ثم خرجتم من أموالكم، وأولادكم في طلب القرب من الله تعالى، وابتغاء رضوانه، وارتفاع درجة عنده، أو غفران سيئة كان ذلك قليلا فيما تطلبونه، وكان رضي الله عنه يقول: القلوب أوعية وخيرها أوعاها، ثم يقول: هاه هاه إن هاهنا - وأشار بيده إلى صدره - علما لو أصبت له حملة وأتى رضي الله عنه بفالوذج فوضع قدامه فقال: إنك طيب الريح حسن اللون طيب الطعم لكني أكره أن أعود نفسي ما لم تعتد، ولم يأكله، ولم يأكل رضي الله عنه طعاما منذ قتل عثمان، ونهبت الدار إلا مختوما حذرا من الشبهة، وكان قوته وكسوته شيئا يجيئه من المدينة، ولم يأكل من طعام العراق إلا قليلا، وكان رضي الله عنه يرقع قميصه ويقول: لمن لبس المرقع يخشع القلب، ويقتدي به المؤمن، وكان يقطم من كم قميصه ما زاد على رؤوس الأصابع. وكذلك كان عمر رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يبرد في الشتاء حتى ترعد أعضاؤه عن البرد فقيل له: ألا تأخذ لك كساء من بيت المال، فإنه واسع فقال: لا أنقص المسلمين من بيت مالهم شيئا لي. وكان رضي الله عنه يقول: التقوى هي ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار بالطاعة، وكان رضي الله عنه يستوحش من الدنيا، وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، وكان يحاسب نفسه على كل شيء، وكان يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان رضي الله عنه يعظم أهل الدين والمساكين، وكان يصلي ليله ولا يهجع إلا يسيرا، ويقبض على لحيته، ويتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين حتى يصبح، وكان رضي الله عنه يخاطب الدنيا ويقول: يا دنيا غري غيري قد طلقتك ثلاثا عمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك كبير آه آه من قلة الزاد، وبعد السفر ووحشة الطريق. وكان رضي الله عنه يقول أشد الأعمال ثلاثة إعطاء الحق من نفسك، وذكرك الله تعالى على كل حال، ومواساة الأخ في المال، وكان يقول: ما نلت من دنياك فلا تكثرن به فرحا وما فاتك منها، فلا تيأس عليه حزنا وليكن همك فيما بعد الموت. وكان رضي الله عنه يقول: لم يرض الحق تعالى من أهل القرآن الادهان في دينه، والسكوت على معاصيه، وكان يقول إن مع كل إنسانا ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه وإن الأجل جنة حصينة، وكان ينشد ويقول: حقيق بالتواضع من يموت ... ويكفي المرء من دنياه قوت فما للمرء يصبح ذا هموم ... وحرص ليس ندركه النعوت فيا هذا سترحل عن قريب ... إلى قوم كلامهم السكوت قال القضاعي رضي الله عنه: وكان لعلي رضي الله عنه من الأولاد الذكور أربعة عشر ولدا ولم يكن النسل إلا لخمسة منهم فقط: الحسن والحسين، ومحمد بن الحنفية، وعمر والعباس رضي الله عنهم أجمعين، ومناقبه رضي الله عنه كثيرة مشهورة. ومنهم الإمام طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه ويجتمع نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في مرة، وكان رضي الله عنه من الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ووقاه بيده ونفسه، فشلت يده وجرح يومئذ أربعا وعشرين جراحة، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة الخير، وكانت نفقته كل يوما ألفا وتصدق يوما بمائة ألف، وهو محتاج إلى ثوب يذهب به إلى المسجد فلم يشتر له قميصا، وكان رضي الله عنه يقول: إن رجلا يبيت عنده الدنانير في بيته لا يدري ما يطرقه من الله تعالى لغرير بالله، فكان إذا بات عنده الدنانير لا ينام تلك الليلة حتى يصبح ويفرقها، قتل رضي الله عنه يوم الجمل سنة ست وثلاثين، وقبره بالبصرة ظاهر يزار رضي الله عنه. ومنهم الإمام الزبير بن العوام رضي الله عنه ويجتمع نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي، وقاتل يوم بدر قتالا شديدا حتى كان الرجل يدخل يده في الجراح من ظهره وعاتقه.
Şa'rânî — Levâkıhu'l-Envâr fî Tabakāti'l-Ahyâr (et-Tabakātü'l-Kübrâ; evliya ve mertebeleri)
عبد الوهاب بن أحمد بن علي الحنفي، نسبه إلى محمد ابن الحنفية، الشعراني، أبو محمد (المتوفى: 973هـ) · AR
ولما حضرته الوفاة كان عليه دين كثير، وليس له مال فقالوا له: ما نفعل في دينك؟ فقال لأولاده: قولوا يا مولى الزبير اقض دينه فقضاه الله تعالى عنه جميعه، وكان قدره ألف ألف ومائتي ألف، وكان للزبير عم فكان يعلق الزبير في حصير، ويدخن عليه بالنار، ويقول له: ارجع إلى الكفر فيقول الزبير: لا أكفر أبدا، وكان له ألف مملوك يؤدون الخراج إليه كل يوم، فكان يتصدق به في مجلسه، ولا يقوم منه بدرهم رضي الله عنه. ومنهم الإمام سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ويجتمع نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الأب الخامس. ومرض رضي الله عنه فقال: يا رب إن لي بنين صغارا، فأخر عني الموت حتى يبلغوا، فأخر عنه عشرين سنة، وكان بينه وبين خالد كلام، فذهب رجل يقع في خالد عنده فقال: مه إن ما بيننا لم يبلغ ديننا. ولما وقعت فتنة عثمان رضي الله عنه اعتزل الناس، فلم يخرج من بيته، وقد رمى يوم أحد ألف سهم، وأوصى أن يكفن في جبته التي كان قد لقي المشركين فيها يوم بدر فكفنوه فيها رضي الله عنه. ومنهم الإمام سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه ورحمه ويجتمع نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في كعب بن لؤي، وكان مجاب الدعوة وقد ادعت عليه أروى بنت أنس عند مروان أنه أخذ لها شيئا من أرضها، فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها، فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت. توفي بالعقيق، وحمل إلى المدينة، ودفن بها سنة خمس وخمسين رضي الله عنه. ومنهم الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه ورحمه ويجتمع نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في كلاب بن مرة. كان رضي الله عنه يتصدق بالسبعمائة راحلة، وأكثر للفقراء والمساكين بأحمالها، وأقتابها، وأحلاسها، ولم يزل خائفا منذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا " ولما بلغه ذلك جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أقرض الله قرضا حسنا يطلق لك قدميك، ثم نزل جبريل، فقال مر ابن عوف فليضف الضيف، وليطعم المسكين، وليعط السائل، فإذا فعل ذلك كان كفارة لما هو فيه، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عممه بيده، وسدلها بين كتفيه، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، وقال: " إنه عبد صالح " وكان رضي الله عنه من شدة خوفه، وتواضعه لا يعرف من بين عبيده، توفي سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع رضي الله تعالى عنه. ومنهم الإمام أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله تعالى عنه ويجتمع نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الأب السابع، ودفن بغور بيسان سنة ثمان عشرة عند قرية تسمى عماد، وكان رضي الله عنه يقول: ألا رب مبيض لثيابه مدنس لدينه ألا رب مكرم لنفسه، وهو لها مهين، فبادروا رحمكم الله السيئات القديمات بالحسنات الحديثات، فلو أن أحدكم عمل من السيئات ما بينه وبين السماء، ثم عمل حسنة لعلت فوق سيئاته حتى تغيرهن، وكان رضي الله عنه يقول مثل المؤمن مثل العصفور يتقلب كل يوم كذا وكذا مرة رضي الله عنه. ومنهم الإمام عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ورحمه وكان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ووساده وسواكه ونعليه وطهوره في السفر وكان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في هديه وسمته وكان رضي الله عنه من أجود الناس ثوبا ومن أطيب الناس ريحا تعظيما لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حمله، وكان هو الذي يلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم نعليه ويمشي أمامه بالعصا حتى يدخل أمامه الحجرة فإذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه نزع نعليه فأدخلهما في ذراعيه وأعطاه العصا.
وكان رضي الله عنه دقيق الساقين فكان بعض الصحابة يضحك من دقة ساقيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أحد "، وكان صلى الله عليه وسلم يستمع لقراءته في الليل ويقول: " من سره أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأه على قراءة عبد الله بن مسعود " وكان رضي الله عنه قليل الصوم، كثير الصلاة، فقيل له في ذلك فقال إني إذا صمت ضعفت عن الصلاة والصلاة عندي أهم، وسمع رجلا يقول: اللهم إني أحب أن أكون من المقربين ولا أحب أن أكون من أصحاب اليمين، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: هاهنا رجل يود أنه إذا مات لا يبعث يعني نفسه، وكان رضي الله عنه يبكي، ويلاقي دموعه بكفيه، ثم يقول بدموعه هكذا يرش بها الأرض، وخرج مرة معه ناس يشيعونه فقال لهم: ألكم حاجة فقالوا لا فقال: ارجعوا فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع، وكان يقول لو تعلمون مني ما أعلمه من نفسي لحثيتم على رأس التراب، وكان يقول حبذا المكروهان الموت والفقر، وكان رضي الله عنه يقول ما أصبحت قط على حالة فتمنيت أن أكون على سواها، وكان يقول إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه فيخرج ولا دين معه لأنه تعرض أن يعصي الله تعالى إما بفعله وإما بسكوته وإما باعتقاده، وكان يقول لو أن رجلا قام بين الركن والمقام يعبد الله تعالى سبعين سنة وهو يحب ظالما لبعثه الله تعالى يوم القيامة مع من يحب. ولما مرض رضي الله عنه عاده عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال له: ما تشتكي قال ذنوبي قال فما تشتهي: قال: رحمة ربي قال له ألا آمر لك بطبيب قال: الطبيب أمرضني قال ألا آمر لك بعطاء قال لا حاجة لي فيه، قال يكون لبناتك قال أتخشى على بناتي الفقر وقد أمرتهن أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأ الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا ". وكان من دعائه: اللهم إني أسألك إيمانا لا يرتد ونعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ومرافقة نبيك صلى الله عليه وسلم في أعلى جنان الخلد، وكان رضي الله عنه يقول: ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم بالخشية، وكان رضي الله عنه يقول ويل لمن لا يعلم ولا شاء الله لعلمه وويل لمن يعلم ثم لا يعمل سبع مرات، وكان يقول ذهب صفو الدنيا وبقي كدرها، والموت اليوم تحفة لكل مسلم، وكان يقول: لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحل بذروته ولا يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى، والذل أحب إليه من العز، وحتى يكون حامده وذامه عنده سواء، وفسر هذه الجملة أصحابه فقالوا حتى يكون الفقر في الحلال أحب إليه من الغنى في الحرام، والتواضع في طاعة الله أحب إليه من الشرف في معصية الله وحتى يكون حامده وذامه عنده في الحق سواء لا يميل إلى من يحمده أكثر ممن يذمه، وكان يقول: لأن بعض أحدكم على جمرة حتى تطفأ خير له من أن يقول لأمر قضاه الله ليت هذا لم يكن وكان يقول: لأصحابه أنتم أطول صلاة وأكثر اجتهادا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم كانوا أزهد منكم في الدنيا وأرغب منكم في الآخرة، وكان يقول إن الرجل لا يكون غائبا عن المنكر في بيوت الولاة، ويكون عليه مثل وزر من حضر وذلك لأنه يبلغه فيرضى به ويسكت عليه، والله أعلم. ومنهم الإمام خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه
وكان يعذب بالنار ليرجع عن دين الإسلام فلم يرجع، وكان رضي الله عنه يبكي ويقول إن إخواننا مضوا ولم يأخذوا من أجرهم شيئا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا بقينا بعدهم وأعطينا من المال ما لم نجد له موضعا إلا التراب، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به. وقال عمر رضي الله عنه يا خباب ماذا لقيت من المشركين. فقال: أوقدوا لي نارا فما أطفأها إلا ودك ظهري، رضي الله عنه. توفي بالكوفة وصلى عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ومنهم أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه كان من القراء وقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب إلى آخرها بأمر الله عز وجل له في ذلك، وكان يقول عليكم بالسبيل، والسنة، فإنه ليس من عبد على سبيل، وسنة وذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله تعالى فتمسه النار، وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة، وكان يقول: ما من عبد ترك شيئا لله إلا أبدله الله عز وجل ما هو خير منه من حيث لا يحتسب. ومنهم سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه كان عطاؤه خمسة آلاف، وكان أميرا على زهاء ثلاثين ألفا من المسلمين، وكان يخطب على الناس في عباءة يفرش بعضها ويلبس بعضها، فإذا خرج عطاؤه أمضاه، وكان يكل من شغل يديه ويستظل بالفيء حيثما دار ولم يكن له بيت، وكان يعجن عن الخادم حين يرسلها في حاجة، ويقول: لا نجمع عليها عملين، وكان يعمل الخوص ويقول أشتري خوصا بدرهم فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم فأعيد درهما فيه وأنفق درهما على عيالي وأتصدق بدرهم، وكان لا يأكل من صدقات الناس، وكان الناس يسخرونه في حمل أمتعتهم لرثاثة حاله، فربما عرفوه فيريدون أن يحملوا عنه فيقول لا حتى أوصلكم إلى المنزل وهو إذ ذاك أمير على المدائن، وكان رضي الله عنه يقول: إنما مثل المؤمن في الدنيا كمثل مريض معه طبيبه الذي يعلم داءه ودواءه، فإذا اشتهى ما يضره منعه، وقال: إن أكلته هلكت، وكذلك المؤمن يشتهي أشياء كثيرة فيمنعه الله عز وجل منها حتى يموت فيدخل الجنة، وكان رضي الله عنه يقول عجبا لمؤمل الدنيا والموت يطلبه وغافل ليس بمغفول عنه، وضاحك ولا يدري أربه راض عنه أم ساخط، وكان رضي الله عنه يقول: عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا فقال: " ليكن بلغة أحدكم مثل زاد الراكب ". عاش رضي الله عنه مائتين وخمسين سنة، وتوفي في خلافة عثمان رضي الله عنه. ومنهم تميم الداري رضي الله تعالى عنه كان كثير التهجد قام ليلة حتى أصبح بآية واحدة من القرآن يركع، ويسجد ويبكي وهي قوله تعالى: " أم حسب الذين يعملون السيئات " الآية وكان له هيئة ولباس وحسن، وكان أول من قص على الناس بإذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان له حلة اشتراها بألف درهم فكان يلبسها في الليلة التي يرجي أنها ليلة القدر، والله أعلم. ومنهم أبو الدرداء عويمر بن زيد رضي الله تعالى عنه كان يقول: والله الذي لا إله إلا هو ما أمن أحد على إيمانه أن يسلب إلا سلب، وكان يقول إني لآمركم بالأمر لا أفعله ولكني أرجو به الأجر من قبلكم، وكان رضي الله عنه يقول: تفكر ساعة خير من قيام أربعين ليلة، وكان يقول مثقال ذرة من برمع تقوى ويقين أفضل وأعظم وأرجح من أمثال الجبال من عبادة المقربين، وكان يقول: إن من فقه الرجل رفقه في معيشته، وكان يقول معاتبة الأخ خير من فقده.
وكان يقول إن ناقدت الناس ناقدوك وإن تركتهم لم يتركوك، وإن هربت منهم أدركوك، فهبوا أعراضكم ليوم فقركم، وكان يقول لو تعلمون ما أنتم راءون بعد الموت ما أكلتم طعاما وما شربتم ماء عن شهوة ووددت أني شجرة تعضد، ثم تؤكل وكان يقول: أدركت الناس ورقا لا شوك فيه فأصبحوا شوكا لا ورق فيه، وكان رضي الله عنه يقول: إن الذي ألسنتهم رطبة من ذكر الله عز وجل يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك. قلت: والمراد بالرطبة عدم الغفلة فإن القلب إذا غفل يبس اللسان وخرج عن كونه رطبا، وكان يقول: لا تبغض من أخيك المسلم إذا عصى إلا عمله فإذا تركه فهو أخوك، وكان رضي الله عنه يقول نعم صومعة الرجل المسلم بيته يكف لسانه وفرجه وبصره. وقالت أم الدرداء: له إن احتجت بعدك أفآكل الصدقة. قال لا، اعملي وكلي فإن ضعفت عن العمل فالتقطي السنبل ولا تأكلي الصدقة وخطبها معاوية فأبت وقالت: لا أغير على أبي الدرداء، وكان أبو الدرداء رضي الله عنه لم يزل يدفع الدنيا بالراحتين ويقول: إليك عني، وكان يقول لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت نفسه في جانب الله أشد المقت، وكان يقول ما في المؤمن بضعة أحب إلى الله من لسانه، فليحفظه لئلا يدخله النار، وكان رضي الله عنه يقول: إنا لنضحك في وجوه قوم، وإن قلوبنا لتلعنهم، وكان يقول إذا تغير أخوك واعوج فلا تتركه لأجل ذلك فإن الأخ يعوج مرة ويستقيم أخرى، وكان هذا مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والنخعي وجماعة لا يهجرون عند الذنب، ويقولون لا تحدثوا بزلة العالم فإنه يزل الزلة، ثم يتركها وكانت زوجته أم الدرداء تقول: طلبت العبادة في كل شيء، فما وجدت شيئا أشفى لصدري ولا أفضل من مجالس الذكر، فكانوا يحضرون عندها فيذكرون فتذكر معهم، وأرسلت إلى نوف البكالي وهو يعظ الناس تقول له اتق الله ولتكن موعظتك لنفسك، والله أعلم. ومنهم عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان من عباد الصحابة وزهادهم لم يضع لبنة على لبنة، ولا غرس شجرة منذ مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه يقول: يا بن آدم صاحب الدنيا ببدنك وفارقها بقلبك وهمتك، وكان رضي الله عنه يقول لا يكون الرجل من أهل العلم حتى لا يحسد من فوقه ولا يحقر من تحته ولا يبتغي بالعلم ثمنا والله أعلم. ومنهم أبو ذر رضي الله تعالى عنه كان يظل نهاره أجمع يتفكر فيما هو صائر إليه، وكان يقول: لو أن صاحب المنزل يدعنا فيه لملأناه أمتعة، ولكنه يريد نقلتنا منه، وكان يرى تحريم إدخال ما زاد على نفقة اليوم، وكان الرجل يدخل عليه، فيقلب بصره في بيته فلا يجد فيه شيئا من أمتعة الدنيا رضي الله عنه. ومنهم حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: أحب يوم أكون فيه حين يأتيني أهل بيتي فيقولون ما عندنا شيء نأكله لا قليل ولا كثير. وبكى يوما في صلاته ثم التفت فرأى وراءه رجلا فقال لا تعلمن بهذا أحدا، وكان رضي الله عنه يقول سيأتي على الناس زمان، يقال للرجل فيه ما أظرفه ما أعقله! وما في قلبه مثقال ذرة من إيمان. وكان يقول ليس خيركم الذين يتركون الدنيا للآخرة ولكن خيركم الذين يتناولون من كل منهما. ومنهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه
كانت له هرة صغيرة فكني بها، وكان يقول لولا آية من كتاب الله عز وجل ما حدثتكم بشيء أبدا " إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى "، وكان يخدم الناس قبل صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطنه، وكان لا يسأل الناس شيئا، وكان رضي الله عنه يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، ويقول أسبح بقدر ذنبي، ورفع يوما على جاريته سوطا ثم قال: لولا خوف القصاص لأوجعتك، ولكن سأبيعك لمن يوفيني ثمنك، اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى، وكان هو وامرأته وجاريته يقسمون الليل أثلاثا يصلي هذا ثم يوقظ هذا ويصلي هذا ثم يوقظ هذا. وكان يقول ما وجع أحب إلى من الحمى لأنها تعطي كل مفصل قسطه من الأجر بسبب عموم الجسد والوجع. وكان يقول المرض لا يدخله رياء ولا سمعة بل هو أجر محض. وقد قسم الشيخ عبد القادر الجيلي رضي الله عنه على ثلاثة أقسام عقوبة وكفارة ورفع درجة، فالعقوبة ما صاحبه السخط والكفارة ما صاحبه الرضا، والصبر والدرجة ما صاحبه الرضا، وانشراح الصدر، وكان يحمل حزمة الحطب على رأسه وهو يومئذ خليفة لمروان ويقول أوسعوا الطريق لأميركم، ولما حضرته الوفاة بكى فقيل له في ذلك فقال: أبكي على بعد سفري وقلة زادي وأني أصبحت على مهبط جنة أو نار لا أدري أيهما يأخذ بي. توفي في المدينة في خلافة معاوية وله ثمان وسبعون سنة رضي الله عنه. ومنهم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما كان يقول يا صاحب الذنب لا تأمن شر عاقبته فإن ضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب وعدم اضطراب قلبك من نظر الله تعالى إليك وأنت على الذنب أعظم من الذنب. وكان مجرى الدموع في وجهه كأنه الشراك البالي، وكان رضي الله عنه يقول: لو بغى جبل على جبل لدك الباغي، وكان يقول يأتي على الناس زمان يعرج فيه بعقول الناس حتى لا تجد فيه أحدا ذا عقل، وكان يجلس يوما للفقه، ويوما للمغازي، ويوما للشعر، ويوما لأيام العرب. قلت: ومعنى الشعر أن يذكره استشهادا للغة العرب، وكان يقول لا يقبل الله صلاة امرئ في جوفه حرام، وكان يقول عيادة المريض سنة، فما زاد فهو نافلة، والله أعلم. ومنهم عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه ورحمه كان من عباد الصحابة وكان إذا قام في الصلاة كأنه عمود من الخشوع، وكان يسجد ويطيل السجود حتى تنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جدار حائط، وكان يحيي الدهر كله ليلة قائما حتى يصبح، وليلة يحييها راكعا، حتى يصبح وليلة يحييها ساجدا، حتى يصبح وكان يسمى حمامة المسجد. قتل سنة ثلاث وسبعين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وصلب على باب الكعبة وكان أطلس لا لحية له، وقتله الحجاج حين بويع له بالخلافة وأطاعه أهل الحجاز هو واليمن، والعراق وخراسان وأقام في الخلافة تسع سنين ثم حاصره الحجاج بمكة. ومنهم الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ولد في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أذنه وسماه الحسن، وكان حليما كريما ورعا دعاه ورعه وحلمه إلى أن ترك الدنيا، والخلافة لله عز وجل، وكان من المبادرين إلى نصرة عثمان رضي الله عنه.
وولي الخلافة بعد قتل أبيه وبايعه أكثر من أربعين ألفا، كانوا بايعوا أباه، وبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالحجاز واليمن والعراق وخراسان وغير ذلك، ثم سار إليه معاوية من الشام وسار إلى معاوية فلما تقاربا علم أنه لن تغلب إحدى الطائفتين حتى يقتل أكثر الأخرى، فأرسل إلى معاوية يبذل له تسليم الأمر على أن تكون الخلافة له من بعده، وعلى أن لا يطالب أحدا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان أيام أبيه وغير ذلك، من القواعد، فأجابه معاوية إلى ما طلب فاصطلحا على ذلك وظهرت المعجزة النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم: " إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " وكان ذلك إحدى وأربعين وكان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال القضاعي ولم يمت الحسن حتى قتل عبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسمع رضي الله عنه رجلا يسأل الله عز وجل أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف الحسن وأرسل بها إليه، وكان يقول: إني لأستحيي من ربي عز وجل، أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرة إلى مكة من المدينة على رجليه، وكانت الجنائب تقاد معه، وخرج من ماله لله تعالى مرتين، وقاسم الله تعالى ثلاث مرات حتى إنه كان ليعطي نعلا ويمسك نعلا، وكان رضي الله عنه يجيز الواحد بمائة ألف درهم وكان إذا اشترى من أحد حائطا ثم افتقر البائع يرد عليه الحائط ويردفه بالثمن معه، وما قال قط لسائل لا، وكان لا يعطي لأحد عطية إلا شفعها بمثلها، وكان يقول لبنيه وبني أخيه تعلموا العلم فإن لم تستطيعوا حفظه فاكتبوه وضعوه في بيوتكم، ولما شرب السم تقطع كبده فقال: إني قد سقيت السم مرارا فلم أسق مثل هذه المرة، وقال له الحسين رضي الله عنه يا أخي من تتهم؟ قال لم؟ قال لنقتله قال إن يكن الذي أظنه فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا، وإن لم يكن فما أحب أن يقتل بي بريء، فلما نزل به الموت قال: أخرجوا فراشي إلى صحن الدار، فأخرج فقال اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإني لم أصب بمثلها ثم قبض سنة خمسين ودفن بالبقيع رضي الله عنه. ومنهم الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما ولد في شعبان سنة أربع من الهجرة وكان له من الأولاد خمسة: علي الأكبر وعلي الأصغر وله العقب فإن الأشراف الآن منه وجعفر وفاطمة، وسكينة المدفونة بالمراغة بقرب السيدة نفيسة. وحج رضي الله عنه خمسا وعشرين حجة ماشيا، وجنائبه تقاد بين يديه، وكان رضي الله عنه يقول: اعلموا أن حوائج الناس إليكم من نعم الله عز وجل عليكم فلا تملوا النعم فتعود نقما، وكان يقول من جاد ساد ومن بخل ذل، ومن تعجل لأخيه خيرا وجده إذا قدم عليه غدا. وقتل رضي الله عنه شهيدا يوم الجمعة يوم عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين وهو ابن ست وخمسين سنة. وقال أهل السير إن الله عز وجل قتل بسبب يحيى بن زكريا خمسة وتسعين ألفا وذلك دية كل نبي. ويروى أن الله تعالى أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني قتلت بيحيى بن زكريا خمسة وتسعين ألفا ولأقتلن بالحسين ابن بنتك قدر ذلك مرتين ". وروي أنه لما قتل الحسين رضي الله عنه احتزوا رأسه وقعدوا في أول مرحلة يشربون، فخرج عليهم قلم من حديد من حائط فكتب عليه سطرا: أترجو أمة قتلت حسينا ... شفاعة جده يوم الحساب وأنشدت أخته زينب المدفونة بقناطر السباع من مصر المحروسة برفع صوت ورأسها خارج من الخباء: ماذا تقولون إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... منهم أساري ومنهم ضمخوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
وحملت رأسه إلى مصر ودفنت بالمشهد المشهور بها، ومشى الناس أمامها حفاة من مدينة غزة إلى مصر تعظيما لها رضي الله عنه. ومنهم رجال من سادات التابعين أولهم أويس القرني رضي الله تعالى عنه كان من أكابر الزهاد رث البيت قليل المتاع وكان أشهل ذا صهوبة بعيد ما بين المنكبين معتدل القامة، آدم شديد الأدمة ضاربا بذقنه إلى صدره، راميا ببصره إلى موضع سجوده واضعا يمينه على شماله، وكان له طمران من الثياب وكان يتزر بإزار من صوف خامل الذكر لا يؤبه له، وكان إذا أمسى يقول اللهم إني أعتذر إليك اليوم من كل كبد جائع فإنه ليس في بيتي من الطعام إلا ما في بطني، وكان رضي الله عنه يقول إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع للمؤمن من صديق فكلما أمرناهم بالمعروف شتموا أعراضنا ووجدوا على ذلك أعوانا من الفاسقين حتى والله لقد رموني بالعظائم. قال بشر الحافي رضي الله عنه وبلغ من ورع أويس رضي الله عنه أنه جلس في قوصرة من العرى فهذا هو الزهد، وكان رضي الله عنه يقول: لا ينال الناس هذا الأمر حتى يكون الرجل كأنه قتل الناس أجمعين، وقال له رجل أوصني فقال فر إلى ربك قال فمن أين المعاشر؟ فقال إن القلوب يخالطها الشك أتفر إلى الله لدينك وتتهمه في رزقك، وكان رضي الله عنه مشغولا بخدمة والدته فلذلك لم يجتمع برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى أنه اجتمع به مرات وحضر معه وقعة أحد وقال: والله ما كسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم حتى كسرت رباعيتي، ولا شج وجهه حتى شج وجهي ولا وطئ ظهره حتى وطئ ظهري هكذا رأيت هذا الكلام في بعض المؤلفات والله أعلم بالحال، وكان قوته مما يلتقط من النوى. وكانوا لا يرونه إلا كل سنة أو سنتين مرة لأنه لما نسبوه إلى الجنون بنى له خصا على باب داره، فكانوا لا يرونه يخرج منه إلا في النادر، وقال له رجل مرة أوصني فقال: وصيتي إليك كتاب الله تعالى، وسنة المرسلين وصالحوا المؤمنين وعليك بذكر الموت ولا يفارق قلبك ذكره طرفة عين، وافصح الأمة جميعا، وإياك أن تفارق الجماعة، فتفارق دينك وأنت لا تعلم فتدخل النار، وقال: له رجل ادع لي فقال حفظك الله ما دمت حيا، ورضاك من الدنيا باليسير وجعلك لما أعطاه لك من الشاكرين. وطلب شخص أن يجالسه فقال: يا أخي لا أراك بعد اليوم فإني أكره الشهرة والوحدة أحب إلى إني كثير الغم ما دمت مع الناس في هذه الدنيا، فلا تسألني ولا تطلبني بعد فراقك فإني لا أنساك يا أخي، وإن لم أرك وترني، وكان رضي الله عنه يتصدق إذا أمسى بكل ما في بيته، وبلغ من عريه أنه جلس في قوصرة، وكان يلتقط الكسر من المزابل، فيغسلها ويأكل بعضها ويتصدق ببعضها، وقال له هرم بن حيان أوصني فقال توسد الموت إذا نمت وأجعله نصب عينك إذا قمت، وكان يقول الدعاء بظهر الغيب أفضل من الزيارة واللقاء لأنهما قد يعرض فيهما التزين والرياء، ولما دفنوه في قبره رجعوا فلم يجدوا لقبره عينا ولا أثرا رضي الله عنه. ومنهم عامر بن عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان رضي الله عنه يقول لو أن الدنيا كانت لي بحذافيرها ثم أمرني الله تعالى بإخراجها كلها لأخرجتها بطيب نفس، وكان قد فرض على نفسه كل يوم ألف ركعة وفي رواية ثمانمائة ركعة، فلا ينصرف منها إلا وقد انتفخت قدماه وساقاه ثم يقول لنفسه إنما خلقت للعبادة والله لأعملن بك عملا حتى لا يأخذ الفراش منك نصيبا، وكان يقول لا أبالي حين أحببت الله عز وجل على أي حال أمسيت وأصبحت، وكان رضي الله عنه يقول منذ عرفت الله تعالى لم أخف سواه، وكان إذا تشوش من إنسان ودعا عليه يقول اللهم أكثر ماله وأصح جسمه وأطل عمره، وكان رضي الله عنه يقول كم من شيء كنت أحسنه أود الآن أني لا أحسنه وما يغني في ما أحسن من الخير إذا لم أعمل به، وكان إذا سافر إن شاء صب من الركوة ماء للوضوء وإن شاء صب منها لبنا للشرب، وكان إذا دخل عليه شيء من الدراهم ينفق منها على المساكين ما شاء ولا ينقص منها شيء، وكان إذا أعطى السائل الرغيف يقول: إني لأستحي أن يكون في ميزاني أقل من رغيف، وقيل له مرة من هو خير منك فقال: من كان صمته تفكرا وكلامه ذكرا ومشيه تدبرا فهذا خير مني، وكان يقول: ذكر الله شفاء وذكر غيره داء، وكان يقول: من جهل العبد أن يخاف على الناس من ذنوبهم، ويأمن هو على ذنوب نفسه، وكان رضي الله عنه يقول: ما غيركم اليوم بخير ولكنه خير من أشر منه. وكان يطعم المجانين فيقول له الناس إنهم لا يدرون الأكل فيقول إن لم يكونوا يدرون فإن الله تعالى يدري، وكان يقول في قوله تعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا " " الطلاق: 2 " أي من كل شيء ضاق على الناس، وكان يقول إذا مت فلا تعلموا بي أحدا وسلوني إلى ربي سلا رضي الله عنه. ومنهم مسروق بن عبد الرحيم رضي الله تعالى عنه سرق وهو صغير ثم وجد فسمي مسروقا، وكان رضي الله عليه يقول بحسب المؤمن من العلم أن يخشى الله عز وجل، وكان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ من الله حذره، وكان رضي الله عنه يصلي حتى تورمت قدماه، وكان يرخي الستر بينه وبين أهله ثم يقبل على صلاته ويخليهم ودنياهم، وكان يقضي بين الناس ولا يأخذ على القضاء أجرا، وكان رضي الله عنه يقول ما من شيء اليوم للمؤمن خير له من الحذر رضي الله تعالى عنه. ومنهم علقمة بن قيس رضي الله تعالى عنه ورحمه قيل له ألا تجلس للناس تعلمهم القرآن. فقال أكره أن يوطأ عقبي ويقال هذا علقمة، وقيل له ألا تدخل على السلطان فتشفع فقال لا أصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من ديني مثله، وكان رضي الله عنه يقول امشوا بنا نزداد إيمانا أي تفقها، وكان يتزوج بنات الفقراء يريد بذلك التواضع، ولم يخلف بعد موته إلا رداء وبردا رثا ومصحفا رضي الله تعالى عنه. ومنهم الأسود بن يزيد النخعي رضي الله تعالى عنه كان يجهد نفسه في الصوم والعبادة حتى اخضر جسمه واصفر، وكان رضي الله عنه يقول إن الأمر جد إذا لاموه على تعذيب نفسه في العبادة وذهبت إحدى عينيه من البكاء، توفي بالكوفة سنة خمس وسبعين، والله أعلم. ومنهم الربيع بن خيثم رضي الله تعالى عنه
كان يقول رضي الله عنه: كن وصي نفسك يا أخي وإلا هلكت، وأصابه الفالج فقيل له لو تداويت فقال قد عرفت أن الدواء حق، ولكن عن قريب لا يبقى المداوي ولا المداوى، وكان عمله سرا لا يطلع عليه إلا أهل بيته، ودخل عليه رجل وهو يقرأ في المصحف فغطاه بكمه، وكان يقول كل ما لا يبتغي به وجه الله تعالى يضمحل، وكان إذا وجد كفلة من الناس يخرج إلى المقابر ويقول: يا أهل المقابر كنا وكنتم ثم يحيي الليل كله فإذا أصبح كأنه نشر من قبره، وكان رضي الله عنه يأتي مسجد الجماعة يهادي بين رجلين، فيقول له الناس: إن الله قد رخص لك فيقول فماذا أصنع في منادي ربي وهو يقول حي على الصلاة، وكان يقول أي لحيمة أي دمية كيف تصنعان إذا سيرت الجبال ودكت الأرض دكا وكان يكنس البيت بنفسه ولا يمكن أهله من ذلك ويقول إني أحب أن آخذ لنفسي من المهنة، وكان رضي الله عنه يقول: لقد أدركنا أقواما كنا نعد أنفسنا في جنبهم لصوصا مات رضي الله عنه سنة سبع وستين، في أيام معاوية رضي الله عنه. ومنهم هرم بن حيان رضي الله تعالى عنه ورحمه كان يقول صاحب الكلام: إما أن يعصي فيه فيخصم أو يغرق فيه فيأثم، وكان رضي الله عنه يقول: اللهم إني أعوذ بك من شر زمان يتمرد فيه صغيرهم، ويؤمل فيه كبيرهم وتقرب فيه آجالهم، ويرون أعز إخوانهم على المعاصي فلا ينهونه رضي الله تعالى عنه. ومنهم أبو مسلم الخولاني رضي الله تعالى عنه كان رضي الله عنه على جانب عظيم كبير من العبادة حتى لو قيل له إن جهنم لتسعر لما استطاع أن يزيد في عمله شيئا، وكان رضي الله عنه يترك الأكل ويقول: الخيل إنما تجري وهي ضمر، وكان يقول: من شد رجليه في الصلاة ثبت الله رجليه على الصراط، والله أعلم. ومنهم أبو سعيد الحسن البصري رضي الله تعالى عنه كان والده من أهل ميسان فسبى فهو مولى الأنصار، وكان قد غلب عليه الخوف، حتى كأن النار لم تخلق إلا له، وحده، وكان رضي الله عنه يقول: ذهبت المعارف، وبقيت المناكر، ومن بقي من المسلمين فهو مغموم، وكان يقول: ما من وسواس نبذ فهو من إبليس، وما كان فيه إلحاح فهو من النفس فيستعان عليه بالصوم والصلاة والرياضة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا أراد الله بعبد خيرا في الدنيا لم يشغله بأهل ولا ولد وكان رضي الله عنه يقول: من شرط المتواضع أن يخرج عن بيته فلا يلقى أحدا إلا رأى له الفضل عليه، وكان يقول: إذا أذنب العبد ثم تاب لم يزدد بتوبته من الله تعالى إلا قربا، وإذا أذنب ثانيا لم يزدد كذلك إلا قربا، وقال له رجل: أشكو إليك قساوة قلبي فقال: ادن من مجالس الذكر، وكان يقول: شر الناس للميت أهله يبكون عليه، ولا يهون عليهم قضاء دينه، وكان يقول: أدركنا أقواما كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم، فيما حرم عليكم، وكان يقول: لا تشتر مودة ألف رجل بعداوة رجل واحد، وكان رضي الله عنه يقول: إذا أراد الله بعبد خيرا أمات عياله وخلاه للعبادة، وكان يقول: الطمع يشين العالم، وكان يقول: ذم الرجل نفسه في العلانية مدح لها. وقيل له هل في البصرة منافق، فقال: لو خرج المنافقون منها لاستوحشت، وكان يقول: أكرم إخوانك يدم لك ودهم، وكان يقول: لو نظرت يا بن آدم إلى سير أجلك لأبغضت غرور أطك، وكان رضي الله عنه إذا جلس يجلس كالأمير، فإذا تكلم يتكلم كلام رجل قد أمر به إلى النار، وكان رضي الله عنه يقول: من لبس الصوف تواضعا لله عز وجل زاده نورا في بصره وقلبه، ومن لبسه للتكبر والخيلاء كور في جهنم مع المردة. وكان ينشد ويقول: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء