Qur'an&Sunnahالقرآن

Taberî — Câmiü'l-Beyân

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ) · AR

قسم V05/P670–V05/P676Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P670–V05/P676)

[آل عمران: 110] القول في تأويل قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم، منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} [آل عمران: 110] اختلف أهل التأويل في قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] فقال بعضهم: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة، وخاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال في: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] قال: «هم الذين خرجوا معه من مكة» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، عن قيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] قال: «هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110] 05P672 قال عمر بن الخطاب: «لو شاء الله لقال» أنتم «، فكنا كلنا،» ولكن قال: {كنتم} [البقرة: 23] «في خاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن صنع مثل صنيعهم، كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» حدثنا القاسم ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قال عكرمة: «نزلت في ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل، عن السدي، عمن حدثه قال عمر: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] قال: «تكون لأولنا، ولا تكون لآخرنا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] قال: «هم الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قال في حجة حجها ورأى من الناس رعة سيئة، فقرأ هذه: {كنتم 05P673 خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] الآية، ثم قال: «يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله منها» حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] قال: «هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، يعني وكانوا هم الرواة الدعاة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم» وقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خير أمة أخرجت للناس، إذ كنتم بهذه الشروط التي وصفهم جل ثناؤه بها، فكان تأويل ذلك عندهم: كنتم خير أمة تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله أخرجوا للناس في زمانكم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] يقول: " على هذا الشرط أن تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله، يقول: لمن أنتم بين ظهرانيه " كقوله: {ولقد اخترناهم على علم على العالمين} [الدخان: 32] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] قال: يقول: «كنتم خير الناس للناس، على هذا الشرط أن تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله، يقول لمن بين ظهريه» كقوله: {ولقد اخترناهم على علم على العالمين} [الدخان: 32] وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] قال: «كنتم خير الناس للناس، تجيئون بهم في السلاسل، تدخلونهم في الإسلام» حدثنا عبيد بن أسباط، قال: ثنا أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، في قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] قال: «خير الناس للناس» وقال آخرون: إنما قيل: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] لأنهم أكثر الأمم استجابة للإسلام ذكر من قال ذلك: حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110] قال: «لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة» فمن ثم 05P675 قال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] وقال بعضهم: عنى بذلك أنهم كانوا خير أمة أخرجت للناس ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن، في قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110] قال: «قد كان ما تسمع من الخير في هذه الأمة» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: «نحن آخرها وأكرمها على الله» قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قال الحسن وذلك أن: يعقوب بن إبراهيم، حدثني قال: ثنا ابن علية، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا 05P676 معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه ، عن جده أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] قال: «أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم، وهو مسند ظهره إلى الكعبة: «نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرها» وأما قوله: {تأمرون بالمعروف} [آل عمران: 110] فإنه يعني: تأمرون بالإيمان بالله ورسوله، والعمل بشرائعه {وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110] يعني: وتنهون عن الشرك بالله، وتكذيب رسوله، وعن العمل بما نهى عنه كما: حدثنا علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] يقول: " تأمرونهم بالمعروف أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف، وتنهونهم عن المنكر، والمنكر: هو التكذيب، وهو أنكر المنكر " وأصل المعروف: كل ما كان معروفا ففعله جميل مستحسن غير مستقبل في أهل الإيمان بالله.

قسم V05/P676Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P676)

وإنما سميت طاعة الله معروفا؛ لأنه مما يعرفه أهل الإيمان ولا 05P677 يستنكرون فعله، وأصل المنكر ما أنكره الله، ورأوه قبيحا فعله، ولذلك سميت معصية الله منكرا، لأن أهل الإيمان بالله يستنكرون فعلها، ويستعظمون ركوبها وقوله: {وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110] يعني: تصدقون بالله، فتخلصون له التوحيد والعبادة. فإن سأل سائل فقال: وكيف قيل: {كنتم خير أمة} [آل عمران: 110] وقد زعمت أن تأويل الآية أن هذه الأمة خير الأمم التي مضت، وإنما يقال: كنتم خير أمة، لقوم كانوا خيارا فتغيروا عما كانوا عليه؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما ذهبت إليه، وإنما معناه: أنتم خير أمة، كما قيل: {واذكروا إذ أنتم قليل} [الأنفال: 26] ، وقد قال في موضع آخر: {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم} [الأعراف: 86] فإدخال «كان» في مثل هذا وإسقاطها بمعنى واحد، لأن الكلام معروف معناه، ولو قال أيضا في ذلك قائل: كنتم بمعنى التمام، كان تأويله: خلقتم خير أمة، أو وجدتم خير أمة، كان معنى صحيحا، وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى ذلك: كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ أخرجت للناس، والقولان الأولان اللذان قلنا أشبه بمعنى الخبر الذي رويناه قبل. وقال آخرون معنى ذلك: كنتم خير أهل طريقة، وقال: الأمة الطريقة 05P676

قسم V05/P676–V05/P678Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P676–V05/P678)

[آل عمران: 110] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم، منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} [آل عمران: 110] يعني بذلك تعالى ذكره: ولو صدق أهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاءهم به من عند الله، لكان خيرا لهم عند الله في عاجل دنياهم، وآجل آخرتهم {منهم المؤمنون} [آل عمران: 110] يعني من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، المؤمنون المصدقون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاءهم به من عند الله، وهم عبد الله بن سلام، وأخوه، وثعلبة بن سعية وأخوه، وأشباههم ممن آمنوا بالله، وصدقوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، واتبعوا ما جاءهم به من عند الله {وأكثرهم الفاسقون} [آل عمران: 110] يعني: الخارجون عن دينهم، وذلك أن من دين اليهود اتباع ما في التوراة، والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن دين النصارى اتباع ما في الإنجيل، والتصديق به وبما في التوراة، وفي كلا الكتابين صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته، ومبعثه، وأنه نبي الله، وكلتا الفرقتين، أعني اليهود والنصارى مكذبة، فذلك فسقهم وخروجهم عن دينهم الذي يدعون أنهم يدينون به الذي قال جل ثناؤه {وأكثرهم الفاسقون} [آل عمران: 110] وقال قتادة بما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} [آل عمران: 110] «ذم الله أكثر الناس» 05P678 [آل عمران: 111] القول في تأويل قوله تعالى: {لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون} [آل عمران: 111] يعني بذلك جل ثناؤه: لن يضركم يا أهل الإيمان بالله 05P679 ورسوله، هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب بكفرهم، وتكذيبهم نبيكم محمدا صلى الله عليه وسلم شيئا إلا أذى، يعني بذلك ولكنهم يؤذونكم بشركهم، وإسماعكم كفرهم، وقولهم في عيسى وأمه وعزير، ودعائهم إياكم إلى الضلالة، ولا يضرونكم بذلك، وهذا من الاستثناء المنقطع الذي هو مخالف معنى ما قبله، كما قيل ما اشتكى شيئا إلا خيرا، وهذه كلمة محكية عن العرب سماعا. وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لن يضروكم إلا أذى} [آل عمران: 111] يقول: «لن يضروكم إلا أذى تسمعونه منهم» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {لن يضروكم إلا أذى} [آل عمران: 111] قال: «أذى تسمعونه منهم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {لن يضروكم إلا أذى} [آل عمران: 111] قال: «إشراكهم في عزير وعيسى والصليب» حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن، في 05P680 قوله: {لن يضروكم إلا أذى} [آل عمران: 111] الآية، قال: «تسمعون منهم كذبا على الله، يدعونكم إلى الضلالة» 05P679

قسم V05/P678–V05/P680Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P678–V05/P680)

[آل عمران: 111] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون} [آل عمران: 111] يعني بذلك جل ثناؤه: وإن يقاتلكم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، يهزموا عنكم، فيولوكم أدبارهم انهزاما، فقوله: {يولوكم الأدبار} [آل عمران: 111] كناية عن انهزامهم؛ لأن المنهزم يحول ظهره إلى جهة الطالب هربا إلى ملجأ، وموئل يئل إليه منه، خوفا على نفسه، والطالب في أثره، فدبر المطلوب حينئذ يكون محاذي وجه الطالب الهازمة {ثم لا ينصرون} [آل عمران: 111] يعني: ثم لا ينصرهم الله أيها المؤمنون عليكم لكفرهم بالله ورسوله، وإيمانكم بما آتاكم نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله عز وجل قد ألقى الرعب في قلوب كائدكم أيها المؤمنون بنصركم. وهذا وعد من الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان نصرهم على الكفرة من أهل الكتاب. وإنما رفع قوله: {ثم لا ينصرون} [آل عمران: 111] وقد جزم قوله: {يولوكم الأدبار} [آل عمران : 111] على جواب الجزاء ائتنافا للكلام؛ لأن رءوس الآيات قبلها بالنون، فألحق هذه بها، كما قال: {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} [المرسلات: 36] رفعا، وقد قال في موضع آخر: {لا يقضى عليهم فيموتوا} [فاطر: 36] إذ لم يكن رأس آية 05P681

قسم V05/P680–V05/P683Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P680–V05/P683)

[آل عمران: 112] القول في تأويل قوله تعالى: {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وبآءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [آل عمران: 112] يعني بقوله جل ثناؤه {ضربت عليهم الذلة} [آل عمران: 112] ألزموا الذلة، والذلة: الفعلة من الذل، وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع {أينما ثقفوا} [الأحزاب: 61] يعني: حيثما لقوا، يقول جل ثناؤه: ألزم اليهود المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم الذلة أينما كانوا من الأرض، وبأي مكان كانوا من بقاعها من بلاد المسلمين والمشركين، إلا بحبل من الله، وحبل من الناس كما: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وضربت عليهم المسكنة} قال: «أدركتهم هذه الأمة، وإن المجوس لتجبيهم الجزية» حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قل: ثنا عباد، عن الحسن، في قوله: {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من 05P682 الله وحبل من الناس} قال: «أذلهم الله فلا منعة لهم وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين» وأما الحبل الذي ذكره الله في هذا الموضع، فإنه السبب الذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين، وعلى أموالهم وذراريهم من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يثقفوا في بلاد الإسلام كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {إلا بحبل من الله} [آل عمران: 112] قال: «بعهد» {وحبل من الناس} [آل عمران: 112] قال: «بعهدهم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} يقول: «إلا بعهد من الله، وعهد من الناس» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد، عن عثمان بن غياث، قال عكرمة: يقول: {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} [آل عمران: 112] قال: «بعهد من الله، وعهد من الناس» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} [آل عمران: 112] يقول: «إلا بعهد من الله، وعهد من الناس» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} [آل عمران: 112] يقول: «إلا بعهد من الله، وعهد من الناس» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} " فهو عهد من الله، وعهد من الناس، كما يقول الرجل: ذمة الله، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو الميثاق " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: {أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} قال: «بعهد من الله، وعهد من الناس لهم» قال ابن جريج وقال عطاء " العهد: حبل الله " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} قال: " إلا بعهد وهم يهود، قال: والحبل: العهد " قال: وذلك قول أبي الهيثم بن التيهان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتته الأنصار في العقبة: " أيها الرجل إنا قاطعون فيك حبالا بيننا وبين الناس، يقول: عهودا " قال: " واليهود لا يأمنون في أرض من أرض الله إلا بهذا الحبل الذي 05P684 لله قال عز وجل، وقرأ: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} [آل عمران: 55] ، قال: فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق يهود في شرق ولا غرب هم في البلدان كلها مستذلون، قال الله: {وقطعناهم في الأرض أمما} [الأعراف: 168] يهود " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، في قوله: {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} [آل عمران: 112] يقول: «بعهد من الله، وعهد من الناس» حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله.

قسم V05/P683–V05/P686Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P683–V05/P686)

واختلف أهل العربية في المعنى الذي جلب الباء في قوله: {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} [آل عمران: 112] فقال بعض نحويي الكوفة: الذي جلب الباء في قوله: {بحبل} [آل عمران: 103] فعل مضمر قد ترك ذكره، قال: ومعنى الكلام: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا أن يعتصموا بحبل من الله، فأضمر ذلك، واستشهد لقوله ذلك بقول الشاعر: [+البحر الطويل] رأتني بحبليها فصدت مخافة وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق وقال: أراد: أقبلت بحبليها، وبقول الآخر: [+البحر الوافر] حنتني حانيات الدهر حتى كأني خاتل أحنو لصيد فأوجب إعمال فعل محذوف وإظهار صلته وهو متروك، وذلك في مذاهب العربية ضعيف، ومن كلام العرب بعيد، وأما ما استشهد به لقوله من الأبيات، فغير دال على صحة دعواه؛ لأن في قول الشاعر: «رأتني بحبليها» دلالة بينة في أنها رأته بالحبل ممسكا، ففي إخباره عنها أنها رأته بحبليها إخبار منه أنها رأته ممسكا بالحبلين، فكان فيما ظهر من الكلام مستغنى عن ذكر الإمساك، وكانت الباء صلة لقوله: «رأتني» ، كما في قول القائل: أنا بالله مكتف بنفسه، ومعرفة السامع معناه أن تكون الباء محتاجة إلى كلام يكون لها جالبا غير الذي ظهر، وأن المعنى أنا بالله مستعين. وقال بعض نحويي البصرة: قوله: {إلا بحبل من الله} [آل عمران: 112] استثناء خارج من أول الكلام، قال: وليس ذلك بأشد من قوله: {لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما} [مريم: 62] ، وقال آخرون من نحويي الكوفة: هو استثناء متصل، والمعنى: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا: أي بكل مكان، إلا بموضع حبل من الله، كما تقول: ضربت عليهم الذلة في الأمكنة إلا في هذا المكان، وهذا أيضا طلب الحق، فأخطأ المفصل، وذلك أنه زعم أنه استثناء متصل، ولو كان متصلا كما زعم لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس غير مضروبة عليهم المسكنة، وليس ذلك صفة اليهود؛ لأنهم أينما ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس، أو بغير حبل من الله عز وجل، وغير حبل من الناس، فالذلة مضروبة عليهم على ما ذكرنا عن أهل التأويل قبل، فلو كان قوله: {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} [آل عمران: 112] استثناء متصلا لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بعهد وذمة أن لا تكون الذلة مضروبة عليهم. وذلك خلاف ما وصفهم الله به من صفتهم، وخلاف ما هم به من الصفة، فقد تبين أيضا بذلك فساد قول هذا القائل أيضا، ولكن القول عندنا أن الباء في قوله: {إلا بحبل من الله} [آل عمران: 112] أدخلت لأن الكلام الذي قبل الاستثناء مقتض في المعنى الباء، وذلك أن معنى قولهم: {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا} ضربت عليهم الذلة بكل مكان ثقفوا، ثم قال: {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} [آل عمران: 112] على غير وجه الاتصال بالأول، ولكنه على الانقطاع عنه، ومعناه: ولكن يثقفون بحبل من الله وحبل من الناس، كما قيل: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} فالخطأ وإن كان منصوبا بما عمل فيما قبل الاستثناء، فليس قوله باستثناء متصل بالأول بمعنى إلا خطأ، فإن له قتله كذلك، ولكن معناه: ولكن قد يقتله خطأ، فكذلك قوله: {أينما ثقفوا إلا بحبل من الله} وإن كان الذي جلب الباء التي بعد إلا الفعل الذي يقتضيها قبل إلا، فليس الاستثناء بالاستثناء المتصل بالذي قبله بمعنى أن القوم إذا لقوا، فالذلة زائلة عنهم، بل الذلة ثابتة بكل حال، ولكن معناه ما بينا آنفا 05P687

قسم V05/P686–V05/P688Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P686–V05/P688)

[آل عمران: 112] القول في تأويل قوله تعالى: {وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق} [آل عمران: 112] يعني تعالى ذكره: {وباءوا بغضب من الله} وتحملوا غضب الله، فانصرفوا به مستحقيه، وقد بينا أصل ذلك بشواهده، ومعنى المسكنة، وأنها ذل الفاقة والفقر وخشوعهما، ومعنى الغضب من الله فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقوله: {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} [البقرة: 61] يعني جل ثناؤه بقوله ذلك: أي بوؤهم الذي باءوا به من غضب الله، وضرب الذلة عليهم بدلا مما كانوا يكفرون بآيات الله، يقول: مما كانوا يجحدون أعلام الله وأدلته على صدق أنبيائه، وما فرض عليهم من فرائضه {ويقتلون الأنبياء بغير حق} [آل عمران: 112] يقول: وبما كانوا يقتلون أنبياءهم ورسل الله إليهم، اعتداء على الله، وجراءة عليه بالباطل، وبغير حق استحقوا منهم القتل. فتأويل الكلام: ألزموا الذلة بأي مكان لقوا إلا بذمة من الله وذمة من الناس، وانصرفوا بغضب من الله متحمليه، وألزموا ذل الفاقة، وخشوع الفقر، بدلا مما كانوا يجحدون بآيات الله، وأدلته وحججه ويقتلون أنبياءه بغير حق ظلما واعتداء 05P688 [آل عمران: 112] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [آل عمران: 112] يقول تعالى ذكره: فعلنا بهم ذلك بكفرهم وقتلهم الأنبياء ومعصيتهم ربهم، واعتدائهم أمر ربهم، وقد بينا معنى الاعتداء في غير موضع فيما مضى من كتابنا بما فيه الكفاية عن إعادته، فأعلم ربنا جل ثناؤه عباده، ما فعل بهؤلاء القوم من أهل الكتاب، من إحلال الذلة والخزي بهم في عاجل الدنيا، مع ما ادخر لهم في الأجل من العقوبة والنكال، وأليم العذاب، إذ تعدوا حدود الله، واستحلوا محارمه تذكيرا منه تعالى ذكره لهم، وتنبيها على موضع البلاء الذي من قبله أتوا لينيبوا ويذكروا وعظة منه لأمتنا أن لا يستنوا بسنتهم، ويركبوا منهاجهم، فيسلك بهم مسالكهم، ويحل بهم من نقم الله ومثلاته ما أحل بهم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [البقرة: 61] «اجتنبوا المعصية والعدوان، فإن بهما أهلك من أهلك قبلكم من الناس» 05P689

قسم V05/P688–V05/P690Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P688–V05/P690)

[آل عمران: 113] القول في تأويل قوله تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} [آل عمران: 113] يعني بقوله جل ثناؤه: {ليسوا سواء} [آل عمران: 113] ليس فريقا أهل الكتاب، أهل الإيمان منهم والكفر سواء، يعني بذلك: أنهم غير متساوين، يقول: ليسوا متعادلين، ولكنهم متفاوتون في الصلاح والفساد والخير والشر. وإنما قيل: ليسوا سواء؛ لأن فيه ذكر الفريقين من أهل الكتاب اللذين ذكرهما الله في قوله: {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} [آل عمران: 110] ، ثم أخبر جل ثناؤه عن حال الفريقين، عنده، المؤمنة منهما والكافرة، فقال: {ليسوا سواء} [آل عمران: 113] أي ليس هؤلاء سواء، المؤمنون منهم والكافرون، ثم ابتدأ الخبر جل ثناؤه عن صفة الفرقة المؤمنة من أهل الكتاب ومدحهم وأثنى عليهم بعدما وصف الفرقة الفاسقة منهم بما وصفها به من الهلع ونخب الجنان، ومحالفة الذل والصغار، وملازمة الفاقة والمسكنة، وتحمل خزي الدنيا وفضيحة الآخرة، فقال: {من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} [آل عمران: 113] الآيات الثلاث، إلى قوله: {والله عليم بالمتقين} [آل عمران: 115] فقوله: {أمة قائمة} [آل عمران: 113] مرفوعة بقوله: {من أهل الكتاب} [البقرة: 105] وقد توهم جماعة من نحويي الكوفة والبصرة والمقدمين منهم في صناعتهم أن ما بعد سواء في هذا الموضع من قوله: {أمة قائمة} [آل عمران: 113] ترجمة عن سواء، وتفسير عنه بمعنى: لا يستوي من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل، وأخرى كافرة، وزعموا أن ذكر الفرقة الأخرى ترك اكتفاء بذكر إحدى الفرقتين، وهي الأمة القائمة، ومثلوه بقول أبي ذؤيب: [+البحر الطويل] عصيت إليها القلب إني لأمرها سميع فما أدري أرشد طلابها ولم يقل: «أم غير رشد» اكتفاء بقوله: «أرشد» من ذكر «أم غير رشد» وبقول الآخر: [+البحر الطويل] أزال فلا أدري أهم هممته وذو الهم قدما خاشع متضائل وهو مع ذلك عندهم خطأ قول القائل المريد أن يقول: سواء أقمت أم قعدت، سواء أقمت حتى يقول أم قعدت، وإنما يجيزون حذف الثاني فيما كان من الكلام مكتفيا بواحد دون ما كان ناقصا عن ذلك، وذلك نحو ما أبالي أو ما أدري، فأجازوا في ذلك ما أبالي أقمت، وهم يريدون: ما أبالي أقمت أم قعدت، لاكتفاء ما أبالي بواحد، وكذلك في ما أدري، وأبوا الإجازة في سواء من أجل نقصانه، وأنه غير مكتف بواحد، فأغفلوا في توجيههم قوله: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة} [آل عمران: 113] على ما حكينا عنهم إلى ما وجهوه إليه مذاهبهم في العربية، إذ أجازوا فيه من الحذف ما هو غير جائز عندهم في الكلام مع سواء، وأخطئوا تأويل الآية، فسواء في هذا الموضع بمعنى التمام والاكتفاء، لا بالمعنى الذي تأوله من حكينا قوله.

قسم V05/P690–V05/P694Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P690–V05/P694)

وقد ذكر أن قوله: {من أهل الكتاب أمة قائمة} [آل عمران: 113] الآيات الثلاث، نزلت في جماعة من اليهود أسلموا، فحسن إسلامهم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام ومنحوا فيه، قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا أشرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله} [آل عمران: 113] إلى قوله: {وأولئك من الصالحين} [آل عمران: 114] " 05P692 حدثنا أبو كريب قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، بنحوه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة} [آل عمران: 113] الآية، يقول: «ليس كل القوم هلك، قد كان لله فيهم بقية» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: {أمة قائمة} [آل عمران: 113] «عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سلام أخوه، وسعية، ومبشر، وأسيد وأسد ابنا كعب» وقال آخرون: معنى ذلك: ليس أهل الكتاب وأمة محمد القائمة بحق الله سواء عند الله ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الحسن بن يزيد العجلي، عن عبد الله بن مسعود، أنه كان يقول في قوله: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة} [آل عمران: 113] قال: «لا يستوي أهل الكتاب، 05P693 وأمة محمد صلى الله عليه وسلم» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة} [آل عمران: 113] الآية، يقول: «ليس هؤلاء اليهود كمثل هذه الأمة التي هي قائمة» وقد بينا أن أولى القولين بالصواب في ذلك قول من قال: قد تمت القصة عند قوله: {ليسوا سواء} [آل عمران: 113] عن إخبار الله بأمر مؤمني أهل الكتاب، وأهل الكفر منهم، وأن قوله: {من أهل الكتاب أمة قائمة} [آل عمران: 113] خبر مبتدأ عن مدح مؤمنيهم، ووصفهم بصفتهم، على ما قاله ابن عباس، وقتادة، وابن جريج. ويعني جل ثناؤه بقوله: {أمة قائمة} [آل عمران: 113] جماعة ثابتة على الحق. وقد دللنا على معنى الأمة فيما مضى بما أغنى عن إعادته. وأما القائمة، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناها: العادلة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أمة قائمة} [آل عمران: 113] من قال: «عادلة» 05P694 وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنها قائمة على كتاب الله وما أمر به فيه ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {أمة قائمة} [آل عمران: 113] يقول: «قائمة على كتاب الله وفرائضه وحدوده» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {أمة قائمة} [آل عمران: 113] يقول: «قائمة على كتاب الله وحدوده وفرائضه » حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {من أهل الكتاب أمة قائمة} [آل عمران: 113] يقول: «أمة مهتدية قائمة على أمر الله، لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه» وقال آخرون.

قسم V05/P694Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V05/P694)

بل معنى قائمة: مطيعة ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {أمة قائمة} [آل عمران: 113] الآية، يقول: «ليس هؤلاء اليهود، كمثل هذه الأمة التي هي قانتة لله، والقانتة المطيعة» وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك ما قاله ابن عباس، وقتادة، ومن قال 05P695 بقولهما على ما روينا عنهم، وإن كان سائر الأقوال الأخر متقاربة المعنى من معنى ما قاله ابن عباس وقتادة في ذلك، وذلك أن معنى قوله: {قائمة} [آل عمران: 113] مستقيمة على الهدى، وكتاب الله وفرائضه، وشرائع دينه، بالعدل والطاعة، وغير ذلك من أسباب الخير من صفة أهل الاستقامة على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونظير ذلك الخبر الذي رواه النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم ركبوا سفينة، ثم ضرب لهم مثلا» فالقائم على حدود الله هو الثابت على التمسك بما أمر الله به واجتناب ما نهاه الله عنه فتأويل الكلام: من أهل الكتاب جماعة معتصمة بكتاب الله، متمسكة به، ثابتة على العمل بما فيه، وما سن له رسوله صلى الله عليه وسلم 05P694

%0
10 Bölüm

الأسئلة