Qur'an&Sunnahالقرآن

Taberî — Câmiü'l-Beyân

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ) · AR

قسم V06/P176–V06/P177Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V06/P176–V06/P177)

لأن الذي هاهنا موقت، فقد خرج من معنى الجزاء، ولو لم يكن في الكلام هذا، لكان جائزا فصيحا؛ لأن الذي يصير حينئذ مجهولا غير موقت، ومن ذلك قول الله عز وجل: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} [الحج: 25] فرد {يصدون} [الحج: 25] على {كفروا} [الحج: 25] ؛ لأن «الذين» غير موقتة، فقوله: {كفروا} [الحج: 25] وإن كان في لفظ ماض، فمعناه الاستقبال، وكذلك قوله: {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا} [مريم: 60] ، وقوله: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34] معناه: إلا الذين يتوبون من قبل أن تقدروا عليهم، وإلا من يتوب ويؤمن، ونظائر ذلك في 06P180 القرآن والكلام كثير؛ والعلة في كل ذلك واحدة، وأما قوله: {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} [آل عمران: 156] فإنه يعني بذلك: حزنا في قلوبهم كما: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {في قلوبهم} [آل عمران: 156] قال: «يحزنهم قولهم لا ينفعهم شيئا» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} [آل عمران: 156] «لقلة اليقين بربهم جل ثناؤه» 06P180

قسم V06/P177–V06/P181Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V06/P177–V06/P181)

[آل عمران: 156] القول في تأويل قوله تعالى: {والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير} [آل عمران: 156] يعني جل ثناؤه بقوله: {والله يحيي ويميت} [آل عمران: 156] والله المعجل الموت لمن يشاء من حيث يشاء، والمميت من يشاء كلما شاء دون غيره من سائر خلقه. وهذا من الله عز وجل ترغيب لعباده المؤمنين على جهاد عدوه، والصبر على قتالهم، وإخراج هيبتهم من صدورهم، وإن قل عددهم، وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله، وإعلام منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده، وأنه لن يموت أحد ولا يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتب له، ونهي منه لهم إذ كان كذلك أن يجزعوا لموت من مات منهم أو قتل من قتل منهم في حرب المشركين. ثم قال جل ثناؤه: {والله بما تعملون بصير} [البقرة: 265] يقول: إن الله يرى ما تعملون من خير وشر، فاتقوه أيها المؤمنون، فإنه محص ذلك كله، حتى يجازي كل عامل بعمله على قدر استحقاقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال ابن إسحاق حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {والله يحيي ويميت} [آل عمران: 156] «أي يعجل ما يشاء ويؤخر ما يشاء من آجالهم بقدرته» 06P181 [آل عمران: 157] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} [آل عمران: 157] يخاطب جل ثناؤه عباده المؤمنين يقول لهم: لا تكونوا أيها المؤمنون في شك من أن الأمور كلها بيد الله، وأن إليه الإحياء والإماتة، كما شك 06P182 المنافقون في ذلك، ولكن جاهدوا في سبيل الله، وقاتلوا أعداء الله على يقين منكم بأنه لا يقتل في حرب، ولا يموت في سفر إلا من بلغ أجله وحانت وفاته، ثم وعدهم على جهادهم في سبيله المغفرة والرحمة، وأخبرهم أن موتا في سبيل الله وقتلا في الله خير لهم مما يجمعون في الدنيا من حطامها ورغيد عيشها الذي من أجله يتثاقلون عن الجهاد في سبيل الله ويتأخرون عن لقاء العدو كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} [آل عمران: 157] «أي أن الموت كائن لا بد منه، فموت في سبيل الله أو قتل خير لو علموا فأيقنوا مما يجمعون في الدنيا التي لها يتأخرون عن الجهاد، تخوفا من الموت والقتل لما جمعوا من زهيد الدنيا وزهادة في الآخرة» وإنما قال الله عز وجل: {لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} [آل عمران: 157] وابتدأ الكلام: {ولئن متم أو قتلتم} [آل عمران: 158] بحذف جزاء «لئن» لأن في قوله 06P183 : {لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} [آل عمران: 157] معنى جواز للجزاء، وذلك أنه وعد خرج مخرج الخبر. فتأويل الكلام: ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم، ليغفرن الله لكم وليرحمنكم، فدل على ذلك بقوله: {لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} [آل عمران: 157] وجمع مع الدلالة به عليه الخبر عن فضل ذلك على ما يؤثرونه من الدنيا، وما يجمعون فيها. وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أنه إن قيل: كيف يكون: {لمغفرة من الله ورحمة} [آل عمران: 157] جوابا لقوله: {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم} [آل عمران: 157] ؟ فإن القول فيه أن يقال فيه: كأنه قال: ولئن متم أو قتلتم، فذكر لهم رحمة من الله ومغفرة، إذ كان ذلك في السبيل، فقال: {لمغفرة من الله ورحمة} [آل عمران: 157] يقول: لذلك {خير مما يجمعون} [آل عمران: 157] يعني لتلك المغفرة والرحمة خير مما تجمعون، ودخلت اللام في قوله: {لمغفرة من الله} [آل عمران: 157] لدخولها في قوله: «ولئن» ، كما قيل: {ولئن نصروهم ليولن الأدبار} [الحشر: 12] 06P182

قسم V06/P181–V06/P187Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V06/P181–V06/P187)

[آل عمران: 158] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون} [آل عمران: 158] يعني بذلك جل ثناؤه: ولئن متم أو قتلتم أيها المؤمنون، فإن إلى الله مرجعكم ومحشركم، فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقربكم من الله، ويوجب لكم رضاه، 06P184 ويقربكم من الجنة، من الجهاد في سبيل الله، والعمل بطاعته على الركون إلى الدنيا، وما تجمعون فيها من حطامها الذي هو غير باق لكم، بل هو زائل عنكم، وعلى ترك طاعة الله والجهاد، فإن ذلك يبعدكم عن ربكم، ويوجب لكم سخطه، ويقربكم من النار. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال ابن إسحاق حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ولئن متم أو قتلتم} [آل عمران: 158] «أي ذلك كان» {لإلى الله تحشرون} [آل عمران: 158] «أي أن إلى الله المرجع، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا تغتروا بها، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه منه آثر عندكم منها» وأدخلت اللام في قوله: {لإلى الله تحشرون} [آل عمران: 158] لدخولها في قوله {ولئن} [آل عمران: 158] ، ولو كانت اللام مؤخرة، إلى قوله: {تحشرون} [آل عمران: 158] ، لأحدثت النون الثقيلة فيه، كما تقول في الكلام: لئن أحسنت إلي لأحسنن إليك، بنون مثقلة، فكان كذلك قوله: «ولئن متم أو قتلتم لتحشرن إلى الله» ، ولكن لما حيز بين اللام وبين «تحشرون» بالصفة أدخلت في الصفة، وسلمت «تحشرون» ، فلم تدخلها النون الثقيلة، كما تقول في الكلام: لئن أحسنت إلي لإليك أحسن، 06P185 بغير نون مثقلة 06P184 [آل عمران: 159] القول في تأويل قوله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} [آل عمران: 159] يعني جل ثناؤه بقوله: {فبما رحمة من الله} [آل عمران: 159] فبرحمة من الله و «ما» صلة، وقد بينت وجه دخولها في الكلام في قوله: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} [البقرة: 26] ، والعرب تجعل «ما» صلة في المعرفة والنكرة، كما قال: {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 155] ، والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم. وهذا في المعرفة، وقال في النكرة: {عما قليل ليصبحن نادمين} [المؤمنون: 40] ، والمعنى: عن قليل، وربما جعلت اسما وهي في مذهب صلة، فيرفع ما بعدها أحيانا على وجه الصلة، ويخفض على إتباع الصلة ما قبلها، كما قال الشاعر: [+البحر الكامل] فكفى بنا فضلا على من غيرنا حب النبي محمد إيانا إذا جعلت غير صلة رفعت بإضمار هو، وإن خفضت أتبعت من فأعربته، فذلك حكمه على ما وصفنا مع النكرات، فأما إذا كانت الصلة معرفة، كان الفصيح من الكلام الإتباع، كما قيل: {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 155] ، والرفع جائز في العربية. وبنحو ما قلنا في قوله: {فبما رحمة من الله لنت لهم} [آل عمران: 159] قال جماعة من أهل التأويل حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {فبما رحمة من الله لنت لهم} [آل عمران: 159] يقول: «فبرحمة من الله لنت لهم» وأما قوله: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159] فإنه يعني بالفظ الجافي، وبالغليظ القلب القاسي القلب غير ذي رحمة ولا رأفة، وكذلك صفته صلى الله عليه وسلم، كما وصفه الله: {بالمؤمنين رءوف رحيم} ، فتأويل الكلام: فبرحمة الله يا محمد ورأفته بك، وبمن آمن بك من أصحابك، لنت لهم لتباعك وأصحابك فسهلت لهم خلائقك، وحسنت لهم أخلاقك، حتى احتملت أذى من نالك منهم أذاه، وعفوت عن ذي الجرم منهم جرمه، وأغضيت عن كثير ممن لو جفوت به وأغلظت عليه لتركك ففارقك، ولم يتبعك، ولا ما بعثت به من الرحمة، ولكن الله رحمهم ورحمك معهم، فبرحمة من الله لنت لهم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولو كنت فظا 06P187 غليظ القلب لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159] " إي والله، لطهره الله من الفظاظة والغلظة، وجعله قريبا رحيما بالمؤمنين رءوفا. وذكر لنا أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة: «ليس بفظ ولا غليظ ولا صخوب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، في قوله: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159] قال: «ذكر لينه لهم، وصبره عليهم لضعفهم، وقلة صبرهم على الغلظة لو كانت منه في كل ما خالفوا فيه مما افترض عليهم من طاعة نبيهم» وأما قوله: {لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159] فإنه يعني: لتفرقوا عنك كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: قوله: {لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159] قال: «انصرفوا عنك» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159] «أي لتركوك» 06P187

قسم V06/P187–V06/P190Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V06/P187–V06/P190)

[آل عمران: 159] القول في تأويل قوله تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} [آل عمران: 159] يعني تعالى ذكره بقوله: {فاعف عنهم} [آل عمران: 159] فتجاوز يا محمد عن تباعك وأصحابك من المؤمنين بك، وبما جئت به من عندي، ما نالك من أذاهم ومكروه في نفسك {واستغفر لهم} [آل عمران: 159] وادع ربك لهم بالمغفرة لما أتوا من جرم، واستحقوا عليه عقوبة منه كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {فاعف عنهم} [آل عمران: 159] : «أي فتجاوز عنهم» {واستغفر لهم} [آل عمران: 159] «ذنوب من قارف من أهل الإيمان منهم» ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله أمر تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم، وما المعنى الذي أمره أن يشاورهم فيه؟ فقال بعضهم: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] بمشاورة أصحابه في مكايد الحرب وعند لقاء العدو، تطييبا منه بذلك أنفسهم، وتألفا لهم على دينهم، وليروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم، وإن كان الله عز وجل قد أغناه بتدبيره له أموره وسياسته إياه وتقويمه أسبابه عنهم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} [آل عمران: 159] «أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه وحي السماء؛ لأنه أطيب لأنفس القوم، 06P189 وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضا، وأرادوا بذلك وجه الله عزم لهم على أرشده» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] قال: «أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه الوحي من السماء؛ لأنه أطيب لأنفسهم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] «أي لتريهم أنك تسمع منهم وتستعين بهم وإن كنت عنهم غنيا، تؤلفهم بذلك على دينهم» وقال آخرون: بل أمره بذلك في ذلك، وإن كان له الرأي وأصوب الأمور في التدبير، لما علم في المشورة تعالى ذكره من الفضل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم، قوله: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] قال: «ما أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشورة إلا لما علم فيها من الفضل» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن إياس بن دغفل، عن الحسن: «ما شاور قوم قط، إلا هدوا لأرشد أمورهم» وقال آخرون: إنما أمره الله بمشاورة أصحابه فيما أمره بمشاورتهم فيه، مع إغنائه بتقويمه إياه، وتدبيره أسبابه عن آرائهم، ليتبعه المؤمنون من بعده، فيما حز بهم من أمر دينهم، ويستنوا بسنته في ذلك، ويحتذوا المثال الذي رأوه يفعله في حياته من مشاورته في أموره مع المنزلة التي هو بها من الله أصحابه وتباعه في الأمر، ينزل بهم من أمر دينهم ودنياهم، فيتشاوروا بينهم، ثم يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم؛ لأن المؤمنين إذا تشاوروا في أمور دينهم متبعين الحق في ذلك، لم يخلهم الله عز وجل من لطفه، وتوفيقه للصواب من الرأي والقول فيه.

قسم V06/P190–V06/P191Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V06/P190–V06/P191)

قالوا: وذلك نظير قوله عز وجل الذي مدح به أهل الإيمان: {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 38] ذكر من قال ذلك: حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: قال سفيان بن عيينة في قوله: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] قال: «هي للمؤمنين أن يتشاوروا فيما لم يأتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أثر» قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه، فيما حز به من أمر عدوه ومكايد حربه، تألفا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة التي يؤمن عليه معها فتنة الشيطان، وتعريفا منه أمته ما في الأمور التي تحزبهم من بعده ومطلبها، ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته صلى الله عليه وسلم يفعله، فأما النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صواب ذلك. وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله في ذلك على تصادق وتأخ للحق وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى؛ فالله مسددهم وموفقهم. وأما قوله: {فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران: 159] فإنه يعني: فإذا صح عزمك بتثبيتنا إياك وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به على ما أ‍مرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك أو خالفها، وتوكل فيما تأتي من أمورك وتدع وتحاول أو تزاول على ربك، فثق به في كل ذلك، وارض بقضائه في جميعه دون آراء سائر خلقه ومعونتهم، فإن الله يحب المتوكلين، وهم الراضون بقضائه، والمستسلمون لحكمه فيهم، وافق ذلك منهم هوى أو خالفه كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} [آل عمران: 159] " فإذا عزمت: أي على أمر جاءك مني، أو أمر من دينك في جهاد عدوك، لا يصلحك ولا يصلحهم إلا ذلك، فامض على ما أمرت به على خلاف من خالفك، وموافقة من وافقك، وتوكل على الله: 06P192 أي ارض به من العباد، إن الله يحب المتوكلين " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران: 159] «أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، إذا عزم على أمر أن يمضي فيه، ويستقيم على أمر الله، ويتوكل على الله» حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران: 159] الآية، «أمره الله إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل عليه» 06P192

قسم V06/P191–V06/P193Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V06/P191–V06/P193)

[آل عمران: 160] القول في تأويل قوله تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 160] يعني تعالى ذكره بذلك إن ينصركم الله أيها المؤمنون بالله ورسوله، على من ناوأكم وعاداكم من أعدائه، والكافرين به، فلا غالب لكم من الناس، يقول: فلن يغلبكم مع نصره إياكم أحد، ولو اجتمع عليكم من بين أقطارها من خلقه، فلا تهابوا أعداء الله لقلة عددكم، وكثرة عددهم، ما كنتم على أمره، واستقمتم على طاعته وطاعة رسوله، فإن الغلبة لكم والظفر دونهم. {وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده} [آل عمران: 160] يعني إن يخذلكم ربكم، بخلافكم أمره، وترككم طاعته وطاعة رسوله، فيكلكم إلى أنفسكم، فمن ذا الذي ينصركم من بعده، يقول: فأيسوا من نصرة الناس، فإنكم لا تجدون أمرا من بعد خذلان الله إياكم إن خذلكم، يقول: فلا تتركوا أمري، وطاعتي وطاعة رسولي، فتهلكوا بخذلاني إياكم. {وعلى الله فليتوكل المؤمنون } [آل عمران: 122] يعني: ولكن على ربكم أيها المؤمنون فتوكلوا دون سائر خلقه، وبه فارضوا من جميع من دونه، ولقضائه فاستسلموا، وجاهدوا فيه أعداءه، يكفكم بعونه، ويمددكم بنصره كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 160] " أي إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس، لن يضرك خذلان من خذلك، وإن يخذلك، فلن ينصرك الناس، فمن الذي ينصركم من بعده: أي لا تترك أمري للناس، وارفض أمر الناس لأمري {وعلى الله} [آل عمران: 159] «لا على الناس» {فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 159] " 06P193

قسم V06/P193–V06/P197Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V06/P193–V06/P197)

[آل عمران: 161] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [آل عمران: 161] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته جماعة من قراء الحجاز والعراق: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] بمعنى: أن يخون أصحابه فيما أفاء الله عليهم من أموال أعدائهم، 06P194 واحتج بعض قارئي هذه القراءة أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قطيفة فقدت من مغانم القوم يوم بدر، فقال بعض من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها. ورووا في ذلك روايات فمنها ما: حدثنا به محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خصيف، قال: ثنا مقسم، قال: ثني ابن عباس أن هذه الآية: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] " نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، قال: فقال بعض الناس: أخذها قال: فأكثروا في ذلك " فأنزل الله عز وجل: {وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا خصيف، قال: سألت سعيد بن جبير: كيف تقرأ هذه الآية: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] أو يغل؟ قال: " لا، بل {يغل} [آل عمران: 161] ، فقد كان النبي والله يغل ويقتل " حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال: ثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] قال: " كان ذلك في قطيفة حمراء فقدت في غزوة بدر، فقال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فلعل النبي أخذها " فأنزل الله عز وجل: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] قال سعيد: «بل والله إن النبي ليغل ويقتل» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خلاد، عن زهير، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " كانت قطيفة فقدت يوم بدر، فقالوا: أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم " فأنزل الله عز وجل: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا زهير، قال: ثنا خصيف، عن سعيد بن جبير، وعكرمة، في قوله: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] قالا: «يغل» ، قال: قال عكرمة أو غيره، عن ابن عباس، قال: " كانت قطيفة فقدت يوم بدر، فقالوا: أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأنزل الله هذه الآية ": {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال 0 ثنا قزعة بن سويد الباهلي، عن حميد الأعرج، عن سعيد بن جبير، قال: نزلت هذه الآية: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] «في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من الغنيمة» حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: ثنا معتمر، عن أبيه، عن سليمان الأعمش، قال: كان ابن مسعود يقرأ: {ما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] فقال ابن عباس: " بلى، ويقتل، قال: فذكر ابن عباس أنه إنما كانت في قطيفة، قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، غلها يوم بدر، فأنزل الله: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] " وقال آخرون ممن قرأ ذلك كذلك بفتح الياء وضم الغين: إنما نزلت هذه الآية 06P196 في طلائع كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجههم في وجه، ثم غنم النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقسم للطلائع، فأنزل الله عز وجل هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم، يعلمه فيها أن فعله الذي فعله خطأ، وأن الواجب عليه في الحكم أن يقسم للطلائع مثل ما قسم لغيرهم، ويعرفه الواجب عليه من الحكم فيما أفاء الله عليه من الغنائم، وأنه ليس له أن يخص بشيء منها أحدا ممن شهد الوقعة أو ممن كان ردءا لهم في غزوهم دون أحد ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] يقول: " ما كان للنبي أن يقسم لطائفة من المسلمين ويترك طائفة ويجور في القسم، ولكن يقسم بالعدل، ويأخذ فيه بأمر الله، ويحكم فيه بما أنزل الله، يقول: ما كان الله ليجعل نبيا يغل من أصحابه، فإذا فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، استنوا به " حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، أنه كان يقرأ: {ما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] قال: «أن يعطي بعضا، ويترك بعضا، إذا أصاب مغنما» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال: " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلائع، فغنم النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقسم للطلائع، فأنزل الله عز وجل: {وما 06P197 كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: {ما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] يقول: «ما كان لنبي أن يقسم لطائفة من أصحابه، ويترك طائفة، ولكن يعدل، ويأخذ في ذلك بأمر الله عز وجل، ويحكم فيه بما أنزل الله» حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: {ما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] قال: «ما كان له إذا أصاب مغنما أن يقسم لبعض أصحابه ويدع بعضا، ولكن يقسم بينهم بالسوية» وقال آخرون ممن قرأ ذلك بفتح الياء وضم الغين: إنما أنزل ذلك تعريفا للناس أن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يكتم من وحي الله شيئا ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [آل عمران: 161] «أي ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم عن رهبة من الناس ولا رغبة، ومن يعمل ذلك يأت به يوم القيامة» فتأويل قراءة من قرأ ذلك كذلك: ما ينبغي لنبي أن يكون غالا، بمعنى: أنه 06P198 ليس من أفعال الأنبياء خيانة أممهم، يقال منه: غل الرجل فهو يغل، إذا خان، غلولا، ويقال أيضا منه: أغل الرجل فهو يغل إغلالا، كما قال شريح: ليس على المستعير غير المغل ضمان، يعني غير الخائن؛ ويقال منه: أغل الجازر: إذا سرق من اللحم شيئا مع الجلد.

قسم V06/P197–V06/P200Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V06/P197–V06/P200)

وبما قلنا في ذلك جاء تأويل أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] يقول: «ما كان ينبغي له أن يخون، فكما لا ينبغي له أن يخون فلا تخونوا» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] قال: «أن يخون» وقرأ ذلك آخرون: (وما كان لنبي أن يغل) بضم الياء وفتح الغين، وهي قراءة عظم قراء أهل المدينة والكوفة. واختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم: معناه: ما كان لنبي أن يغله أصحابه، ثم أسقط الأصحاب، فبقي الفعل غير مسمى فاعله؛ وتأويله: وما 06P199 كان لنبي أن يخان ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف، عن الحسن، أنه كان يقرأ: (وما كان لنبي أن يغل) قال عوف: قال الحسن: «أن يخان» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وما كان لنبي أن يغل) يقول: «وما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه من المؤمنين، ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقد غل طوائف من أصحابه» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: (وما كان لنبي أن يغل) قال: «أن يغله أصحابه» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: (وما كان لنبي أن يغل) قال الربيع بن أنس، يقول: " ما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه، قال: ذكر لنا والله أعلم أن هذه الآية أنزلت على نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقد غل طوائف من أصحابه " وقال آخرون منهم: معنى ذلك: وما كان لنبي أن يتهم بالغلول فيخون ويسرق، وكأن متأولي ذلك كذلك وجهوا قوله: (وما كان لنبي أن يغل) إلى أنه مراد به «يغلل» ، ثم خففت الغين من «يفعل» فصارت «يفعل» ، كما قرأ من قرأ قوله: فإنهم لا يكذبونك بتأول {يكذبونك} [الأنعام: 33] . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] بمعنى: ما الغلول من صفات الأنبياء، ولا يكون نبيا من غل، وإنما اخترنا ذلك؛ لأن الله عز وجل أوعد عقيب قوله: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] أهل الغلول، فقال: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] الآية، والتي بعدها، فكان في وعيده عقيب ذلك أهل الغلول، الدليل الواضح على أنه إنما نهى بذلك عن الغلول، وأخبر عباده أن الغلول ليس من صفات أنبيائه بقوله: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] لأنه لو كان إنما نهى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغلول، لعقب ذلك بالوعيد على التهمة، وسوء الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بالوعيد على الغلول، وفي تعقيبه ذلك بالوعيد على الغلول بيان بين، أنه إنما عرف المؤمنين وغيرهم من عباده أن الغلول منتف من صفة الأنبياء وأخلاقهم؛ لأن ذلك جرم عظيم، والأنبياء لا تأتي مثله. فإن قال قائل ممن قرأ ذلك كذلك: فأولى منه: وما كان لنبي أن يخونه أصحابه إن كان ذلك كما ذكرت، ولم يعقب الله قوله: {وما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] إلا بالوعيد على الغلول، ولكنه إنما وجب الحكم بالصحة لقراءة من قرأ: (يغل) بضم الياء وفتح الغين؛ لأن معنى ذلك: وما كان للنبي أن يغله أصحابه، فيخونوه في الغنائم؛ قيل له: أفكان لهم أن يغلوا غير النبي صلى الله عليه وسلم فيخونوه، حتى خصوا بالنهي عن خيانة النبي صلى الله عليه وسلم؟

قسم V06/P200Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V06/P200)

فإن قالوا: نعم، خرجوا من قول أهل الإسلام؛ لأن الله لم يبح خيانة أحد في قول أحد من أهل الإسلام قط. إن قال قائل: لم يكن ذلك لهم في نبي ولا غيره، قيل: فما وجه خصوصهم إذا بالنهي عن خيانة النبي صلى الله عليه وسلم وغلوله وغلول بعض اليهود، بمنزلة فيما حرم الله على الغال من أموالهما، وما يلزم المؤتمن من أداء الأمانة إليهما، وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى ذلك هو ما قلنا من أن الله عز وجل نفى بذلك أن يكون الغلول والخيانة من صفات أنبيائه، ناهيا بذلك عباده عن الغلول، وآمرا لهم بالاستنان بمنهاج نبيهم، كما قال ابن عباس في الرواية التي ذكرناها من رواية عطية ثم عقب تعالى ذكره نهيهم عن الغلول بالوعيد عليه، فقال: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] الآيتين معا 06P201

قسم V06/P200–V06/P201Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V06/P200–V06/P201)

[آل عمران: 161] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] يعني بذلك تعالى ذكره: ومن يخن من غنائم المسلمين شيئا، وفيئهم، وغير ذلك يأت به يوم القيامة في المحشر كما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد 06P202 أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قام خطيبا، فوعظ وذكر، ثم قال: " ألا عسى رجل من منكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك، ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته بقرة لها خوار، يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن، عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل هذا، زاد فيه: «على رقبته بعير له رغاء، لا ألفين أحدكم على رقبته نفس لها صياح» 06P203 حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أبو حيان، عن أبي زرعة، عن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا يوما، فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره، فقال: " لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني " ثم ذكر نحو حديث أبي كريب، عن عبد الرحمن حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حفص بن بشر، عن يعقوب القمي، قال: ثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء، ينادي: يا محمد، يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملا لا رغاء، يقول: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا له حمحمة، ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قشعا من 06P204 أدم ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أسباط بن محمد، قال: ثنا أبو إسحاق الشيباني، عن عبد الله بن ذكوان، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا فجاء بسواد كثير، قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقبضه منه؛ فلما أتوه، جعل يقول: هذا لي، وهذا لكم؛ قال: فقالوا: من أين لك هذا؟ قال: أهدي إلي، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبروه بذلك، فخرج فخطب، فقال: " أيها الناس، ما بالي أبعث قوما إلى الصدقة، فيجيء أحدهم بالسواد الكثير، فإذا بعثت من يقبضه قال: هذا لي، وهذا لكم فإن كان صادقا أفلا أهدي له وهو في بيت أبيه، أو في بيت أمه؟

%0
10 Bölüm