Qur'an&Sunnahالقرآن

Taberî — Câmiü'l-Beyân

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ) · AR

قسم V05/P588–V05/P592Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P588–V05/P592)

[آل عمران: 96] القول في تأويل قوله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين} [آل عمران: 96] 05P590 اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله: إن أول بيت وضع للناس يعبد الله فيه مباركا وهدى للعالمين، الذي ببكة، قالوا: وليس هو أول بيت وضع في الأرض، لأنه قد كانت قبله بيوت كثيرة ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة، قال: " قام رجل إلى علي، فقال: ألا تخبرني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ فقال: لا، ولكنه أول بيت وضع في البركة {مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، قال: سمعت خالد بن عرعرة قال: سمعت عليا، وقيل له: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة} [آل عمران: 96] هو أول بيت كان في الأرض؟ قال: «لا» قال: فأين كان قوم نوح؟ وأين كان قوم هود؟ قال: «ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا وهدى» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سأل حفص الحسن وأنا أسمع، عن قوله: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا} [آل عمران: 96] قال: «هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض» حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي، قال: ثنا ضمرة، عن ابن شوذب، عن مطر، 05P591 في قوله: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة} [آل عمران: 96] قال: «قد كانت قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للعبادة» حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد، عن الحسن، قوله: {إن أول بيت وضع للناس} [آل عمران: 96] «يعبد الله فيه» {للذي ببكة} [آل عمران: 96] حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا} [آل عمران: 96] قال: «وضع للعبادة» وقال آخرون: بل هو أول بيت وضع للناس، ثم اختلف قائلو ذلك في صفة وضعه أول، فقال بعضهم: خلق قبل جميع الأرضين، ثم دحيت الأرضون من تحته ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا شيبان، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: «خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذا كان عرشه على الماء، زبدة بيضاء، فدحيت الأرض من تحته» حدثني محمد بن عبد الله بن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خصيف، قال: سمعت مجاهدا، يقول: «إن أول ما خلق الله الكعبة، ثم 05P592 دحى الأرض من تحتها» حدثني محمد بن عمرو: قال ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: " {إن أول بيت وضع للناس} [آل عمران: 96] كقوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] " حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين} [آل عمران: 96] «أما أول بيت، فإنه يوم كانت الأرض ماء، وكان زبدة على الأرض، فلما خلق الله الأرض، خلق البيت معها، فهو أول بيت وضع في الأرض» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا} [آل عمران: 96] قال: «أول بيت وضعه الله عز وجل، فطاف به آدم ومن بعده» وقال آخرون موضع الكعبة موضع أول بيت وضعه الله في الأرض ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " ذكر لنا أن البيت، هبط 05P593 مع آدم حين هبط، قال: أهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين، حتى إذا كان زمن الطوفان، زمن أغرق الله قوم نوح رفعه الله وطهره من أن يصيبه عقوبة أهل الأرض، فصار معمورا في السماء، ثم إن إبراهيم تتبع منه أثرا بعد ذلك، فبناه على أساس قديم كان قبله " والصواب من القول في ذلك: ما قال جل ثناؤه فيه: إن أول بيت مبارك وهدى وضع للناس للذي ببكة.

قسم V05/P592–V05/P593Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P592–V05/P593)

ومعنى ذلك أن أول بيت وضع للناس أي لعبادة الله فيه مباركا وهدى، يعني بذلك ومآبا لنسك الناسكين وطواف الطائفين، تعظيما لله وإجلالا له؛ للذي ببكة؛ لصحة الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ما: حدثنا به محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: «المسجد الحرام» قال: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى» قال: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة " فقد بين هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسجد الحرام هو أول مسجد وضعه الله في الأرض على ما قلنا، فأما في وضعه بيتا بغير معنى بيت للعبادة والهدى والبركة، ففيه من الاختلاف ما قد ذكرت بعضه في هذا الموضع وبعضه في سورة 05P594 البقرة وغيرها من سور القرآن وبينت الصواب من القول عندنا في ذلك بما أغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع وأما قوله: {للذي ببكة مباركا} [آل عمران: 96] فإنه يعني للبيت الذي بمزدحم الناس لطوافهم في حجهم وعمرهم. وأصل البك الزحم، يقال منه: بك فلان فلانا: إذا زحمه وصدمه فهو. ببكة مباركا، وهم يتباكون فيه: يعني به: يتزاحمون ويتصادمون فيه، فكان بكة: «فعلة» من بك فلان فلانا: زحمه، سميت البقعة بفعل المزدحمين بها، فإذا كانت بكة ما وصفنا، وكان موضع ازدحام الناس حول البيت، وكان لا طواف يجوز خارج المسجد، كان معلوما بذلك أن يكون ما حول الكعبة من داخل المسجد، وأن ما كان خارج المسجد فمكة لا بكة؛ لأنه لا معنى خارجه يوجب على الناس التباك فيه، وإذا كان ذلك كذلك كان بينا بذلك فساد قول من قال بكة اسم لبطن مكة، ومكة اسم للحرم ذكر من قال في ذلك ما قلنا من أن بكة موضع مزدحم الناس للطواف: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك الغفاري، في قوله: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا} [آل عمران: 96] قال: " بكة: موضع البيت، ومكة: ما سوى ذلك " حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن أبي جعفر، قال: «مرت امرأة بين يدي رجل وهو يصلي، وهي تطوف بالبيت، فدفعها» قال أبو جعفر: إنها بكة يبك بعضها بعضا حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا سلمة، عن مجاهد، قال: «إنما سميت بكة؛ لأن الناس يتباكون فيها، الرجال والنساء» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد، قال: قلت: أي شيء سميت بكة؟ قال: لأنهم يتباكون فيها، قال: يعني 05P596 يتزاحمون " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن أخيه، عن ابن الزبير، قال: «إنما سميت بكة؛ لأنهم يأتونها حجاجا» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا} [آل عمران: 96] «فإن الله بك به الناس جميعا، فيصلي النساء قدام الرجال، ولا يصلح ببلد غيره» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: «بكة» : بك الناس بعضهم بعضا، الرجال والنساء يصلي بعضهم بين يدي بعض، لا يصلح ذلك إلا بمكة " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، قال: «بكة» : موضع البيت، و «مكة» : ما حولها " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أزهر، عن غالب بن عبيد الله، أنه سأل ابن شهاب عن بكة: " البيت والمسجد، وسأله 05P597 عن مكة، فقال ابن شهاب: " مكة: الحرم كله " حدثنا الحسين،.

قسم V05/P593–V05/P597Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P593–V05/P597)

قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، ومجاهد، قالا " بكة: بك فيها الرجال والنساء " حدثني عبد الجبار بن يحيى الرملي، قال: قال ضمرة بن ربيعة " بكة: المسجد، ومكة: البيوت " وقال بعضهم بما: حدثني به يحيى بن أبي طالب قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة} [آل عمران: 96] قال: «هي مكة» وقيل: {مباركا} [آل عمران: 96] لأن الطواف به مغفرة للذنوب، فأما نصب قوله: {مباركا} [آل عمران: 96] فإنه على الخروج من قوله: {وضع} [آل عمران: 96] ؛ لأن في «وضع» ذكرا من البيت هو به مشغول وهو معرفة، و «مباركا» نكرة لا يصلح أن يتبعه في الإعراب، وأما على قول من قال: هو أول بيت وضع للناس على ما ذكرنا في ذلك قول من ذكرنا قوله، فإنه نصب على الحال من قوله: {للذي ببكة} [آل عمران: 96] ؛ لأن معنى الكلام على قولهم: إن أول بيت وضع للناس، البيت ببكة مباركا. فالبيت عندهم من صفته «الذي ببكة» ، و «الذي» بصلته معرفة، و «المبارك» نكرة؛ فنصب على القطع منه في قول بعضهم، وعلى الحال في قول بعضهم، و «هدى» في موضع نصب على العطف على قوله «مباركا» 05P598

قسم V05/P597–V05/P599Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P597–V05/P599)

[آل عمران: 97] القول في تأويل قوله تعالى: {فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه قراء الأمصار: {فيه آيات بينات} [آل عمران: 97] على جماع آية، بمعنى: فيه علامات بينات، وقرأ ذلك ابن عباس (فيه آية بينة) يعني بها مقام إبراهيم، يراد بها علامة واحدة ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {فيه آيات بينات} [آل عمران: 97] وما تلك الآيات، فقال بعضهم: مقام إبراهيم والمشعر الحرام، ونحو ذلك ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فيه آيات بينات} [آل عمران: 97] «مقام إبراهيم، والمشعر» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، ومجاهد: {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} [آل عمران: 97] قالا: «مقام إبراهيم من الآيات 05P599 البينات» وقال آخرون: الآيات البينات {مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد، عن الحسن، في قوله: {فيه آيات بينات} [آل عمران: 97] قال: {مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] وقال آخرون: الآيات البينات: هو مقام إبراهيم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} [آل عمران: 97] " أما الآيات البينات: فمقام إبراهيم " وأما الذين قرءوا ذلك: (فيه آية بينة) على التوحيد، فإنهم عنوا بالآية البينة مقام إبراهيم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن 05P600 أبي نجيح، عن مجاهد: {فيه آيات بينات} [آل عمران: 97] قال: «قدماه في المقام آية بينة» يقول: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] قال: «هذا شيء آخر» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد (فيه آية بينة مقام إبراهيم) قال: «أثر قدميه في المقام آية بينة» وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قول من قال: الآيات البينات منهن مقام إبراهيم، وهو قول قتادة ومجاهد الذي رواه معمر عنهما، فيكون الكلام مرادا فيهن «منهن» ، فترك ذكره اكتفاء بدلالة الكلام عليها. فإن قال قائل: فهذا المقام من الآيات البينات، فما سائر الآيات التي من أجلها قيل: {آيات بينات} [البقرة: 99] ؟ قيل: منهن: المقام، ومنهن الحجر، ومنهن الحطيم، وأصح القراءتين في ذلك قراءة من قرأ {فيه آيات بينات} [آل عمران: 97] على الجماع، لإجماع قراء أمصار المسلمين على أن ذلك هو القراءة الصحيحة دون غيرها. وأما اختلاف أهل التأويل في تأويل: {مقام إبراهيم} [البقرة: 125] فقد ذكرناه في سورة البقرة، وبينا أولى الأقوال بالصواب فيه هنالك وأنه عندنا: المقام المعروف به. 05P601 فتأويل الآية إذا: إن أول بيت وضع للناس مباركا وهدى للعالمين، للذي ببكة، فيه علامات من قدرة الله وآثار خليله إبراهيم منهن أثر قدم خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم في الحجر الذي قام عليه 05P600

قسم V05/P599–V05/P602Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P599–V05/P602)

[آل عمران: 97] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله الخبر عن أن كل من جر في الجاهلية جريرة ثم عاد بالبيت لم يكن بها مأخوذا حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] «وهذا كان في الجاهلية، كان الرجل لو جر كل جريرة على نفسه ثم ألجأ إلى حرم الله، لم يتناول ولم يطلب؛ فأما في الإسلام، فإنه لا يمنع من حدود الله، من سرق فيه قطع، ومن زنى فيه أقيم عليه الحد، من قتل فيه قتل» وعن قتادة أن الحسن كان يقول: «إن الحرم لا يمنع من حدود الله، لو أصاب حدا في غير الحرم فلجأ إلى الحرم لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد» ورأى قتادة ما قاله الحسن حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] قال: «كان ذلك في الجاهلية، فأما اليوم 05P602 فإن سرق فيه أحد قطع، وإن قتل فيه قتل، ولو قدر فيه على المشركين قتلوا» حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، قال: ثنا خصيف، عن مجاهد، في الرجل يقتل، ثم يدخل الحرم، قال: " يؤخذ فيخرج من الحرم، ثم يقام عليه الحد، يقول: القتل " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن حماد، مثل قول مجاهد حدثنا أبو كريب، وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا هشام، عن الحسن، وعطاء، في الرجل يصيب الحد، ويلجأ إلى الحرم: «يخرج من الحرم فيقام عليه الحد» فتأويل الآية على قول هؤلاء: فيه آيات بينات مقام إبراهيم، والذي دخله من الناس كان آمنا بها في الجاهلية. وقال آخرون: معنى ذلك: ومن يدخله يكن آمنا بها، بمعنى الجزاء، كنحو قول القائل: من قام لي أكرمته: بمعنى من يقم لي أكرمه، وقالوا: هذا أمر كان في الجاهلية، كان الحرم مفزع كل خائف، وملجأ كل جان؛ لأنه لم يكن يهاج له ذو جريرة، ولا يعرض الرجل فيه لقاتل أبيه وابنه بسوء، قالوا: وكذلك هو في الإسلام؛ لأن الإسلام زاده تعظيما وتكريما ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خصيف، قال ثنا مجاهد، قال: قال ابن عباس: " إذا أصاب الرجل الحد قتل أو سرق، فدخل الحرم، ولم يبايع ولم يؤو حتى يتبرم فيخرج من الحرم، فيقام عليه الحد، قال: فقلت لابن عباس: ولكني لا أرى ذلك، أرى أن يؤخذ برمته، ثم يخرج من الحرم، فيقام عليه الحد، فإن الحرم لا يزيده إلا شدة " حدثنا أبو كريب، وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا عبد الملك، عن عطاء، قال: أخذ ابن الزبير سعدا مولى معاوية، وكان في قلعة بالطائف، فأرسل إلى ابن عباس من يشاوره فيهم، إنهم لنا عين، فأرسل إليه ابن عباس: «لو وجدت قاتل أبي لم أعرض له» ، قال: فأرسل إليه ابن الزبير: ألا نخرجهم من الحرم؟ قال: فأرسل إليه ابن عباس: «أفلا قبل أن تدخلهم الحرم؟

قسم V05/P602–V05/P606Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P602–V05/P606)

» زاد أبو السائب في حديثه «فأخرجهم فصلبهم، ولم يصغ إلى قول ابن عباس» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: " من أحدث حدثا في، غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم ولم يعرض له ولم يبايع ولم يكلم ولم يؤو حتى يخرج من الحرم، فإذا خرج من الحرم أخذ فأقيم عليه الحد، قال: ومن أحدث في الحرم حدثا أقيم عليه الحد " حدثنا أبو كريب قال: ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن نصر السلمي، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال : «من أحدث حدثا ثم استجار بالبيت فهو آمن، وليس للمسلمين أن يعاقبوه على شيء إلى أن يخرج، فإذا خرج أقاموا عليه الحد» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عمر، قال: «لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته» حدثنا أبو كريب، وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا ليث، عن عطاء: أن الوليد بن عتبة، أراد أن يقيم الحد، في الحرم، فقال له عبيد بن عمير: «لا تقم عليه الحد في الحرم إلا أن يكون أصابه فيه» حدثنا أبو كريب، وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا مطرف، عن عامر، قال: «إذا أصاب الحد، ثم هرب إلى الحرم، فقد أمن، فإذا أصابه في الحرم أقيم عليه الحد في الحرم» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن فراس، عن الشعبي، قال: «من أصاب حدا في الحرم ومن أصابه خارجا من الحرم ثم دخل الحرم، لم يكلم ولم يبايع حتى يخرج من الحرم، فيقام عليه» حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، وعن عبد الملك، عن عطاء بن أبي رباح، في الرجل يقتل، ثم يدخل الحرم، قال: «لا يبيعه أهل مكة، ولا يشترون منه، ولا يسقونه ولا يطعمونه، ولا يؤونه عد أشياء كثيرة - حتى يخرج من الحرم، فيؤخذ بذنبه» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أن الرجل، إذا أصاب حدا ثم دخل الحرم أنه لا يطعم، ولا يسقى، ولا يؤوى، ولا يكلم، ولا ينكح، ولا يبايع، فإذا خرج منه أقيم عليه الحد» حدثني المثنى، قال: ثني حجاج، قال: ثنا حماد، عن عمرو بن دينار، عن 05P606 ابن عباس، قال: «إذا أحدث الرجل حدثا، ثم دخل الحرم، لم يؤو ولم يجالس، ولم يبايع، ولم يطعم، ولم يسق، حتى يخرج من الحرم» حدثني المثنى، قال : ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما قوله: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] «فلو أن رجلا قتل رجلا، ثم أتى الكعبة فعاذ بها، ثم لقيه أخو المقتول لم يحل له أبدا أن يقتله» وقال آخرون: معنى ذلك: ومن دخله يكن آمنا من النار ذكر من قال ذلك: حدثنا علي بن مسلم، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا رزيق بن مسلم المخزومي، قال: ثنا زياد بن أبي عياض، عن يحيى بن جعدة، في قوله: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] قال: «آمنا من النار» وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قول ابن الزبير، ومجاهد، والحسن، ومن قال معنى ذلك: ومن دخله من غيره ممن لجأ إليه عائذا به كان آمنا ما كان فيه، 05P607 ولكنه يخرج منه فيقام عليه الحد إن كان أصاب ما يستوجبه في غيره ثم لجأ إليه، وإن كان أصابه فيه أقيم عليه فيه. فتأويل الآية إذا: فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ومن يدخله من الناس مستجيرا به يكن آمنا مما استجار منه ما كان فيه، حتى يخرج منه. فإن قال قائل: وما منعك من إقامة الحد عليه فيه؟

قسم V05/P606Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P606)

قيل: لاتفاق جميع السلف على أن من كانت جريرته في غيره ثم عاذ به، فإنه لا يؤخذ بجريرته فيه. وإنما اختلفوا في صفة إخراجه منه لأخذه بها، فقال بعضهم: صفة ذلك منعه المعاني التي يضطر مع منعه وفقده إلى الخروج منه. وقال آخرون: لا صفة لذلك غير إخراجه منه بما أمكن إخراجه من المعاني التي توصل إلى إقامة حد الله معها، فلذلك قلنا: غير جائز إقامة الحد عليه فيه إلا بعد إخراجه منه، فأما من أصاب الحد فيه، فإنه لا خلاف بين الجميع في أنه يقام عليه فيه الحد، فكلتا المسألتين أصل مجمع على حكمها على ما وصفنا. فإن قال لنا قائل: وما دلالتك على أن إخراج العائذ بالبيت إذا أتاه مستجيرا به من جريرة جرها أو من حد أصابه من الحرم جائز لإقامة الحد عليه وأخذه بالجريرة، وقد أقررت بأن الله عز وجل قد جعل من دخله آمنا، ومعنى الآمن غير معنى الخائف، فيما هما فيه مختلفان؟ 05P608 قيل: قلنا ذلك لإجماع الجميع من المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة، على أن إخراج العائذ به من جريرة أصابها أو فاحشة أتاها وجبت عليه به عقوبة منه ببعض معاني الإخراج لأخذه بما لزمه، واجب على إمام المسلمين وأهل الإسلام معه. وإنما اختلفوا في السبب الذي يخرج به منه، فقال بعضهم: السبب الذي يجوز إخراجه به منه ترك جميع المسلمين مبايعته وإطعامه وسقيه وإيواءه وكلامه وما أشبه ذلك من المعاني التي لا قرار للعائذ به فيه مع بعضها، فكيف مع جميعها؟ وقال آخرون منهم: بل إخراجه لإقامة ما لزمه من العقوبة واجب بكل معاني الإخراج، فلما كان إجماعا من الجميع على أن حكم الله - فيمن عاذ بالبيت من حد أصابه أو جريرة جرها إخراجه منه لإقامة ما فرض الله على المؤمنين إقامته عليه، ثم اختلفوا في السبب الذي يجوز إخراجه به منه كان اللازم لهم ولإمامهم إخراجه منه بأي معنى أمكنهم إخراجه منه حتى يقيموا عليه الحد الذي لزمه خارجا منه إذا كان لجأ إليه من خارج على ما قد بينا قبل. وبعد: فإن الله عز وجل لم يضع حدا من حدوده عن أحد من خلقه من أجل بقعة وموضع صار إليها من لزمه ذلك، وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة» ولا خلاف بين جميع الأمة 05P609 أن عائذا لو عاذ من عقوبة لزمته بحرم النبي صلى الله عليه وسلم يؤاخذ بالعقوبة فيه، ولولا ما ذكرت من إجماع السلف على أن حرم إبراهيم لا يقام فيه على من عاذ به من عقوبة لزمته حتى يخرج منه ما لزمه، لكان أحق البقاع أن تؤدى فيه فرائض الله التي ألزمها عباده من قتل أو غيره أعظم البقاع إلى الله كحرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنا أمرنا بإخراج من أمرنا بإخراجه من حرم الله لإقامة الحد لما ذكرنا من فعل الأمة ذلك وراثة. فمعنى الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا: ومن دخله كان آمنا ما كان فيه، فإذا كان ذلك كذلك، فمن لجأ إليه من عقوبة لزمته عائذا به، فهو آمن ما كان به حتى يخرج منه، وإنما يصير إلى الخوف بعد الخروج أو الإخراج منه، فحينئذ هو غير داخله، ولا هو فيه 05P606

قسم V05/P606–V05/P611Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P606–V05/P611)

[آل عمران: 97] القول في تأويل قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] يعني بذلك جل ثناؤه: وفرض واجب لله على من استطاع من أهل التكليف السبيل إلى حج بيته الحرام الحج إليه، وقد بينا فيما مضى معنى الحج ودللنا على صحة ما قلنا من معناه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع واختلف أهل التأويل في تأويل قوله عز وجل: {من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] ، وما 05P610 السبيل التي يجب مع استطاعتها فرض الحج؟ فقال بعضهم: هي الزاد والراحلة ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: {من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قال: «الزاد والراحلة» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عمرو بن دينار: «الزاد والراحلة» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن أبي جناب، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: {من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قال: «الزاد والبعير» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] " والسبيل: أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به " حدثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي عبد الله البجلي، قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله: {من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قال: قال ابن عباس: «من ملك ثلاثمائة درهم، فهو السبيل إليه» حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، عن إسحاق بن عثمان، قال: سمعت عطاء، يقول: " السبيل: الزاد والراحلة " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " أما من استطاع إليه سبيلا، فإن ابن عباس قال: " السبيل: راحلة وزاد " حدثني المثنى، وأحمد بن حازم، قالا: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير: {من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قال: «الزاد والراحلة» حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: أخبرنا الربيع بن صبيح، عن الحسن، قال: «الزاد والراحلة» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الحسن، قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] 05P612 فقال رجل: يا رسول الله، ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة» واعتل قائلو هذه المقالة بأخبار رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ما قالوا في ذلك ذكر الرواية بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إبراهيم بن يزيد الخوزي، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر، يحدث عن ابن عمر، قال: قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة» حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم الخوزي، عن محمد بن عباد، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال في قوله عز وجل: {من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قال: «السبيل إلى الحج الزاد والراحلة» حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا يونس، وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال: ثنا ابن علية، عن يونس، عن 05P613 الحسن، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قالوا: يا رسول الله، ما السبيل؟ قال.

قسم V05/P611–V05/P614Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P611–V05/P614)

«الزاد والراحلة» حدثنا أبو عثمان المقدمي، والمثنى بن إبراهيم، قالا: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هلال بن عبيد الله، مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي، قال: ثنا أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا، وذلك أن الله عز وجل يقول في كتابه: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] الآية " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، قال له قائل، أو رجل: يا رسول الله، ما السبيل إليه؟ قال: «من وجد زادا وراحلة» حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، قال: ثنا شاذ بن فياض البصري، قال: ثنا هلال أبو هاشم، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ملك زادا وراحلة فلم 05P614 يحج مات يهوديا أو نصرانيا؛ وذلك أن الله يقول في كتابه: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] " الآية حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة وحميد، عن الحسن، أن رجلا قال: يا رسول الله، ما السبيل إليه؟ قال: «الزاد والراحلة» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله وقال آخرون: السبيل التي إذا استطاعها المرء كان عليه الحج: الطاقة للوصول إليه، قال: وذلك قد يكون بالمشي وبالركوب، وقد يكون مع وجودهما العجز عن الوصول إليه، بامتناع الطريق من العدو الحائل، وبقية الماء وما أشبه ذلك، قالوا: فلا بيان في ذلك أبين مما بينه الله عز وجل بأن يكون مستطيعا إليه السبيل، وذلك الوصول إليه بغير مانع ولا حائل بينه وبينه، وذلك قد يكون بالمشي وحده، وإن أعوزه المركب، وقد يكون بالمركب وغير ذلك ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن 05P615 خالد بن أبي كريمة، عن رجل، عن ابن الزبير، قوله: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قال: «على قدر القوة» حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قال: " الزاد والراحلة، فإن كان شابا صحيحا ليس له مال، فعليه أن يؤاجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضي حجته، فقال له قائل: كلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت؟ فقال: لو أن لبعضهم ميراثا بمكة أكان تاركه؟ والله لانطلق إليه ولو حبوا، كذلك يجب عليه الحج " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: «من وجد شيئا يبلغه فقد وجد سبيلا» ، كما قال الله عز وجل.

قسم V05/P614–V05/P617Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P614–V05/P617)

{من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا أبو هانئ، قال: سئل عامر عن هذه الآية: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قال: " السبيل: ما يسره الله " حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد، عن الحسن: «من وجد شيئا يبلغه فقد استطاع إليه سبيلا» وقال آخرون: السبيل إلى ذلك: الصحة ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن حميد، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، والمثنى بن إبراهيم، قالوا: حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، قال: ثنا حيوة بن شريح، وابن لهيعة، قالا: أخبرنا شرحبيل بن شريك المعافري، أنه سمع عكرمة، مولى ابن عباس يقول في هذه الآية : {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قال: " السبيل: الصحة " وقال آخرون بما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله عز وجل: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قال: " من وجد قوة في النفقة والجسد والحملان، قال: وإن كان في جسده ما لا يستطيع الحج فليس عليه الحج، وإن كان له قوة في مال، كما إذا كان صحيح الجسد ولا يجد مالا ولا قوة، يقولون: لا يكلف أن يمشي " وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قول من قال بقول ابن الزبير وعطاء أن ذلك على قدر الطاقة؛ لأن السبيل في كلام العرب: الطريق، فمن كان واجدا طريقا إلى الحج لا مانع له منه من زمانه، أو عجز، أو عدو، أو قلة ماء في طريقه، أو زاد، وضعف عن المشي، فعليه فرض الحج لا يجزيه إلا أداؤه فإن لم يكن واجدا سبيلا، أعني بذلك: فإن لم يكن مطيقا الحج بتعذر بعض هذه المعاني التي وصفناها عليه، فهو ممن لا يجد إليه طريقا، ولا يستطيعه؛ لأن الاستطاعة إلى ذلك هو القدرة عليه، ومن كان عاجزا عنه ببعض الأسباب التي ذكرنا أو بغير ذلك، فهو غير مطيق ولا مستطيع إليه السبيل. وإنما قلنا: هذه المقالة أولى بالصحة مما خالفها؛ لأن الله عز وجل لم يخصص إذ ألزم الناس فرض الحج بعض مستطيعي السبيل إليه بسقوط فرض ذلك عنه فذلك على كل مستطيع إليه سبيلا بعموم الآية، فأما الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بأنه الزاد والراحلة، فإنها أخبار في أسانيدها نظر، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدين. واختلف القراء في قراءة الحج، فقرأ ذلك جماعة من قراء أهل المدينة والعراق بالكسر: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ، وقرأ ذلك جماعة أخر منهم بالفتح: (ولله على الناس حج البيت) وهما لغتان معروفتان للعرب، فالكسر لغة أهل نجد، والفتح لغة أهل العالية، ولم نر أحدا من أهل العربية ادعى فرقا بينهما في معنى ولا غيره غير ما ذكرنا من اختلاف اللغتين إلا ما: حدثنا به أبو هشام الرفاعي، قال: قال حسين الجعفي: " الحج مفتوح: اسم، والحج مكسور: عمل «وهذا قول لم أر أهل المعرفة بلغات العرب ومعاني كلامهم يعرفونه، بل رأيتهم مجمعين على ما وصفت من أنهما لغتان بمعنى واحد. والذي نقول به في قراءة ذلك أن القراءتين إذ كانتا مستفيضتين في قراءة أهل الإسلام، ولا اختلاف بينهما في معنى ولا غيره، فهما قراءتان قد جاءتا مجيء الحجة، فبأي القراءتين - أعني بكسر الحاء من» الحج «أو فتحها - قرأ القارئ فمصيب الصواب في قراءته. وأما» من " التي مع قوله: {من استطاع} [آل عمران: 97] فإنه في موضع خفض على الإبدال من الناس؛ لأن معنى الكلام: ولله على من استطاع من الناس سبيلا إلى حج البيت حجه؛ فلما تقدم ذكر الناس قبل «من» بين بقوله: {من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] ، الذي عليه فرض ذلك منهم؛ لأن فرض ذلك على بعض الناس دون جميعهم 05P618

%0
10 Bölüm

الأسئلة