قلت: وفي هذا نظر لا يخفى، وكان رضي الله عنه يقول: المحبة إقامة العتاب على الدوام وقال في قوله تعالى: " ثم تاب عليهم ليتوبوا " " التوبة: 118 " ما لم يعطف الرب على العبد بالرحمة لم يعطف العبد على الله بالطاعة وقال في قوله تعالى: " هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " " طه: 125 " إن آدم عليه السلام قال يا رب لم أدبتني وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في جوارك فقال يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لامني والخلود بيدي وملكي فأشركت بي وأنت لا تشعر ولكن نبهتك بالخروج حتى لا تنساني في وقت من الأوقات وكان رضي الله عنه يقول: يقول الله تعالى يا ابن آدم إن أعطيتك الدنيا اشتغلت بها عني وإن منعتكها إشتغلت بطلبها فمتى تتفرغ لي وكان يقول من حكم المبتدي أن يهتدي بالحقائق ويسير بالعلم ويجد في العمل ولا يقف ولا يلتفت وقال في قوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي في الظواهر من الأخلاق الشريفة والعبادات المرضية دون البواطن والأسرار والإشارات ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق " ألا كل شيء ما خلا الله باطل " إشارة إلى الكون قال ما يليق بالكون إذ كل ما عون الله هو من الكون وأسراره صلى الله عليه وسلم لا يطيق حملها أحد من الخلق لأنه باين أمته بالمكان والمباشرة ومن أجل ذلك قال صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك رضي الله عنه: " احفظ سري تكن مؤمنا " وكان رضي الله عنه يقول: من صعب عليه خدمته لم يصل إلى قربه ومن لم يتنعم بذكره في الدنيا لم يتنعم برؤيته في الآخرة، وكان يقول: الهيبة مقرونة بالورع فمن قل ورعه قلت هيبته، وكان يقول: العارف يربح على ما مضى منه في معصية الله تعالى أضعاف ما يربح غيره على طاعة الله تعالى لأن ذنوبه دائما نصب عينيه لا يفتر عن ذكرها أبدا، وكان يقول: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قام أبو بكر رضي الله عنه يسوس الخلق بقضيب مع قوة نسيم النبوة فلما توفي أبو بكر رضي الله عنه تقدم عمر رضي الله عنه على سياسة الناس فأقام حدود الله بدرته ولم يقدر عثمان على سياسة الناس بالدرة، فأخرج السوط فلم يستقم له الأمر كما استقام لصاحبيه، فلما استشهد لم يقدر علي رضي الله عنه على شيء يسوس به الخلق غير السيف إذ رأى ذلك صوابا وفي حكاية أخرى عنه قال: كان أبو بكر رضي الله عنه يشم نسيم الرسالة وعمر رضي الله عنه يشم نسيم النبوة وعثمان رضي الله عنه يشم نسيم الاصطفاء وعلي رضي الله عنه يشم نسيم المحبة، فكان بيان إشاراتهم مما خصوا به من الكرامة في هجيرهم فكان هجير أبي بكر لا إله إلا الله وكان هجير عمر الله أكبر وكان هجير عثمان سبحان الله وكان هجير علي الحمد لله فكان أبو بكر رضي الله عنه لم يشهد في الدارين غير الله فكان يقول: لا إله إلا الله وكان عمر رضي الله عنه يرى ما دون الله صغيرا في جنب عظمة الله، فيقول: الله أكبر وكان عثمان رضي الله عنه لا يرى التنزيه إلا لله تعالى إذ الكل قائم به غير معرى من النقصان والقائم بغيره معلول فكان يقول سبحان الله، وكان علي رضي الله عنه يرى نعمة الله في الدفع والمنع والمحبوب والمكروه فكان يقول: الحمد لله، وكان يقول: ما ارتفع من ارتفع بكثرة صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا مجاهدة وإنما ارتفع بالخلق الحسن قال صلى الله عليه وسلم: " أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم خلقا " وكان يقول: ليس مهر من مهور الجنة أحب إلى الحور العين من إعراض العبد عن الدنيا وليس وسيلة للعبد عند الله تعالى أحب إليه من إعراضك عن نفسك وكان رضي الله عنه يقول: إنما ابتلى الخلق بالفراق لئلا يكون لأحد سكون مع غير الله عز وجل وكان يقول: قوام الإسلام وشرائعه بالمنافقين وقوام الإيمان وشرائعه بالعارفين بالله عز وجل وكان رضي الله عنه يقول: العارف سكوته تسبيح وكلامه تقديس، ونومه ذكر ويقظته صلاة وذلك لأن أنفاسه تخرج على مشاهدة ومعاينة وكان يقول: العارف لا كطيف عليه أي لزوال التعب والنصب عنه فأفعاله الشاقة على غيره لا يتكلف لها بل هي كخروج النفس ودخوله.
Şa'rânî — Levâkıhu'l-Envâr fî Tabakāti'l-Ahyâr (et-Tabakātü'l-Kübrâ; evliya ve mertebeleri)
عبد الوهاب بن أحمد بن علي الحنفي، نسبه إلى محمد ابن الحنفية، الشعراني، أبو محمد (المتوفى: 973هـ) · AR
وسئل رضي الله عنه عن معنى الطهارة فقال: الطهارة بالنفوس والصلاة بالقلوب فبغسل الوجه يعرض عن الدنيا وبغسل يديه يكفي الخلق يمنة ويسرة وبمسح الرأس يبرأ عن نفسه وبغسل القدمين يقوم لمناجاة ربه فإذا كبر للصلاة خرج من جميع كليته لتصح له مناجاة ربه. وقيل له مرة إذا سمع الإنسان شيئا من العلم فسكنت نفسه إليه ولكن عنده اعتراض في نفسه هل يسكت أن يعترض حتى يتبين له الحق فيعمل به فقال لا يسكت بل يعترض حتى يتبين له الحق. قلت: ومعنى الاعتراض أن يقول لشيخه لا أفهم هذا ومقصودي تفهمه لي لا أنه يرد الكلام جملة والله تعالى أعلم، وكان يقول تولد ورع الورعين من خوف مؤاخذاتهم بالذرة والخردلة والخطرة واللحظة ولولا ذلك ما صح لهم ورع راشد الورع، أن يحاسب نفسه على مقادير الخردلة وأوزان الذرة، وكيف يزكي نفسه من لا ينفك من الخسران ويخالط أهل العصيان والله تعالى يقول " فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى " وكان رضي الله عنه يقول: من علامات الأولياء ثلاثة أشياء يصون سره فيما بينه وبين الله، ويحفظ جوارحه فيما بينه وبين الناس، ويداري الخلق على تفاوت عقولهم وكان يقول تاه بعض أصحابنا في البادية فورد على عين فإذا عليها جارية كالقمر فوقف عندها فقالت إليك عني فقال اشتغل كلي بك فقالت في تلك العين جارية أخرى لا أصلح أن أكون خادمة لها فالتفت إلى ورائه فقالت ما أحسن الصدق وأقبح الكذب زعمت أن الكل منك مشغول بي وأنت تلتفت إلى غيري ثم التفت فلم ير أحدا وكان يقول: القرآن كله شيئان مراعاة أدب العبودية وتعظيم حق الربوبية رضي الله عنه. ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الخواص رضي الله تعالى عنه ورحمه هو من أجل من سلك طريق التوكل، وكان أوحد المشايخ في وقته، وكان من أقران الجنيد والنوري، وله في الرياضات والسياحات مقام يطول شرحه. مات بجامع الري سنة إحدى وتسعين ومائتين مات بعلة البطن وكان كلما قام توضأ ركعتين فدخل الماء يوما فمات وسط الماء، وكان يقول: إنما العلم لمن اتبع العلم واستعمله واقتدى بالسنن، وإن كان قليل العلم، وكان يقول: التاجر برأس مال غيره مفلس، وكان يقول: على قدر إعزاز المؤمن لأمر الله يلبسه الله من عزه ويقيم له العز في قلوب المؤمنين، وكان يقول: من جهة الفقير، أن تكون أوقاته مستوية في الانبساط صابرا على فقره، لا تظهر عليه فاقة ولا تبدو منه حاجة أقل أخلاقه الصبر والقناعة، مستوحشا من الرفاهية مستأنسا بالخشونات فهو بضد ما عليه الخليقة ليس له وقت معلوم، ولا سبب معروف، فلا تراه إلا مسرورا بفقره فرحا بضره مؤنثا على نفسه ثقيلة وعلى غيره خفيفة يعز الفقر ويعظمه ويخفيه بجهده ويكتمه حتى عن أشكالا يستره قد عظمت عليه من الله فيه المنة، فلا يرى عليه من الله منه أعظم من خلو ليد من الدنيا. وكان يقول: أربع خصال عزيزة عالم يعمل بعلمه، وعارف ينطق عن حقيقة فعله، ورجل قائم لله بلا سبب ومريد ذهب عنه الطمع، وكان يقول: لقيت الخضر عليه السلام في بادية فسألني الصحبة فخشيت أن يفسد علي توكلي بالسكون إليه ففارقته وكان رضي الله عنه يقول: المفاخرة والمكاثرة يمنعان الراحة، والعجب يمنع من معرفة قدر النفس، والتكبر يمنع من معرفة الصواب والبخل يمنع من الورع، وكان يقول: ليس من صفة الفقراء مؤالفة الأغنياء ولا من صفة أهل المعرفة مؤالفة أهل الغفلة، وكان يقول: من دواعي المقت ذم الدنيا في العلانية واعتناقها في السر، وكان يقول: الإنسان في خلقه أحسن منه في جديد غيره والهالك حقا من ضل في آخر سفره وقد قارب المنزل، وكان يقول: يجب على المريد الاجتماع بمن يكشف له عن عيوبه ويدله على مواضع الزيادة ويكون نظره إليه قوة له على تهييج حاله، وكان يقول: لم يؤت الناس من قلة الندم والاستغفار وإنما أتوا من قلة الوفاء بالعهد قال أبو الحسن النحراني: صاحب إبراهيم الخواص كنت شديد الإنكار على الصوفي في علومهم وأبغض كل من اجتمع بهم فدخلت بغداد وأنا أكتب الحديث، فرأيت إبراهيم الخواص وحوله جماعة يتكلم عليهم، فسمعت كلامه فدخل قلبي صدق قوله فرأيته علما صحيحا لا بد للخلق من استعماله، فلزمته من ذلك المجلس ولم أفارقه وفرقت ما كنت جمعته من الكتب وكانت نحو حملين، ومع هذا فلم يلتفت إلي ولم يكلمني بكلمة أياما كثيرة، فلما عرف مني الصدق في طلبه أدناني وقربني رضي الله عنه، وكان إبراهيم رضي الله عنه إذا دعى إلي دعوة فرأى فيها خبزا يابسا أمسك يده ولم يأكل ويقول: هذا خبز قد منع حق الله تعالى منه إذ يبيت ولم يخرج من يومه وقال في قوله تعالى: " وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب " " الزمر: 54 " الآية، الإنابة
أن يرجع بك منك إليه التسليم أن تعلم أن ربك أشفق عليك من نفسك والعذاب عذاب الفراق وكان يقول آفة المريد ثلاثة حب الدرهم، وحب النساء، وحب الرياسة فيدفع حب الدرهم باستعمال الورع، وحب النساء بترك الشهوات، وترك الشبع ويدفع حب الرياسة بإثبات الخمول، وكان يقول: المريد الصادق الله مراده، والصديقون إخوانه والخلوة بيته والوحدة أنسه والنهار غمه والليل فرحه، ودليله قلبه والقرآن معينه، والبكاء ريه والجوع أدمه والعبادة نزهته والمعرفة قياده والحياة سفره والأيام مراحله والورع طريقه، والصبر شعاره، والسكون دثاره، والصدق مطيته، والعبادة مركبه وخوف الفوت خشيته، وكان يقول: إذا تحرك العبد لإزالة منكر، فقامت دونه الموانع، فإنما ذلك لفساد العقد بينه، وبين الله تعالى. فلو صحت عقيدته مع الله تعالى واستأذنه في إزالة ذلك المنكر، واستعان به لم يقم دونه مانع قط وكان يقول: من شرب من كأس الرياسة، فقد خرج من إخلاص العبودية، وكان يقول: عطشت في بادية في طريق الحجاز، فإذا براكب حسن الوجه على دابة شهباء فسقاني الماء وأبى دفني خلفه، ثم قال: انظر إلى نخيل المدينة، فانزل واقرأ على صاحبها مني السلام وقل أخوك الخضر يقرأ عليك السلام. وقيل له: ما بال الإنسان يتواجد عند سماع الأشعار، ولا يتواجد عند سماع القرآن، فقال: لأن سماع القرآن صدعة لا يمكن أحدا أن يتحرك فيها لشدة غلبتها، وشدة الأشعار ترويح للنفس فتتحرك فيه والله أعلم. ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد الخراز رضي الله تعالى عنه من كبار مشايخ الري جاور بالحرم سنين كثيرة، وكان من الورعين القائمين بالحق الطالبين قوتهم من وجه حلال صحب أبا عمران الكبير، ولقي أبا حفص النيسابوري، وأصحاب أبي يزيد وكانوا جميعا يكرمونه ويعظمون شأنه، وحكي عن أبي حفص أنه قال رضي الله عنه: نشأ بالري فتى إن بقي على طريقته، وسمته صار أوحد الرجال. مات رحمه الله قبل العشر والثلاثمائة، ومن كلامه رضي الله عنه الجوع طعام الزاهدين والذكر طعام العارفين رضي الله عنه. ومنهم أبو الحسن بنان بن محمد بن أحمدان بن سعيد الجمال رضي الله عنه كان أصله من واسط سكن رضي الله عنه مصر، واستوطنها ومات بها، ودفن بالقرافة بالقرب من الجبل تجاه جامع محمود، سنة ستة عشر وثلاثمائة، وكان من جملة المشايخ القائمين بالحق، والآمرين بالمعروف له المقامات المشهورة، والكرامات المذكورة صحب أبا القاسم الجنيد، وغيره من مشايخ الوقت وكان أستاذ النوري ومن كلامه رضي الله عنه: أجل أحوال الصوفية الثقة بالمضمون والقيام بالأمر والمراعاة للسر والتخلي من الكونين والتعلق بالحق تعالى وكان يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، قال لي: يا بنان فقلت: لبيك يا رسول الله فقال: من أكل بشره نفس أعمى الله عين قلبه، فانتبهت، وعقدت أن لا أشبع بعدها أبدا. وكنت قد أكلت تلك الليلة رغيفين، وقصعة عدس وكان رضي الله عنه يقول: اجتمعت بأبي جعفر الحداد الفرجي رضي الله عنه، بمصر فقلت له: اختصر لي من العلم كله كلمة واحدة أنتفع بها، فقال: عليك بأخذ الأقل من الدنيا وارض فيها بالذل فقلت حسبي حسبي والله تعالى أعلم. ومنهم محمد وأحمد ابنا أبي الورد رضي الله تعالى عنهما آمين وهما من كبار مشايخ العراقيين، وأقارب الجنيد، ومن جلسائه وصحبا السري السقطي، والحارث المحاسبي، وبشرا الحافي وأبا الفتح الحبال وطريقتهما في الورع قريبة من طريقة بشر رضي الله عنه. ومن كلام محمد رحمه الله في ارتفاع الغفلة ارتفاع العبودية. قلت: والمراد بارتفاع الغفلة زوالها، وبارتفاع العبودية علوها والله أعلم.
والغفلة غفلتان غفلة نقمة وغفلة رحمة، فأما الرحمة فإسدال حجاب العظمة دون العبادات إذ لو انكشف الغطاء لانقطعوا عن العبودية، وأما التي هي نقمة فالغفلة عن طاعة الله عز وجل وكان رضي الله عنه يقول: الولي هو الذي يوالي أولياء الله، ويعادي أعداءه، وكان يقول: من كانت نفسه لا تحب الدنيا فأهل الأرض يحبونه، ومن كان قلبه لا يحب الدنيا، فأهل السماء يحبونه، وكان يقول: من أدب الفقير تركه الملامة والتعبير لمن ابتلى بطلب الدنيا، والرحمة، والشفقة عليه، والدعاء بأن الله تعالى يريده من التعب فيها. قلت: والمراد بالتعبير أن يقصد به نقصه بين الناس لا غير دون النصح، والله أعلم. وكان يقول: هلاك الناس في حرفين اشتغال بنافلة، وتضييع فريضة، وعمل بالجوارح بلا مواطأة القلب عليه، وإنما منعوا الوصول لتضييعهم الأصول، وكان أحمد يقول: إنما بسط بساط المجد للأولياء ليأنسوا به، ويرفع به عنهم حشمة بديهة المشاهدة، وإنما بسط بساط الهيبة للأعداء ليستوحشوا من قبائح أفعالهم، ولا يشاهدون ما يستريحون إليه من المشهد الأعلى، وكان رضي الله عنه يقول: إذا زاد في الولي ثلاثة أشياء زاد فيه ثلاثة أشياء إذا زاد خلقه زاد تواضعه، وإذا زاد ماله زاد سخاؤه، وإذا زاد عمره زاد اجتهاده رضي الله عنه. ومنهم أبو حمزة محمد بن إبراهيم البغدادي البزار رحمه الله تعالى صحب السري السقطي، وحسنا المسوحي، وكان ينتمي إلى المسوحي أكثر، وكان فقيها عالما بالقرآن، وكان يتكلم ببغداد في مسجد الرصافة قبل كلامه في مسجد المدينة تكلم يوما في مسجد المدينة فتغير عليه حاله، وسقط عن كرسيه ومات في الجمعة الثانية، وكان موته قبل الجنيد، وكان من رفقاء أبي تراب النخشبي في أسفاره، وكان الإمام أحمد إذا جرى في مجلسه شيء من كلام القوم يقول لأبي حمزة رحمه الله تعالى ما تقول في هذا يا صوفي، ودخل البصرة مرارا وصحب بشرا الحافي. مات رحمه الله تعالى سنة تسع وثمانين ومائتين رحمه الله، ومن كلامه رضي الله عنه من المحال أن تحبه، ثم لا تذكره، ومن المحال أن تذكره، ثم لا يوجدك طعم ذكره، ومن المحال أن يوجدك طعم ذكره، ثم يشغلك بغيره، وكان رضي الله عنه يقول: وقفت على راهب في طريق الروم، فقلت له: هل عندك شيء من خبر من مضى، فقال: نعم فريق في الجنة، وفريق في السعير، وكان يقول: حب الفقير شديد، ولا يصبر عليه إلا صديق، وكان يقول: إذا فتح الله عليك طريقا من طريق الخير فألزمه، وإياك أن تنظر إليه، أو تفتخر به، واشتغل بشكر من وفقك لذلك فإن نظرك إليه يسقطك من مقامك واشتغالك بالشكر يوجب لك فيه المزيد قال الله تعالى: لئن شكرتم لأزيدنكم، واكن يقول: من علم طريقة الحق هان عليه سلوكها، وهو الذي علمها بتعليم الله إياه، وأما من علمها بالاستدلال فمرة يخطئ، ومرة يصيب، ولا دليل على الطريق إلى الله تعالى إلا متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في أفعاله، وأحواله، وأقواله، وكان رضي الله عنه يقول: قد يقطع بقوم في الجنة كما وقع آدم عليه السلام، وهم الذين يقولون لهم ملائكة الحق " كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية " فإنه شغلهم عنه بالأكل، والشرب، ولا مكر فوق هذا، ولا حسرة أعظم منها عند العارفين بالله تعالى. وروي أنه كان حسن الكلام فهتف به هاتف تكلمت، فأحسنت بقي عليك أن تسكت فتحسن، فما تكلم بعد ذلك حتى مات، وسئل هل يتفرغ المحب لشيء سوى محبوبه فقال: لا لأن المحب في بلاء دائم، وسرور منقطع، وأوجاع متصلة لا يعرفها إلا من باشرها رضي الله عنه. ومنهم أبو بكر محمد بن موسى الواسطي رحمه الله تعالى ورضي عنه
أصله من فرغانة، وكان من قدماء أصحاب الجنيد، والثوري وكان من علماء مشايخ القوم لم يتكلم أحد في أصول التصوف مثل كلامه، وكان عالما بأصول الدين، والعلوم الظاهرة دخل خراسان، واستوطن كورة مرو ومات بها بعد العشرين والثلاثمائة، وكلامه عندهم ليس بالعراق، منه شيء لأنه خرج منها، وهر شاس ومشايخه أحياء، وتكلم في خراسان في أبيورد، ومرو وأكثر كلامه بمرو، وكان يقول: ابتلينا بزمان ليس فيه آداب الإسلام، ولا أخلاق الجاهلية، ولا أحلام ذوي المروءة، وكان يقول: أفقر الفقراء من ستر الحق حقيقة حقه عنه، وكان يقول: الخوف حجاب بين الله تعالى، وبين العبد، وهو اليأس، والرجاء فإن خفته بخلته، وإن رجوته اتهمته كيف يرى الفضل فضلا من لا يأمن أن يكون ذلك مكرا. وكان يقول: الذاكر في ذكره أشد غفلة من الناسي لذكره لأن ذكره سواء، وكان يقول: التقوى أن يتقي العبد من تقواه يعني من رؤية تقواه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا ظهر الحق على السرائر لا يبقى فيها فضلة خوف، ولا رجاء، وكان يقول: احذروا لذة العطاء، فإنها غطاء لأهل الصفاء، ولولا شهود نفسه مع الحق ما استلذ، وكان يقول: في صفة الصوفية كان للقوم إشارات ثم صارت حركات، ثم لم يبق إلا حسرات، وكان يقول: من عرف الله انقطع بل خرس، وانقمع، ولا تصح المعرفة، وفي العبد استغناء بالله أو افتقار إليه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا أحصي ثناء عليك " هذه أخلاق من بعد مرماهم فأما الذين نزلوا عن هذا الحد فقد تكلموا في المعرفة فأكثروا رضي الله عنه أجمعين. ومنهم أبو عبد الله الشجري رحمه الله تعالى آمين صحب أبا حفص الحداد، وهو من كبار مشايخ خراسان قطع البادية مرارا على التوكل رضي الله عنه. ومن كلامه رضي الله عنه: من لم يقدس فعله لم يقدس بدنه، ومن لم يقدس بدنه لم يقدس قلبه، ومن لم يقدس قلبه لم يقدس نيته، والأمور كلها مبنية على النية، وكان يقول: علامة الأولياء ثلاثة تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وإنصاف عن قوة، وكان رضي الله عنه يقول: بئس العبد عبد عصى الله بقلبه، وجوارحه ثم اعتذر إليه بلسانه من غير رجوع إليه. قلت: والمراد بالرجوع إلى الله تعالى انكشاف حجاب العبد عن عجزه بحيث يعلم أن الأمر من الله تقديرا لا محيص له عن فعله، ولا قوة له على دفعه بقرينة حديث " إذا أذنب العبد فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ به " الحديث، والله أعلم. وكان يقول: لا تعير أحدا حتى تتيقن أن ذنوبك مغفورة، وذلك لا يصح لك وكان يقول: أنفع شيء للمريد صحبة الصالحين، والاقتداء بهم في أفعالهم، وأقوالهم، وأخلاقهم، وشمائلهم، وزيارات قبور الأولياء، والقيام بخدمة الأصحاب، والرفقاء وكان رضي الله عنه يقول: لا ينبغي لبس المرقعة إلا للفتيان قيل، ومن هم قال: من لا يشغلهم شيء عن الله عز وجل رضي الله عنهم أجمعين. ومنهم محفوظ بن محمود النيسابوري رضي الله تعالى عنه من أصحاب أبي حفص النيسابوري، وكان من قدماء مشايخ نيسابور، وأجلتهم، وصحب أبا عثمان الحيري إلى أن مات، وكان من أورع المشايخ، وألزمهم لطريقة المتقدمين، وصحب أيضا حمدون القصار، وسلاما الباروسي، وعليا النصراباذي، وغيرهم من المشايخ. مات سنة ثلاث أو أربع وثلاثمائة بنيسابور، ودفن بجانب أبي حفص، وكان يقول: التائب هو الذي يتوب عن طاعاته فضلا عن غفلاته، وكان يقول: لا تزن الخلق بميزان نفسك تهلك إنما ينبغي لك أن تزنهم لتعلم فضل الناس، وإفلاسك، وكان يقول: من ظن بمسلم فتنة فهو المفتون، وكان يقول: من أراد أن يبصر طريقا من طريق رشده، فليتهم نفسه في الموافقات فضلا عن المخالفات والله أعلم. ومنهم طاهر المقدسي رضي الله تعالى عنه وهو من أجلة مشايخ الشام، وقدمائهم رأى ذا النون المصري، وصحب يحيى الجلاء، وكان عالما وهو الذي سماه الشبلي رضي الله عنه حبر الشام.
ومن كلامه رضي الله عنه إنما سميت الصوفية بهذا الاسم، لاستتارها عن الخلق بلوائح الوجد، وانكشافها بشمائل الفضل، وكان رضي الله عنه يقول: لا يطيب العيش إلا لمن وطئ على بساط الأنس، وعلا على سرير القدس، وغيبه الأنس بالقدس، والقدس بالأنس، ثم غاب عن مشاهدتهما بمطالعة القدوس وكان يقول: المفاوز إليه منقطعة، والطرق إليه منطمسة فالعاقل من وقف حيث وقف العوام والسلام. ومنهم أبو عمرو الدمشقي رضي الله تعالى عنه وهو أوحد مشايخ الشام، وكان علماء الشام كلهم يذعنون إليه لا سيما في علوم الحقائق صحب أبا عبد الله محمد بن الجلاء، وأصحاب في النون وله كتاب في الرد على من قال بقدم الأرواح. مات سنة عشرين وثلاثمائة. ومن كلامه رضي الله عنه: إن الله تعالى افترض على الأولياء كتمان الكرامات لئلا يفتتن بها الخلق، وأوجب على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إظهارها بيانا، وبرهانا بالحق، وكان يقول: التصوف غض الطرف عن كل ناقص ليشاهد من هو منزه عن كل نقص وكان يقول: مقام الخطرات بعيد عن مقام الوطنات لأن الخواطر تلمع، ثم تخفى، والوطنات تبدو ثم تثبت، والدعاوى تتولد من الخواطر، وذلك لأن المدعي يظن أن ما لاح ثبت، ولا دعوى لصاحب الوطنات بحال، وكان رضي الله عنه يقول: استحسان الكون على العموم دليل على صحة المحبة، واستحسانه على الخصوص يؤدي إلى الفتن، والظلمات والله أعلم. ومنهم أبو بكر بن محمد حامد الترمذي رضي الله عنه هو من أجل مشايخ خراسان، وأطهرهم خلقا، وأحسنهم سياسة لقي قدماء المشايخ ببلخ مثل أحمد بن حضرويه، ومن دونه، وله أصحاب ينتمون إليه. ومن كلامه رضي الله عنه إذا مكثت الأنوار في السر نطقت الجوارح بالبر، وكان يقول: إنكار الآيات للأولياء في قلوب الجهال من ضيق صدورهم عن المصادر، وبعد علومهم عن موارد الحكمة، والقدرة، وكان رضي الله عنه يقول: الولي دائما في ستر حاله، والكون كله ناطق عن ولايته، والمدعي ناطق بولايته، والكون كله ينكر عليه، وكان يقول الاستهانة بالأولياء من قلة المعرفة بالله، وما وصل عبد إلى مقام، وهو غير محترم لأهله إلا حرم بركته، وكان ذلك استدراجا وكان يقول: لا يسمى عالما إلا من وقف عند حدود الله لم يتجاوزها في وقت من الأوقات وكان يقول: ما استصغرت أحدا من المسلمين إلا وجدت نقصا في إيماني، ومعرفتي، وكان يقول: ما منع القوم من الوصول إلا الاستدلال بغير الدليل، والركض في الطريق على حد الشهوة، وأكل الحرام، والشبهات، وكان يقول: مخالفة أوامر الله، وترك المواظبة على مرور ذكر الله على القلب من اعوجاج الباطن، وكان يقول: رأس مالك قلبك، ووقتك، وقد شغلت قلبك بهواجس الظنون، وضيعت أوقاتك باشتغالك بما لا يعينك فمتى يربح من خسر رأس ماله، والله أعلم. ومنهم أبو الحسن محمد بن سعيد الوراق رحمه الله تعالى آمين من كبار المشايخ، وقدماء أصحاب أبي عثمان رحمه الله تعالى، وله كلام على سنن كلامه، وكان عالما بعلوم الظواهر، والكلام في علوم دقائق المعاملات، وعيوب الأفعال مات قبل العشرين والثلاثمائة، ومن كلامه رضي الله عنه الكرم في العفو أن لا تذكر جناية أخيك بعدما عفوت عنه، وكان يقول: اللئيم لا ينفك عن ضيق الصدر أبدا، وكان يقول: حياة القلوب التي تموت في ذكر الحي الذي لا يموت، وأهنأ العيش الحياة، مع الله تعالى لا غير.
وكان يقول: كانت أحكامنا في مبادئ أمرنا بمسجد أبي عثمان الحيري الإيثار، بما يفتح علينا، وأن لا نبيت على معلوم، ومن استقبلنا بمكروه لا ننتقم منه لأنفسنا بل نعتذر إليه، ونتواضع له، وإذا وقع في قلبنا حقارة لأحد قمنا بخدمته، والإحسان إليه حتى يزول ذلك، وكان رضي الله عنه يقول: من لم يفن عن نفسه، وغيره وروية الخلق لا يحيا سره بمشاهدة الخيرات، والمنن وكان يقول: أنفع العلوم العلم بأمر الله، ونهيه، ووعده ووعيده، وثوابه، وعقابه، وأعلى العلم العلم بالله وأسمائه، وصفاته، وكان يقول: خوف القطيعة أذبلت نفوس المحبين، وأحرقت أكباد العارفين، وكان يقول: والأنس بالخلق، وحشة، والطمأنينة إليهم حمق، والسكون إليهم عجز، والاعتماد عليهم، وهن والثقة بهم ضياع، رضي الله عنه. ومنهم أبو الحسن علي بن سهل الصائغ الدينوري رضي الله عنه كان من كبار المشايخ أقام بمصر، ومات بها في سنة ثلاثين وثلاثمائة، وكان كبير الهيبة يهابه كل من رآه، وكان من المخلصين في معاملة الله تعالى، وكان رضي الله عنه يقول: ينبغي للمريد أن يترك الدنيا مرتين الأولى: يتركها بنضارتها، ونعيمها، وألوان مطاعمها، ومشاربها، وجميع ما فيها ثم إذا عرف بترك الدنيا، وبجل، وأكرم بسبب تركها ينبغي له إذ ذاك أن يستر حاله بالإقبال على أهلها لئلا يكون تركه للدنيا هو أعظم من الإقبال عليها، أو طلبها وأي فتنة أعظم منها، وكان رضي الله عنه يقول: إذا سئل عن الاستدلال بالشاهد على الغائب كيف يستدل بصفات من يشاهد، ويعاين، وذو مثل على صفات من لا يشاهد، ولا يعاين، ولا مثل له، ولا نظير له، وكان يقول: من تعرض لمحبة الله تعالى جاءته المحن، والبلايا، والآفات من سائر الأقطار، وكان يقول: يجب على الإخوان كلما اجتمعوا أن يتواصوا بالحق، ويتواصوا بالصبر لقوله تعالى: " وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " " العصر: 3 " وكان يقول: محبتك لنفسك هي التي تهلكها والله تعالى أعلم. ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن داود القصار الرقي رضي الله عنه من كبار مشايخ الشام، ومن أقران الجنيد، وابن الجلاء إلا أنه عمر عمرا طويلا، وصحب أكثر المشايخ من الشام، وكان رضي الله عنه ملازما مجردا فيه محبا لأهله. مات سنة ست وعشرين وثلاثمائة، وكان يقول: حبك من الدنيا شيئان صحبة فقير، وحرمة ولي، وكان يقول: الأبصار قوية، والبصائر ضعيفة والله أعلم. ومنهم ممشاد الدينوري رضي الله عنه كان من كبار المشايخ القوم صحب ابن الجلاء، ومن فوقه من المشايخ عظيم المرمى في علوم القوم كبير الحال ظاهر الفتوة مات سنة سبع وتسعين ومائتين، وكان يقول: طريق الحق بعيد، والصبر مع الله شديد، وكان يقول: لو جمعت حكمة الأولين، والآخرين، وادعيت أحوال الأولياء، والمقربين لن تصل إلى درجات العارفين حتى يسكن سرك إلى الله تعالى، وتثق بضمانه فيما وعدك، وقسم لك، وكان يقول: من يكن الله همته لم تستطعه الأقدار، ولم تملكه الأخطار، وكان يقول: ما دخلت
على فقير قط إلا، وأنا خال من جميع النسب، والعلوم، والمعارف أنتظر بركات ما يرد علي من رؤيته، أو كلامه، وذلك لأن من دخل على شيخ بحظ انقطع بحظه عن بركات رؤيته، ومجالسته، وأدبه، وكلامه، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت في بعض سياحتي شيخا توسمت فيه الخير فقلت له: عظني بكلمة فقال همتك احفظها فإن الهمة مقدمة الأشياء فمن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراء ذلك من الأعمال والأحوال، وكان يقول: أحسن الناس حالا من أسقط عن نفسه رؤية الخلق، وراعى سره في الخلوات مع الله واعتمد عليه في جميع الأمور، وكان رضي الله عنه يقول: أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، في حال الكشف، والمشاهدة، وأرواح الأولياء في القربة، والاطلاع وكان رضي الله عنه يقول: فقدت قلبي منذ عشرين سنة مع الله تعالى، وتركت قولي للشيء كن فيكون منذ عشرين سنة أدبا مع الله عز وجل قال بعضهم معناه أنه كان يرجع إلى قلبه ثم يرجع بقلبه إلى الله ومعنى تركت قولي للشيء كن فيكون أنه كان مجاب الدعوة كلما دعا أجيب ثم ارتفع عن ذلك إلى الله تعالى فصار بمراد الله لا بمراده فترك الدعاء، وكان يقول: كان عندنا رجل أخذ في التقلل حتى وقف على نواة ثم صار قوته الماء، وقيل له: إذا جاع الفقير أيش يعمل؟ قال يصلي قيل: فإن لم يقدر قال ينام قيل له: فإن لم يقدر ينام قال: إن الله تعالى لا يخلي فقيرا عن إحدى ثلاث إما قوى، وإما غذاء، وإما أخذ والله أعلم. ومنهم أبو الحسين خير النساج رضي الله تعالى عنه أصله من أسر من رأى، إلا أنه أقام ببغداد وصحب أبا حمزة البغدادي ولقي السري السقطي، وهو من أقران النوري، وعمر طويلا على ما قيل مائة وعشرين سنة وتاب في مجلسه الخواص، والشبلي، وكان أستاذا لجماعة، ومن كلامه رضي الله عنه: الصبر من أخلاق الرجال، والرضا من أخلاق الكرام، وكان رضي الله عنه يقول: العمل الذي يبلغ فيه العبد إلى الغايات هو رؤية التقصير، والعجز، والضعف، وكان رضي الله عنه يقول: قص موسى يوما في بني إسرائيل فزعق واحد من القوم فانتهره موسى عليه السلام فأوحى الله تعالى إليه يا موسى بطيبي باحوا، وبوجدي صاحوا فلم تنكر علي عبادي؟ ومنهم أبو حمزة الخراساني رحمه الله تعالى آمين يقال إن أصله من نيسابور من محلة ملقاباذ صحب مشايخ بغداد، وهو من أقران الجنيد رضي الله عنه، وسافر مع أبي تراب النخشبي وأبي سعيد الخراز، وكان من أفتى المشايخ، وأدينهم، وأورعهم مات سنة تسع وثلاثمائة، وكان الإمام أحمد رضي الله عنه إذا عرضت عليه مسألة تتعلق بطريق القوم يقول له: ما تقول في هذه المسألة يا صوفي، وكان يقول: بقيت محرما في عباءة أسافر ألف فرسخ كل سنة كلما تحللت أحرمت جديدا سنين عديدة. قلت: وعري البدن للفقير إشارة للتجرد بالباطن عن الكون، وقوله كلما تحللت أحرمت أي كلما ملت إلى شهوة جددت توية، والله أعلم. ومنهم أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن أبي بكر الصنجي رضي الله عنه
كان من كبار أهل البصرة مكث في سرب في داره لم يخرج منه ثلاثين سنة، وكان اجتهاده متواليا لا يفتر حتى أخرجه أهل البصرة منها فخرج إلى السوس، ومات بها، وقبره هناك ظاهر يزار، وكان عالما بعلوم القوم، وبالأصول وكان صاحب ورع ولسان، وكان رضي الله عنه يقول: السماع بالتصريح جفاء، والسماع بالإشارة تكليف وألطف السماع ما يشكل إلا على مستمعه، وكان رضي الله عنه يقول لا يقطعك شيء عن شيء إلا إذا كان القاطع أتم، وكمل، وأعلى عندك فإن كان مثله أو دونه فلا يقطعك فالحكم لما غلب على القلب، والسلام وكان يقول: ابتلى الخلائق بأسرهم بالدعاوي العريضة في المغيب فإذا أظلتهم هيبة المشهد خرسوا، وانقمعوا وصاروا لا شيء، ولو صدقوا في دعاويهم لبرزوا عند المشاهدة كما برز نبينا محمد صلى الله عليه وسلم للشفاعة دون غيره، ويقول: أنا لها أنا لها، ولم ترعه هيبة الموقف لما كان عليه من قدم الصدف، وكان يقول: الغريب هو البعيد عن وطنه، وهو مقيم فيه لقلة جنسه رضي الله عنه. ومنهم أبو جعفر أحمد بن حمدان بن علي بن سنان رحمه الله تعالى هو من كبار مشايخ نيسابور صحب أبا عثمان ولقي أبا حفص، وهو أحد الخائفين الورعين جاور بمكة في آخر عمره وعشرين سنة متوالية نعى بموت أبي بشر سنة سبع، وثمانين، وثلاثمائة، وكان بمكة، وكان أوحد مشايخ الحرم في وقته، ومات أبو جعفر بن حمدان سنة إحدى عشرة، وثلاثمائة، وكان رضي الله عنه يقول: تكبر المطيعين على العصاة بطاعتهم شر من معاصيهم، وأضر عليهم منها كما أن غفلة العبد عن توبة ذنب ارتكبه شر من ارتكابه، وكان يقول: أنت تبغض العاصي بذنب، واحد تظنه، ولا تبغض نفسك بذنوب كثيرة تتيقنها وكان رضي الله عنه يقول: من سكنت عظمة الله قلبه عظم كل من انتسب إلى الله تعالى بالعبودية، وكان يقول: من علامة صدق من انقطع إلى الله تعالى أن يرد عليه قط ما يشغله عنه من مصائب الدنيا وغيرها رضي الله عنه. ومنهم أبو بكر بن جحدر الشبلي رضي الله عنه ومكتوب على قبره جعفر بن يونس خراساني الأصل بغدادي المولد، والمنشأ تاب في مجلس خير النساج كما مر، وصحب أبا القاسم الجنيد، ومن عاصره من المشايخ، وصار أوحد أهل الوقت علما، وحالا وظرفا. تفقه على مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، وكتب الحديث الكثير. عاش سبعا وثمانين سنة، ومات سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ودفن ببغداد في مقبرة الخيزران، وقبره فيها ظاهر يزار رضي الله عنه، ورحمه، وكانت مجاهداته في بدايته فوق الحد وكان رضي الله عنه يقول: اكتحلت بالملح كذا، وكذا ليلة لأعتاد السهر، ولا يأخذني النوم فلما زاد علي الأمر حميت الميل، واكتحلت به. وكان يقول عن علم القوم: ما ظنك بعلم علم العلماء فيه تهمة. وقيل له: إن أبا تراب النخشبي جاع يوما في البداية فرأى البادية كلها طعاما فقال هذا عبد رفق به ولو بلغ إلى محل التحقيق لكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني " وقيل له متى يكون الشخص مريدا قال: إذا استوت حالاته في السفر، والحضر والمشهد، والمغيب وقيل له متى يكون الشخص مريدا قال: إذا استوت حالاته في السفر، والحضر والمشهد، والمغيب وقيل له مرة كيف الدنيا فقال: قدر يغلي، وكنيف يملأ، وكان يقول: في مناجاته أحبك الخلق لنعمائك وأنا أحبك لبلائك، وكان رضي الله عنه يقول: رفع الله قدر الوسائط بعلو هممهم فلو أجرى على الأولياء ذرة مما كشف للأنبياء عليهم الصلاة والسلام لبطلوا، وانقطعوا. وأخر مرة العصر حتى دنت الشمس إلى الغروب فقام وصلى، وأنشد مداعبا، وهو يضحك، ويقول أحسن ما قال بعضهم: نسيت اليوم من عشقي صلاتي ... فلا أدري عشائي من غدائي
وكان يقول: كل صديق لا يكون له معجزة فهو كذاب فلما دخل البيمارستان دخل الوزير فقال: أين قولك كل صديق بلا معجزة كذاب فأين معجزتك أنت فقال معجزتي موافقة الله في أوامره، ونواهيه وكان يقول: ليس للمريد فترة، ولا للعارف علاقة، ولا للمحب شكوى، ولا للصادق دعوى، ولا للخائف قرار، ولا للخلق من الله فرار، وكان يقول لأهل عصره أنتم قبور فقيل له لماذا فقال لأن كل واحد منكم مدفون في ثيابه فقال له رجل، ونحن نعد في الأموات فقال: نعم العارفون نيام، والجاهلون أموات، وقيل له مزقت جميع ملبوسك، والعيد قد أقبل، والناس يتزينون، وأنت هكذا فقال زينة الفقير فقره، وصبره على فقره، وكان يقول: إنما تصفر الشمس عند الغروب لأنها عزلت عن مكان التمام فاصفرت لخوف المقام، وهكذا المؤمن إذا قارب خروجه من الدنيا اصفر لونه فإنه يخاف المقام، وإذا طلعت الشمس طلعت مضيئة منيرة. كذلك المؤمن إذا خرج من قبره خرج، ووجهه مشرق مضيء وقال له رجل مرة من أنت قال: النقطة التي تحت الباء فقال أنت شاهدي ما لم تجعل لنفسك مقاما وكان رضي الله عنه يقول: ذلي عطل ذل اليهود قال بعض العارفين في معناه أي لأن ذل الذليل على قدر معرفته بعظمة من ذل له، والشبلي بلا شك أعرف بعظمة الله تعالى من اليهود فذله أعظم من ذل اليهود. وجاءه رجل فقال يا سيدي كثرت عيالي، وقل حيلي فقال له: أدخل دارك فكل من رأيت رزقه عليك فأخرجه، وكل من رأيت رزقه على الله تعالى فاتركه في الدار، وكان إذا أعجبه صوف أو قلنسوة أو عمامة لفها وأدخلها النار فأحرقها، ويقول كل شيء مالت إليه النفس دون الله تعالى وجب إتلافه فقيل له لم لا تتصدق به فقال: صورته باقية فربما تبعته النفس إذا رأته على الغير فكان الإحراق أسرع في إتلافه مبادرة للإقبال على الله عز وجل، وقد بادر إبراهيم عليه السلام حين أمر بالختان إلى الفأس فاختتن بها فقيل له هلا صبرت حتى تجد الموسى فقال عليه السلام تأخير أمر الله عظيم وكان يقول: لا أستريح إلا إذا لم أر لله ذاكرا على وجه الأرض قال بعضهم مراده لا أستريح إلا إن دخلت حضرت الشهود لأنه لا ذكر فيها فإن الذكر إنما يكون مع الحجاب لأنه دليل فإذا شهد المدلول سقط الوقوف عن الدليل بل عن شهود الدليل، ومروره على الخاطر. وقيل له: لم سميت الصوفية بهذا الاسم فقال: لبقية بقيت عليهم، ولولا ذلك لما تعلقت بهم تسمية، وكان يقول: من اطلع على ذرة من التوحيد ضعف عن حمل نبقة لثقل ما حمل، وكان رضي الله عنه يقول: من طلبه به تعالى صح توحيده، ومن طلبه بنفسه لم يصح له توحيد، وكان أبو بكر الدينوري خادم الشبلي يقول: سمعت الشبلي يقول قبل موته: علي درهم واحد مظلمة ظلمته أيام، ولايتي، وقد تصدقت عن صاحبه بألوف، وما على قلبي أعظم منه وسئل مرة عن المعرفة فقال أولها الله، وآخرها ما لا نهاية له، وكان رضي الله عنه يقول: العارف لا يكون لغيره لاحظا، ولا لكلام غيره لافظا، ولا يرى لنفسه غير الله حافظا، وكان يقول: المحب إذا لم يتكلم هلك والعارف إذا تكلم هلك، وكان غيره يقول: العارف إذا تكلم أهلك غيره، وإذا سكت أهلك نفسه فنجاة نفسه أولى، وصلى مرة خلف إمام فقرأ: " ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك " " الإسراء: 86 " الآية فزعق زعقة كادت روحه تخرج، وقال هذا خطابه لأحبابه فكيف خطابه لأمثالنا، ولاموه في قلة النوم فقال: سمعت الحق يقول لي من نام غفل، ومن غفل حجب، وكان هذا سبب اكتحالي بالملح حتى لا أنام، وقال للحصري في بداية أمره إن خطر ببالك من الجمعة إلى الجمعة الثانية غير الله تعالى فحرام عليك أن تحضرني وكان يقول في بيت الله الحرام آثار خليله عليه السلام، وفي القلب آثار الله عز وجل، وللبيت أركان وللقلب أركان فأركان البيت من الصخر، وأركان القلب من معادن أنوار معرفته.