Qur'an&Sunnahالقرآن

Taberî — Câmiü'l-Beyân

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ) · AR

قسم V04/P470–V04/P471Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V04/P470–V04/P471)

قال: روح من الله يتكلم إذا اختلفوا في شيء تكلم، فأخبرهم ببيان ما يريدون " 04P471 حدثنا محمد بن عسكر، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا بكار بن عبد الله أنه سمع وهب بن منبه، فذكر نحوه وقال آخرون: السكينة: ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليه ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: " سألت عطاء بن أبي رباح، عن قوله: " {فيه سكينة من ربكم} [البقرة: 248] الآية. قال: أما السكينة: فما تعرفون من الآيات تسكنون إليها " وقال آخرون: السكينة: الرحمة ذكر من قال ذلك: حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {فيه سكينة من ربكم} [البقرة: 248] أي رحمة من ربكم " وقال آخرون: السكينة: هي الوقار ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {فيه سكينة من ربكم} [البقرة: 248] أي وقار " 04P472 وأولى هذه الأقوال بالحق في معنى السكينة، ما قاله عطاء بن أبي رباح، من الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات التي تعرفونها. وذلك أن السكينة في كلام العرب الفعيلة من قول القائل: سكن فلان إلى كذا وكذا: إذا اطمأن إليه وهدأت عنده نفسه، فهو يسكن سكونا وسكينة، مثل قولك: عزم فلان هذا الأمر عزما وعزيمة، وقضى الحاكم بين القوم قضاء وقضية، ومنه قول الشاعر: لله قبر غالها ماذا يجن لقد أجن سكينة ووقارا وإذا كان معنى السكينة ما وصفت، فجائز أن يكون ذلك على ما قاله علي بن أبي طالب على ما روينا عنه، وجائز أن يكون ذلك على ما قاله مجاهد على ما حكينا عنه، وجائز أن يكون ما قاله وهب بن منبه، وما قاله السدي ؛ لأن كل ذلك آيات كافيات تسكن إليهن النفوس وتثلج بهن الصدور. وإذا كان معنى السكينة ما وصفنا، فقد اتضح أن الآية التي كانت في التابوت التي كانت النفوس تسكن إليها لمعرفتها بصحة أمرها إنما هي مسماة بالفعل، وهي غيره لدلالة الكلام عليه 04P471

قسم V04/P471–V04/P475Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V04/P471–V04/P475)

[البقرة: 248] القول في تأويل قوله تعالى: {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} [البقرة: 248] يعني تعالى ذكره بقوله: {وبقية} [البقرة: 248] الشيء الباقي من قول القائل: قد بقي من هذا الأمر بقية، وهي فعلية منه، نظير السكينة من سكن. وقوله: {مما ترك آل موسى وآل هارون} [البقرة: 248] يعني به: من تركة آل موسى، وآل هارون. 04P473 واختلف أهل التأويل في البقية التي كانت بقيت من تركتهم، فقال بعضهم: كانت تلك البقية عصا موسى، ورضاض الألواح ذكر من قال ذلك: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال: أحسبه عن ابن عباس، أنه قال في هذه الآية: " {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} [البقرة: 248] قال: رضاض الألواح " حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال داود: وأحسبه عن ابن عباس، مثله حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، في هذه الآية: " {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} [البقرة: 248] قال: عصا موسى، ورضاض الألواح " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} [البقرة: 248] قال: فكان في التابوت عصا موسى، ورضاض الألواح، فيما ذكر لنا " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} [البقرة: 248] قال: البقية: 04P474 عصا موسى، ورضاض الألواح " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} [البقرة: 248] أما البقية فإنها عصا موسى، ورضاضة الألواح " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، " {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} [البقرة: 248] عصا موسى، وأمور من التوراة " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، في هذه الآية: " {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} [البقرة: 248] قال: التوراة، ورضاض الألواح، والعصا " قال إسحاق: قال وكيع: ورضاضه: كسره " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة، في قوله: " {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} [البقرة: 248] قال: رضاض الألواح " وقال آخرون: بل تلك البقية: عصا موسى، وعصا هارون، وشيء من الألواح ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن ابن أبي خالد، عن أبي صالح: " {أن يأتيكم التابوت، فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} [البقرة: 248] قال: كان فيه عصا موسى، وعصا هارون، ولوحان من التوراة، والمن " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي، عن عطية بن سعد، في قوله: " {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} [البقرة: 248] قال: عصا موسى، وعصا هارون، وثياب موسى، وثياب هارون، ورضاض الألواح " وقال آخرون: بل هي العصا والنعلان ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: " سألت الثوري، عن قوله: " {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} [البقرة: 248] قال: منهم من يقول: البقية: قفيز من من، ورضاض الألواح. ومنهم من يقول: العصا والنعلان " وقال آخرون: بل كان ذلك العصا وحدها ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا بكار بن عبد الله، قال: قلنا لوهب بن منبه: " ما كان فيه؟ يعني في التابوت.

قسم V04/P475–V04/P476Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V04/P475–V04/P476)

قال: كان فيه عصا موسى، والسكينة " وقال آخرون: بل كان ذلك رضاض الألواح وما تكسر منها ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس، في قوله: " {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } [البقرة: 248] قال: كان موسى حين ألقى الألواح تكسرت ورفع منها، فجعل الباقي في ذلك التابوت " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: " سألت عطاء بن أبي رباح، عن قوله: " {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} [البقرة: 248] العلم، والتوراة " وقال آخرون: بل ذلك الجهاد في سبيل الله ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبد الله بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} [البقرة: 248] يعني بالبقية: القتال في سبيل الله، وبذلك قاتلوا مع طالوت، وبذلك أمروا " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن التابوت الذي جعله آية لصدق قول نبيه صلى الله عليه وسلم لأمته: {إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا} [البقرة: 247] أن فيه سكينة منه، وبقية مما تركه آل موسى وآل هارون. وجائز أن يكون تلك البقية: العصا، وكسر الألواح، والتوراة، أو بعضها والنعلين، والثياب، والجهاد في سبيل الله وجائز أن يكون بعض ذلك. وذلك أمر لا يدرك علمه من جهة الاستخراج، ولا اللغة، ولا يدرك علم ذلك إلا بخبر يوجب عنه العلم، ولا خبر عند أهل الإسلام في ذلك للصفة التي وصفنا. وإذ كان كذلك، فغير جائز فيه تصويب قول وتضعيف آخر غيره، إذ كان جائزا فيه ما قلنا من القول 04P477

قسم V04/P476–V04/P479Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V04/P476–V04/P479)

[البقرة: 248] القول في تأويل قوله تعالى: {تحمله الملائكة} [البقرة: 248] 04P478 اختلف أهل التأويل في صفة حمل الملائكة ذلك التابوت، فقال بعضهم: معنى ذلك: تحمله بين السماء والأرض حتى تضعه بين أظهرهم ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: «جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه، حتى وضعته عند طالوت» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " لما قال لهم: يعني النبي لبني إسرائيل: {والله يؤتي ملكه من يشاء} [البقرة: 247] قالوا: فمن لنا بأن الله هو آتاه هذا، ما هو إلا لهواك فيه؟ قال: إن كنتم قد كذبتموني واتهمتموني {إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم} [البقرة: 248] الآية. قال: فنزلت الملائكة بالتابوت نهارا ينظرون إليه عيانا، حتى وضعوه بين أظهرهم، فأقروا غير راضين، وخرجوا ساخطين. وقرأ حتى بلغ: {والله مع الصابرين} [البقرة: 249] " حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: " لما قال لهم نبيهم: {إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم} [البقرة: 247] قالوا: فإن كنت صادقا، فأتنا بآية أن هذا ملك قال {إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة} [البقرة: 248] وأصبح التابوت وما فيه في 04P479 دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون، وسلموا ملك طالوت " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {تحمله الملائكة} [البقرة: 248] قال: تحمله حتى تضعه في بيت طالوت " وقال آخرون: معنى ذلك: تسوق الملائكة الدواب التي تحمله ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن بعض، أشياخه، قال: «تحمله الملائكة على عجلة، على بقرة» حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه، يقول: «وكل بالبقرتين اللتين سارتا بالتابوت أربعة من الملائكة يسوقونهما، فسارت البقرتان بهما سيرا سريعا حتى إذا بلغتا طرف القدس ذهبتا» وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: حملت التابوت الملائكة حتى وضعته في دار طالوت بين أظهر بني إسرائيل؛ وذلك أن الله تعالى ذكره قال: {تحمله الملائكة} [البقرة: 248] ولم يقل: تأتي به الملائكة وما جرته البقر على عجل. وإن كانت الملائكة هي سائقتها، فهي غير حاملته؛ لأن الحمل المعروف هو مباشرة الحامل بنفسه حمل ما حمل، فأما ما حمله على غيره وإن كان جائزا في اللغة أن يقال في حمله بمعنى معونته الحامل، أو بأن حمله كان عن سببه، فليس سبيله سبيل ما باشر حمله بنفسه في تعارف الناس إياه بينهم؛ وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من اللغات أولى من توجيهه إلى أن لا يكون الأشهر ما وجد إلى ذلك سبيل 04P480

قسم V04/P479–V04/P480Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V04/P479–V04/P480)

[البقرة: 248] القول في تأويل قوله تعالى: {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 248] يعني تعالى ذكره بذلك أن نبيه أشمويل قال لبني إسرائيل: إن في مجيئكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، حاملته الملائكة {لآية لكم} [البقرة: 248] يعني لعلامة لكم ودلالة أيها الناس على صدقي فيما أخبرتكم أن الله بعث لكم طالوت ملكا إن كنتم قد كذبتموني فيما أخبرتكم به من تمليك الله إياه عليكم واتهمتموني في خبري إياكم بذلك {إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 91] يعني بذلك: إن كنتم مصدقي عند مجيء الآية التي سألتمونيها على صدقي فيما أخبرتكم به من أمر طالوت وملكه. وإنما قلنا ذلك معناه؛ لأن القوم قد كانوا كفروا بالله في تكذيبهم نبيهم، وردهم عليه قوله: {إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا} [البقرة: 247] بقولهم: {أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه} [البقرة: 247] وفي مسألتهم إياه الآية على صدقه. فإن كان ذلك منهم كفرا، فغير جائز أن يقال لهم وهم كفار لكم في مجيء التابوت آية إن كنتم من أهل الإيمان بالله ورسوله وليسوا من أهل الإيمان بالله ولا برسوله، ولكن الأمر في ذلك على ما وصفنا من معناه، لأنهم سألوا الآية على صدق خبره إياهم ليقروا بصدقه، فقال لهم في مجيء التابوت على ما وصفه لهم آية لكم إن كنتم عند مجيئه كذلك مصدقي بما قلت لكم وأخبرتكم به 04P481

قسم V04/P480–V04/P482Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V04/P480–V04/P482)

[البقرة: 249] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249] وفي هذا الخبر من الله تعالى ذكره متروك قد استغنى بدلالة ما ذكر عليه عن ذكره. ومعنى الكلام: إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين، فأتاهم التابوت فيه سكينة من ربهم، وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة، فصدقوا عند ذلك نبيهم، وأقروا بأن الله قد بعث طالوت ملكا عليهم، وأذعنوا له بذلك. يدل على ذلك قوله: {فلما فصل طالوت بالجنود} [البقرة: 249] وما كان ليفصل بهم إلا بعد رضاهم به وتسليمهم الملك له، لأنه لم يكن ممن يقدرون على إكراههم على ذلك فيظن به أنه حملهم على ذلك كرها. وأما قوله: {فصل} [البقرة: 249] فإنه يعني به شخص بالجند ورحل بهم. وأصل الفصل: القطع، يقال منه: فصل الرجل من موضع كذا وكذا، يعني به قطع ذلك، فجاوزه شاخصا إلى غيره، يفصل فصولا؛ وفصل العظم والقول من غيره فهو يفصله فصلا: إذا قطعه فأبانه؛ وفصل الصبي فصالا: إذا قطعه عن اللبن؛ وقول فصل: يقطع فيفرق بين الحق والباطل لا يرد. وقيل: إن طالوت فصل بالجنود يومئذ من بيت المقدس وهم ثمانون ألف مقاتل، لم يتخلف من بني إسرائيل عن الفصول معه إلا ذو علة لعلته، أو كبير لهرمه، أو معذور لا طاقة له بالنهوض معه ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني بعض، أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: «خرج بهم طالوت حين استوثقوا له، ولم يتخلف عنه إلا كبير ذو علة، أو ضرير معذور، أو رجل في ضيعة لا بد له من تخلف فيها» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: «لما جاءهم التابوت آمنوا بنبوة شمعون، وسلموا ملك طالوت، فخرجوا معه، وهم ثمانون ألفا» قال أبو جعفر: فلما فصل بهم طالوت على ما وصفنا قال: {إن الله 04P483 مبتليكم بنهر} [البقرة: 249] يقول: إن الله مختبركم بنهر، ليعلم كيف طاعتكم له " وقد دللنا على أن معنى الابتلاء : الاختبار فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

قسم V04/P482–V04/P485Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V04/P482–V04/P485)

وبما قلنا في ذلك كان قتادة يقول حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قول الله تعالى: " {إن الله مبتليكم بنهر} [البقرة: 249] قال: إن الله يبتلي خلقه بما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه " وقيل: إن طالوت قال: {إن الله مبتليكم بنهر} [البقرة: 249] لأنهم شكوا إلى طالوت قلة المياه بينهم وبين عدوهم، وسألوه أن يدعو الله لهم أن يجري بينهم وبين عدوهم نهرا، فقال لهم طالوت حينئذ ما أخبر عنه أنه قاله من قوله: {إن الله مبتليكم بنهر} [البقرة: 249] ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني بعض، أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: " لما فصل طالوت بالجنود، قالوا: إن المياه لا تحملنا، فادع الله لنا يجري لنا نهرا فقال لهم طالوت: {إن الله مبتليكم بنهر} [البقرة: 249] الآية " 04P484 والنهر الذي أخبرهم طالوت أن الله مبتليهم به قيل: هو نهر بين الأردن، وفلسطين " ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: " {إن الله مبتليكم بنهر} [البقرة: 249] قال الربيع: ذكر لنا والله أعلم أنه نهر بين الأردن، وفلسطين " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {إن الله مبتليكم بنهر} [البقرة: 249] قال: ذكر لنا أنه نهر بين الأردن، وفلسطين " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: " {إن الله مبتليكم بنهر} [البقرة: 249] قال: هو نهر بين الأردن، وفلسطين " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن عباس: " {فلما فصل طالوت بالجنود} [البقرة: 249] غازيا إلى جالوت، قال طالوت لبني إسرائيل: {إن الله مبتليكم بنهر} [البقرة: 249] قال: نهر بين فلسطين، والأردن، نهر عذب الماء طيبه " وقال آخرون: بل هو نهر فلسطين ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي ، عن 04P485 أبيه، عن ابن عباس، قال: " {إن الله مبتليكم بنهر} [البقرة: 249] فالنهر الذي ابتلي به بنو إسرائيل نهر فلسطين " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {إن الله مبتليكم بنهر} [البقرة: 249] هو نهر فلسطين " وأما قوله: {فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم} [البقرة: 249] فإنه خبر من الله تعالى ذكره عن طالوت أنه قال لجنوده إذ شكوا إليه العطش، فأخبر أن الله مبتليهم بنهر، ثم أعلمهم أن الابتلاء الذي أخبرهم عن الله به من ذلك النهر، هو أن من شرب من مائه فليس هو منه، يعني بذلك أنه ليس من أهل ولايته وطاعته، ولا من المؤمنين بالله وبلقائه. ويدل على أن ذلك كذلك قول الله تعالى ذكره: {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه} [البقرة: 249] فأخرج من لم يجاوز النهر من الذين آمنوا. ثم أخلص ذكر المؤمنين بالله ولقائه عند دنوهم من جالوت وجنوده بقوله: {قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} [البقرة: 249] وأخبرهم أنه من لم يطعمه، يعني من لم يطعم الماء من ذلك النهر والهاء في قوله: {فمن شرب منه} [البقرة: 249] وفي قوله: {ومن لم يطعمه} [البقرة: 249] عائدة على النهر، والمعنى لمائه. وإنما ترك ذكر الماء اكتفاء بفهم السامع بذكر النهر لذلك أن المراد به الماء الذي فيه، ومعنى قوله: {لم يطعمه} [البقرة: 249] لم يذقه، يعني: ومن لم يذق ماء ذلك النهر فهو مني، يقول: هو من أهل ولايتي وطاعتي والمؤمنين بالله وبلقائه. ثم استثنى من قوله: {ومن لم يطعمه} [البقرة: 249] المغترفين بأيديهم غرفة، فقال: ومن لم يطعم ماء ذلك النهر إلا غرفة يغترفها بيده فإنه مني.

قسم V04/P485–V04/P486Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V04/P485–V04/P486)

ثم اختلفت القراء في قراءة قوله: {إلا من اغترف غرفة بيده} [البقرة: 249] فقرأه عامة قراء أهل المدينة، والبصرة: (غرفة) بنصب الغين من الغرفة، بمعنى الغرفة الواحدة، من قولك: اغترفت غرفة، والغرفة هي الفعل بعينه من الاغتراف. وقرأه آخرون بالضم، بمعنى: الماء الذي يصير في كف المغترف، فالغرفة الاسم، والغرفة المصدر. وأعجب القراءتين في ذلك إلي ضم الغين في الغرفة بمعنى: إلا من اغترف كفا من ماء، لاختلاف غرفة إذا فتحت غينها، وما هي له مصدر؛ وذلك أن مصدر اغترف اغترافة، وإنما غرفة مصدر غرفت، فلما كانت غرفة مخالفة مصدر اغترف، كانت الغرفة التي بمعنى الاسم على ما قد وصفنا أشبه منها بالغرفة التي هي بمعنى الفعل وذكر لنا أن عامتهم شربوا من ذلك الماء، فكان من شرب منه عطش، ومن اغترف غرفة روي ذكر من قال ذلك: حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم} [البقرة: 249] فشرب القوم على قدر يقينهم. أما الكفار فجعلوا يشربون فلا يروون، وأما المؤمنون فجعل الرجل يغترف غرفة بيده فتجزيه وترويه " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " {فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده} [البقرة: 249] قال: كان الكفار يشربون فلا يروون، وكان المسلمون يغترفون غرفة، فيجزيهم ذلك " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم} [البقرة: 249] يعني المؤمنين منهم، وكان القوم كثيرا فشربوا منه إلا قليلا منهم، يعني المؤمنين منهم كان أحدهم يغترف الغرفة فيجزيه ذلك، ويرويه " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " لما أصبح التابوت وما فيه في دار طالوت، آمنوا بنبوة شمعون، وسلموا ملك طالوت، 04P488 فخرجوا معه وهم ثمانون ألفا. وكان جالوت من أعظم الناس، وأشدهم بأسا، فخرج يسير بين يدي الجند، ولا تجتمع إليه أصحابه حتى يهزم هو من لقي. فلما خرجوا قال لهم طالوت: {إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني} [البقرة: 249] فشربوا منه هيبة من جالوت، فعبر منهم أربعة آلاف، ورجع ستة وسبعون ألفا. فمن شرب منه عطش، ومن لم يشرب منه إلا غرفة روي " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " ألقى الله على لسان طالوت حين فصل بالجنود، فقال: لا يصحبني أحد إلا أحد له نية في الجهاد فلم يتخلف عنه مؤمن، ولم يتبعه منافق فلما رأى قلتهم، قالوا: لن نمس من هذا الماء غرفة ولا غيرها وذلك أنه قال لهم: {إن الله مبتليكم بنهر} [البقرة: 249] الآية. فقالوا: لن نمس من هذا غرفة ولا غير غرفة قال: وأخذ البقية الغرفة، فشربوا منها حتى كفتهم، وفضل منهم.

قسم V04/P486Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V04/P486)

قال: والذين لم يأخذوا الغرفة أقوى من الذين أخذوها " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، في قوله: " {فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من 04P489 اغترف غرفة بيده} [البقرة: 249] فشرب كل إنسان كقدر الذي في قلبه، فمن اغترف غرفة وأطاعه روي بطاعته، ومن شرب فأكثر عصى فلم يرو لمعصيته " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، في حديث ذكره، عن بعض، أهل العلم، عن وهب بن منبه، في قوله: " {فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده} [البقرة: 249] يقول الله تعالى ذكره: {فشربوا منه إلا قليلا منهم} [البقرة: 249] وكان فيما يزعمون من تتابع منهم في الشرب الذي نهي عنه لم يروه، ومن لم يطعمه إلا كما أمر غرفة بيده أجزأه، وكفاه " 04P489

قسم V04/P486–V04/P491Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V04/P486–V04/P491)

[البقرة: 249] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} [البقرة: 249] يعني تعالى ذكره بقوله: {فلما جاوزه هو} [البقرة: 249] فلما جاوز النهر طالوت. والهاء في «جاوزه» عائدة على النهر، وهو كناية اسم طالوت. وقوله: {والذين آمنوا معه} [البقرة: 214] يعني: وجاوز النهر معه الذين آمنوا. {قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} [البقرة: 249] . ثم اختلف في عدة من جاوز النهر معه يومئذ ومن قال منهم لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، فقال بعضهم: كانت عدتهم عدة أهل بدر ثلثمائة رجل وبضعة عشر رجلا ذكر من قال ذلك: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، قال: ثنا مصعب بن المقدام، وحدثنا 04P490 أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قالا جميعا: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: «كنا نتحدث أن عدة، أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا النهر معه، ولم يجز معه إلا مؤمن، ثلثمائة وبضعة عشر رجلا» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، قال: ثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: «كنا نتحدث أن أصحاب بدر يوم بدر كعدة أصحاب طالوت ثلثمائة رجل وثلاثة عشر رجلا الذين جاوزوا النهر» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: «كنا نتحدث أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر رجلا على عدة أصحاب طالوت من جاز معه، وما جاز معه إلا مؤمن» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بنحوه حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: «كنا نتحدث أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يوم بدر على عدة أصحاب طالوت يوم جاوزوا النهر، وما جاوز معه إلا مسلم» 04P491 حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مسعر، عن أبي إسحاق، عن البراء مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: «أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي» وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر رجلا " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع ، قال: «محص الله الذين آمنوا عند النهر وكانوا ثلثمائة، وفوق العشرة، ودون العشرين، فجاء داود صلى الله عليه وسلم فأكمل به العدة» وقال آخرون: بل جاوز معه النهر أربعة آلاف، وإنما خلص، أهل الإيمان منهم من أهل الكفر، والنفاق حين لقوا جالوت ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " عبر مع طالوت النهر من بني إسرائيل أربعة آلاف، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه فنظروا إلى جالوت رجعوا أيضا وقالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده فرجع عنه أيضا ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون، وخلص في ثلثمائة وبضعة عشر عدة أهل بدر " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " لما جاوزه هو والذين آمنوا معه، قال الذين شربوا: {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} [البقرة: 249] " وأولى القولين في ذلك بالصواب، ما روي عن ابن عباس، وقاله السدي؛ وهو أنه جاوز النهر مع طالوت المؤمن الذي لم يشرب من النهر إلا الغرفة، والكافر الذي شرب منه الكثير. ثم وقع التمييز بينهم بعد ذلك برؤية جالوت ولقائه، وانخزل عنه أهل الشرك والنفاق، وهم الذين قالوا: {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} [البقرة: 249] ومضى أهل البصيرة بأمر الله على بصائرهم، وهم أهل الثبات على الإيمان، فقالوا: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249] .

%0
10 Bölüm

الأسئلة