وكذلك ترجمه الشيخ العارف بالله سيدي محمد بن أسعد اليافعي رضي الله عنه، وذكره بالعرفان، والولاية، ولقبه الشيخ أبو مدين رضي الله عنه بسلطان العارفين، وكلام الرجل أدل دليل على مقامه الباطن، وكتبه مشهورة بين الناس لا سيما بأرض الروم فإنه ذكر في بعض كتبه صفة السلطان جد السلطان سليمان بن عثمان الأول، وفتحه القسطنطينية في الوقت الفلاني، فجاء الأمر كما قال: وبينه، وبين السلطان نحو مائتي سنة، وقد بنى عليه قبة عظيمة، وتكية شريفة بالشام فيها طعام، وخيرات، واحتاج إلى الحضور عنده من كان ينكر عليه من القاصرين بعد أن كانوا يبولون على قبره رضي الله عنه، وأخبرني أخي الشيخ الصالح الحاج أحمد الحلبي أنه كان له بيت يشرف على ضريح الشيخ محيي الدين، فجاء شخص من المنكرين بعد صلاة العشاء بنار يريد أن يحرق تابوت الشيخ، فخسف به دون القبر بتسعة أذرع، فغاب في الأرض، وأنا أنظر ففقده أهله من تلك الليلة، فأخبرتهم بالقصة، كجاءوا، وحفروا، فوجدوا رأسه. فكلما حفروا نزل، وغار في الأرض إلى أن عجزوا، وردموا عليه التراب، وكان رضي الله عنه أولا يكتب الإنشاء لبعض ملوك العرب، ثم تزهد، وتعبد، وساح، ودخل مصر، والشام، والحجاز، والروم، وله في كل بلد دخلها مؤلفات، وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام شيخ الإسلام بمصر المحروسة يحط عليه كثيرا، فلما صحب الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه، وعرف أحوال القوم صار يترجمه بالولاية، والعرفان، والقطبية، مات رضي الله عنه سنة ثمان وثلاثين، وستمائة، وقد سطرنا الكلام على علومه، وأحواله في كتابنا تنبيه الأغبياء على قطرة من بحر علوم الأولياء، فراجعه، والله تعالى أعلم، ومنهم الشيخ داود الكبير بن ماخلا رضي الله تعالى عنه شيخ سيدي محمد، وفا الشاذلي رضي الله عنه، كان رضي الله عنه شرطيا في بيت الوالي بالإسكندرية، وكان يجلس تجاه الوالي، وبينهما إشارة يفهم منها وقوع المتهوم، أو براءته، فإن أشار إلي أنه بريء عمل بإشارته، أو أنه فعل ما اتهم به عمل بذلك، وكانت إشارته أنه إن قبض على لحيته، وجذبها إلى صدره علم أنه وقع، وإن جذبها إلى فوق علم أنه بريء، وله كلام عال في الطريق، وكان أميا لا يكتب، ولا يقرأ، ومن كلامه رضي الله عنه في كتابه المسمى بعيون الحقائق في قوله: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى "، على قدر ارتقاء همتك في نيتك يكون ارتقاء درجتك عند عالم سريرتك، وكان رضي الله عنه يقول: إنما كانت العلل، والأسباب لوجود البعد، والحجاب، ومن استنار قلبه علم أن الخضوع لرب الأرباب حتم لازم للعبد من غير العلل.
Şa'rânî — Levâkıhu'l-Envâr fî Tabakāti'l-Ahyâr (et-Tabakātü'l-Kübrâ; evliya ve mertebeleri)
عبد الوهاب بن أحمد بن علي الحنفي، نسبه إلى محمد ابن الحنفية، الشعراني، أبو محمد (المتوفى: 973هـ) · AR
وكان رضي الله عنه يقول: للولي نوران نور عطف، ورحمة يجذب به أهل العناية ونور فيض، وعزة، وقهر يدفع به أهل البعد والغواية لأنه يتصفح بين دائرتي فضل وعدل، فإذا أقيم بالفضل ظهر فجذب فنفع هو إذا أقيم بالعدل، والعز حجب، فخفي، ودفع، ولذلك أقبل بعض، وأدبر بعض، وكان رضي الله عنه يقول: كلما ازداد علم العبد زاد افتقاره، ومطلبه، وعلت همته لأنه في حال جهله يطلب العلم، وفي حال علمه يطلب جلاء العلوم، والمعلومات درجات لا غاية لمنتهاها، ولا حد لعلو مرماها، فواعجبا من لوعة كلما ارتوت زاد تأججها، وضرامها، وكان يقول: أسرار يتنزل العلم عليها، وأسرار تترقى هي إليه، وأعلاهما أولاهما لأن العلم إذا ورد عليها صارت هي عينا فيه فتخفي رسومها، وتتضح علومها، وتحق شواهدها، وأما إذا ترقت الأسرار إلى العلوم، فإن طعم كأسها يشوب طعمها، وتتنزل خلع مواهبها قريبا من جنس لباسها، فيحصل فيها ضرب من الإخفاء، والإشكال، وكان يقول: عالم الظاهر كلما اتسع علمه اتسع في الوجود، وفشا، وعالم الباطن كلما اتسع علمه، وعلا دق من الإدراك، ومال إلى الخفاء لأن العالم بالخفاء خفي عكس الظاهر، وأيضا، فإن عالم الظاهر ينقضي علمه بانقضاء هذه الدار لأنه منوط بالتكليف، وإنما يبقى له إذا صدق، وأخلص لله الجزاء، والثواب، وكان يقول: من أعظم المواهب بعد الإيمان بالله تعالى وملائكته، وكتبه، ورسله الإيمان بنور الولاية في خلقه سواء ظهرت في ذات العبد، أو في غيره من العباد، فإنه كما هو مطلوب أن يؤمن بها في غيره كذلك مطلوب أن يؤمن بها في نفسه. وكان رضي الله عنه يقول: الناس صنفان صنف اشتغل بالدنيا وإقامة دولتها، وشعائر دينها فهو في كفالة علماء المسلمين، وصنف سمت هممهم بعد أن حصلوا ما حصل الأولون إلى فهم الأسرار، وطلبوا من يسير بها في منازل التحقيق فهم في كفالة العارفين، وكان رضي الله عنه يقول: لا يكن كبر همك من العبادة إلا القرب من المعبود دون الأجر، والثواب، فإنه إذا من عليك بالدخول إلى حضرته فهنالك الأجور، وأعلى منها ثم ينعم عليك حتى تكون أنت منعما على ذلك، وكان يقول: الجزء لا يطيق حمل الكل، وكان رضي الله عنه يقول: من صحت ولايته من رجل كبير أحاط نوره بسره سرا، وجهرا وكان لا يدخل حضرة من حضرات القرب إلا، وهو معه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا نطق المحجوب بغرائب العلوم، وعجائب الفهوم، فلا تستغربن ذلك، فإن مداد قلم الغيوب فياض، وكان يقول: حاشى قلوب العارفين أن تخبر عن غير يقين، وكان يقول: لسان العارف قلم يكتب به في ألواح قلوب المريدين فربما كتب في لوح قلبك ما لم تعلم معناه، وبيانه عند ظهور آياته وكان رضي الله عنه يقول: القلب ظل نور الروح، والروح ظل نور السر، والسر مظهر تجلي أشعة الحقيقة الأولى، في أوائل عوالم التكوين، والنفس عبارة عن توجه القلب إلى سياسة العالم الشهادي والتفاته إلى تدبير عالم شهادته، وكان يقول: إقبال القلب مع لا إله إلا الله خير من ملء الأرض عملا مع الإعراض عن الله عز وجل، وكان يقول: العارف أثره في الآخذين عنه بإمداده وأنواره كثر من آثارهم فيهم بأذكارهم، وأعمالهم، وكان رضي الله عنه يقول: قلب العارف كالنار لواحة للبشر لا تبقى، ولا تفر، وكان يقول: الذنب الأعظم شهود ما سوى الله أي شهوده ثابتا بنفسه.
وكان يقول: إقبال القلب على الله حسنة يرجى أن لا يضر معها ذنب، وإعراض القلب عن الله سيئة لا يكاد ينفع معها حسنة، وكان رضي الله عنه يقول: شهود الغافل سم قاتل، وكان يقول: إذا أكرم الله عز وجل عبدا طوى عنه شهود خصوصيته، وأقامه في تحقيق عبوديته، فالعبد، إذا كان غائبا عن مراعاة حقوق عبوديته خيف عليه من الشطح، والانبساط، وتعدى عن حدود الأدب، والعدول عن سواء الصراط وكان يقول: النبي صلى الله عليه وسلم يؤمر والولي يلهم وكان رضي الله عنه يقول: قلوب المؤمنين تحت ظل قلوب الأولياء، وقلوب الأولياء تحت ظل قلوب الأنبياء عليم الصلاة والسلام، وقلوب الأنبياء تحت ظل أنوار العناية، والإمداد تتنزل، فيما بين ذلك، ويتلوها الشاهد منه، وكان يقول: ليس الشأن الخفاء في الخفاء إنما الشأن الخفاء في الظهور، وكان يقول: من أعظم أبواب الفتح يقظة العبد من غفلته، وكان يقول: احذروا هذه النفوس، فإن لها في الطاعات غوائل، وآفات، وكان يقول: من نظر إلى الأكوان نظر قلب عوقب بالحجاب، أو بالحساب، أو بالعذاب، وكان يقول: بنور النبوات يتضح الإيمان، وتثقل الأعمال، وبنور الولاية تزكو العبادات، وتثمر الأحوال، وكان رضي الله عنه يقول: إذا لم يكن ابن آدم عمالا في مصالح الدنيا، والآخرة، فهو كالجماد في ذلك الوقت، وإن اشتغل بالمعصية، والشر، فهو كالشيطان، وإن اشتغل بأمر الدنيا، والآخرة، فهو كالحيوان، وإن اشتغل بفكره فيما هو لله تعالى، فهو كذلك، فانظر رحمك الله تعالى إلى درجة من تريد أن تلحق، وكان يقول: من الأولياء من يتكلم من خزانة قلبه، ومنهم من يتكلم من خزانة غيبه فالمتكلم من خزانة قلبه محصور، والمتكلم من خزانة غيبه غير محصور، وكان يقول: كما قويت الظلمة في قلوب الخلائق نطقت ألسنة العارفين بصرائح الحقائق، وذلك لأنها أمنت من ملاحظة النظار، وكان يقول: إن سكنت إلى ما نلت، فما نلت لأن العطاء يحرك الأشواق إلى لقاء المعطى وإن نلت فهيجك العطاء إلى المعطى فتلك بشارة على وجود العطاء، ومن هنا قال: بعضهم ليس لله على كافر نعمة إنما هي نقمة، وكان يقول: جلت الحقيقة أن تكون البشرية محلا لتلقيها، ولكن إذا أراد أن يوصلها إليك انبسط شعاع سلطان شعاعها، فمهد في قلبك محلا لتلقيها فبها وجدتها لا بك: أعارته طرفا رآها به ... فكان البصير بها طرفها وكان رضي الله عنه يقول: جلت الحقيقة أن يكون لها جزاء من المخلوقين إنما يطلب جزاؤها من رب العالمين، وكان يقول: لا يصح من مريد أن يجازي أستاذه الذي أخذ عنه أبدا لأن ما استفاده منه لا يقابل بالأعراض، وكان يقول: قلوب علماء الظاهر، وسائط بين عالم الصفاء، ومظاهر الأكدار رحمة بالعامة الذين لم يصلوا إلى إدراك المعاني الغيبية، والادراكات الحقيقية، وكان رضي الله عنه يقول: أهل التصوف قوم ساروا عن الأجساد إلى ما وراءها فنزلوا في حضرة الوفاء، وحلوا في محل الصفاء وكان يقول: من أعجب العجب محب وقف بباب غير باب الحبيب. وكان رضي الله عنه يقول: ألح على الكرام في السؤال، وإن لم تكن أهلا للعطاء، فإن لهم أخلاقا جميلة، وكان رضي الله عنه يقول: ما ذل قلب قط لبارئه إلا أفاده نورا، وخيرا وكان رضي الله عنه يقول: ما وقفت همة مريد في سيرها إلى الله تعالى عند كون لكون قط إلا ناداه منادي التحقيق أثبت وجود ما أنت واقف معه، وكان يقول: لا تجعل مستند إيمانك نتائج الفكرة البشرية بل فر من ذلك إلى الله تعالى، إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، واستعذ بالله منه، واطلب ذلك من مدد الله عز وجل.
وفي رواية أخرى عنه إن أدرت سلوك المحجة البيضاء، والوصول إلى ذروة أهل التقى، والاقتداء بأهل الرتبة الأولى، فإياك أن تجعل دينك وإيمانك من نتائج العقول، والأفكار، أو مستندا إلى أدلة النظار بل عرج إلى المحل الأعلى، والمنزل الأعز الأحمى، واستمد البركات، والأنوار من رسول الله صلى الله عليه وسلم واسأل الله تعالى أن يمن عليك بمدد من عنده يغنيك به عن كل شيء سواه، ويهديك بنوره إليه حتى، لا تشهد في ذلك إلا إياه وقل رب إني أعوذ بك أن يكون إيماني بك، وبما أنزلت، وبمن أرسلت مستفادا من فكرة مشوبة بالأوصاف النفسية، أو مستندا إلى عقل ممزوج بأمشاج الطينة البشرية بل من نورك المبين، ومددك الأعلى، ونور نبيك المصطفى وكان رضي الله عنه يقول: إن أردت الوصول إلى معرفة نور الولي، فاطلب الله تعالى، فهناك تجده لأنهم، ودائع غيبه، وخبايا حضرته، وكان يقول: لا تطلب من الأعمال، والعلوم والأحوال خلوصها من كل الشوائب البشرية لئلا تكلف شططا، وتظن وجود ما لا يمكن، وجوده سهوا، وغلطا بل من بين فرث الماء، والطين، ودم ذلك الأمر الخفي عن إدراك المدركين لبنا خالصا سائغا للشاربين، وكان رضي الله عنه يقول: لا يهولنكم كثرة عدد الفجار، وقلة عدد الأخيار، فإن أولئك، وإن كثر عددهم أمرهم صغير حقير، وهؤلاء، وإن قل عددهم، فأمرهم واسع كبير أولئك كثرت ظلال ظواهرهم، ومعانيهم الزائلة الدنية التي هي غير حقيقية، فهم كالعالم الثاني من نبات، وخشاش، ونحو ذلك من نبات قوالب خالية من المعاني العلية النورانية سكانها لوم النفوس الخسيسة الأرضية، ومعالم عمارها رذائل المعاني الحيوانية، وصفات الأشكال الشيطانية كثيرهم قليل، وعزيزهم ذليل: " أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون " " الأعراف: 179 "، وهؤلاء الأخيار قل عدد ظواهرهم، وكثر مدد سرائرهم بوزن الرجل منهم بعدد كثير من جنسه الأبرار، فما ظنك بأولئك الذين لهم بالنسبة إلى سعة أنواره، وما قدر أولئك الذين لا قدر لهم مع عظيم مقداره، وكان رضي الله عنه يقول: كلما جدد العبد المؤمن بالصدق حقيقة الإيمان اقتضى تجديده ذلك فناء عوالم الأكوان، وكان يقول: النعمة العظمى الانطواء بالفناء الأكبر في ظل الغنى الأعظم قال تعالى: " قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون " " الأنعام: 91 " وفي الحديث: " كان الله ولا شيء معه "، وقالوا: تسترت من دهري بظل جناحه ... فصرت أرى دهري، وليس يراني فلو تسئل الأيام ما اسمي ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني
وكان يقول: ليس الرجل من يصف لك دواء تستعمله إنما الرجل من داواك في حضرته، وكان يقول: أعلى النور ما غاص في القلوب والأسرار، ولم يظهر إلى انقضاء هذه الدار، وذلك لأنه أثبت وأقوى وأرفع، وأعلى مما يسرع ظهوره، وتأمل حبات النبات البطيء ظهوره تجدها أثبت، وأقوى وأرقى وأرفع مما ليس كذلك، وكان يقول: لا تبع ذرة من المحبة لله تعالى أوفى الله بقناطير من الأعمال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المرء مع من أحب ". وكان يقول: إن الرجل ليعانق الرجل، وإن بينه وبينه لأبعد مما بين المشرق، والمغرب، وكان رضي الله عنه يقول: للسر لسان، وللروح لسان وللقلب لسان، وللعقل لسان علموا ذلك من مواطن أصول لسانهم، وغيوبهم الأصلية، والعارف الكامل يخاطب كلا منها بلسانه، ولغته، ويسقيه بكأسه من شرابه، وكان رضي الله عنه يقول: ما ظهر متلصص كون إلا عند غيبة حارس المعرفة، ولولاها ما لاح متلصص كون أبدا، وإن شئت قلت: تنويعا لمثل التوصيل ما لاح كوكب كون إلا عند غيبة شمس المعرفة ومتى طلعت شمس المعرفة من مشارق التوحيد أفلت كواكب الآثار، وغابت نجوم الأغيار، ولو علم الناس قدر الولي لتأدبوا مع كل إنسان لأنه لابس مثل لبسته، وظاهر في مثل صورته، وكان يقول: إذا أمرك آمر العلم، وزجرك زاجره، فائتمر لأمره وقف عند وجود زجره، وإن كان مقامك أعلى، ورتبتك في منازل القرب أدنى أدبا مع الله تعالى ووفاء بحق حكمته، ووقوفا مع حدود الأوامر الإلهية، إذ من تمام أدب جليس الملك أن يتأدب، إذا زجره صاحب الباب تتميما لدوائر الملك، وتأدبا بآدابه، وكان رضي الله عنه يقول: ما ظهر كون قط علوي ولا سفلي إلا، وهو دليل، أو مثال على حضرة ربانية، ونور معرفة خفية، وثم معارف لم يظهر لها مثال، ولا تخطر لذي بصيرة على بال، وكان يقول: سهم المعرفة متى وقف أمامه هدف إيمان قلب أصابه، ولم يخطئه، وكان يقول: نشأ هذا العالم على التدريج، فإذا توجه الإنشاء للدائرة الآخرى والنشأة الثانية عادت السماء كالأب، والأرض كالأم، وكان المتولد واحدا دفعة واحدة، وثبتت حبات نبات الآدميين عن بطن الأرض نباتا واحدا، وكان يقول: إذا نطق لسان العارف بالمعرفة صمت، وجوده كله، وكان يقول: لو علمت النفوس قدر ما تدعي إليه لكانت تسابق داعيها إليه، وكان يقول: لا تشرب من شراب الدنيا إلا بعد أن تمزجه بشراب الآخرة، وذلك لتكون محفوظا، وكان رضي الله عنه يقول: ما من وقت جديد إلا وفيه مدد جديد يتلقاه كبراء الوقت، ووسائطه، وهم أرباب التلقي للمدد الوقتي وسفراؤه، وقد ورد الأثر: " إن لربكم في دهركم هذا نفحات ألا فتعرضوا لنفحات رحمة الله تعالى " فأشار إلى المدد الوقتي، وكان رضي الله عنه يقول: ما وردت حقيقة على عارف قط إلا وذهب شاهده تحت سلطان أنوارها، وأما السامع منه فيمكن بقاء شاهده مع وجود تلقيها منه لأنها وردت
من بشير إليه، وكان يقول: خفيت الأرواح في الأشباح لظهور الأشباح في هذه الدار، فوقع الاعتناء بالظواهر فشغل العبد بشهوده ظاهره عن مراعاة القلوب، والسرائر، والموفق لسعيد من زاحم لروحه، فأظهرها وجاهد في إصلاح حقيقته فخلصها، وحررها، وكان يقول: ليس الشأن من تغرب عليك بتستير أمر بشريته إنما الشأن من أظهر أمرها، وأوصافها ثم أبى لك آثار التحقيق عليها، وأبرز لك من مكنوناتها ذخائر الغيوب، وفي ذلك إشارة لفهم قوله تعالى: " قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي " " الكهف: 110 " وكان يقول: العارف لا يبقى مع غير الله تعالى بحال، ولا يقف مع ما بدا له من الحق، ومتى وقف معه حجب به عن ربه تعالى، وكان يقول: رب شارب دواء نافع ظن الشارب أنه ماء لكونه على صورته، فكان فيه شفاؤه من جميع الأمراض كذلك الولي ربما عثر عليه من رآه في صورة العوام، فوصله إلى حضرة ربه، وهو عنه غافل لا يدري مقامه، ثم إذا استنار قلبه عرفه. وكان يقول: إنما ثبت البشر لسلطان نور التجلي، وتدكدك الجبل لأن طينة البشر عجنت من أصل أصيل بخلاف الجبل وكان يقول: الألسنة ثلاثة لسان نقل عن لسان، ولسان نقل عن قلب، ولسان نقل عن غيب، فالناقل عن لسان حاك، والناقل عن قلب عالم، والناقل عن غيب عارف، فلسان اللسان هواء عن هواء، ولسان القلب داع إلى هدى، ولسان الغيب يشير إلى عالم المحق، والفناء، وانطوى الفرع الأدنى في الأصل الأعلى. وكان يقول: مهر العلوم حسن الفهوم، ومهر الحقائق الفناء تحت قهر سلطانها وكان يقول: نفس العارف المجعولة لسياسة معيشة الحياة الدنيا تلميذ تحت نور معرفته، ومريد تحت يد أستاذ روحه، وحقيقته تأخذ عنه مع جملة الآخذين، وتستفيد منه مع جملة المستفيدين، وتربى عنه كما يربي غيره من المريدين، وتؤمن بخصوصيته كما يؤمن به من شاء الله من المؤمنين، وهو معزول عن معرفة حقائق علومه الربانية، ومقاماته العلوية لأن ذلك كله من الأسرار المغيبة التي لا يطلع علماء الظواهر منها إلا على ظواهر آثارها، وكان يقول: إن لم يسمعك الغيب بالتجليات، والأنوار فاسمعه أنت بالطاعة، والأذكار وكان يقول: من تجددت له يقظات في وقت فذلك دليل على أن له غفلات وأهل التخصيص لا يقظة لهم لأنه لا غفلة لهم وكان رضي الله عنه يقول: إذا كنت مفتقرا في إنشاء نطفتك الإنسانية إلى خلقه، وتصويره فكيف لا تكون مفتقرا في هداية حقيقتك الأصلية إلى لطفه، وتنويره وكان يقول: قال الله عز وجل: " يا عبدي إذا لقيتني، وأنت لي عارف كتبت لك بعدد الأكوان حسنات " وكان يقول: رب عبد كان يستصغر نفسه أن يكون موجودا، فلما كسى خلعة الفضل صار يستحي من الله أن يرى الوجود الكوني مع الله شيئا مشهودا، وكان رضي الله عنه يقول: عليك باستماع الأخبار الطرية التي لم تحدث عن وجود فكر، وروية، فإنها دواء للقلوب، وكان يقول: ذاتك مرآة، وشكل ذاتك مرآة ذاتك، وكان يقول: إذا رأيت من رأى، فقد رأيت، وكان يقول: كل حقيقة بدت، فغاب تحت سلطانها شاهد شاهدها، فذلك مشهد حق، وإن لم يغب، ففي شهود ذلك مزج، وتلبيس، وكان يقول: الأرواح في عين ذاتها لا صورة لها، وإنما ذلك من حيث أشباحها، ولذلك لما عصى بنو آدم بدت السوءة لانطواء الأرواح، فإن عالم الأرواح إذا ظهر يشهد ربه، ولا عصيان مع وجود ذلك، وكان رضي الله عنه يقول: أعز الأشياء وجود الصدق في الطلب، ويليه في العزة القبول، وأعز منهما الظفر بالوصول وكان يقول: شيئان لا يكاد القلب يثبت عليهما معرفة الله، والخروج عما سوى الله تعالى، وكان يقول: ليس الشأن تجلي حبيبك مع وجدان رقيبك إنما الشأن تجلي حبيبك مع فقدان رقيبك، وكان يقول: العارف إن لم يطلبه الخلق ليصلوا بواسطته إلى الله تعالى طلبهم هو لاقتضاء حق الله تعالى، وكان يقول: الجنة مطلوبة والنار طالبة، ولهذا تعامل هذه بالطلب، وهذه بالهرب، وكان رضي الله عنه يقول: يرسل الوالد الشفوق ولده الطفل إلى الطبيب من حيث لا يشعر الطفل، ويقال له: تلطف به ولا تشقق عليه، وإكرامك علينا، ولا تكلفه معرفة دائه، ولا معرفة مداواته كذلك يقال: للعارف داو مرضى عبادنا إذا أتوك بتيسيرنا، وهم لا يشعرون ولا تكلفهم معرفة دائهم، ولا معرفة مداواتهم، فإنهم ربما شق ذلك عليهم، وعاملهم كما عاملناهم، فإنك داع إلينا، ومطالب بحقنا، فقد دعوناهم إلى حضرتنا، وجنتنا، وهم بها غير عالمين، وبكنه حقائقها على الحقيقة غير عارفين، وكان يقول: تتصارع الأسرار، والأنوار، ويدير كل واحد منهما كأسه على الآخر، فيسكران من كأسهما، فيغيبان عن وجودهما، فلا أسرار، ولا أنوار، وكان يقول: نعمة، وأي نعمة خطابهم لك ولو
كلمة، وكان يقول: إنما زهد العارفين في الدارين لرؤية ما هو أشرف، وأعلى، وأجل، وكان يقول: العابد يعادي فعل نفسه، والعارف يعادي ذات نفسه، وكان يقول: " لازم على قول لا إله إلا الله " حتى تغيب عن لا إله إلا الله بلا إله إلا الله، وكان يقول: إنما صد عن العارف المحقق، وجود شركهم لأن العارف يدفع بهم في حضرات الجمع، والتفريد، فتفر نفوسهم من حر نار الأنوار إلى ظل ظلال الأغيار، وكان رضي الله عنه يقول: من أحب الله تعالى أحب كل ما كان سببا منه كما قال: مجنون بني عامر: أحب لحبها السودان حتى ... حببت لحبها سود الكلاب وكان رضي الله عنه يقول: للعارف إذا اشتكى آثار بشريته إنما نريد أن نعمر بك دوائر الحس كما عمرنا بك دوائر القدس، وكان يقول: خرج ابن آدم إلى الدنيا بجناح لحمي، وفوقه سماء، وتحته نار، فإن ربى جناحه، وريشه طار، وإن أهمله وتركه سقط في النار، وقد جاء في الحديث: " إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة ". وكان يقول: من قهر القهار أن يشهدك ما يشهدك، ولا تستطيع أن تسلكه، ولا تعمل على مقتضاه إلا إذا شاء، وأراد، وكان رضي الله عنه يقول: كل شيء أردته، وأنت محجوب، فليس هو عين الأمر المطلوب وكان يقول: كلما ازداد عبد بالحضور ازداد الوقت به نورا وكان يقول: لا تأكل النار إلا محل الشرك إن كان كلا، فكلا، وإن كان جزءا، فجزءا، وإنما نالت النار من بعض المؤمنين لأنهم كانوا بعصيانهم على خفاء من الشرك مشتملين، وكان رضي الله عنه يقول: حقيقة السر لا تظهر لأحد في الدارين، وكان يقول: لا يباح إظهار الأسرار عند الاضطرار إلا بفتاوى علمائها، وكان يقول: لا يظهر لب حقيقة الإنسان إلا بإزعاج ظاهر طينته، كما لا يظهر باطن لب إلا بعد إزعاج ظاهر قشرته، وكان يقول: لا يلزم من ذكر أوصاف آداب المعاملات وجود الاتصاف بها لكنها من المتصف بها أنفع لسامعها، فإن غير المتصف بها قصده مدخول ونشر علمه في ذلك معلول. وكان يقول: يقول الحق تعالى لبني آدم ملأتم الأرض طولا، وعرضا ولم يأتنا منكم إلا القليل، وكان يقول: ما سكت عارف قط، ولو نفسا لا عقوبة لأهل زمانه، وما تكلم قط كلمة إلا انتفع بها كل من سمعها وكان رضي الله عنه يقول: من غفلة العبد، وعمى قلبه نسبته الأشياء لغير ربه، وكان يقول: لن تستطيع أن تسلم من الشيطان الملصق بذات وجودك الملتقم بإذن قلبك الجاري منك مجرى الدم إلا برجوعك إلى من هو أقرب إليك منه وهو الله تعالى، وكان يقول: سيئات الظواهر في طريق المعاملات في معرض العفو لكونها مخالفة للأوامر السمعية الواردة على الخلق من وراء الحجاب، بخلاف أنوار القلوب، والأسرار إذا حصل فيها خلل، فلا مغفرة لسيئاتها، ولا عوض من فواتها، قيل لبعضهم حين كان عنده خلل: كل ذنب لك مغفو ... ر سوى الإعراض عنا قد غفرنا لك ما فا ... ت بقي ما فات منا وكان يقول: ما تعقب ندامة قط وقتا فارغا، أو مظلما إلا ملأته، أو نورته، وكان رضي الله عنه يقول: أولا تسمع ثانيا تفهم ثالثا تعلم رابعا تشهد خامسا تعرف، وكان يقول: ابن آدم ذو عوالم ثلاث عالم إنساني وعالم شيطاني، وعالم روحاني، فله من حيث المعنى الطيني الجهل، والنسيان، ومن حيث الريح الشيطاني التكذيب، والكفران، والجحود، والطغيان، ومن حيث الوصف الروحاني التصديق، والإذعان ثم اليقين والعرفان، ثم الشهود، والعيان، وكان يقول: القلوب ثلاثة قلب أرضي، فالشيطان يأوي إليه، وربما استحوذ بالإغواء عليه، وقلب سماوي، فهو يلقى إليه، ويسترق السمع من نواحيه، فهو ينال من سماع أخباره، وربما رجم بشهاب من أنواره، وقلب عرشي، فهو أبدا لا يدانيه، ولا يصل أبدا إليه.
وكان يقول: أول مراتب السماع للقرآن غيبة السامع عن شهود الأكوان، وكان يقول: إذا أراد الله بعبد خيرا أوصل إلى قلبه العلوم الحقيقية المتلقاة من حضرة الربوبية بطريق ليس فيه إشكال على الظواهر الشرعيات، ولا تعدي القواعد العقليات، وكان يقول: الكون الشهادي كله منطو في ظاهرية آدم، وظاهريته منطوية في معنى روحه غيب في طي النفخ فيه، والنفخ منطو في الإفاضة، وذلك منقطع الإشارة، وكان يقول: لما شهد الكون انفاني بعين الغفلة موجودا مع الله تعالى قضى الله عز وجل بفنائه غيرة لأحديته وكان يقول: لو نطق العارف بلسان حقيقته لم يسع الكون الشهادي كلمة من كلماته، وكان يقول: كان الحق تعالى يقول: يا من طلب مني خذ، ويا من طلبني قف، وكان يقول: من مزج لك كأسا من التذكرة بذرة من بشريته فقد آذاك وكان يقول: لو خير العارف بين مائة ألف خصوصية لو كشف حجاب لا اختار أن يكشف له ذرة من حجاب. وكان يقول: الحال ما جذبك إلى حضرته، والعلم ما ردك إلى خدمته، وكان يقول: لولا ضيق المجاري كنت ترى الرز جاري، وكان يقول: ما منعك من شم نسيم القرب إلا زكامك، ولا حجبك عن شهود النور إلا ظلامك، وكان يقول: من تزايد له حب في محبوبه بسبب جديد فهو في دعوى نهاية المحبة بعيد، وكان يقول: الحالة التي لا اعتراض عليها من ظاهر، ولا باطن جمع لا شطح فيه، وفرق لا شرك فيه، وكان يقول: من أبدى من أسرار الله تعالى ما لا يليق إبداؤه وأفشى من العلم المكنون ما لا يناسب إفشاؤه عوقب بسوء الظنون فيه، أو بما هو فوق ذلك من العقوبات، وكان يقول: لو زال منك أنا للاح لك من أنا، وكان يقول: لا ينال الشيطان من آدمي نيلا إلا إن نزل إلى أرض شهوته، وكان يقول: إنما نفر العباد من الخلق لجهلهم بأسرار الله فيهم، ولو عرفوا أسرار الله فيهم لأنسوا بهم كما أنس بهم العارفون. وكان يقول: كلما دق الكشف الغيبي، وخفي كان أعلى، وكان يقول: كل دليل تستدل به على معرفة الله تعالى، فأنت أظهر منه، وكان يقول: ما عمل العارفون في هذه الدار على حال ولا مقام وإنما عملوا على تحقيق انحيازهم إلى الله تعالى وأن الكل في طي ذلك، وكان يقول: كل ما كان من الموجودات بعيدا عن شهود الاختيار في أفعاله طال بقاؤه كالسماء، والأرض، والجبال، والبحار، وكل ما كان قريبا من شهود اختياره قصر بقاؤه كالآدمي، والحيوان تذكرة لأولي الألباب، وكان يقول: سوابق العناية قبل نواطق الهداية، وكان يقول: أنت في الدنيا غير قار فيها، والآخرة لم تصل بعد إليها، فلم يبق إلا رجوعك إلى القريب المجيب، وكان يقول: ما أكرم الله عز وجل عبدا بمثل نور أهبطه على قلبه، وكان يقول: إذا تكلم العارف بكلمة غاب فيها وجود المستمع، وذلك لأن الكلام ذكر، والسماع أنثى، والرجال قوامون على النساء، وكان رضي الله عنه يقول: لو تنفس عارف في بلدة ثبت إيمان كل عبد فيها، وكان يقول: أمام كل وصول غيبي عارض شهواني وكان يقول: كل عارف لا يميت وجوده أمام مريده لا يصل مريده إلى الله تعالى، وكان يقول: لا يصل إلى حضرات الأنوار إلا الخالص من الأسرار، وكان يقول: ما نظر مريد لعارف بعين توقير، ووداد إلا كان سالكا سبيل حق، ورشاد، وكان رضي الله عنه يقول: لا يباح التوحيد بالفهم إلا في محل التكليف خاصة وكان يقول: من تواجد بالفهم في موطن لم يصل إليه زل به قدمه عما كان فيه إلى أسفل منه وإنما يباح ذلك لمأذون له أو لمن هو تحت إشارة عارف، وكان يقول: الواردات الربانية لا تصل إلى الفهوم، وما وصل إلى الفهوم إنما هو من رشاش مائها، ومن شعاع ضيائها، وكان يقول: لا يلوح لك نور حقائق الإيمان حتى تخرج عن عامة الأكوان.
وكان يقول: من علامة العلم الحقيقي، إذا ورد على القلب أن تذهب الأمثال، والصور، وإن كانت الأمثال الظنية سببا لأخذ الحقائق الأصلية، وكان يقول: إنما خلق فيك ما خلق لتعرف به الأكوان لا المكنون، فإنه لا يعرف الكون إلا به تعالى، وكان يقول: مواد الحكمة منطوية في القوة الإنسانية، وإنما يفضل الحكيم على غيره باستخراجها من قوته إلى فعله وكان يقول: الآدمي لا تقع عليه الإشارة لأنه نسبة تاهت في أنوار الفناء، وكان يقول: إن كان لك في الوصول نية فلا تبقى منك بقية وكان يقول: ابن آدم ذو وجودات مطوية، فتبصروا في خلالها فعسى يلوح لكم شيء من جمالها وكان يقول: لا يظهر جواهر الإيمان إلا وجود الامتحان وكان يقول: نيل الشهوات في الحياة الدنيا عذاب معجل مستور، وكان يقول: الحقائق كلما بدت بوصفها خفاء في ظهور وظهور في خفاء ومددها من الواو في قوله: " هو الأول والآخر والظاهر " " الحديد: 3 " وكان يقول: ما ورد وارد عال، وله نهية قط " وكان يقول: المحققون قسمان مأذون له في الدلالة، والإفصاح، وغير مأذون له في ذلك، وكان يقول: أمتعة الدنيا فيها لطف وبركة لأنها بساط لعطاء لا ينقطع، وفضل لا ينحصر وإطلاق في عوالم البقاء، والفسيح الأعلى، وكان يقول: إذا مرت بك سحابة حقيقية غيبية فقف تحتها فهي إما أن تظلك، وإما أن تبلك، وكان يقول: من علامة عدم حرية الرجل نقله قدمه حيث قاده هواه وكان يقول: اثبت على حسن قصدك لتحقق حصول مقصودك، وكان يقول: من دليل استقامة المؤمن شوقه لما ليس فيه هوى نفسه، وخوفه، ورجاؤه مما لا يلائم نفسه، وكان يقول: من عصر لك من ما ظاهر بشريته، فإياك أن تشرب منه، فإنه يجرك إلى اتباع الهوى، وركوب الضلال، ومن عصر لك من باطن خصوصيته، فاشرب هنيئا مريئا، فإنه الشراب النافع. وكان يقول: كل كلام كنت مختارا في قبوله ودفعه فنفعه عندك قليل، وكل كلام قهرك على قبوله، فذاك الذي يدفع بك إلى الأمر الحسن الجميل وكان يقول: المريد سيره بباطنه، وظاهره تبع، والعابد سيره بظاهره، وباطنه تبع، فالعابد يراقب، أوراده والمريد يراقب، وارداته، وكان يقول: ما تعلم العلماء ليعصموا، وإنما تعلموا ليرحموا، وما تعلموا ليتحصنوا بعلمهم من الأقدار، وإنما تعلموا ليفروا إلى الله تعالى باللجأ، والافتقار، وكان يقول: أحوال أهل المعرفة غريبة جدا، فإنهم إن كانوا مع بشريتهم، فحيتان في ماء، وإن كانوا مع خصوصياتهم، فطيور في هواء فهم إذا كانوا بوصف نفوسهم غرقى في بحار الدنيا، وإذا كانوا بوصف أرواحهم جوالون في أفق العوالم الأعلى، وأقل مكثا في الدنيا من العوالم كلها ما كان أكثر شبها بالعالم الأعلى، وأقوى في الأصالة، وكان يقول: كل ما كان فوق إدراك العقل لا يمشي فيه إلا بأحد أمرين إما بالنور، أو بالاعتقاد، وكان يقول: كلما قلت: الحيلة من المخلوقات كثر من الخالق التوفيق، والإعانات، وكان يقول: أصل حجاب بني آدم وقوفهم مع الظلال مع غيبتهم عن شهود حقائقها كما أنهم إنما حجبوا بالعلم لوقوفهم خلف حجابه دون حقائقه.
وكان رضي الله عنه يقول: للشاكر في حال شكره لسان ينطق عن ربه إن الله تعالى يقول: على لسان عبده سمع الله لمن حمده، وكان يقول: العارف في الدنيا لغيره لا لنفسه وغيره لنفسه لا لغيره، وكان يقول: كلما وجه العبد قلبه إلى الله تعالى انجمع، وكلما وجه قلبه إلى الخلق تفرق وكان يقول: كل سبب فرقك فقد أفناك وأماتك، وكل سبب جمعك، فقد أحياك وأثبتك، وكان يقول: المحبة جسد لأرواح الحقائق، وباب لحضراتها، وكان رضي الله عنه يقول: إنما فر العباد من الناس لأنهم، وجدوا منهم نتن جيفة الدنيا لظواهر بشرياتهم، وإنما أقبل العارفون عليهم لأنهم، وجدوا منهم طيب ريح الأرواح لباطن خصوصياتهم، وكان يقول: إن الله عز وجل ليغار على وليه أن يعرفه غيره، وكان يقول: لا يعرف الولي حتى يعرف الله تعالى لأنه عنده فلا يعرف إلا بعد معرفته، ولو عرف قبل معرفته لكان حجابا عن الله تعالى، وكان يقول: للعلم بالله تعالى في هذه الدار طريقتان العلم الإلهامي للأولياء، والوحي للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكان رضي الله عنه يقول: الأعين في مناظرها عين صحيحة الذات قوية النظر، وهي عيون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعين صحيحة الذات ضعيفة النظر، وهي عيون الأولياء رضي الله تعالى عنهم، وعين موجودة الذات محجوبة النظر، وهي عيون المؤمنين الغافلين، وعين عمياء، وهي عيون الكافرين الجاهلين وكان يقول: منذ حصر الآدميون في قوالب البشريات، وسجنوا في سجون المظاهر الحسيات لم يأتهم نفس العالم الغيبي، ولا شيء من شعاع أنوار المحل الكوني، ولا علم حقيقي جديد إلا على أيدي. الأنبياء والمرسلين ثم بوسائط أتباعهم من الأولياء، والصديقين، والعلماء العارفين، وليس مع أحد منهم زيادة على ذلك إلا ما أوتوه في أوائل فطرتهم فليس لهم علوم جديدة طرية إلا من تلك المنابع العلية القدسية وكان يقول: من عرف العارف تعب به العارف لأنه يصير حامل أثقاله في جميع تقلباته، ومن جهل العارف استراح به العارف، وكلما قويت معرفة العارف زاد افتقاره، وإفلاسه، وذلك لأنه كلما ازداد معرفة ازداد قربا، وعند القرب نزول النسب، إذ وجود النسب، والأسباب لا يمون إلا مع البعد، وإرخاء الحجاب وكان يقول: العارف في الدنيا كشمعة تضيء مع خفائها وكان يقول: لا نجاة يوم يخسر المبطلون إلا لنبي أو تابع لنبي أو محب، وكان يقول: الأمثال للمريدين، والحقائق للعارفين، ومثال العارف مثال رجل عند البحر، فهو يغترف منه حيث شاء، ومثال المريد مثال رجل عنده جمد ماء قليل، فهو ينتظر حله ليسيغه، وكان يقول: إذا حاولت نفسك في فهم القرآن، فذاك من عجيب حالك لأنك تريد أن تفعل، فيما هو فاعل فيك، وكان يقول: إذا بقي المؤمن يوما واحدا في الإيمان تمسك بأكثر منا مائة ألف عروة كل عروة منها لا انفصام لها، وكان يقول: إذا قاد الشيطان الإنسان إلى الذنوب، والعصيان، ولم يصر بل رجع، وتاب، فكأنه ما انقاد له قط، وكان يقول: إذا دعوت عبدا