Qur'an&Sunnahالقرآن

Taberî — Câmiü'l-Beyân

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ) · AR

قسم V01/P070–V01/P084Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V01/P070–V01/P084)

فذلك هو الآي، التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يفسرها لأصحابه، بتعليم جبريل إياه، وهن لا شك أي ذوات عدد. ومن أي القرآن، ما قد ذكرنا أن الله جل ثناؤه، استأثر بعلم تأويله، فلم يطلع على علمه ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله. فأما ما لا بد للعباد من علم تأويله، فقد بين لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم، ببيان الله ذلك له بوحيه مع جبريل، وذلك هو المعنى الذي أمره الله ببيانه لهم، فقال له جل ذكره: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44] . ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يفسر من القرآن شيئا إلا آيا تعد هو ما يسبق إليه أوهام أهل الغباء، من أنه لم يكن يفسر من القرآن إلا القليل من آيه، واليسير من حروفه، كان إنما أنزل إليه صلى الله عليه وسلم الذكر، ليترك للناس بيان ما أنزل إليهم، لا ليبين لهم ما أنزل إليهم. وفي أمر الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم، ببلاغ ما أنزل إليه، وإعلامه إياه، أنه إنما نزل إليه ما أنزل، ليبين للناس ما نزل إليهم، وقيام الحجة على أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد بلغ فأدى، ما أمره الله ببلاغه وأدائه، على ما أمره به، وصحة الخبر عن عبد الله بن مسعود لقيله: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات، لم يجاوزهن حتى يعلم معانيهن والعمل بهن» ما ينبئ عن جهل من ظن أو توهم، أن معنى الخبر الذي ذكرنا، عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه لم يفسر من القرآن شيئا إلا آيا تعد، هو أنه لم يكن يبين لأمته من تأويله إلا اليسير القليل منه. هذا مع ما في الخبر، الذي روي عن عائشة، من العلة التي في إسناده، التي لا يجوز معها الاحتجاج به لأحد ممن علم صحيح سند الآثار وفاسدها في الدين، لأن راويه ممن لا يعرف في أهل الآثار، وهو جعفر بن محمد الزبيري. وأما الأخبار التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين، بإحجامه عن التأويل، فإن فعل من فعل ذلك منهم، كفعل من أحجم منهم عن الفتيا في النوازل والحوادث، مع إقراره بأن الله جل ثناؤه، لم يقبض نبيه إليه إلا بعد إكمال الدين به لعباده، وعلمه بأن لله في كل نازلة وحادثة، حكما موجودا، بنص أو دلالة، فلم يكن إحجامه عن القول في ذلك، إحجام جاحد أن يكون لله فيه حكم موجود بين أظهر عباده، ولكن إحجام خائف، أن لا يبلغ في اجتهاده، ما كلف الله العلماء من عباده فيه، فكذلك معنى إحجام من أحجم عن القيل في تأويل القرآن، وتفسيره من العلماء السلف، إنما كان إحجامه عنه حذار أن لا يبلغ أداء ما كلف من إصابة صواب القول فيه، لا على أن تأويل ذلك محجوب عن علماء الأمة غير موجود بين أظهرهم

قسم V01/P084Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V01/P084)

ذكر الأخبار عن بعض السلف فيمن كان من قدماء المفسرين محمودا علمه بالتفسير ومن كان منهم مذموما علمه بذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن سليمان، عن مسلم، قال: قال عبد الله: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس» وحدثني يحيى بن داود الواسطي، قال: حدثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس» 01P085 وحدثني محمد بن بشار، قال حدثنا جعفر بن عون، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: بنحوه وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا طلق بن غنام، عن عثمان المكي، عن ابن أبي مليكة، قال: " رأيت مجاهدا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه الواحد فيقول له ابن عباس:: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير، كله " وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا المحاربي، ويونس بن بكير قالا: حدثنا محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، قال: «عرضت المصحف على ابن عباس، ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفته عند كل آية منه، وأسأله عنها» وحدثني عبيد الله بن يوسف الجبيري، عن أبي بكر الحنفي، قال: سمعت سفيان الثوري، يقول: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد، فحسبك به» وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا سليمان أبو داود، عن شعبة، عن 01P086 عبد الملك بن ميسرة، قال: «لم يلق الضحاك ابن عباس، وإنما لقي سعيد بن جبير بالري، وأخذ عنه التفسير» وحدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن مشاش، قال: قلت للضحاك: " سمعت من ابن عباس شيئا؟ قال: لا " حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: حدثنا زكريا، قال: كان الشعبي يمر بأبي صالح باذان، فيأخذ بأذنه فيعركها، ويقول: «تفسر القرآن وأنت لا تقرأ القرآن» وحدثني عبيد الله بن أحمد بن شبويه، قال: حدثنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدثني أبي، قال، حدثنا الأعمش، قال: حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {والله يقضي بالحق} [غافر: 20] ، قال: «قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة 01P087 السيئة، إن الله هو السميع البصير» قال الحسين: فقلت للأعمش: حدثني به الكلبي إلا أنه قال: «إن الله قادر أن يجزي بالسيئة السيئة، وبالحسنة عشرا» فقال الأعمش: لو أن الذي عند الكلبي عندي، ما خرج مني بحقير وحدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا علي بن حكيم الأودي، قال: حدثنا عبد الله بن بكير، عن صالح بن مسلم، قال: مر الشعبي على السدي وهو يفسر، فقال: «لأن يضرب على استك بالطبل، خير لك من مجلسك هذا» وحدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثني علي بن حكيم، قال: حدثنا شريك، عن مسلم بن عبد الرحمن النخعي، قال: كنت مع إبراهيم، فرأى السدي، فقال: «أما إنه يفسر تفسير القوم» حدثنا ابن البرقي، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعت سعيد بن بشير، يقول عن قتادة، قال: «ما أرى أحدا يجري مع الكلبي في التفسير في عنان» قال أبو جعفر: قد قلنا فيما مضى من كتابنا هذا في وجوه تأويل القرآن، وأن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة: أحدها: لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن جميع خلقه، وهو أوقات ما كان من آجال الأمور الحادثة، التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة، مثل وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك. والوجه الثاني: ما خص الله بعلم تأويله نبيه صلى الله عليه وسلم، دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك، إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تأويله.

قسم V01/P084Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V01/P084)

والثالث منها: ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا توصل إلى علم ذلك إلا من قبلهم، فإذا كان ذلك كذلك، فأحق المفسرين بإصابة الحق في تأويل القرآن الذي إلى علم تأويله للعباد سبيل، أوضحهم حجة فيما تأول وفسر، مما كان تأويله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون سائر أمته، من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، الثابتة عنه، إما من وجه النقل المستفيض، فيما وجد فيه من ذلك عنه النقل المستفيض، وإما من وجه نقل العدول الأثبات، فيما لم يكن فيه عنه النقل المستفيض، أو من وجه الدلالة المنصوبة على صحته، وأوضحهم برهانا فيما ترجم وبين من ذلك، مما كان مدركا علمه من جهة اللسان، إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم 01P088 ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائنا من كان ذلك المتأول والمفسر، بعد أن لا يكون خارجا تأويله وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة والخلف من التابعين وعلماء الأمة.

قسم V01/P084Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V01/P084)

القول في تأويل أسماء القرآن وسوره وآيه قال أبو جعفر: إن الله تعالى ذكره، سمى تنزيله الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، أسماء أربعة: منهن القرآن، فقال في تسميته إياه بذلك، في تنزيله: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} [يوسف: 3] وقال: {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون} [النمل: 76] . ومنهن الفرقان: قال جل ثناؤه، في وحيه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، يسميه بذلك: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] . ومنهن الكتاب: قال تبارك اسمه، في تسميته إياه به: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما} [الكهف: 2] . ومنهن الذكر: قال تعالى ذكره، في تسميته إياه به: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] . ولكل اسم من أسمائه الأربعة في كلام العرب معنى ووجه غير معنى الآخر ووجهه. 01P089 فأما القرآن: فإن المفسرين اختلفوا في تأويله، والواجب أن يكون تأويله على قول ابن عباس، من التلاوة والقراءة، وأن يكون مصدرا من قول القائل: قرأت القرآن، كقولك الخسران: من خسرت، والغفران: من غفر الله لك، والكفران: من كفرتك. والفرقان: من فرق الله بين الحق والباطل. وذلك أن يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، حدثني قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: {فإذا قرأناه} [القيامة: 18] ، يقول: " بيناه، فاتبع قرآنه، يقول: اعمل به " ومعنى قول ابن عباس هذا، فإذا بيناه بالقراءة، فاعمل بما بيناه لك بالقراءة. ومما يوضح صحة ما قلنا في تأويل حديث ابن عباس هذا ما حدثني به، محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس، " {إن علينا جمعه وقرآنه} [القيامة: 17] قال: أن نقرئك فلا تنسى، {فإذا قرأناه} [القيامة: 18] عليك {فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] يقول: إذا تلي عليك، فاتبع ما فيه " قال أبو جعفر: فقد صرح هذا الخبر عن ابن عباس، أن معنى القرآن عنده القراءة، فإنه مصدر من قول القائل قرأت علي ما قد قلناه، وأما على قول قتادة، فإن الواجب أن يكون مصدرا، من قول القائل قرأت 01P090 الشيء إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض، كقولك: ما قرأت هذه الناقة سلى قط، تريد بذلك أنها لم تضم رحما على ولد، كما قال عمرو بن كلثوم التغلبي: [+البحر الوافر] تريك إذا دخلت على خلاء وقد أمنت عيون الكاشحينا ذراعي عيطل أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا يعني بقوله: لم تقرأ جنينا: لم تضمم رحما على ولد. وذلك أن بشر بن معاذ العقدي حدثنا قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في قوله تعالى: " {إن علينا جمعه وقرآنه} [القيامة: 17] يقول: حفظه وتأليفه، {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] يقول: اتبع حلاله، واجتنب 01P092 حرامه " وحدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، بمثله. فرأى قتادة أن تأويل القرآن: التأليف، قال أبو جعفر: ولكلا القولين أعني قول ابن عباس وقول قتادة، اللذين حكيناهما، وجه صحيح في كلام العرب.

قسم V01/P084Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V01/P084)

غير أن أولى قوليهما بتأويل قول الله تعالى {إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] قول ابن عباس، لأن الله وجل ثناؤه أمر نبيه في غير آية من تنزيله، باتباع ما أوحي إليه، ولم يرخص له في ترك اتباع شيء من أمره، إلى وقت تأليفه القرآن، فكذلك قوله {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] نظير سائر ما في آي القرآن التي أمره الله فيها باتباع ما أوحي إليه في تنزيله، ولو وجب أن يكون معنى قوله {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] فإذا ألفناه فاتبع ما ألفنا لك فيه، لوجب أن لا يكون كان لزمه فرض {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] ولا فرض {يا أيها المدثر قم فأنذر} [المدثر: 1] قبل أن يؤلف إلى ذلك غيره من القرآن وذلك إن قاله قائل خروج من قول أهل الملة، 01P093 وإذا صح أن حكم كل آية من آي القرآن، كان لازما النبي صلى الله عليه وسلم، اتباعه والعمل به، مؤلفة كانت إلى غيرها، أو غير مؤلفة، صح ما قال ابن عباس في تأويل قوله {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] أنه يعني به: فإذا بيناه لك بقراءتنا، فاتبع ما بيناه لك بقراءتنا، دون قول من قال: معناه فإذا ألفناه فاتبع ما ألفناه. وقد قيل، إن قول الشاعر: [+البحر البسيط] ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا يعني به قائله: تسبيحا وقراءة. فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يسمى قرآنا بمعنى القراءة، وإنما هو مقروء؟ قيل كما جاز أن يسمى المكتوب كتابا، بمعنى كتاب الكاتب، كما قال الشاعر، في صفة كتاب طلاق، كتبه لامرأته: [+البحر الوافر] تؤمل رجعة مني وفيها كتاب مثل ما لصق الغراء يريد: طلاقا مكتوبا، فجعل المكتوب كتابا. وأما تأويل اسمه، الذي هو فرقان، فإن تفسير أهل التفسير جاء في ذلك بألفاظ 01P094 مختلفة، هي في المعاني مؤتلفة. فقال عكرمة فيما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن جابر، عن عكرمة، أنه كان يقول: «هو النجاة» وكذلك كان السدي يتأوله. حدثنا بذلك محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، وهو قول جماعة غيرهما وكان ابن عباس يقول: الفرقان: المخرج حدثني بذلك يحيى بن عثمان بن صالح، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وكذلك كان مجاهد يقول في تأويله حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن جابر، عن مجاهد وكان مجاهد يقول في قول الله عز وجل: " {يوم الفرقان} [الأنفال: 41] يوم فرق الله فيه بين الحق والباطل " حدثني بذلك محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثني أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد فكل هذه التأويلات في معنى الفرقان، على اختلاف ألفاظها متقاربات المعاني، وذلك أن من جعل له مخرج من أمر كان فيه فقد جعل ذلك المخرج منه 01P095 نجاة، وكذلك إذا نجى منه فقد نصر على من بغاه فيه سوءا، وفرق بينه وبين باغيه بالسوء. فجميع ما روينا عمن روينا عنه في معنى الفرقان قول صحيح المعنى، لاتفاق معاني ألفاظهم في ذلك. وأصل الفرقان عندنا: الفرق بين الشيئين، والفصل بينهما وقد يكون ذلك بقضاء، واستنقاذ، وإظهار حجة، وتصرف، وغير ذلك من المعاني المفرقة بين المحق والمبطل. فقد تبين بذلك، أن القرآن سمي فرقانا، لفصله بحجته وأدلته وحدوده وفرائضه وسائر معاني حكمه، بين المحق والمبطل، وفرقانه بينهما بنصره المحق وتخذيله المبطل، حكما وقضاء. وأما تأويل اسمه الذي هو الكتاب فهو مصدر من قولك كتبت كتابا، كما تقول قمت قياما، وحسبت الشيء حسابا، والكتاب هو خط الكاتب حروف المعجم، مجموعة ومفترقة، وسمي كتابا وإنما هو مكتوب، كما قال الشاعر في البيت الذي استشهدنا به: [+البحر الوافر] . وفيها كتاب مثل ما لصق الغراء. 01P096 يعني به مكتوبا.

قسم V01/P084Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V01/P084)

وأما تأويل اسمه الذي هو الذكر، فإنه محتمل معنيين: أحدهما أنه ذكر من الله جل ذكره، ذكر به عباده، فعرفهم فيه حدوده وفرائضه، وسائر ما أودعه من حكمه والآخر أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به وصدق بما فيه، كما قال جل ثناؤه: {وإنه لذكر لك ولقومك} [الزخرف: 44] يعني به أنه شرف له ولقومه. ثم لسور القرآن أسماء سماها بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا أبو العوام، وحدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: حدثنا رواد بن الجراح، قال: حدثنا سعيد بن بشير، جميعا عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أعطيت مكان التوراة السبع الطول، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل» وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن خالد الحذاء، عن أبي 01P097 قلابة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت السبع الطول مكان التوراة، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وفضلت بالمفصل» قال خالد: كانوا يسمون المفصل: العربي؛ قال خالد: قال بعضهم: ليس في العربي سجدة وحدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا حكام بن سلم، عن عمرو بن أبي قيس، عن عاصم، عن المسيب، عن ابن مسعود، قال: «الطول كالتوارة. والمئون كالإنجيل، والمثاني كالزبور، وسائر القرآن بعد فضل على الكتب» حدثني أبو عبيد الوصابي، قال: حدثنا محمد بن حفص قال: أنبأنا أبو حميد، حدثنا الفزاري عن ليث بن أبي سليم، عن أبي بردة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «أعطاني ربي مكان التوراة السبع الطول، ومكان الإنجيل المثاني، ومكان الزبور المئين، وفضلني بالمفصل» 01P098 قال أبو جعفر: فالسبع الطول: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس؛ في قول سعيد بن جبير حدثني بذلك يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، وقد روي عن ابن عباس، قول يدل على موافقته قول سعيد هذا وذلك ما حدثنا به، محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، ويحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر، وسهل بن يوسف، قالوا: حدثنا عوف، قال: حدثني يزيد الفارسي، قال: حدثني ابن عباس، قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم، إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموهما في السبع الطول؟ ما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يأتي عليه الزمان، وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا ببعض من كان يكتب، فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا 01P099 وكذا» وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتهما في السبع الطول فهذا الخبر ينبئ عن عثمان بن عفان رحمة الله عليه أنه لم يكن تبين له أن الأنفال وبراءة، من السبع الطول، ويصرح عن ابن عباس، أنه لم يكن يرى ذلك منها. وإنما سميت هذه السور السبع الطول، لطولها على سائر سور القرآن. وأما المئون: فهي ما كان من سور القرآن، عدد آيه مائة آية، أو تزيد عليها شيئا أو 01P100 تنقص منها شيئا يسيرا.

قسم V01/P084–V01/P102Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V01/P084–V01/P102)

وأما المثاني: فإنها ما ثنى المئين فتلاها، وكان المئون لها أوائل، وكان المثاني لها ثواني؛ وقد قيل: إن المثاني سميت مثاني لتثنية الله جل ذكره فيها الأمثال والخبر والعبر، وهو قول ابن عباس حدثنا بذلك أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن عبد الله بن عثمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وروى عن سعيد بن جبير أنه كان يقول: «إنما سميت مثاني لأنها ثنيت فيها الفرائض والحدود» حدثنا بذلك محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: وقد قال جماعة يكثر تعدادهم: «القرآن كله مثان» وقال جماعة أخرى: بل المثاني فاتحة الكتاب، لأنها تثنى قراءتها في كل صلاة. وسنذكر أسماء قائلي ذلك وعللهم، والصواب من القول، فيما اختلفوا فيه من ذلك، إذا انتهينا إلى تأويل قوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني} [الحجر: 87] إن شاء الله ذلك. وبمثل ما جاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أسماء سور القرآن التي ذكرت، جاء شعر الشعراء، فقال بعضهم: حلفت بالسبع اللواتي طولت وبمئين بعدها قد أمئيت وبمثان ثنيت فكررت وبالطواسين التي قد ثلثت وبالحواميم اللواتي سبعت وبالمفصل اللواتي فصلت قال أبو جعفر: وهذه الأبيات تدل على صحة التأويل الذي تأولناه، في هذه الأسماء؛ وأما المفصل، فإنها سميت مفصلا، لكثرة الفصول التي بين سورها ببسم الله الرحمن الرحيم قال أبو جعفر: ثم تسمى كل سورة من القرآن سورة، وتجمع سورا، على تقدير خطبة وخطب، وغرفة وغرف؛ والسورة بغير همز: المنزلة من منازل الارتفاع، ومن ذلك سور المدينة، سمي بذلك الحائط الذي يحويها لارتفاعه على ما يحويه، غير أن السورة من سور المدينة لم يسمع في جمعها سور، كما سمع في جمع سورة من القرآن سور، قال العجاج: في جمع السورة من البناء: [+البحر الرجز] فرب ذي سرادق محجور سرت إليه في أعالي السور فخرج بتقدير جمعها على تقدير جمع برة وبسرة، لأن جمع ذلك بر وبسر، وكذلك لم يسمع في جمع سورة من القرآن سور، ولو جمعت كذلك لم يكن خطأ في القياس، إذا أريد به جميع القرآن، وإنما تركوا فيما يرى جمعه كذلك، لأن كل جمع كان بلفظ الواحد المذكر مثل بر وشعير وقصب وما أشبه ذلك، فإن جماعه كالواحد من الأشياء غيره، لأن حكم الواحد منه مفردا قلما يصاب، فجرى جماعه مجرى الواحد من الأشياء غيره، ثم جعلت الواحدة منه كالقطعة من جميعه، فقيل: برة وشعيرة وقصبة، يراد به قطعة منه، ولم تكن سور القرآن موجودة مجتمعة اجتماع البر والشعير وسور المدينة، بل كل سورة منها موجودة منفردة بنفسها انفراد كل غرفة من الغرف، وخطبة من الخطب، فجعل جمعها جمع الغرف والخطب، المبني جمعها من واحدها، ومن الدلالة على أن معنى السورة المنزلة من الارتفاع قول نابغة بني ذبيان: [+البحر الطويل] ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب يعني بذلك أن الله أعطاه منزلة من منازل الشرف، التي قصرت عنها منازل الملوك. وقد همز بعضهم السورة من القرآن، وتأويلها في لغة من همزها: القطعة التي أفضلت من القرآن عما سواها وأبقيت، وذلك أن سؤر كل شيء البقية منه.

قسم V01/P102–V01/P103Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V01/P102–V01/P103)

تبقى بعد الذي يؤخذ منه، ولذلك سميت الفضلة من شراب الرجل يشربه، ثم يفضلها فيبقيها في الإناء سؤرا؛ ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة، يصف امرأة فارقته، فأبقت من وجدها بقية: [+البحر المتقارب] فبانت وقد أسأرت في الفؤاد صدعا على نأيها مستطيرا وقال الأعشى في مثل ذلك: [+البحر البسيط] بانت وقد أسأرت في النفس حاجتها بعد ائتلاف وخير الود ما نفعا وأما الآية من القرآن، فإنها تحتمل وجهين في كلام العرب: أحدهما: أن تكون سميت آية، لأنها علامة يعرف بها تمام ما قبلها وابتداؤها، كالآية التي تكون دلالة على الشيء، يستدل بها عليه، كقول الشاعر: [+البحر الطويل] ألكني إليها عمرك الله يا فتى بآية ما جاءت إلينا تهاديا يعني: بعلامة ذلك، ومنه قوله، جل ذكره: {ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك} [المائدة: 114] أي علامة منك، لإجابتك دعاءنا، وإعطائك إيانا سؤلنا. والآخر منهما: القصة، كما قال كعب بن زهير بن أبي سلمى: [+البحر الطويل] ألا بلغا هذا المعرض آية أيقظان قال القول إذ قال أم حلم يعني بقوله آية: رسالة مني وخبرا عني، فيكون معنى الآيات: القصص، قصة تتلو قصة بفصول ووصول

قسم V01/P103–V01/P108Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V01/P103–V01/P108)

القول في تأويل أسماء فاتحة الكتاب قال أبو جعفر: صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدثني به، يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هي أم القرآن، هي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني» فهذه أسماء فاتحة الكتاب، وسميت فاتحة الكتاب، لأنها يفتتح بكتابتها المصاحف، ويقرأ بها في الصلوات، فهي فواتح لما يتلوها من سور القرآن في الكتابة والقراءة وسميت أم القرآن، لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها، وتأخر ما سواها خلفها، في القراءة والكتابة. وذلك من معناها شبيه بمعنى فاتحة الكتاب، وإنما قيل لها لكونها كذلك أم القرآن لتسمية العرب كل جامع أمرا أو مقدما لأمر، إذا كانت له توابع تتبعه، هو لها إمام جامع أما، فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ أم الرأس، وتسمي لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها للجيش أما، ومن ذلك قول ذي الرمة يصف راية معقودة، على قناة يجتمع تحتها هو وصحبه: [+البحر الطويل] 01P106 وأسمر قوام إذا نام صحبتي خفيف الثياب لا تواري له أزرا على رأسه أم لنا نقتدي بها جماع أمور لا نعاصي لها أمرا إذا نزلت قيل انزلوا وإذا غدت غدت ذات برزيق ننال بها فخرا يعني بقوله: على رأسه أم لنا أي على رأس الرمح راية يجتمعون لها في النزول والرحيل وعند لقاء العدو. وقد قيل: إن مكة سميت أم القرى، لتقدمها أمام جميعها، وجمعها ما سواها، وقيل: إنما سميت بذلك لأن الأرض دحيت منها، فصارت لجميعها أما، ومن ذلك قول حميد بن ثور الهلالي: [+البحر الطويل] إذا كانت الخمسون أمك لم يكن لدائك إلا أن تموت طبيب لأن الخمسين جامعة ما دونها من العدد، فسماها أما للذي قد بلغها. وأما تأويل اسمها أنها السبع فإنها سبع آيات، لا خلاف بين الجميع من القراء والعلماء في ذلك، وإنما اختلفوا في الآي التي صارت بها سبع آيات. 01P107 فقال أعظم أهل الكوفة: صارت سبع آيات، ببسم الله الرحمن الرحيم؛ وروي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين. وقال آخرون: هي سبع آيات، وليس منهن بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن السابعة أنعمت عليهم؛ وذلك قول أعظم قراء أهل المدينة ومتفقهيهم. قال أبو جعفر: وقد بينا الصواب من القول عندنا في ذلك، في كتابنا اللطيف في أحكام شرائع الإسلام بوجيز من القول، وسنستقصي بيان ذلك بحكاية أقوال المختلفين فيه من الصحابة، والتابعين، والمتقدمين، والمتأخرين في كتابنا الأكبر في أحكام شرائع الإسلام إن شاء الله ذلك. وأما وصف النبي صلى الله عليه وسلم آياتها السبع بأنهن مثان، فلأنها تثنى قراءتها في كل صلاة تطوع ومكتوبة، وكذلك كان الحسن البصري يتأول ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سألت الحسن عن قوله {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} [الحجر: 87] قال: " هي فاتحة الكتاب، ثم سئل عنها، وأنا أسمع، فقرأها: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] حتى أتى على آخرها، فقال، تثنى في كل قراءة أو قال: في كل صلاة " الشك من أبي جعفر والمعنى الذي قلنا في ذلك، قصد أبو النجم العجلي، بقوله: [+البحر السريع] الحمد لله الذي عافاني وكل خير بعده أعطاني من القران ومن المثاني وكذلك قول الراجز الآخر: [+البحر الرجز] نشدتكم بمنزل الفرقان أم الكتاب السبع من مثاني تبين من آي من القرآن والسبع سبع الطول الدواني وليس في وجود اسم السبع المثاني لفاتحة الكتاب ما يدفع صحة وجود اسم المثاني للقرآن كله، ولما يثنى من السور، لأن لكل ذلك وجها ومعنى مفهوما، لا يفسد بتسمية بعض ذلك بالمثاني تسمية غيره بها. فأما وجه تسمية مثاني المئين من سور القرآن، بالمثاني، فقد بينا صحته، وسندل على صحة وجه تسمية جميع القرآن به، عند انتهائنا إليه، في سورة الزمر إن شاء الله القول في تأويل الاستعاذة 01P109

قسم V01/P108–V01/P109Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V01/P108–V01/P109)

[البقرة: 67] تأويل قوله: {أعوذ} [البقرة: 67] قال أبو جعفر: والاستعاذة: الاستجارة، وتأويل قول القائل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أستجير بالله دون غيره من سائر خلقه من الشيطان، أن يضرني في ديني، أو يصدني عن حق يلزمني لربي 01P109 [آل عمران: 36] تأويل قوله: {من الشيطان} [آل عمران: 36] قال أبو جعفر: والشيطان في كلام العرب، كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شيء، وكذلك قال ربنا جل ثناؤه: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن} [الأنعام: 112] فجعل من الإنس شياطين، مثل الذي جعل من الجن وقال عمر بن الخطاب رحمة الله عليه، وركب برذونا، فجعل يتبختر به، فجعل يضربه، فلا يزداد إلا تبخترا، فنزل عنه، وقال: «ما حملتموني إلا على شيطان ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي» حدثنا بذلك يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: خبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر قال أبو جعفر: وإنما سمي المتمرد من كل شيء شيطانا، لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاق سائر جنسه وأفعاله، وبعده عن الخير؛ وقد قيل إنه أخذ من قول القائل: 01P110 شطنت داري من دارك، يريد بذلك بعدت، ومن ذلك قول نابغة بني ذبيان: [+البحر الوافر] نأت بسعاد عنك نوى شطون فبانت والفؤاد بها رهين والنوى: الوجه الذي نوته وقصدته، والشطون: البعيد، فكأن الشيطان على هذا التأويل، فيعال من شطن؛ ومما يدل على أن ذلك كذلك، قول أمية بن أبي الصلت: [+البحر الخفيف] أيما شاطن عصاه عكاه ثم يلقى في السجن والأكبال ولو كان فعلان، من شاط يشيط، لقال أيما شائط، ولكنه قال أيما شاطن، لأنه من شطن يشطن، فهو شاطن [آل عمران: 36] تأويل قوله: {الرجيم} [آل عمران: 36] وأما الرجيم فهو فعيل، بمعنى مفعول، كقول القائل: كف خضيب، ولحية دهين، ورجل لعين، يريد بذلك: مخضوبة، ومدهونة، وملعون؛ وتأويل الرجيم: الملعون، المشتوم. وكل مشتوم بقول رديء أو سب، فهو مرجوم وأصل الرجم: الرمي بقول كان أو بفعل ومن الرجم بالقول قول أبي إبراهيم، لإبراهيم صلوات الله عليه: {لئن لم تنته لأرجمنك} [مريم: 46] . وقد يجوز أن يكون قيل للشيطان رجيم، لأن الله جل ثناؤه طرده من سمواته، ورجمه بالشهب الثواقب. 01P111 وقد روي عن ابن عباس أن أول ما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، علمه الاستعاذة حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: " أول ما نزل جبريل على محمد، قال: يا محمد، قل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم. ثم قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] " قال عبد الله: وهي أول سورة أنزلها الله على محمد، بلسان جبريل، فأمره أن يتعوذ بالله دون خلقه. [001] سورة الفاتحة مكية وآياتها سبع {بسم الله الرحمن الرحيم}

%0
10 Bölüm