Qur'an&Sunnahالقرآن

Taberî — Câmiü'l-Beyân

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ) · AR

قسم V05/P141–V05/P148Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P141–V05/P148)

[البقرة: 284] القول في تأويل قوله تعالى: {والله على كل شيء قدير} [البقرة: 284] يعني بذلك جل ثناؤه: والله عز وجل على العفو عما أخفته نفس هذا المؤمن من الهمة بالخطيئة وعلى عقاب هذا الكافر على ما أخفته نفسه من الشك في توحيد 05P148 الله عز وجل، ونبوة أنبيائه، ومجازاة كل واحد منهما على كل ما كان منه، وعلى غير ذلك من الأمور قادر 05P147 [البقرة: 285] القول في تأويل قوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} [البقرة: 285] يعني بذلك جل ثناؤه: صدق الرسول، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقر {بما أنزل إليه} [البقرة: 285] يعني بما أوحي إليه من ربه من الكتاب، وما فيه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وأمر ونهي، وغير ذلك من سائر ما فيه من المعاني التي حواها وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية عليه قال: «يحق له» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} [البقرة: 285] وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال: «ويحق له أن يؤمن» وقد قيل: إنها نزلت بعد قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} [البقرة: 284] لأن المؤمنين برسول الله من أصحابه، شق عليهم ما توعدهم الله به من محاسبتهم على ما أخفته نفوسهم، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعلكم تقولون سمعنا وعصينا كما قالت بنو إسرائيل» فقالوا: بل نقول: سمعنا وأطعنا، فأنزل الله لذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم وقول أصحابه 05P149 : {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} [البقرة: 285] يقول: وصدق المؤمنون أيضا مع نبيهم بالله وملائكته وكتبه ورسله الآيتين، وقد ذكرنا قائلي ذلك قبل. واختلف القراء في قراءة قوله: {وكتبه} [البقرة: 285] ، فقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض قراء أهل العراق: {وكتبه} [البقرة: 285] على وجه جمع الكتاب على معنى: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وجميع كتبه التي أنزلها على أنبيائه ورسوله وقرأ ذلك جماعة من قراء أهل الكوفة: «وكتابه» بمعنى: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته، وبالقرآن الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك «وكتابه» ويقول: الكتاب أكثر من الكتب، وكان ابن عباس يوجه تأويل ذلك إلى نحو قوله: {والعصر إن الإنسان لفي خسر} [العصر: 2] بمعنى جنس الناس وجنس الكتاب، كما يقال: ما أكثر درهم فلان وديناره، ويراد به جنس الدراهم والدنانير، وذلك وإن كان مذهبا من المذاهب معروفا، فإن الذي هو أعجب إلي من القراءة في ذلك أن يقرأ بلفظ الجمع؛ لأن الذي قبله جمع، والذي بعده كذلك، أعني بذلك: {وملائكته وكتبه ورسله} [البقرة: 285] ، فإلحاق الكتب في الجمع لفظا به أعجب إلي من توحيده وإخراجه في اللفظ به بلفظ الواحد، ليكون لاحقا في اللفظ والمعنى بلفظ ما قبله وما بعده، وبمعناه 05P148

قسم V05/P148–V05/P151Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P148–V05/P151)

[البقرة: 285] القول في تأويل قوله تعالى: {لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] وأما قوله: {لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] فإنه أخبر جل ثناؤه بذلك عن المؤمنين أنهم يقولون ذلك. ففي الكلام في قراءة من قرأ: {لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] بالنون متروك قد استغنى بدلالة ما ذكر عنه، وذلك المتروك هو «يقولون» . وتأويل الكلام: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله، وترك ذكر «يقولون» لدلالة الكلام عليه، كما ترك ذكره في قوله: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم} [الرعد: 24] بمعنى: يقولون سلام. وقد قرأ ذلك جماعة من المتقدمين: «لا يفرق بين أحد من رسله» بالياء، بمعنى: والمؤمنون كلهم آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا يفرق الكل منهم بين أحد من رسله، فيؤمن ببعض، ويكفر ببعض، ولكنهم يصدقون بجميعهم، ويقرون أن ما جاءوا به كان من عند الله، وأنهم دعوا إلى الله وإلى طاعته، ويخالفون في فعلهم ذلك اليهود الذين أقروا بموسى وكذبوا عيسى، والنصارى الذين أقروا بموسى وعيسى وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وجحدوا نبوته، ومن أشبههم من الأمم الذين كذبوا بعض رسل الله، وأقروا ببعضه كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] كما صنع القوم، يعني بني إسرائيل، قالوا: فلان نبي، وفلان ليس نبيا، وفلان نؤمن به، وفلان لا نؤمن به " 05P151 والقراءة التي لا نستجيز غيرها في ذلك عندنا بالنون: {لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] لأنها القراءة التي قامت حجة بالنقل المستفيض الذي يمتنع مع التشاعر والتواطؤ والسهو والغلط، يعني ما وصفنا من يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله، ولا يعترض بشاذ من القراءة على ما جاءت به الحجة نقلا ورواية 05P150 [البقرة: 285] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} [البقرة: 285] يعني بذلك جل ثناؤه: وقال الكل من المؤمنين: {سمعنا} [البقرة: 93] قول ربنا، وأمره إيانا بما أمرنا به، ونهيه عما نهانا عنه، {وأطعنا} [البقرة: 285] يعني أطعنا ربنا فيما ألزمنا من فرائضه، واستعبدنا به من طاعته، وسلمنا له: وقوله: {غفرانك ربنا} [البقرة: 285] يعني: وقالوا: غفرانك ربنا، بمعنى: اغفر لنا ربنا غفرانك، كما يقال: سبحانك، بمعنى نسبحك سبحانك. وقد بينا فيما مضى أن الغفران والمغفرة: الستر من الله على ذنوب من غفر له، وصفحه له عن هتك ستره بها في الدنيا والآخرة، وعفوه عن العقوبة عليه، وأما قوله: {وإليك المصير} [البقرة: 285] فإنه يعني جل ثناؤه أنهم قالوا: وإليك يا ربنا مرجعنا ومعادنا فاغفر لنا ذنوبنا. فإن قال لنا قائل: فما الذي نصب قوله: {غفرانك} [البقرة: 285] ؟ قيل له: وقوعه وهو مصدر موقع الأمر، وكذلك تفعل العرب بالمصادر والأسماء إذا حلت محل الأمر، وأدت عن معنى الأمر نصبتها، فيقولون: شكرا لله يا فلان، وحمدا له، بمعنى: أشكر الله وأحمده، والصلاة الصلاة: بمعنى صلوا. ويقولون في الأسماء: الله الله يا قوم، ولو رفع بمعنى هو الله، أو هذا الله ووجه إلى الخبر وفيه تأويل الآمر كان جائزا، كما قال الشاعر: [+البحر الخفيف] إن قوما منهم عمير وأشبا ه عمير ومنهم السفاح لجديرون بالوفاء إذا قا ل أخو النجدة السلاح السلاح ولو كان قوله: {غفرانك ربنا} [البقرة: 285] جاء رفعا في القراءة لم يكن خطأ، بل كان صوابا على ما وصفنا. وقد ذكر أن هذه الآية لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثناء من الله عليه وعلى أمته، قال له جبريل صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل قد أحسن عليك وعلى أمتك الثناء، فسل ربك» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن بيان، عن حكيم بن جابر، قال: " لما أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} [البقرة: 285] قال جبريل: إن الله عز وجل قد أحسن الثناء عليك، وعلى أمتك، فسل تعطه، فسأل: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] إلى آخر السورة " 05P152

قسم V05/P151–V05/P154Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P151–V05/P154)

[البقرة: 286] القول في تأويل قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] 05P153 يعني بذلك جل ثناؤه: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] فيتعبدها إلا بما يسعها، فلا يضيق عليها، ولا يجهدها، وقد بينا فيما مضى قبل أن الوسع اسم من قول القائل: وسعني هذا الأمر مثل: الجهد والوجد من جهدني هذا الأمر ووجدت منه كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] قال: " هم المؤمنون وسع الله عليهم أمر دينهم، فقال الله جل ثناؤه: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] وقال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] ، وقال: {اتقوا الله ما استطعتم} " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عبد الله بن عباس، قال: " لما نزلت ضج المؤمنون منها ضجة وقالوا: يا رسول الله هذا، نتوب من عمل اليد والرجل واللسان، كيف نتوب من الوسوسة؟ كيف نمتنع منها؟ فجاء جبريل صلى الله عليه وسلم بهذه الآية {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] إنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] " وسعها: طاقتها، وكان حديث النفس مما لا يطيقون " 05P153 [البقرة: 286] القول في تأويل قوله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] يعني بقوله جل ثناؤه لها: للنفس التي أخبر أنه لا يكلفها إلا وسعها، يقول: لكل نفس ما اجترحت وعملت من خير؛ وعليها: يعني وعلى كل نفس ما اكتسبت: ما عملت من شر كما: حدثنا بشر بن يزيد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت} [البقرة: 286] «أي من خير» {وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] " أي من شر، أو قال: من سوء " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال ثنا أسباط، عن السدي، {لها ما كسبت} [البقرة: 286] يقول: «ما عملت من خير» {وعليها ما اكتسبت } [البقرة: 286] يقول: «وعليها ما عملت من شر» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عبد الله بن عباس: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] «عمل اليد والرجل واللسان» فتأويل الآية إذا: لا يكلف الله نفسا إلا ما يسعها، فلا يجهدها، ولا يضيق عليها في أمر دينها، فيؤاخذها بهمة إن همت، ولا بوسوسة إن عرضت لها، ولا بخطرة إن خطرت بقلبها 05P154

قسم V05/P154–V05/P155Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P154–V05/P155)

[البقرة: 286] القول في تأويل قوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] وهذا تعليم من الله عز وجل عباده المؤمنين دعاءه كيف يدعونه، وما يقولون في دعائهم إياه، ومعناه: قولوا: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا شيئا فرضت علينا عمله فلم نعمله، أو أخطأنا في فعل شيء نهيتنا عن فعله ففعلناه، على غير قصد منا إلى معصيتك، ولكن على جهالة منا به وخطأ كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] «إن نسينا شيئا مما افترضته علينا، أو أخطأنا شيئا مما حرمته علينا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل تجاوز لهذه الأمة على نسيانها وما حدثت به أنفسها» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، قال: زعم السدي أن هذه، الآية حين نزلت: " {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال له جبريل صلى الله عليه وسلم فقل ذلك يا محمد " إن قال لنا قائل: وهل يحوز أن يؤاخذ الله عز وجل عباده بما نسوا أو أخطئوا فيسألوه أن لا يؤاخذهم بذلك؟ 05P156 قيل: إن النسيان على وجهين: أحدهما: على وجه التضرع من العبد والتفريط؛ والآخر: على وجه عجز الناسي عن حفظ ما استحفظ ، ووكل به وضعف عقله عن احتماله، فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط، فهو ترك منه لما أمر بفعله، فذلك الذي يرغب العبد إلى الله عز وجل في تركه مؤاخذته به، وهو النسيان الذي عاقب الله عز وجل به آدم صلوات الله عليه، فأخرجه من الجنة، فقال في ذلك: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} [طه: 115] وهو النسيان الذي قال جل ثناؤه: {فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا} [الأعراف: 51] فرغبة العبد إلى الله عز وجل بقوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] فيما كان من نسيان منه لما أمر بفعله على هذا الوجه الذي وصفنا ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطا منه فيه وتضييعا، كفرا بالله عز وجل فإن ذلك إذا كان كفرا بالله فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة به غير جائزة؛ لأن الله عز وجل قد أخبر عباده أنه لا يغفر لهم الشرك به، فمسألته فعل ما قد أعلمهم أنه لا يفعله خطأ، وإنما يكون مسألته المغفرة فيما كان من مثل نسيانه القرآن بعد حفظه بتشاغله عنه، وعن قراءته ومثل نسيانه صلاة أو صياما، باشتغاله عنهما بغيرهما حتى ضيعهما، وأما الذي العبد به غير مؤاخذ لعجز بنيته عن حفظه، وقلة احتمال عقله ما وكل بمراعاته، فإن ذلك من العبد غير معصية، وهو به غير آثم، فذلك الذي لا وجه لمسألة العبد ربه أن يغفره له؛ لأنه مسألة منه له أن يغفر له ما ليس له بذنب، وذلك مثل الأمر يغلب عليه، وهو حريص على تذكره وحفظه، كالرجل يحرص على حفظ 05P157 القرآن بجد منه، فيقرؤه، ثم ينساه بغير تشاغل منه بغيره عنه، ولكن بعجز بنيته عن حفظه وقلة احتمال عقله ذكر ما أودع قلبه منه، وما أشبه ذلك من النسيان، فإن ذلك مما لا يجوز مسألة الرب مغفرته، لأنه لا ذنب للعبد فيه، فيغفر له باكتسابه، وكذلك للخطأ وجهان أحدهما من وجه ما نهي عنه العبد فيأتيه بقصد منه وإرادة، فذلك خطأ منه وهو به مأخوذ، يقال منه: خطئ فلان وأخطأ فيما أتى من الفعل، وأثم إذا أتى ما يتأثم فيه وركبه، ومنه قول الشاعر: [+البحر الكامل] الناس يلحون الأمير إذا هم خطئوا الصواب ولا يلام المرشد يعني: أخطئوا الصواب، وهذا الوجه الذي يرغب العبد إلى ربه في صفح ما كان منه من إثم عنه، إلا ما كان من ذلك كفرا، والآخر منهما ما كان عنه على وجه الجهل به والظن منه بأن له فعله كالذي في شهر رمضان ليلا وهو يحسب أن الفجر لم يطلع، أو يؤخر صلاة في يوم غيم وهو ينتظر بتأخيره إياها دخول وقتها فيخرج وقتها وهو يرى أن وقتها لم يدخل فإن ذلك من الخطأ الموضوع عن العبد الذي وضع الله عز وجل عن عباده الإثم فيه، فلا وجه لمسألة العبد ربه أن يؤاخذه به، وقد زعم قوم أن مسألة العبد ربه أن لا يؤاخذه بما نسي أو أخطأ، إنما هو فعل منه لما أمره به ربه تبارك وتعالى، أو لما ندبه إليه من التذلل له والخضوع بالمسألة، فأما على وجه مسألته الصفح، فما لا وجه له عندهم وللبيان عن هؤلاء كتاب سنأتي فيه إن شاء الله على ما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه 05P155

قسم V05/P155–V05/P160Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P155–V05/P160)

[البقرة: 286] القول في تأويل قوله تعالى: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] يعني بذلك جل ثناؤه: قولوا: ربنا لا تحمل علينا إصرا: يعني بالإصر العهد، كما قال جل ثناؤه: {قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري} [آل عمران: 81] وإنما عنى بقوله: {ولا تحمل علينا إصرا} [البقرة: 286] ولا تحمل علينا عهدا فنعجز عن القيام به ولا نستطيعه {كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] يعني على اليهود والنصارى الذين كلفوا أعمالا وأخذت عهودهم ومواثيقهم على القيام بها، فلم يقوموا بها، فعوجلوا بالعقوبة، فعلم الله عز وجل أمة محمد صلى الله عليه وسلم الرغبة إليه بمسألته أن لا يحملهم من عهوده ومواثيقه على أعمال أن ضيعوها أو أخطئوا فيها أو نسوها مثل الذي حمل من قبلهم، فيحل بهم بخطئهم فيه وتضييعهم إياه مثل الذي أحل بمن قبلهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {لا تحمل علينا إصرا} [البقرة: 286] قال: «لا تحمل علينا عهدا وميثاقا» ، {كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] يقول: «كما غلظ على من قبلنا» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن موسى بن قيس الحضرمي، عن مجاهد، في قوله: {ولا تحمل علينا إصرا} [البقرة: 286] قال: «عهدا» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إصرا} [البقرة: 286] قال: «عهدا» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {إصرا} [البقرة: 286] يقول: «عهدا» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] «والإصر العهد الذي كان على من قبلنا من اليهود» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {ولا تحمل علينا إصرا} [البقرة: 286] قال: «عهدا لا نطيقه، ولا نستطيع القيام به» {كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] «اليهود والنصارى فلم يقوموا به فأهلكتهم» حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: {إصرا} [البقرة: 286] قال: «المواثيق» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " الإصر: العهد " {وأخذتم على ذلكم إصري} [آل عمران: 81] قال: «عهدي» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وأخذتم على ذلكم إصري} [آل عمران: 81] قال: «عهدي» وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تحمل علينا ذنوبا وإثما كما حملت ذلك على من قبلنا من الأمم، فتمسخنا قردة وخنازير كما مسختهم ذكر من قال ذلك: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن علي بن هارون، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، في قوله: {ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] قال: «لا تمسخنا قردة وخنازير» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] «لا تحمل علينا ذنبا ليس فيه توبة ولا كفارة» وقال آخرون: معنى الإصر بكسر الألف: الثقل ذكر من قال ذلك حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من 05P161 قبلنا} [البقرة: 286] يقول: «التشديد الذي شددته على من قبلنا من أهل الكتاب» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألته، يعني مالكا، عن قوله: {ولا تحمل علينا إصرا} [البقرة: 286] قال: " الإصر: الأمر الغليظ " فأما الأصر بفتح الألف: فهو ما عطف الرجل على غيره من رحم أو قرابة، يقال: أصرتني رحم بيني وبين فلان عليه، بمعنى: عطفتني عليه، وما يأصرني عليه: أي ما يعطفني عليه، وبيني وبينه أصر رحم يأصرني عليه أصرا: يعني به عاطفة رحم تعطفني عليه 05P161

قسم V05/P160–V05/P164Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P160–V05/P164)

[البقرة: 286] القول في تأويل قوله تعالى: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] يعني بذلك جل ثناؤه: وقولوا أيضا: ربنا لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به لثقل حمله علينا. وكذلك كانت جماعة أهل التأويل يتأولونه ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] «تشديد يشدد به كما شدد على من كان قبلكم» حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قوله: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] قال: «لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] «لا تفترض علينا من الدين ما لا طاقة لنا به، فنعجز عنه» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] «مسخ القردة والخنازير» حدثني سلام بن سالم الخزاعي، قال: ثنا أبو حفص عمر بن سعيد التنوخي، قال: ثنا محمد بن شعيب بن شابور، عن سالم بن شابور، في قوله: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] قال: «الغلمة» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] «من التغليظ والأغلال التي كانت عليهم من التحريم» وإنما قلنا: إن تأويل ذلك: ولا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به على نحو الذي قلنا في ذلك؛ لأنه عقيب مسألة المؤمنين ربهم أن لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا، وأن لا يحمل عليهم إصرا كما حمله على الذين من قبلهم، 05P163 فكان إلحاق ذلك بمعنى ما قبله من مسألتهم التيسير في الدين أولى مما خالف ذلك المعنى 05P162 [البقرة: 286] القول في تأويل قوله تعالى: {واعف عنا واغفر لنا} [البقرة: 286] وفي هذا أيضا من قول الله عز وجل خبر عن المؤمنين من مسألتهم إياه ذلك الدلالة الواضحة أنهم سألوه تيسير فرائضه عليهم بقوله: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] لأنهم عقبوا ذلك بقولهم: {واعف عنا} [البقرة: 286] مسألة منهم ربهم أن يعفو لهم عن تقصير إن كان منهم في بعض ما أمرهم به من فرائضه، فيصفح لهم عنه، ولا يعاقبهم عليه وإن خف ما كلفهم من فرائضه على أبدانهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {واعف عنا} [البقرة: 286] قال: «اعف عنا إن قصرنا عن شيء من أمرك مما أمرتنا به» وكذلك قوله: {واغفر لنا} [البقرة: 286] يعني: «واستر علينا زلة إن أتيناها فيما بيننا وبينك، فلا تكشفها ولا تفضحنا بإظهارها، وقد دللنا على معنى المغفرة فيما مضى قبل» حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {واغفر لنا} [البقرة: 286] «إن انتهكنا شيئا مما نهيتنا عنه» 05P164 [البقرة: 286] القول في تأويل قوله تعالى: {وارحمنا} [البقرة: 286] يعني بذلك جل ثناؤه: تغمدنا منك برحمة تنجينا بها من عقابك، فإنه ليس 05P165 بناج من عقابك أحد إلا برحمتك إياه دون عمله، وليست أعمالنا منجيتنا إن أنت لم ترحمنا، فوفقنا لما يرضيك عنا كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وارحمنا} [البقرة: 286] قال: يقول: " لا ننال العمل بما أمرتنا به، ولا نترك ما نهيتنا عنه إلا برحمتك، قال: ولم ينج أحد إلا برحمتك " 05P165

قسم V05/P164Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P164)

[البقرة: 286] القول في تأويل قوله تعالى: {أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] يعني بقوله جل ثناؤه: {أنت مولانا} [البقرة: 286] أنت ولينا بنصرك دون من عاداك وكفر بك، لأنا مؤمنون بك ومطيعوك فيما أمرتنا ونهيتنا، فأنت وفي من أطاعك، وعدو من كفر بك فعصاك، فانصرنا لأنا حزبك، على القوم الكافرين الذي جحدوا وحدانيتك، وعبدوا الآلهة والأنداد دونك، وأطاعوا في معصيتك الشيطان والمولى في هذا الموضع المفعل من ولي فلان أمر فلان فهو يليه ولاية، وهو وليه ومولاه، وإنما صارت الياء من ولي ألفا لانفتاح اللام قبلها التي هي عين الاسم. وقد ذكروا أن الله عز وجل لما أنزل هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، استجاب الله له في ذلك كله. ذكر الأخبار التي جاءت بذلك: حدثني المثنى بن إبراهيم، ومحمد بن خلف، قالا: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن 05P166 عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} [البقرة: 285] قال: قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انتهى إلى قوله: {غفرانك ربنا} [البقرة: 285] قال الله عز وجل: «قد غفرت لكم» ، فلما قرأ: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال الله عز وجل: «لا أحملكم» فلما قرأ: {واغفر لنا} [البقرة: 286] قال الله تبارك وتعالى: «قد غفرت لكم» ، فلما قرأ: {وارحمنا} [البقرة: 286] قال الله عز وجل: «قد رحمتكم» ، فلما قرأ: {فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] قال الله عز وجل: «قد نصرتكم عليهم» حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: " أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد قل: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] فقالها، فقال جبريل: قد فعل، وقال له جبريل: قل {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] فقالها، فقال جبريل: قد فعل، فقال: قل {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] فقالها: فقال جبريل صلى الله عليه وسلم: قد فعل، فقال: قل {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] فقالها، فقال جبريل: قد فعل " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، قال: 05P167 زعم السدي " أن هذه الآية حين نزلت: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] فقال له جبريل: فعل ذلك يا محمد {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] فقال له جبريل في كل ذلك: فعل ذلك يا محمد " حدثنا أبو كريب، قال ثنا وكيع، وحدثنا سفيان، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن آدم بن سليمان، مولى خالد، قال سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " أنزل الله عز وجل {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} [البقرة: 285] إلى قوله {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] فقرأ: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال: فقال: قد فعلت، {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] فقال: قد فعلت، {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] قال: قد فعلت، {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] قال: قد فعلت " حدثنا أبو كريب، قال ثنا إسحاق بن سليمان، عن مصعب بن ثابت، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: " أنزل الله عز وجل {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال أبي: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله عز وجل: نعم " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو حميد، عن سفيان، عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبير: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال: " يقول: قد فعلت " {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] قال: «ويقول قد فعلت» فأعطيت هذه الأمة خواتيم سورة البقرة، ولم تعطها الأمم قبلها حدثنا علي بن حرب الموصلي، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قول الله عز وجل {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} [البقرة: 285] إلى قوله.

قسم V05/P164–V05/P169Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P164–V05/P169)

{غفرانك ربنا} [البقرة: 285] قال: «قد غفرت لكم» {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] إلى قوله {لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال: «لا أؤاخذكم» {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] قال: «لا أحمل عليكم» إلى قوله {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا} [البقرة: 286] إلى آخر السورة، قال: «قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم، ونصرتكم على القوم الكافرين» وروي عن الضحاك بن مزاحم أن إجابة الله للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال سمعت الضحاك، يقول في قوله {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو 05P169 أخطأنا} [البقرة: 286] " كان جبريل عليه السلام يقول له: سلها، فسألها نبي الله ربه جل ثناؤه، فأعطاه إياها ، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، أن معاذا، كان إذا فرغ من هذه السورة: {فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 286] قال: «آمين»

قسم V05/P169Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P169)

[003] سورة آل عمران مدنية وآياتها مائتان بسم الله الرحمن الرحيم 05P170

قسم V05/P169–V05/P171Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P169–V05/P171)

[آل عمران: 1_2] القول في تأويل قوله تعالى: {آلم} ، {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [آل عمران: 1_2] قال أبو جعفر: قد أتينا على البيان عن معنى قوله: {الم} [آل عمران: 1] فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وكذلك البيان عن قوله: {الله} [آل عمران: 2] وأما معنى قوله: {لا إله إلا هو} [آل عمران: 2] ، فإنه خبر من الله جل وعز، أخبر عباده أن الألوهية خاصة به دون ما سواه من الآلهة والأنداد، وأن العبادة لا تصلح ولا تجوز إلا له لانفراده بالربوبية، وتوحده بالألوهية، وأن كل ما دونه فملكه، وأن كل ما سواه فخلقه، لا شريك له في سلطانه وملكه ; احتجاجا منه تعالى ذكره عليهم بأن ذلك إذ كان كذلك، فغير جائزة لهم عبادة غيره، ولا إشراك أحد معه في سلطانه، إذ كان كل معبود سواه فملكه، وكل معظم غيره فخلقه، وعلى المملوك إفراد الطاعة لمالكه، وصرف خدمته إلى مولاه ورازقه. ومعرفا من كان من خلقه يوم أنزل ذلك إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، بتنزيله ذلك إليه، وإرساله به إليهم على لسانه صلوات الله عليه وسلامه، مقيما على عبادة وثن أو صنم أو شمس أو قمر أو إنسي أو ملك أو غير ذلك من الأشياء التي كانت بنو آدم مقيمة على عبادته وإلاهته، ومتخذته دون مالكه وخالقه إلها وربا، أنه مقيم على ضلالة، ومنعزل عن المحجة، وراكب غير السبيل المستقيمة بصرفه العبادة إلى غيره، ولا أحد له الألوهية غيره. وقد ذكر أن هذه السورة ابتدأ الله بتنزيله فاتحتها بالذي ابتدأ به من نفي الألوهية أن يكون لغيره، ووصفه نفسه بالذي وصفها به ابتداءها؛ احتجاجا منه بذلك على طائفة من النصارى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران، فحاجوه في عيسى صلوات الله عليه، وألحدوا في الله، فأنزل الله عز وجل في أمرهم وأمر عيسى من هذه السورة نيفا وثلاثين آية من أولها، احتجاجا عليهم وعلى من كان على مثل مقالتهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فأبوا إلا المقام على ضلالتهم وكفرهم، فدعاهم إلى المباهلة، فأبوا ذلك وسألوا قبول الجزية منهم ، فقبلها صلى الله عليه وسلم منهم، وانصرفوا إلى بلادهم. غير أن الأمر وإن كان كذلك وإياهم قصد بالحجاج، فإن من كان معناه من سائر الخلق معناهم في الكفر بالله، واتخاذ ما سوى الله ربا وإلها ومعبودا، معمومون بالحجة التي حج الله تبارك وتعالى بها من نزلت من هذه الآيات فيه، ومحجوجون في الفرقان الذي فرق به لرسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم. ذكر الرواية عمن ذكرنا قوله في نزول افتتاح هذه السورة أنه نزل في الذين وصفنا صفتهم من النصارى: أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري رضي الله عنه حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم: العاقب أمير القوم وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح. والسيد ثمالهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه الأيهم. وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل ، أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم. وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينه. قال ابن إسحاق: قال محمد بن جعفر بن الزبير: قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخلوا عليه في مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية في بلحارث بن كعب. قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم.

%0
10 Bölüm

الأسئلة