المكتوب الحادي والسّتّون والمائتان إلى المير نعمان في بيان فضائل الصّلاة والكمالات المخصوصة بها في ضمن معارف عالية وحقائق سامية بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليكن معلوم الأخ الأعزّ أرشده الله سبحانه أنّ الصّلاة ركن ثان من الأركان الخمسة للإسلام وجامعة العبادات وهي وإن كانت جزئيّة ولكن حصلت لها حكم الكلّيّة من الجامعيّة وصارت فوق جميع مقرّبات الأعمال ودولة الرّؤية الّتي كانت ميسّرة لسيّد العالمين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ليلة المعراج في الجنّة كانت ميسّرة له بعد النّزول إلى الدّنيا في الصّلاة مناسبة لهذه النّشأة ولهذا قال عليه الصّلاة والسّلام «الصّلاة معراج المؤمن " وقال أيضا " أقرب ما يكون العبد من الرّبّ في الصّلاة " ولكمّل اتباعه عليه الصّلاة والسّلام في هذه النّشأة حظّ وافر من تلك الدّولة في الصّلاة وإن لم تكن رؤية فإنّ هذه النّشأة لا تطيقها فإن لم يأمر الله سبحانه بالصّلاة فمن كان يكشف النّقاب عن وجه المقصود ومن كان يدلّ الطّالب نحو المطلوب مورّث اللّذّة للمغمومين هو الصّلاة وموجب الرّاحة للمرضى يعني من الم البعد والفراق هو الصّلاة " أرحني يا بلال " اشارة إلى هذا المعنى وقرّة عيني في الصّلاة رمز من هذا المتمنّى وما تيسّر من الأذواق والمواجيد والعلوم والمعارف والأحوال والمقامات والأنوار والألوان والتّلوينات والتّمكينات والتّجلّيات المتكيّفة وغير المتكيّفة والظّهورات المتلوّنة وغير المتلوّنة في خارج الصّلاة ومن غير شعور بحقيقة الصّلاة منشؤها كلّها ظلال وأمثال بل ناشئة عن الوهم والخيال والمصلّي الّذي له شعور بحقيقة الصّلاة كأنّه يخرج من هذه النّشأة الدّنيا وقت أداء الصّلاة ويدخل في النّشأة الاخرى فلا جرم ينال في هذا الوقت نصيبا وافرا من دولة مخصوصة بالآخرة ويحصّل حظّا من الأصل بلا شائبة الظّلّيّة لأنّ النّشأة الدّنيا مقصورة على الكمالات الظّلّيّة والمعاملة الخارجة الخالية عن الظّلّيّة مخصوصة بالآخرة فلا بدّ على هذا من المعراج وهو الصّلاة في حقّ المؤمنين وهذه الدّولة مخصوصة بهذه الامّة فإنّهم إنّما شرّفوا بهذه الدّولة واستسعدوا بهذه السّعادة تبعا لنبيّهم عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. وقد تشرّف هو بدولة الرّؤية حيث خرج من الدّنيا إلى الآخرة ودخل الجنّة ليلة المعراج اللهمّ اجزه عنّا ما هو أهله واجزه عنّا أفضل ما جازيت نبيّا عن أمّته واجز الأنبياء كلّهم خيرا فإنّهم دعاة الخلق إلى الحقّ سبحانه وهداتهم إلى لقاء الله. والّذين لم يطّلعوا على حقيقة الصّلاة من هذه الطّائفة ولم يقفوا على الكمالات المخصوصة بها صاروا يطلبون معالجة أمراضهم من أمور أخر ويلتمسون حصول مراداتهم من أشياء شتّى بل زعمت طائفة منهم الصّلاة بعيدة عن الحال وجعلوا مبناها على المغايرة والمباينة وغير ذلك من المحالّ وزعموا أنّ. الصّوم أفضل من الصّلاة قال صاحب الفتوحات المكّيّة: إنّ في الصّوم الّذي هو ترك الأكل والشّرب تحقّقا بصفة الصّمدانيّة وفي الصّلاة خروج إلى المغايرة والمباينة وإشعار بالعابديّة والمعبوديّة وهو كما ترى مبنيّ على مسألة التّوحيد الوجوديّ الّذي هو من أحوال السّكارى ومن عدم الشّعور بحقيقة الصّلاة وفقد الخبر عنه صار الجمّ الغفير من هذه الطّائفة يطلبون تسكين اضطرابهم من السّماع والنّغمات والوجد والتّواجد وطفقوا يطالعون مطلوبهم من وراء حجب النّغمات فلا جرم جعلوا الرّقص والحركة ديدنهم مع أنّهم سمعوا حديث «وما جعل الله شفاءكم فيما حرّم عليكم " نعم: الغريق يتعلّق بكلّ حشيش وحبّ الشّيء يعمي ويصمّ فلو انكشفت لهم نبذة من حقيقة الصّلاة ووصلت إلى مشامّ أذواقهم شمّة منها لما مالوا إلى السّماع والنّغمة أصلا ولما ركنوا إلى الوجد والتّواجد قطعا، (شعر): وإذا لم يهتدوا نهج ال . حقائق قارفوا هزوا (أيّها الأخ) بقدر ما يكون من الفرق بين الصّلاة والنّغمات تتفاوت الكمالات الّتي منشؤها الصّلاة والكمالات الّتي منشؤها النّغمات العاقل تكفيه الإشارة وهذا كمال وجد بعد ألف سنة.
İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)
Ahmed b. Abdülehad es-Sirhindî (İmam Rabbânî) · AR
(وآخريّة) ظهرت على صفة الأوّلين ولونهم ولعلّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لذلك قال لا يدري أوّلهم خير أم آخرهم ولم يقل أم أوسطهم حيث رأى المناسبة بين الآخر والأوّل أزيد منها بين الأوسط والأوّل فصار ذلك محلّ تردّد وقال عليه الصّلاة والسّلام في حديث آخر " أفضل أمّتي اوّلهم وآخرهم وبينهما كدر " نعم إنّ متأخّري هذه الامّة وإن كان فيهم علوّ النّسبة ولكنّ أصحابها قليلون بل أقلّ، وفي المتوسّطين وإن لم تكن النّسبة بهذا العلوّ لكنّ أصحابها كثيرون بل أكثر ولكلّ وجهة كمّيّة وكيفيّة ولكن أقلّيّة هذه النّسبة بلّغت المتأخّرين إلى الدّرجات العلى وأورثتهم المناسبة بالسّابقين وجعلتهم المبشّرين قال صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم " الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء» الحديث وشروع آخريّة هذه الامّة من بداية الألف الثّاني من ارتحال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإنّ لمضيّ الألف خاصّيّة عظيمة في تغيّر الامور وتأثير في تبدّل الأشياء ولمّا لم يكن في ملّة هذه الامّة وسيرتها نسخ وتبديل ظهرت نسبة السّابقين بطراوتها القديمة ونضارتها السّابقة في المتأخّرين بالضّرورة وحصل تأييد الشّريعة وتجديد الملّة في الألف الثّاني والشّاهد العدل لصدق هذه الدّعوة عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام والمهديّ عليه الرّضوان يعني وجودهما في هذا الألف. (شعر) لو جاء من فيض روح القدس من مدد . لغير عيسى ليصنع مثل ما صنعا. (أيّها الأخ) إنّ هذا الكلام وإن كان اليوم ثقيلا على أكثر الخلائق وبعيدا عن أفهامهم ولكنّهم إذا أنصفوا وقاسوا المعارف بعضها ببعض ولا حظوا صحّة الأقوال وسقمها بمطابقتها العلوم الشّرعيّة وعدم مطابقتها إيّاها ورأوا أنّ تعظيم الشّريعة النّبويّة وتوقيرها في أيّتها أكثر لعلّهم يتخلّصون عن ورطة الإستبعاد الا يرون أنّ الفقير قد كتب في كتبه ورسائله أنّ الطّريقة والحقيقة خادمتان للشّريعة وأنّ النّبوّة أفضل من الولاية ولو كانت ولاية نبيّ. وكتب أيضا أنّه لا مقدار لكمالات الولاية في جنب كمالات النّبوّة أصلا وليت لها حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط. وكتب أمثال ذلك كثيرا خصوصا في مكتوب كتب باسم ولدي في بيان الطّريقة فليلا حظوا هناك والمقصود من هذا القيل والقال إظهار نعمة الحقّ سبحانه وترغيب طلّاب هذه الطّريقة لا تفضيل نفسي على الآخرين. ومعرفة الله سبحانه حرام على من يرى نفسه أفضل من كفّار الإفرنج فكيف من اكابر الدّين (شعر) خليلي سيّدي أعلي مقامي . ففقت به نجوما والهلالا كأنّي بقعة فيها سحاب ال . رّبيع ممطر ماء زلالا فلو لي ألّف ألسنة واثني . بها ما ازددت الّا الإنفعالا فإن ظهر فيكم بعد مطالعة هذا المكتوب شوق تعلّم أسرار الصّلاة وتحصيل بعض كمالاتها المخصوصة وجعلكم هذا الشّوق مضطربا تتوجّه نحو هذه الحدود بعد الإستخارات وتصرف شطرا من العمر في تعلّم الصّلاة يعني أسرارها والله سبحانه الهادى إلى سبيل الرّشاد. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. المكتوب الثّاني والسّتّون والمائتان إلى مولانا محب علي في بيان أنّ ارتباط النّقشبنديّة حبّيّة ونسبتهم انعكاسيّة وما يناسبه الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى حصل الإبتهاج بورود الصّحيفة الشّريفة المرقومة على وجه الإلتفات وحيث كانت منبئة عن فرط المحبّة وكمال الإختصاص أورثت ازدياد الفرح والسّرور وقد اندرج فيها الكلام عن العهد السّابق (أيّها المخدوم) إنّك على أيّ وضع كنت من الأوضاع الشّرعيّة ليس بمحلّ للمضايقة ولا مستحقّا به للمعاتبة بشرط أن لا ينقطع حبل المحبّة بل يتقوّى يوما فيوما وبشرط أن لا تبرد نائرة الإشتياق بل تزايد ساعة فساعة فإنّ ارتباطنا حبّيّ ونسبتنا انعكاسيّة وانصباغيّة لا تتفاوت بالقرب والبعد الّا بحسب السّرعة والبطء والعلم ببعض خصوصيّات الطّريق وعدم العلم به وتطلب تحقيق هذا المعنى من خاتمة مكتوب حرّرته باسم ولدي الأرشد في بيان الطّريق وقد جاء أصحاب أخينا المير محمّد نعمان بنقل ذلك المكتوب فتطلبه من هناك وماذا اطنب زيادة على ذلك والسّلام.
المكتوب الثّالث والسّتّون والمائتان إلى جناب صاحب المعارف الشّيخ تاج الدّين في بيان معارف تتعلّق بالكعبة الرّبّانيّة وبيان الفضائل الصّلاتيّة وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى وقد أورث خبر القدوم الّذي هو للمسرّة ملزوم فرحا وافرا للمشتاقين لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك، (شعر) أنصف أيا فلك زاه مصابيحه . وأيّ هذين قد عمّت تفاريحه شمس بها عالم تمّت مصالحه . أم بدريّ الباد من شام لوائحه وحيث التزمت القدوم فعليك أن تشرّف بالسّرعة فإنّ المشتاقين تحت ثقل الإنتظار يتمنّون سمع أخبار بيت الله وعند الفقير كما أنّ صورة الكعبة الرّبّانيّة مسجود إليها لصور الخلائق بشرا كانوا أو ملكا كذلك حقيقتها مسجود إليها لحقائق تلك الصّور فلا جرم كانت تلك الحقيقة فوق جميع الحقائق والكمالات المتعلّقة بها صارت فوق الكمالات المتعلّقة بسائر الحقائق وكأنّ هذه الحقيقة برزخ بين الحقائق الكونيّة والحقائق الإلهيّة والمراد بالحقائق الإلهيّة سرادقات العظمة والكبرياء الّتي لم يصل إلى ذيل قدسها لون ولا كيف ولم يتطرّق إليها ظلّيّة أصلا ونهاية العروجات الدّنيويّة وظهوراتها إلى منتهى الحقائق الكونيّة والنّصيب من الحقائق الإلهيّة مخصوص بالآخرة لا حظّ منها في الدّنيا الّا في الصّلاة الّتي هي معراج المؤمن وكأنّ في هذا المعراج خروجا من الدّنيا إلى الآخرة ويتيسّر فيه حظّ ما يتيسّر في الآخرة وأظنّ أنّ حصول هذه الدّولة في الصّلاة لتوجّه المصلّي فيها إلى جهة الكعبة الّتي هي موطن ظهورات الحقائق الإلهيّة فالكعبة أعجوبة في الدّنيا فإنّها بصورتها من الدّنيا وبالحقيقة من الآخرة وأخذت هذه النّسبة الصّلاة أيضا بتوسّطها وصارت بصورتها وحقيقتها جامعة للدّنيا والآخرة وقد بلغ مرتبة التّحقيق أنّ الحالة المتيسّرة في أداء الصّلاة فوق جميع الكمالات الحاصلة في خارج الصّلاة لأنّ تلك الحالة ليست بخارجة من دائرة الظّلّ وإن حصل لها العلوّ بخلاف هذه الحالة فإنّ لها نصيبا من الأصل وبقدر الفرق بين الأصل والظّلّ يكون الفرق بين تلك الحالة وهذه الحالة ويشاهد انّ الحالة الّتي تحصل عند الموت بعناية الله تعالى تكون فوق حالة الصّلاة فإنّ الموت من مقدّمات أحوال الآخرة وكلّما هو أقرب إلى الآخرة أتمّ وأكمل لأنّ هنا ظهور الصّورة وهناك ظهور الحقيقة شتّان ما بينهما. وكذلك الحالة الّتي تتيسّر بكرم الله جلّ سلطانه في البرزخ الصّغير تكون فوق الحالة الحاصلة وقت الموت وعلى هذا القياس الحالة المتيسّرة في البرزخ الكبير الّذي هو عرصات القيامة بالنّسبة إلى حالة البرزخ الصّغير فإنّ المشهود هناك أتمّ وأكمل ولمشهود جنّات النّعيم أتمّيّته وأكمليّته بالنّسبة إلى مشهود البرزخ الكبير وفوق جميع تلك المذكورات موطن اخبر عنه المخبر الصّادق عليه الصّلاة والسّلام حيث قال: «إنّ لله جنّة ليس فيها حور ولا قصور يتجلّى فيها ربّنا ضاحكا " فأدنى جميع مواطن الظّهورات دنيا وما فيها وأعلى جميعها تلك الجنّة المذكورة بل الدّنيا ليست من مواطن الظّهور أصلا. وظهورات الظّلال ومرآتيّة المثال الّتي هي مخصوصة بالدّنيا معدودة عند الفقير من الامور الدّنيويّة وداخلة في الحقيقة في دائرة الإمكان سواء قيل لتلك الظّهورات تجلّيات الأسماء أو تجلّيات الصّفات أو تجلّيات الذّات تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا وأنأ الفقير متى ألاحظ الدّنيا بالتّمام أجدها خالية محضة ولا يصل منها إلى مشامّي رائحة المطلوب غاية ما في الباب أنّها مزرعة الآخرة فطلب المطلوب فيها إتعاب النّفس وإهلاكها على العبث أو زعم غير المطلوب مطلوبا والأكثرون مبتلون بذلك ومطمئنّون بالمنام والخيال والّذي فيه شيء من الأصل وما يعطى رائحة من المطلوب في هذا الموطن الصّلاة ودونها خرط القتاد.
المكتوب الرّابع والسّتّون والمائتان إلى السّيّد باقر السّهارنفوريّ في بيان لزوم جرّ المعاملة نحو الحيرة والجهالة وعدم الإعتماد على الأحوال والكشوف وذكر واقعة بعض مشائخ النّواحي الّتي كان حكاها له وتعبيرها في ضمن ذلك الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد أورثت الصّحيفة الشّريفة الصّادرة عن فرط المحبّة وكمال الإشتياق فرحا وافرا وعليكم بالتّوجّه والإقبال على الأمر الّذي يقتضيه الحال والإشتغال بذكر اسم الذّات من غير ملاحظة الأسماء والصّفات حتّى تنجرّ المعاملة إلى الجهالة وينتهي الأمر إلى الحيرة فإنّ ملاحظة الأسماء والصّفات كثيرا ما تكون باعثة على ظهور الأحوال وواسطة للوجد والتّواجد ولعلّك سمعت أنّ احتمال الخطأ في الأحوال والمواجيد كثير واشتباه الحقّ بالباطل في ذلك الموطن وافر وقد أرسل واحد من مشائخ النّواحي قاصدا إلى هذا الفقير في هذه الأيّام مظهرا أحواله وقال: قد بلغ الفناء والإضمحلال مرتبة كلّ شيء نظرت إليه لا أجده أنظر إلى السّماء والأرض فلا أجدهما ولا أجد العرش ولا الكرسيّ وألا حظني فلا أجد أصلا وأذهب عند شخص فلا أجده والله سبحانه لا نهاية له وما وجد أحد نهايته وقد اعتقد المشائخ هذا الحال كمالا فإن كنت أنت أيضا تعتقد كذلك فلأيّ شيء أجيء عندك لطلب الحقّ جلّ وعلا وإن كنت تعرف أمرا كمالا غيره فاكتب لي كتابا فكتبت في جوابه أنّ هذه الأحوال من تلوينات القلب والقلب أوّل درجة من درجات هذا الطّريق وصاحب هذه الأحوال طوى ربعا واحدا من أحوال القلب وينبغي له أن يطوي ثلاثة أرباعه الباقية وبعد ذلك ينبغي أن يعرج إلى الدّرجة الثّانية الّتي هي عبارة عن الرّوح ثمّ إلى ما شاء الله وبعد مدّة من هذه الكتابة قدم واحد من اصحاب الفقير وكان متوجّها إلى وطنه بعد أخذ الطّريقة ولمّا بيّن أحواله صار معلوما لي أنّ حاله موافق لحال ذلك الشّيخ المستفسر بل هو أسبق قدما منه ولمّا نظرت إلى حاله وأمعنت النّظر ظهر لي أنّ فناءه واضمحلاله في عنصر الهواء الّذي هو محيط لجميع ذرّة من الذّرّات وليس المشهود غير الهواء وقد زعمه إلها لا نهاية له تعالى الله سبحانه عن ذلك علوّا كبيرا ولمّا فتّشت عن أحواله مرّة ثانية أيقنت أنّ ابتلاءه ليس أمرا آخر غير الهواء فأطلعته أيضا على هذا المعنى ولمّا رجع هو إلى وجدانه علم أنّ حاصله ليس غير الهواء فاستغفر من هذه الأحوال ورفع قدمه فوق هذا الحال. (اعلم) أنّ القلب برزخ بين عالم الخلق الّذي هو عالم العناصر الأربعة وبين عالم الأرواح وفيه وصف ولون من كلا العالمين فكان نصف القلب من عالم الخلق ونصفه الآخر من عالم الأرواح فإذا نصّفنا نصفه النّاظر إلى عالم الخلق تقع المعاملة على عنصر الهواء فيكون ربع القلب عبارة عن مقام الهواء الّذي تضمّنه القلب فما ظهر ثانيا موافق للجواب الأوّل وبيان لكشف حقيقته. الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ ولم يسع الوقت زيادة على ذلك والسّلام عليكم وعلى من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها.
المكتوب الخامس والسّتّون والمائتان إلى الشّيخ عبد الهادي في التّحذير عن تضييع حقوق المسلمين بالعزلة وبيان الحقوق اللّازمة رعايتها وما يناسب ذلك بعد الحمد والصّلاة وتبليغ الدّعوات أنهي أنّ مكتوب الأخ الأرشد قد وصل فأورث فرحا وافرا لله سبحانه الحمد والمنّة على ما لم يؤثّر تمادي أيّام المفارقة في المحبّة والإخلاص والمودّة والإختصاص ومع ذلك لو أتى بنفسه لكان أنسب, الخير فيما صنعه الله سبحانه وقد تمنّى العزلة نعم إنّ العزلة منية الصّدّيقين ولك الخيار في العزلة والإنزواء ونرجو أن تكون مباركة ولكن ينبغي أن لا تضيع مراعات حقوق المسلمين قال النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " حقّ المسلم على المسلم خمس ردّ السّلام وعيادة المريض واتّباع الجنائز وإجابة الدّعوة وتشميت العاطس " ولكن في إجابة الدّعوة شرائط في الإحياء ويمتنع من الإجابة إن كان الطّعام طعام شبهة وفي الموضع منكر من فرش ديباج وأواني فضّة وتماثيل على سقف أو سماع شيء من المزامير والملاهي أو التّشاغل بنوع من اللهو واللّعب وكلّ ذلك ممّا يمنع الإجابة ويوجب تحريمها وكراهتها وكذلك إن كان الدّاعي ظالما أو مبتدعا أو فاسقا أو شريرا أو متكلّفا طالبا للمباهاة والفخر وفي شرعة الإسلام ولا يجيب إلى طعام صنع رياء وسمعة في المحيط لا ينبغي أن يقعد على مائدة إذا كان عليها لعب وغناء أو قوم يغتابون أو يشربون الخمر كذا في مطالب المؤمنين فإن كانت هذه الموانع كلّها مفقودة لا بدّ حينئذ من الإجابة وإن كان فقدان هذه الموانع عسيرا في هذا الزّمان. (وأيضا) ينبغي أن يعلم أنّ العزلة إنّما تكون من الأغيار لا من الأحباب فإنّ الصّحبة مع محارم الأسرار سنّة مؤكّدة في هذه الطّريقة العليّة قال الخواجه النّقشبند قدّس سرّه: طريقنا طريق الصّحبة فإنّ في الخلوة شهرة وفي الشّهرة آفة والمراد بالصّحبة صحبة أهل الطّريق لا صحبة المنكرين والمخالفين لأنّهم اشترطوا نفي كلّ من المصاحبين نفسه وفناءه في الآخر وهذا لا يتيسّر بدون الموافقة. وعيادة المريض سنّة إن كان للمريض متعهّد وممرّض والّا فهى واجبة كما ذكر في حاشية المشكاة وينبغي أن يحضر صلاة الجنازة وأن يشيّع الجنازة ولو خطوات ليؤدّي حقّ الميّت. وحضور الجمع والجماعات في الأوقات الخمسة وصلاة العيدين من ضروريّات الإسلام لا بدّ منها ثمّ يصرف بقيّة الأوقات إلى ذكر المولى بالتّبتّل والانقطاع ولكن ينبغي أن يصحّح النّيّة أوّلا وأن لا يلوّث العزلة بلوث غرض من الأغراض العاجلة أصلا وأن لا يكون مقصد غير تحصيل جمعيّة الباطن بذكر الله جلّ سلطانه والإعراض عن الإشتغال بما لا طائل فيه وجميع الملاهي قطعا. وينبغي أن يحتاط في تصحيح النّيّة غاية الإحتياط لئلّا يختفي ويتكمّن في ضمنها غرض نفسانيّ وأن يلتجئ ويتضرّع إلى الله تعالى في هذا التّصحيح كثيرا وأن يكون في مقام العجز والإنكسار فحينئذ يحتمل أن تتحقّق حقيقة النّيّة والحاصل ينبغي أن يختار العزلة بنيّة صادقة صحيحة بعد تكرار الإستخارة سبع مرّات فيرجى حينئذ أن تترتّب عليه ثمرات عظيمة وبقيّة الأحوال أخّرنا خبرها إلى وقت الملاقاة والسّلام.
المكتوب السّادس والسّتّون والمائتان إلى المخدومين المكرّمين أعني ابني شيخه الخواجه عبد الله والخواجه عبيد الله في بيان بعض المسائل الكلاميّة على وفق آراء اهل السّنّة والجماعة وقد ظهرت له على طريق الكشف والإلهام لا على وجه الظّنون والأوهام والرّدّ على الفلاسفة وأتباعهم المتفلسفة وعلى الزّنادقة والملاحدة المتشبّهين بالصّوفيّة وبيان بعض المسائل المتعلّقة بالصّلاة ومدح الطّريقة النّقشبنديّة والمنع من سماع الغناء وحضور مجلس الرّقص وما يناسب ذلك بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليعلم المخاديم الكرام أنّ هذا الفقير مستغرق من القدم إلى الرّأس في إحسان والدكم الماجد حيث تعلّمت درس ألف با في هذا الطّريق منه وأخذت عنه سائر تهجّي حروف هذا الطّريق وحصلت ببركة صحبته دولة اندراج النّهاية في البداية وبصدق خدمته وجدت السّفر في الوطن وتوجّهه الشّريف بلّغ هذا الفقير عديم القابليّة إلى النّسبة النّقشبنديّة في مدّة شهرين ونصف ومنحه الحضور الخاصّ بهؤلاء الأكابر وكيف أشرح أم كيف أبيّن تفصيل ما حصل في هذه المدّة القليلة من التّجلّيات والظّهورات والأنوار والألوان واللّالونيّة واللّاكيفيّة بتطفّله ولم يبق بتوجّهه الشّريف دقيقة من دقائق معارف التّوحيد والاتّحاد والقرب والإحاطة والسّريان غير منكشفة لهذا الفقير وغير مطّلع هو عليها وماذا يكون شهود الوحدة في الكثرة ومشاهدة الكثرة في الوحدة فإنّهما من مقدّمات هذه المعارف ومباديها وإجراء اسم هذه المعارف على اللّسان في جنب نسبة النّقشبنديّة والحضور الخاصّ بهؤلاء الأكابر وبيان علامة هذا الشّهود والمشاهدة كلّ ذلك من قصور النّظر. ومعاملة هؤلاء الأكابر عالية جدّا لا نسبة لها بكلّ زرّاق ورقّاص فإذا نلت مثل هذه الدّولة العظمى من حضرة شيخنا لا يمكن لي أداء حقّ شيء منها ولو مسحت رأسي مدّة عمري على أقدام خدّام عتبتكم العليّة فماذا أعرض عليكم من تقصيراتي وماذا أظهر لكم من انفعالاتي ولكن جزى الله سبحانه عنّا الخواجه حسام الدّين أحمد خير الجزاء حيث كفانا المؤنة وشدّ نطاق الهمّة في خدمة خدّام العتبة العليّة وخلّص أمثالنا القاصرين من ذلك، شعر: فلو أنّ لي في كلّ منبت شعرة . لسانا يبثّ الشّكر كنت مقصّرا وقد تشرّفت بتقبيل عتبة شيخنا ثلاث مرّات وقال للفقير في المرّة الأخيرة: إنّه قد غلب الضّعف على بدني ورجاء الحياة قليل ينبغي لك الاستخبار عن أحوال الأطفال وأمر بإحضاركم لديه وكنتم وقتئذ في حجور المرضعات وأمر الفقير بالتّوجّه إليكم فتوجّهت إليكم في حضوره امتثالا لأمره حتّى ظهر أثر ذلك التّوجّه في الظّاهر ثمّ قال: توجّه إلى والداتهم أيضا بالتّوجّه الغائبيّ فتوجّهت إليهنّ أيضا حسب الأمر والمرجوّ أن يكون ذلك التّوجّه مثمرا للنّتائج ببركة حضوره الشّريف ولا تحسبنّ أنّه قد وقع الذّهول عن أمره الواجب الإمتثال أو طرأ التّغافل عن وصيّته اللّازمة الإجراء على كلّ حال كلّا بل انتظر الإشارة والإذن. وأردت الآن أن أكتب فقرات بطريق النّصيحة ينبغي استماعها بسمع العقل. (أسعدكم الله) سبحانه انّ أوّل ما افترض على العقلاء تصحيح العقائد بموجب آراء أهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم فإنّهم هم الفرقة النّاجية ولنبيّن بعض المسائل الإعتقاديّة الّتي فيها نوع خفاء.
(يجب أن يعلم) أنّ الله تعالى موجود بذاته المقدّسة والأشياء كلّها موجودة بإيجاده تعالى وأنّه تعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله لا شركة لأحد معه تعالى في أمر من الأمور أصلا لا في الوجود ولا في غيره والمناسبة الإسميّة والمشاركة اللّفظيّة خارجة عن المبحث وصفاته وأفعاله تعالى منزّهة عن المثل والكيف كذاته تعالى لا مناسبة بينها وبين صفات الممكنات وأفعالها فإنّ صفة العلم مثلا له تعالى صفة قديمة بسيطة حقيقيّة لم يتطرّق إليها تعدّد وتكثّر أصلا ولو باعتبار تعدّد التّعلّقات لأنّ هناك انكشاف واحد بسيط انكشفت به المعلومات الأزليّة والأبديّة وعلم به جميع الأشياء بأحوالها المتناسبة والمتضادّة وكلّيّاتها وجزئيّاتها مع الأوقات المخصوصة بكلّ واحد منها في آن واحد بسيط على وجه يعلم زيدا مثلا في ذلك الآن موجودا ومعدوما وجنينا وصبيّا وشابّا وشيخا وحيّا وميّتا وقائما وقاعدا ومستندا ومضطجعا وضاحكا وباكيا ومتلذّذا ومتألّما وعزيزا وذليلا وفي البرزخ وفي الحشر وفي الجنّة وفي التّلذّذات فيكون تعدّد التّعلّق أيضا مفقودا في ذلك الموطن فإنّ تعدّد التّعلّقات يستدعي تعدّد الآنات وتكثّر الأزمنة وليس ثمّة الّا آن واحد بسيط من الأزل إلى الأبد لا تعدّد فيه أصلا إذ لا يجري عليه تعالى زمان ولا تقدّم ولا تأخّر فإذا أثبتنا لعلمه تعالى تعلّقا بالمعلومات يكون ذلك تعلّق واحد ويصير به متعلّقا بجميع المعلومات وذلك التّعلّق أيضا مجهول الكيفيّة ومنزّه عن المثال والكيف كصفة العلم. (ولندفع) استبعاد هذا التّصوير بضرب مثل (وأقول) إنّه يجوز أن يعلم شخص الكلمة مع أقسامها المتباينة وأحوالها المتغايرة واعتباراتها المتضادّة في وقت واحد فيعلم الكلمة في ذلك الوقت اسما وفعلا وحرفا وثلاثيّا ورباعيّا ومعربا ومبنيّا ومتمكّنا وغير متمكّن ومنصرفا وغير منصرف ومعرفة ونكرة وماضيا ومستقبلا وأمرا ونهيا بل يجوز أن يقول ذلك الشّخص إنّي أرى هذه الأقسام والإعتبارات في مراتب الكلمة في وقت واحد بالتّفصيل فإذا كان جمع الأضداد متصوّرا في علم الممكن كيف يكون مستبعدا في علم الواجب ولله المثل الأعلى. (ينبغي) أن يعلم: أنّ هنا وإن كان جمع الضّدّين صورة ولكنّ الضّدّيّة مفقودة بينها في الحقيقة فإنّه تعالى وإن علم زيدا موجودا ومعدوما في آن واحد ولكنّه تعالى علم في ذلك الآن أنّ وقت وجوده مثلا بعد ألف سنة من الهجرة ووقت عدمه السّابق قبل تلك السّنة المعيّنة ووقت عدمه اللّاحق بعد ألف ومائة سنة فلا تضادّ بينهما في الحقيقة لتغاير الزّمان وعلى هذا القياس سائر الأحوال فافهم. (فاتّضح) من هذا التّحقيق أنّ علمه تعالى لا يتطرّق إليه شائبة التّغيّر بتعلّقه بالجزئيّات المتغيّرة ولا تتوهّم مظنّة الحدوث فيه كما زعمت الفلاسفة فإنّ التّغيّر إنّما يتصوّر على تقدير تعلّق علمه تعالى بواحد بعد الآخر وأمّا إذا تعلّق علمه تعالى بالكلّ في آن واحد فلا يتصوّر فيه التّغيّر والحدوث فلا حاجة حينئذ إلى إثبات تعلّقات متعدّدة له حتّى يكون التّغيّر والحدوث راجعا إلى تلك التّعلّقات لا إلى صفة العلم كما فعله بعض المتكلّمين لدفع شبهة الفلاسفة نعم إذا أثبتنا تعدّد التّعلّقات في جانب المعلومات فله مساغ وكذلك كلامه تعالى واحد بسيط وهو تعالى متكلّم بهذا الكلام الواحد من الأزل إلى الأبد فإن أمرا فناش من هناك وإن نهيا فناش أيضا من هناك وإن إعلاما فمأخوذ أيضا من هناك وإن استعلاما فمن هناك وإن تمنّيا فمستفادا من هناك وإن ترجّيا فمن هناك أيضا وجميع الكتب المنزّلة والصّحف المرسلة ورقة من ذلك الكلام البسيط فإن توراة فهي منتسخة منه وإن إنجيلا فمن هناك أخذ صورة الألفاظ وإن زبورا فمن هناك مسطور وإن قرآنا فمنزّل من هناك شعر: لكلام مولانا الإله واحد .
حقّا ولكنّ في النّزول تعدّدا وكذلك فعله تعالى واحد وجميع المصنوعات موجودة بهذا الفعل الواحد وقوله تعالى (وما أَمْرُنا إِلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) إشارة إلى هذا المعنى والإحياء والإماتة مربوطان بهذا الفعل والإيلام والإنعام منوطان أيضا بهذا الفعل وكذلك الإيجاد والإعدام ناشئان من هذا الفعل فلا يثبت تعدّد التّعلّقات في فعله تعالى أيضا بل المخلوقات الماضية والآتية موجودة في أوقاتها المخصوصة بوجودها بتعلّق واحد وهذا التّعلّق أيضا مجهول الكيفيّة ومعدوم المثليّة كنفس فعله تعالى فإنّه لا سبيل إلى المنزّه عن الكيف للمكيّف بالكيفيّة لا يحمل عطاياه الّا مطاياه ولمّا لم يطّلع الأشعريّ على حقيقة فعل الحقّ جلّ سلطانه قال بحدوث التّكوين وحدوث أفعاله تعالى ولم يدر أنّ هذه الحادثات آثار فعله تعالى الأزليّ لا نفس أفعاله. ومن هذا القبيل ما أثبته بعض الصّوفيّة من تجلّي الأفعال حيث لم ير في ذلك الموطن في مرآة أفعال الممكنات غير فعل الفاعل الحقيقيّ جلّ سلطانه وذلك التّجلّي في الحقيقة تجلّي آثار فعل الحقّ سبحانه لا تجلّي فعله تعالى الّذي هو منزّه عن المثال والكيف وقديم وقائم بذاته تعالى ويقال له التّكوين لا تسعه مرايا المحدثات ولا ظهور له في مظاهر الممكنات شعر: در تنكناى صورت معنى ? كونه كنجد . در كلبهء كدايان سلطان ? ه كار دارد وتجلّي الأفعال والصّفات بدون تجلّي الذّات غير متصوّر عند الفقير فإنّه لا انفكاك للأفعال والصّفات عن حضرة الذّات أصلا حتّى يتصوّر تجلّيها بدون تجلّي الذّات وما هو منفكّ عن الذّات تعالت وتقدّست ظلال الأفعال والصّفات فيكون تجلّي ذلك المنفكّ تجلّي ظلال الأفعال والصّفات لا تجلّي الأفعال والصّفات ولكن لا يدرك فهم كلّ أحد هذا الكمال ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ولنرجع إلى أصل الكلام ونقول: إنّه تعالى لا يحلّ في شيء ولا يحلّ فيه شيء ولكنّه تعالى محيط بالأشياء وله سبحانه قرب منها ومعيّة بها وليست تلك الإحاطة والقرب والمعيّة الّتي ندركها بأفهامنا القاصرة فإنّها لا تليق بجناب قدسه تعالى وكلّ شيء يدرك بالكشف والشّهود فهو تعالى منزّه عن ذلك أيضا، فإنّه لا نصيب للممكن من حقيقة ذاته، وصفاته وأفعاله تعالى غير الجهل والحيرة ينبغي الإيمان بالغيب ونفي ما يكون منكشفا ومشهودا بكلمة لا، شعر: هيهات عنقاء أن يصطاده أحد . فدع عناك وكن من ذاك في دعة وبيت مثنويّ حضرة شيخنا مناسب لهذا المقام حيث قال (شعر): وذا إيوان الإستغناء عال . فإيّاكم وطمعا في الوصال فنؤمن بأنّه تعالى محيط بالأشياء وقريب منها وأنّه معها ولكن لا نعرف معنى إحاطته وقربه ومعيّته " إنّه ما هو». والقول بالإحاطة والمعيّة العلميّين من تأويلات المتشابه ونحن لسنا بقائلين بتأويله وإنّه تعالى لا يتّحد بشيء أصلا ولا يتّحد به شيء أصلا وما يفهم من عبارات بعض الصّوفيّة من معنى الإتّحاد فهو خلاف مرادهم لأنّ مرادهم بهذا الكلام الموهم للاتّحاد أعني قولهم إذا تمّ الفقر فهو الله هو أنّ الفقر إذا تمّ وحصل الإضمحلال الصّرف والطّمس المحض لا يبقى الّا الله سبحانه وتعالى لا أنّ ذلك الفقير يتّحد بالله ويصير إلها فإنّه كفر وزندقة تعالى الله سبحانه عمّا يتوهّم الظّالمون علوّا كبيرا. (قال) حضرة شيخنا قدّس سرّه: ليس معنى عبارة أنا الحقّ بأنّي حقّ بل معناه أنا معدوم والموجود هو الحقّ سبحانه ولا سبيل للتّغيّر والتّبدّل إلى ذاته وصفاته وأفعاله تعالى فسبحان من لا يتغيّر بذاته ولا بصفاته ولا بأفعاله بحدوث الأكوان وما أثبته الصّوفيّة الوجوديّة من التّنزّلات الخمسة فليس هي من قبيل التّبدّل والتّغيّر في مرتبة الوجوب فإنّ القول به وإثباته كفر وضلالة بل اعتبروا هذه التّنزّلات في مراتب ظهورات كماله تعالى من غير أن يتطرّق إلى ذاته وصفاته وأفعاله تغيّر وتبدّل.
وانّه تعالى غنيّ مطلق لا يحتاج إلى شيء أصلا لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله في أمر من الامور فكما أنّه تعالى غير محتاج في الوجود كذلك هو غير محتاج في الظّهور وما يفهم من عبارات بعض الصّوفيّة من أنّه تعالى محتاج في الوجود كذلك هو غير محتاج في الظّهور وما يفهم من عبارات بعض الصّوفيّة من أنّه تعالى محتاج إلينا في ظهور كمالاته الأسمائيّة والصّفاتيّة هذا الكلام ثقيل على الفقير جدّا واعتقادي أنّ المقصود من خلق الخلائق وإيجاد الموجودات حصول الكمالات لهم لا حصول كمال عائد إلى جناب قدسه تعالى وتقدّس. وقوله تعالى (وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ) أي ليعرفون، مؤيّد لهذا المعنى فالمقصود من خلق الجنّ والإنس حصول المعرفة لهم الّتي هي كمالهم لا أمر يكون عائدا إلى جناب قدس الحقّ سبحانه وما ورد في الحديث القدسيّ من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فخلقت الخلق لأعرف " فالمراد هنا أيضا معرفتهم لا أنّه يكون الحقّ سبحانه معروفا ويحصل له الكمال بمعرفتهم إيّاه تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. وإنّه تعالى منزّه ومبرّأ عن جميع صفات النّقص وسمات الحدوث وليس بجسم ولا جسمانيّ ولا مكانيّ ولا زمانيّ وله تعالى جميع صفات الكمال ثمانية منها وجودها زائد على وجود الذّات تعالت وتقدّست وهي الحيات والعلم والقدرة والإرادة والبصر والسّمع والكلام والتّكوين وهذه الصّفات الثّمان موجودة في الخارج لا إنّها موجودة في العلم بوجود زائد على وجود الذّات وفي الخارج عينها كما ظنّه بعض الصّوفيّة وقال:، (شعر): وصفات حقّ في التّعقّل غير ذا . ت الحقّ لكن في التّحقّق عينها فإنّ هذا في الحقيقة نفي الصّفات فإنّ نفاة الصّفات مثل المعتزلة والفلاسفة أيضا قائلون بالتّغاير العلميّ والإتّحاد الخارجيّ ولم ينكروا التّغاير العلميّ ولم يقولوا إنّ مفهوم العلم عين مفهوم الذّات أو عين مفهوم القدرة والإرادة بل قالوا بالعينيّة باعتبار الوجود الخارجيّ فما لم يعتبروا تغاير الوجود الخارجيّ لا يخرجون من زمرة نفاة الصّفات والقول بالتّغاير الاعتباريّ أعني بحسب المفهوم والتّعقّل لا يجديهم نفعا كما عرفت. وإنّه تعالى قديم أزليّ ليس لغيره تعالى قدم ولا أزليّة أجمع جميع المليّين على هذا الحكم فمن قال بقدم غير الحقّ سبحانه وأزليّته فقد كفر ومن هذه الحيثيّة كفّر الإمام الغزاليّ رحمة الله ابن سينا والفارابيّ وغيرهما فإنّهم قائلون بقدم العقول والنّفوس وقدم الهيولى والصّورة وقال أيضا بقدم السّموات بما فيها وقال حضرة شيخنا قدّس سرّه: إنّ الشّيخ محيي الدّين ابن عربيّ قائل بقدم أرواح الكمّل فينبغي صرف هذا الكلام عن ظاهره وأن يجعله محمولا على التّأويل لئلّا يكون مخالفا لإجماع أهل الملل.
وإنّه تعالى قادر مختار منزّه عن شائبة الإيجاب ومبرّأ عن مظنّة الإضطرار، والفلاسفة الحمقاء نفوا الاختيار من الواجب تعالى وأثبتوا الإيجاب له سبحانه زعما منهم أنّ الكمال في الإيجاب وهؤلاء السّفهاء قد جعلوا الواجب تعالى معطّلا ومهملا ولم يقولوا بصدور غير مصنوع واحد عن خالق السّموات والأرض وهو أيضا صادر عندهم بالإيجاب ونسبوا وجود المحدثات إلى العقل الفعّال الّذي لم يثبت وجوده في غير توهّمهم ولا شغل لهم ولا تعلّق بالحقّ سبحانه وتعالى في زعمهم الفاسد أصلا فيلزمهم بالضّرورة أن يلتجئوا وقت الإضطرار إلى العقل الفعّال وأن لا يرجعوا إلى الحقّ سبحانه وتعالى أصلا فإنّه لا مدخل له تعالى في وجود الحوادث على زعمهم بل القائم بإيجاد الحوادث هو العقل الفعّال بل ينبغي أن لا يرجعوا إلى العقل الفعّال (وأيضا) لأنّه لا اختيار له أيضا في دفع بليّاتهم بزعمهم وهؤلاء الأشقياء أسبق قدما في الخبط والبلاهة من جميع الفرق الضّالّة فإنّ الكفّار يلتجئون إلى الله تعالى ويطلبون منه دفع البليّة بخلاف هؤلاء السّفهاء وفيهم شيئان زائدان على ما في الفرق الضّالّة أرباب البلاهة أحدهما كفرهم بالأحكام المنزّلة وإنكارهم عليها ومعاندتهم ومعاداتهم للأخبار المرسلة وثانيهما ترتيب المقدّمات الفاسدة وتلبيس الدّلائل والشّواهد الباطلة في إثبات مقاصدهم ومطالبهم الواهية والخبط الّذي صدر عنهم في إثبات مقاصدهم لم يصدر من سفيه أصلا حيث جعلوا مدار الأمر على حركات السّموات والكواكب وأوضاعها مع أنّها متحيّرات ومضطربات في جميع الأوقات وغمّضوا عيونهم عن خالق السّموات وموجد الكواكب ومحرّكها ومدبّر أمورهم واستبعدوا إسناد الحوادث إليه تعالى بالذّات وأبوا عنه ما أبعدهم عن العقل ما أخذلهم وما أحرمهم من السّعادة وأشدّ منهم سفها وأكثر حماقة من يزعمهم أذكياء وأرباب فطانة ومن علومهم المنتظمة علم الهندسة وهو لا يغني شيئا ولا طائل فيه أصلا في أيّ شيء يلزم وماذا يفيد مساوات الزّوايا الثّلاث القائمة من الشّكل المثلّث وأيّ غرض مربوط بالشّكل العروسيّ والشّكل المأمونيّ اللّذين هما بمثابة أرواحهم، وعلم الطّبّ وعلم النّجوم وعلم تهذيب الأخلاق الّتي هي أشرف علومهم كلّ منها مسروق من كتب الأنبياء المتقدّمين على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام روّجوا بها أباطيلهم كما صرّح به الإمام الغزاليّ في المنقذ عن الضّلال ولا ضرر أنّ غلط أهل الملّة واتباع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام في الدّلائل والبراهين لأنّ مدار أمرهم على متابعة الأنبياء عليهم السّلام وإنّما يوردون البراهين والدّلائل في إثبات مطالبهم العالية على سبيل التّبرّع والّا يكفيهم تقليدهم إيّاهم وهؤلاء الأشقياء أخرجوا رقابهم عن ربقة التّقليد وصاروا في صدد الإثبات بالدّلائل فضّلوا وأضلّوا. ولمّا وصلت دعوة عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام إلى أفلاطون وكان هو أكبر هؤلاء الخذلة قال نحن قوم مهديّون لا حاجة بنا إلى من يهدينا ما أسفهه وما أشقاه حيث أدرك شخصا يحيي الأموات ويبرّئ الأكمه والأبرص كلّ ذلك خارج عن طور حكمتهم ومع ذلك أجابه بهذا الجواب من غير رؤيته وتفطّن أحواله وملاحظة سيرته وذلك من كمال العناد والسّفاهة، شعر الفلسفة سفة أكثرها وكذا . مجموعها إذ لكلّ حكم أكثره نجّانا الله سبحانه عن ظلمات معتقداتهم السّوء وقد أتمّ ولدي محمّد معصوم مبحث الجواهر من شرح المواقف في هذه الأيّام واتّضح قبائح هؤلاء السّفهاء في أثناء درسه وترتّبت على ذلك فوائد، الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ. وعبارات الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ قدّس سرّه أيضا ناظرة إلى الإيجاب وله موافقة للفلاسفة في معنى القدرة حيث لا يجوّز صحّة التّرك للقادر المختار بل يعتقد لزوم جانب الفعل والعجب أنّ الشّيخ يرى في النّظر يعني نظر الكشف من المقبولين، وأكثر علومه الّتي تخالف آراء أهل الحقّ تظهر خطأ غير صواب ولعلّه كان معذورا في الخطأ الكشفيّ وارتفعت عنه الملامة عليه مثل الخطأ الإجتهاديّ وهذا اعتقاد خاصّ بالفقير في حقّ الشّيخ اعتقده من المقبولين وأرى علومه المخالفة خطأ ومضرّة.