل الصبر كقوله تعالى : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين [ البقره : 155 ] العاشر : ضمان النصر والمدد لهم كقوله تعالى : بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين [ آل عمران : 125 ] ومنه قول النبي : واعلم أن النصر مع الصبر الحادى عشر : الإخبار منه تعالى بأن أهل الصبر هم أهل العزائم كقوله تعالى : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [ الشورى : 43 ] الثاني عشر : الإخبار أنه ما يلقى الأعمال الصالحة وجزاءها والحظوظ العظيمة إلا أهل الصبر كقوله تعالى : ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون [ القصص : 80 ] وقوله : وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم [ فصلت : 35 ] الثالث عشر : الإخبار أنه إنما ينتفع بالآيات والعبر أهل الصبر كقوله تعالى لموسى : أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [ إبراهيم : 5 ] وقوله في أهل سبأ : فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [ سبأ : 19 ] وقوله في سورة الشورى : ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [ الشورى : 3233 ] الرابع عشر : الإخبار بأن الفوز المطلوب المحبوب والنجاة من المكروه المرهوب ودخول الجنة إنما نالوه بالصبر كقوله تعالى : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار [ الرعد : 2324 ] الخامس عشر : أنه يورث صاحبه درجة الإمامة سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ثم تلا قوله تعالى : وجعلناهمأئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانو بآياتنا يوقنون [ السجده : 24 ] السادس عشر : اقترانه بمقامات الإسلام والإيمان كما قرنه الله سبحانه باليقين وبالإيمان وبالتقوى والتوكل وبالشكر والعمل الصالح والرحمة ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا صبر له كما أنه لا جسد لمن لا رأس له وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : خير عيش أدركناه بالصبر وأخبر النبي في الحديث الصحيح : أنه ضياء وقال : من يتصبر يصبره الله وفي الحديث الصحيح : عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وقال للمرأة السوداء التي كانت تصرع فسألته : أن يدعو لها : إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك فقالت : إني أتكشف فادع الله : أن لا أتكشف فدعا لها وأمر الأنصار رضي الله تعالى عنهم بأن يصبروا على الأثرة التي يلقونها بعده حتى يلقوه على الحوض وأمر عند ملاقاة العدو بالصبر وأمر بالصبر عند المصيبة وأخبر : أنه إنما يكون عند الصدمة الأولى وأمر المصاب بأنفع الأمور له وهو الصبر والاحتساب فإن ذلك يخفف مصيبته ويوفر أجره والجزع والتسخط والتشكى يزيد في المصيبة ويذهب الأجر وأخبر أن الصبر خير كله فقال : ما أعطي أحد عطاء خيرا له وأوسع : من الصبر فصل و الصبر في اللغة : الحبس والكف ومنه : قتل فلان صبرا
إذا أمسك وحبس ومنه قوله تعالى : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه [ الكهف : 28 ] أي احبس نفسك معهم فالصبر : حبس النفس عن الجزع والتسخط وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن التشويش وهو ثلاثة أنواع : صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله وصبر على امتحان الله فالأولان : صبر على ما يتعلق بالكسب والثالث : صبر على ما لا كسب للعبد فيه وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها : أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره لا كسب له فيها ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر وأما صبره عن المعصية : فصبر اختيار ورضى ومحاربة للنفس ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة فإنه كان شابا وداعية الشباب إليها قوية وعزبا ليس له ما يعوضه ويرد شهوته وغريبا والغريب لا يستحي في بلد غربته مما يستحي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله ومملوكا والمملوك أيضا ليس وازعه كوازع الحر والمرأة جميلة وذات منصب وهي سيدته وقد غاب الرقيب وهي الداعية له إلى نفسها والحريصة على ذلك أشد الحرص ومع ذلك توعدته إن لم يفعل : بالسجن والصغار ومع هذه الدواعي كلها : صبر اختيارا وإيثارا لما عند الله وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه وكان يقول : الصبر على أداء الطاعات : أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل فإن مصلحة فعل الطاعة : أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية ومفسدة عدم الطاعة : أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية وله رحمه الله فى ذلك مصنف قرره فيه بنحو من عشرين وجهاليس هذا موضع ذكرها والمقصود : الكلام على الصبر وحقيقته ودرجاته ومرتبته والله الموفق فصل وهو على ثلاثة أنواع : صبر بالله وصبر لله وصبر مع الله فالأول : أول الاستعانة به ورؤيته أنه هو المصبر وأن صبر العبد بربه لا بنفسه كما قال تعالى : واصبر وما صبرك إلا بالله [ النحل : 127 ] يعني إن لم يصبرك هو لم تصبر والثاني : الصبر لله وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله وإرادة وجهه والتقرب إليه لا لإظهار قوة النفس والاستحماد إلى الخلق وغير ذلك من الأعراض والثالث : الصبر مع الله وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه ومع أحكامه الدينية صابرا نفسه معها سائرا بسيرها مقيما بإقامتها يتوجه معها أين توجهت ركائبها وينزل معها أين استقلت مضاربها فهذا معنى كونه صابرا مع الله أي قد جعل نفسه وقفا على أوامره ومحابه وهو أشد أنواع الصبر وأصعبها وهو صبر الصديقين قال الجنيد : المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن وهجران الخلق في جنب الله شديد والمسير من النفس إلى الله صعب شديد والصبر مع الله أشد وسئل عن الصبر فقال : تجرع المرارة من غير تعبس قال ذو النون المصري الصبر التباعد من المخالفات والسكون عند تجرع غصص البلية وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة وقيل : الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب وقيل : هو الفناء في البلوى بلا ظهور ولا شكوى وقيل : تعويد النفس الهجوم على المكاره وقيل : المقام مع البلاء بحسن الصحبة كالمقام مع العافية وقال عمرو بن عثمان : هو الثبات مع الله وتلقي بلائه بالرحب والدعة وقال الخواص : هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة وقال يحيى بن معاذ : صبر المحبين أشد من صبر الزاهدين واعجبا كيف يصبرون وأنشد : الصبر يجمل في المواطن كلها إلا عليك فإنه لا يجمل وقيل : الصبر هو الاستعانة بالله وقيل : هو ترك الشكوى وقيل : الصبر مثل اسمه مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل
وقيل : الصبر أن ترضى بتلف نفسك في رضى من تحبه كما قيل : سأصبر كي ترضى وأتلف حسرة وحسبي أن ترضي ويتلفني صبري وقيل : مراتب الصابرين خمسة : صابر ومصطبر ومتصبر وصبور وصبار فالصابر : أعمها والمصطبر : المكتسب الصبر المليء به والمتصبر : المتكلف حامل نفسه عليه والصبور : العظيم الصبر الذي صبره أشد من صبر غيره والصبار : الكثير الصبر فهذا فى القدر والكم والذي قبله في الوصف والكيف وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الصبر مطية لا تكبو وقف رجل على الشبلي فقال : أي صبر أشد على الصابرين فقال : الصبر في الله قال السائل : لا فقال : الصبر لله فقال : لا فقال : الصبر مع الله فقال : لا قال الشبلي : فإيش هو قال : الصبر عن الله فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف وقال الجريري : الصبر أن لا يفرق بين حال النعمة وحال المحبة مع سكون الخاطر فيهما والتصبر : هو السكون مع البلاء مع وجدان أثقال أثقال المحنة قال أبو علي الدقاق : فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معيته فإن الله مع الصابرين وقيل في قوله تعالى : اصبروا وصابروا ورابطوا [ آل عمران : 200 ] إنه انتقال من الأدنى إلى الأعلى ف الصبر دون المصابرة و المصابرة دون المرابطة و المرابطة مفاعلة من الربط وهو الشد وسمى المرابط مرابطا : لأن المرابطين يربطون خيولهم ينتظرون الفزع ثم قيل لكل منتظر قد ربط نفسه لطاعة ينتظرها : مرابط ومنه قول النبي : ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط وقال رباط يوم فى سبيل الله : خير من الدنيا وما فيها وقيل : اصبروا بنفوسكم على طاعة الله وصابروا بقلوبكم على البلوي في الله ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى الله وقيل : اصبروا في الله وصابروا بالله ورابطوا مع الله وقيل : اصبروا على النعماء وصابروا على البأساء والضراء ورابطوا في دار الأعداء واتقوا إله الأرض والسماء لعلكم تفلحون في دار البقاء فالصبر مع نفسك و المصابرة بينك وبين عدوك و المرابطة الثبات وإعداد العدة وكما أن الرباط لزوم الثغر لئلا يهجم منه العدو فكذلك الرباط أيضا لزوم ثغر القلب لئلا يهجم عليه الشيطان فيملكه أو يخربه أو يشعثه وقيل : تجرع الصبر فإن قتلك قتلك شهيدا وإن أحياك أحياك عزيزا وقيل : الصبر لله غناء وبالله تعالى بقاء وفي الله بلاء ومع الله وفاء وعن الله جفاء والصبر على الطلب عنوان الظفر وفي المحن عنوان الفرج وقيل : حال العبد مع الله رباطه وما دون الله أعداؤه وفي كتاب الأدب للبخارى سئل رسول الله عن الإيمان فقال : الصبر والسماحة ذكره عن موسى بن اسماعيل قال : حدثنا سويد قال : حدثنا عبدالله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده فذكره وهذا من أجمع الكلام وأعظمه برهانا وأوعبه لمقامات الإيمان من أولها إلى آخرها فإن النفس يراد منها شيئان : بذل ما أمرت به وإعطاؤه فالحامل عليه : السماحة وترك ما نهيت عنه والبعد منه فالحامل عليه : الصبر وقد أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه بالصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل فسمعت شيخ الاسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه و الصفح الجميل هو الذى لا عتاب معه و الهجر الجميل هو الذي لا أذى معه وفي أثر اسرائيلي أوحى الله إلى نبي من أنبيائه : أنزلت بعبدى بلائي فدعاني فما طلته بالإجابة فشكاني فقلت : عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك وقال ابن عيينة في قوله تعالى : وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا [ السجدة : 24 ] قال : أخذوا برأس الأمر فجعلهم رؤساء
وقيل : صبر العابدين أحسنه : أن يكون محفوظا وصبر المحبين أحسنه : أن يكون مرفوضا كما قيل : تبين يوم البين أن اعتزامه على الصبر : من إحدى الظنون الكواذب والشكوى إلى الله عز وجل لا تنافي الصبر فإن يعقوب عليه السلام وعد بالصبر الجميل والنبي إذا وعد لا يخلف ثم قال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله [ يوسف : 86 ] وكذلك أيوب أخبر الله عنه : أنه وجده صابرا مع قوله : مسني الضر وأنت أرحم الراحمين [ الأنبياء : 83 ] وإنما ينافي الصبر شكوى الله لا الشكوى إلى الله كما رأى بعضهم رجلا يشكو إلى آخر فاقة وضرورة فقال : يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك ثم أنشد : وإذا عرتك بلية فاصبر لها صبر الكريم فإنه بك أعلم وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم فصل قال صاحب المنازل : الصبر : حبس النفس على المكروه وعقل اللسان عن الشكوى وهو من أصعب المنازل على العامة وأوحشها في طريق المحبة وأنكرها في طريق التوحيد وإنما كان صعبا على العامة : لأن العامي مبتدىء في الطريق وما له دربة في السلوك ولا تهذيب المرتاض بقطع المنازل فإذا أصابته المحن أدركه الجزع وصعب عليه احتمال البلاء وعز عليه وجدان الصبر لأنه ليس من أهل الرياضة فيكون مستوطنا للصبر ولا من أهل المحبة فيلتذ بالبلاء في رضى محبوبه وأما كونه وحشة في طريق المحبة : فلأنها تقتضي التذاذ المحب بامتحان محبوبه له والصبر يقتضي كراهيته لذلك وحبس نفسه عليه كرها فهو وحشة في طريق المحبة وفي الوحشة نكتة لطيفة لأن الالتذاذ بالمحنة في المحبة هو من موجبات أنس القلب بالمحبوب فإذا أحس بالألم بحيث يحتاج إلى الصبر انتقل من الأنس إلى الوحشية ولولا الوحشة لما أحس بالألم المستدعي للصبر وإنما كان أنكرها في طريق التوحيد : لأن فيه قوة الدعوى لأن الصابر يدعي بحاله قوة الثبات وذلك ادعاء منه لنفسه قوة عظيمة وهذا مصادمة لتجريد التوحيد إذ ليس لأحد قوة ألبتة بل لله القوة جميعا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فهذا سبب كون الصبر منكرا في طريق التوحيد بل من أنكر المنكر كما قال لأن التوحيد يرد الأشياء إلى الله والصبر يرد الأشياء إلى النفس وإثبات النفس في التوحيد منكر هذا حاصل كلامه محررا مقررا وهو من منكر كلامه بل الصبر من آكد المنازل في طريق المحبة وألزمها للمحبين وهم أحوج إلى منزلته من كل منزلة وهو من أعرف المنازل في طريق التوحيد وأبينها وحاجة المحب إليه ضرورية فإن قيل : كيف تكون حاجة المحب إليه ضرورية مع منافاته لكمال المحبة فإنه لا يكون إلا مع منازعات النفس لمراد المحبوب قيل : هذه هي النكتة التي لأجلها كان من آكد المنازل في طريق المحبة وأعلقها بها وبه يعلم صحيح المحبة من معلولها وصادقها من كاذبها فإن بقوة الصبر على المكاره في مراد المحبوب يعلم صحة محبته ومن ههنا كانت محبة أكثر الناس كاذبة لأنهم كلهم ادعوا محبة الله تعالى فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن حقيقة المحبة ولم يثبت معه إلا الصابرون فلولا تحمل المشاق وتجشم المكاره بالصبر : لما ثبتت صحة محبتهم وقد تبين بذلك أن أعظمهم محبة أشدهم صبرا ولهذا وصف الله تعالى بالصبر خاصة أوليائه وأحبابه فقال عن حبيبه أيوب : إنا وجدناه صابرا [ ص : 44 ] ثم أثنى عليه فقال : نعم العبد إنه أواب [ ص : 44 ] وأمر أحب الخلق إليه بالصبر لحكمه وأخبر أن صبره به وأثنى على الصابرين أحسن الثناء وضمن لهم أعظم الجزاء وجعل أجر غيرهم محسوبا وأجرهم بغير حساب وقرن الصبر بمقامات الإسلام والإيمان والإحسان كما تقدم فجعله قرين اليقين والتوكل والإيمان والأعمال والتقوى وأخبر أن آياته إنما ينتفع بها أولو الصبر وأخبر أن الصبر خير لأهله وأن الملائكة تسلم عليهم في الجنة بصبرهم كما تقدم ذلك
وليس في استكراه النفوس لألم ما تصبر عليه وإحساسها به ما يقدح في محبتها ولا توحيدها فإن إحساسها بالألم ونفرتها منه أمر طبعي لها كاقتضائها للغذاء من الطعام والشراب وتألمها بفقده فلوازم النفس لا سبيل إلى إعدامها أو تعطيلها بالكلية وإلا لم تكن نفسا إنسانية ولارتفعت المحنة وكانت عالما آخر و الصبر و المحبة لا يتناقضان بل يتواخيان ويتصاحبان والمحب صبور بل علة الصبر فى الحقيقة : المناقضة للمحبة المزاحمة للتوحيد أن يكون الباعث عليه غير إرادة رضى المحبوب بل إرادة غيره أو مزاحمته بإرادة غيره أو المراد منه لا مراده هذه هي وحشة الصبر ونكارته وأما من رأى صبره بالله وصبره لله وصبر مع الله مشاهدا أن صبره به تعالى لا بنفسه فهذا لا تلحق محبته وحشة ولا توحيده نكارة ثم لو استقام له هذا لكان في نوع واحد من أنواع الصبر وهو الصبر على المكاره فأما الصبر على الطاعات وهو حبس النفس عليها وعن المخالفات وهو منع النفس منها طوعا واختيارا والتذاذا فأي وحشة في هذا وأي نكارة فيه فإن قيل : إذا كان يفعل ذلك طوعا ومحبة ورضى وإيثارا : لم يكن الحامل له على ذلك الصبر فيكون صبره في هذا الحال ملزوم الوحشة والنكارة لمنافاتها لحال المحب قيل : لا منافاة في ذلك بوجه فإن صبره حينئذ قد اندرج في رضاه وانطوى فيه وصار الحكم للرضى لا أن الصبر عدم بل لقوة وارد الرضى والحب وإيثار مراد المحبوب صار المشهد والمنزل للرضى بحكم الحال والصبر جزء منه ومنطو فيه ونحن لا ننكر هذا القدر فإن كان هو المراد فحبذا الوفاق وليس المقصود القيل والقال ومنازعات الجدال وإن كان غيره : فقد عرف ما فيه والله سبحانه وتعالى أعلم فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الصبر عن المعصية بمطالعة الوعيد : إبقاء على الإيمان وحذرا من الحرام وأحسن منها : الصبر عن المعصية حياء ذكر للصبر عن المعصية سببين وفائدتين أما السببان : فالخوف من لحوق الوعيد المترتب عليها والثاني : الحياء من الرب تبارك وتعالى أن يستعان على معاصيه بنعمه وأن يبارز بالعظائم وأما الفائدتان : فالابقاء على الإيمان والحذر من الحرام فأما مطالعة الوعيد والخوف منه : فيبعث عليه قوة الإيمان بالخبر والتصديق بمضمونه وأما الحياء : فيبعث عليه قوة المعرفة ومشاهدة معاني الأسماء والصفات وأحسن من ذلك : أن يكون الباعث عليه وازع الحب فيترك معصيته محبة له كحال الصهيبيين وأما الفائدتان : فالإبقاء على الإيمان : يبعث على ترك المعصية لأنها لا بد أن تنقصه أو تذهب به أو تذهب رونقه وبهجته أو تطفىء نوره أو تضعف قوته أو تنقص ثمرته هذا أمر ضروري بين المعصية وبين الإيمان يعلم بالوجود والخبر والعقل كما صح عنه : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع إليه الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن فإياكم إياكم والتوبة معروضة بعد وأما الحذر عن الحرام : فهو الصبر عن كثير من المباح حذرا من أن يسوقه إلى الحرام ولما كان الحياء من شيم الأشراف وأهل الكرم والنفوس الزكية : كان صاحبه أحسن حالا من أهل الخوف ولأن في الحياء من الله ما يدل على مراقبته وحضور القلب معه ولأن فيه من تعظيمه وإجلاله ما ليس في وازع الخوف فمن وازعه الخوف : قلبه حاضر مع العقوبة ومن وازعه الحياء : قلبه حاضر مع الله والخائف مراع جانب نفسه وحمايتها والمستحي مراع جانب ربه وملاحظ عظمته وكلا المقامين من مقامات أهل الإيمان غير أن الحياء أقرب إلى مقام الإحسان وألصق به إذ أنزل نفسه منزلة من كأنه يرى الله فنبعت ينابيع الحياء من عين قلبه وتفجرت عيونها