أخبرنا المسعودي، قال: أخبرنا جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن ابن حصين وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتى قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلوا عليه، فجعل يبشرهم، ويقولون: أعطنا حتى ساء ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم خرجوا من عنده، وجاء قوم آخرون فدخلوا عليه، فقالوا: جئنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونتفقه في الدين، ونسأله عن بدء هذا الأمر، قال: «فاقبلوا البشرى إذ لم يقبلها أولئك الذين خرجوا» قالوا: قبلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان الله ولا شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر قبل كل شيء، ثم خلق سبع سموات» . ثم أتاني آت، فقال: تلك ناقتك قد ذهبت، فخرجت ينقطع دونها السراب، ولوددت أني تركتها حدثنا محمد بن منصور، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، قال: ثنا عمرو بن أبي قيس، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: " {وكان عرشه على الماء} [هود: 7] قال: كان عرش الله على الماء، ثم اتخذ لنفسه جنة، ثم اتخذ دونها أخرى، ثم أطبقهما بلؤلؤة واحدة، قال: {ومن دونهما جنتان} [الرحمن: 62] قال: وهي التي {لا تعلم نفس} أو قال: وهما التي لا تعلم نفس {ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17] . قال: وهي التي لا تعلم الخلائق ما فيها أو ما فيهما يأتيهم كل يوم منها أو منهما تحفة " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، قال سئل ابن عباس عن قول الله: " {وكان عرشه على الماء} [هود: 7] قال: على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن 12P334 الأعمش، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: " {وكان عرشه على الماء} [هود: 7] على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن سعيد، عن ابن عباس، مثله قال: ثنا الحسين، قال: ثنا مبشر الحلبي، عن أرطاة بن المنذر، قال: سمعت ضمرة يقول: «إن الله كان عرشه على الماء، وخلق السموات والأرض بالحق، وخلق القلم، فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح لله ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئا من الخلق» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه يقول: «إن العرش كان قبل أن يخلق الله السموات والأرض، ثم قبض قبضة من صفاء الماء، ثم فتح القبضة فارتفع دخان، ثم قضاهن سبع سموات في يومين، ثم أخذ طينة من الماء فوضعها مكان البيت، ثم دحا الأرض منها، ثم خلق الأقوات في يومين، والسموات في يومين وخلق الأرض في يومين، ثم فرغ من آخر الخلق يوم السابع» 12P335 وقوله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [هود: 7] يقول تعالى ذكره: وهو الذي خلق السموات والأرض أيها الناس، وخلقكم في ستة أيام، {ليبلوكم} [هود: 7] يقول: ليختبركم، {أيكم أحسن عملا} [هود: 7] يقول: أيكم أحسن له طاعة كما: حدثنا عن داود بن المحبر، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، عن كليب بن وائل، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه تلا هذه الآية: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [هود: 7] قال: «أيكم أحسن عملا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [هود: 7] يعني الثقلين " وقوله: {ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} [هود: 7] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن قلت لهؤلاء المشركين من قومك إنكم مبعوثون أحياء من بعد مماتكم فتلوت عليهم بذلك تنزيلي ووحيي، ليقولن إن هذا إلا سحر مبين؛ أي ما هذا الذي تتلوه علينا مما تقول إلا سحر لسامعه، مبين حقيقته أنه سحر.
Taberî - Câmiü'l-Beyân
İmam Taberî · AR
وهذا على تأويل من قرأ ذلك: {إن هذا إلا سحر مبين} [المائدة: 110] ؛ وأما من قرأ: «إن هذا إلا ساحر مبين» فإنه يوجه الخبر بذلك عنهم إلى أنهم وصفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه فيما أتاهم به من ذلك ساحر مبين. وقد بينا الصواب من القراءة في ذلك في نظائره فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته ههنا 12P336
[هود: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [هود: 8] يقول تعالى ذكره: ولئن أخرنا عن هؤلاء المشركين من قومك يا محمد العذاب، فلم نعجله لهم، وأنسأنا في آجالهم إلى أمة معدودة، ووقت محدود وسنين معلومة. وأصل الأمة ما قد بينا فيما مضى من كتابنا هذا أنها الجماعة من الناس تجتمع على مذهب ودين، ثم تستعمل في معان كثيرة ترجع إلى معنى الأصل الذي ذكرت. وإنما قيل للسنين المعدودة والحين في هذا الموضع ونحوه أمة، لأن فيها تكون الأمة. وإنما معنى الكلام: ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى مجيء أمة وانقراض أخرى قبلها. وبنحو الذي قلنا من أن معنى الأمة في هذا الموضع الأجل والحين قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس: " {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة} [هود: 8] قال: إلى أجل محدود " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس بمثله حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {إلى أمة معدودة} [هود: 8] قال: أجل معدود " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «إلى أجل معدود» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي 12P338 نجيح، عن مجاهد: " {إلى أمة معدودة} [هود: 8] قال: إلى حين " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة} [هود: 8] يقول: أمسكنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة " قال ابن جريج: قال مجاهد: إلى حين حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة} [هود: 8] يقول: إلى أجل معلوم " وقوله: {ليقولن ما يحبسه} [هود: 8] يقول: ليقولن هؤلاء المشركون ما يحبسه؟ أي شيء يمنعه من تعجيل العذاب الذي يتوعدنا به؟ تكذيبا منهم به، وظنا منهم أن ذلك إنما أخر عنهم لكذب المتوعد كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {ليقولن ما يحبسه} [هود: 8] قال: للتكذيب به، أو أنه ليس بشيء " 12P339 وقوله: {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم} [هود: 8] يقول تعالى ذكره تحقيقا لوعيده وتصحيحا لخبره: ألا يوم يأتيهم العذاب الذي يكذبون به ليس مصروفا عنهم، يقول: ليس يصرفه عنهم صارف، ولا يدفعه عنهم دافع، ولكنه يحل بهم فيهلكهم. {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الزمر: 48] يقول: ونزل بهم وأصابهم الذي كانوا به يسخرون من عذاب الله. وكان استهزاؤهم به الذي ذكره الله قيلهم قبل نزوله ما يحبسه نقلا بأنبيائه. وبنحو الذي قلنا في ذلك كان بعض أهل التأويل يقول. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الزمر: 48] قال: ما جاءت به أنبياؤهم من الحق " 12P339
[هود: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور} [هود: 9] يقول تعالى ذكره: ولئن أذقنا الإنسان منا رخاء وسعة في الرزق والعيش، فبسطنا عليه من الدنيا، وهي الرحمة التي ذكرها تعالى ذكره في هذا الموضع، {ثم نزعناها منه} [هود: 9] يقول: ثم سلبناه ذلك، فأصابته مصائب أجاحته فذهبت به؛ {إنه ليئوس كفور} [هود: 9] يقول: يظل قنطا من رحمة الله آيسا من الخير. وقوله: «يئوس» : فعول، من قول القائل: يئس فلان من كذا فهو 12P340 يئوس، إذا كان ذلك صفة له. وقوله: «كفور» ، يقول: هو كفور لمن أنعم عليه، قليل الشكر لربه المتفضل عليه بما كان وهب له من نعمته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور} [هود: 9] قال: يا ابن آدم إذا كانت بك نعمة من الله من السعة والأمن والعافية فكفور لما بك منها، وإذا نزعت منك يبتغ لك فراغك فيئوس من روح الله، قنوط من رحمته، كذلك المرء المنافق والكافر " 12P340 [هود: 10_11] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير} [هود: 10_11] يقول تعالى ذكره: ولئن نحن بسطنا للإنسان في دنياه، ورزقناه رخاء في عيشه، ووسعنا عليه في رزقه؛ وذلك هي النعم التي قال الله جل ثناؤه: {ولئن أذقناه نعماء} [هود: 10] وقوله: {بعد ضراء} [يونس: 21] يقول: بعد ضيق من العيش كان فيه، وعسرة كان يعالجها. {ليقولن ذهب السيئات عني} [هود: 10] يقول تعالى ذكره: ليقولن عند ذلك: ذهب الضيق والعسرة عني، وزالت الشدائد والمكاره. {إنه لفرح فخور} [هود: 10] يقول تعالى ذكره: إن الإنسان لفرح بالنعم التي يعطاها مسرور بها فخور، يقول: ذو فخر بما نال من السعة في الدنيا، وما بسط له فيها من العيش، وينسى صروفها ونكد العوائص فيها، ويدع طلب النعيم الذي يبقى والسرور الذي يدوم فلا يزول حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {ذهب السيئات عني} [هود: 10] غرة بالله وجراءة عليه. {إنه لفرح} [هود: 10] والله لا يحب الفرحين، {فخور} [هود: 10] بعد ما أعطى الله، وهو لا يشكر الله " ثم استثنى جل ثناؤه من الإنسان الذي وصفه بهاتين الصفتين الذين صبروا وعملوا الصالحات. وإنما جاز استثناؤهم منه لأن الإنسان بمعنى الجنس، ومعنى الجمع، وهو كقوله: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [العصر: 2] فقال تعالى ذكره: {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات} [هود: 11] ، فإنهم إن تأتيهم شدة من الدنيا وعسرة فيها لم يثنهم ذلك عن طاعة الله، ولكنهم صبروا لأمره وقضائه، فإن نالوا فيها رخاء وسعة شكروه وأدوا حقوقه بما آتاهم منها. يقول الله: {أولئك لهم مغفرة} [هود: 11] يغفرها لهم، ولا يفضحهم بها في معادهم. {وأجر كبير} [هود: 11] يقول: ولهم من الله مع مغفرة ذنوبهم ثواب على أعمالهم الصالحة التي عملوها في دار الدنيا جزيل، وجزاء عظيم حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {إلا الذين صبروا} [هود: 11] عند البلاء {وعملوا الصالحات} [هود: 11] عند النعمة، {لهم 12P342 مغفرة} [المائدة: 9] لذنوبهم، {وأجر كبير} [هود: 11] . قال: الجنة " 12P341
[هود: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل} [هود: 12] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فلعلك يا محمد تارك بعض ما يوحي إليك ربك أن تبلغه من أمرك بتبليغه ذلك، وضائق بما يوحى إليك صدرك، فلا تبلغه إياهم مخافة {أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك} [هود: 12] له مصدق بأنه لله رسول. يقول تعالى ذكره: فبلغهم ما أوحيته إليك، فإنك {إنما أنت نذير} [هود: 12] تنذرهم عقابي وتحذرهم بأسي على كفرهم بي، وإنما الآيات التي يسألونكها عندي، وفي سلطاني أنزلها إذا شئت، وليس عليك إلا البلاغ والإنذار. {والله على كل شيء وكيل} [هود: 12] يقول: والله القيم بكل شيء وبيده تدبيره، فانفذ لما أمرتك به، ولا يمنعك مسألتهم إياك الآيات، من تبليغهم وحيي، والنفوذ لأمري. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: " قال الله لنبيه: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك} [هود: 12] أن تفعل فيه ما أمرت وتدعو إليه كما أرسلت، قالوا: {لولا أنزل عليه كنز} [هود: 12] لا نرى 12P343 معه مالا، أين المال؟ {أو جاء معه ملك} [هود: 12] ينذر معه، {إنما أنت نذير} [هود: 12] فبلغ ما أمرت " 12P342 [هود: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} [هود: 13] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم كفاك حجة على حقيقة ما أتيتهم به ودلالة على صحة نبوتك، هذا القرآن من سائر الآيات غيره، إذ كانت الآيات إنما تكون لمن أعطيها دلالة على صدقه، لعجز جميع الخلق عن أن يأتوا بمثلها، وهذا القرآن جميع الخلق عجزة عن أن يأتوا بمثله. فإن هم قالوا: افتريته: أي اختلقته وتكذبته. ودل على أن معنى الكلام ما ذكرنا قوله: {أم يقولون افتراه} [يونس: 38] إلى آخر الآية. ويعني تعالى ذكره بقوله: {أم يقولون افتراه} [يونس: 38] أي أيقولون افتراه وقد دللنا على سبب إدخال العرب «أم» في مثل هذا الموضع فقل لهم: يأتوا بعشر سور مثل هذا القرآن مفتريات، يعني مفتعلات مختلقات، إن كان ما أتيتكم به من هذا القرآن مفترى، وليس بآية معجزة كسائر ما سئلته من الآيات، كالكنز الذي قلتم: هلا أنزل عليه أو الملك الذي قلتم: هلا جاء معه نذير له مصدقا فإنكم قومي، وأنتم من أهل لساني، وأنا رجل منكم، ومحال أن أقدر أخلق وحدي مئة سورة وأربع عشرة سورة، ولا تقدروا بأجمعكم أن تفتروا وتختلقوا عشر سور مثلها، ولا سيما إذا استعنتم في ذلك بمن شئتم من الخلق. يقول جل ثناؤه: قل لهم: وادعوا من استطعتم أن تدعوهم من دون الله، يعني سوى الله، لافتراء ذلك، واختلاقه من الآلهة، فإن أنتم لم تقدروا على أن تفتروا عشر سور مثله، فقد تبين لكم أنكم كذبة في قولكم افتراه، وصحت عندكم حقيقة ما أتيتكم به أنه من عند الله، ولم يكن لكم أن تتخيروا الآيات على ربكم، وقد جاءكم من الحجة على حقيقة ما تكذبون به أنه من عند الله مثل الذي تسألون من الحجة وترغبون أنكم تصدقون بمجيئها. وقوله: {إن كنتم صادقين} [البقرة: 23] لقوله: {فأتوا بعشر سور مثله} [هود: 13] وإنما هو: قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات إن كنتم صادقين أن هذا القرآن افتراه محمد، وادعوا من استطعتم من دون الله على ذلك من الآلهة والأنداد حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {أم يقولون، افتراه} [يونس: 38] قد قالوه؛ {قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم} [هود: 13] قال: يشهدون أنها مثله " هكذا قال القاسم في حديثه 12P344
[هود: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون} [هود: 14] يقول تعالى ذكره لنبيه: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: فإن لم يستجب لكم من تدعون من دون الله إلى أن يأتوا بعشر سور مثل هذا القرآن مفتريات، ولم تطيقوا أنتم وهم أن تأتوا بذلك، فاعلموا وأيقنوا أنه إنما أنزل من السماء على محمد صلى الله عليه وسلم بعلم الله وإذنه، وأن محمدا لم يفتره، ولا يقدر أن يفتريه، {وأن لا إله إلا هو} [هود: 14] يقول: وأيقنوا أيضا أن لا معبود يستحق الألوهة على الخلق إلا الله الذي له الخلق والأمر، فاخلعوا الأنداد والآلهة، وأفردوا له العبادة. وقد قيل: إن قوله: {فإن لم يستجيبوا لكم} [هود: 14] خطاب من الله لنبيه، كأنه قال: فإن لم يستجب لك هؤلاء الكفار يا محمد، فاعلموا أيها المشركون أنما أنزل بعلم الله. وذلك تأويل بعيد من المفهوم. وقوله: {فهل أنتم مسلمون} [هود: 14] يقول: فهل أنتم مذعنون لله بالطاعة، ومخلصون له العبادة بعد ثبوت الحجة عليكم؟ وكان مجاهد يقول: عني بهذا القول أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {فهل أنتم مسلمون} [هود: 14] قال: لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: وحدثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، 12P346 عن مجاهد، في قوله: " {وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون} [هود: 14] قال: لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقيل: {فإن لم يستجيبوا لكم} [هود: 14] والخطاب في أول الكلام قد جرى لواحد، وذلك قوله: {قل فأتوا} [آل عمران: 93] ولم يقل: فإن لم يستجيبوا لك على نحو ما قد بينا قبل في خطاب رئيس القوم وصاحب أمرهم، أن العرب تخرج خطابه أحيانا مخرج خطاب الجمع إذا كان خطابه خطاب الأتباع وجنده، وأحيانا مخرج خطاب الواحد إذا كان في نفسه واحدا 12P345
[هود: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون} [هود: 15] يقول تعالى ذكره: {من كان يريد} [النساء: 134] بعمله {الحياة الدنيا} [البقرة: 85] وأثاثها {وزينتها} [هود: 15] يطلب به {نوف إليهم} [هود: 15] أجور {أعمالهم فيها} [هود: 15] وثوابها {وهم فيها} [البقرة: 25] يقول: وهم في الدنيا {لا يبخسون} [هود: 15] يقول: لا ينقصون أجرها، ولكنهم يوفونه فيها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. 12P347 ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} [هود: 15] الآية، وهي ما يعطيهم الله من الدنيا بحسناتهم؛ وذلك أنهم لا يظلمون نقيرا، يقول: من عمل صالحا التماس الدنيا صوما أو صلاة أو تهجدا بالليل لا يعمله إلا لالتماس الدنيا؛ يقول الله: أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعمل التماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها} [هود: 15] قال: ثواب ما عملوا في الدنيا من خير أعطوه في الدنيا، و {ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها} [هود: 16] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير، قوله: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها} [هود: 15] قال: وربما عملوا من خير أعطوه في الدنيا، و {ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها} [هود: 16] قال: هي مثل الآية التي في الروم: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله} [الروم: 39] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن سعيد بن جبير: " { 12P348 من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} [هود: 15] قال: من عمل للدنيا وفيه في الدنيا " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} [هود: 15] قال: من عمل عملا مما أمر الله به من صلاة أو صدقة لا يريد بها وجه الله أعطاه الله في الدنيا ثواب ذلك مثل ما أنفق؛ فذلك قوله: نوف إليهم أعمالهم فيها في الدنيا، {وهم فيها لا يبخسون} [هود: 15] أجر ما عملوا فيها، {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها} [هود: 16] " الآية حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عيسى يعني ابن ميمون، عن مجاهد، في قوله: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} [هود: 15] قال: ممن لا يقبل منه جوزي به، يعطى ثوابه " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن عيسى الجرشي، عن مجاهد: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف} [هود: 15] إليهم أعمالهم فيها قال: ممن لا يقبل منه يعجل له في الدنيا " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون} [هود: 15] أي لا يظلمون. يقول: من كانت الدنيا همه وسدمه وطلبته ونيته، جازاه الله 12P349 بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء. وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة.
{وهم فيها لا يبخسون} [هود: 15] أي في الآخرة لا يظلمون " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق جميعا، عن معمر، عن قتادة: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها} [هود: 15] الآية، قال: من كان إنما همته الدنيا إياها يطلب أعطاه الله مالا، وأعطاه فيها ما يعيش، وكان ذلك قصاصا له بعمله. {وهم فيها لا يبخسون} [هود: 15] قال: لا يظلمون " قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ليث بن أبي سلم، عن محمد بن كعب القرظي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحسن من محسن فقد وقع أجره على الله في عاجل الدنيا وآجل الآخرة» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها} [هود: 15] الآية، يقول: من عمل عملا صالحا في غير تقوى يعني من أهل الشرك أعطي على ذلك أجرا في الدنيا 12P350 يصل رحما، يعطي سائلا، يرحم مضطرا في نحو هذا من أعمال البر؛ يعجل الله له ثواب عمله في الدنيا، ويوسع عليه في المعيشة والرزق، ويقر عينه فيما خوله، ويدفع عنه من مكاره الدنيا في نحو هذا، وليس له في الآخرة من نصيب " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا حفص بن عمر أبو عمر الضرير، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس في قوله: " {نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون} [هود: 15] قال: هي في اليهود، والنصارى " قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن أبي رجاء الأزدي، عن الحسن: " نوف إليهم أعمالهم فيها قال: طيباتهم " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن وهب، أنه بلغه أن مجاهدا، كان يقول في هذه الآية: «هم أهل الرياء، هم أهل الرياء» قال: أخبرنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، قال: ثني الوليد بن أبي الوليد أبوعثمان، أن عقبة بن مسلم حدثه، أن شفي بن ماتع الأصبحي حدثه: أنه، دخل 12P351 المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال من هذا؟ فقالوا أبو هريرة. فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا قلت: أنشدك بحق وبحق لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلته وعلمته قال: فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نشغ نشغة، ثم أفاق، فقال: لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت ما فيه أحد غيري وغيره ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم قال خارا على وجهه، واشتد به طويلا، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة نزل إلى أهل القيامة ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية، فأول من يدعى به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار. فيقول الله له: كذبت وتقول له الملائكة: كذبت ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ فقد قيل ذلك. ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق. فيقول الله له: كذبت وتقول الملائكة: كذبت ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقد قيل ذلك. ويؤتى 12P352 بالذي قتل في سبيل الله، فيقال له: في ماذا قتلت؟
فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك ، فقاتلت حتى قتلت. فيقول الله له: كذبت وتقول له الملائكة: كذبت ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان جريء، وقد قيل ذلك ". ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي، فقال: «يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة» قال الوليد أبو عثمان: فأخبرني عقبة أن شفيا هو الذي دخل على معاوية، فأخبره بهذا. قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيافا لمعاوية، قال: فدخل عليه رجل فحدثه بهذا عن أبي هريرة، فقال أبو هريرة وقد فعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاء شديدا حتى ظننا أنه هلك، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بشر. ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه، فقال: صدق الله ورسوله {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها} [هود: 15] وقرأ إلى: {وباطل ما كانوا يعملون} [الأعراف: 139] حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن عيسى بن ميمون، عن مجاهد: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} [هود: 15] الآية، قال: ممن لا يتقبل 12P353 منه، يصوم ويصلي يريد به الدنيا، ويدفع عنه وهم الآخرة. {وهم فيها لا يبخسون} [هود: 15] لا ينقصون " 12P352
[هود: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} [هود: 16] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين ذكرت أنا نوفيهم أجور أعمالهم في الدنيا {ليس لهم في الآخرة إلا النار} [هود: 16] يصلونها، {وحبط ما صنعوا فيها} [هود: 16] يقول: وذهب ما عملوا في الدنيا، {وباطل ما كانوا يعملون} [الأعراف: 139] لأنهم كانوا يعملون لغير الله، فأبطله الله وأحبط عامله أجره 12P353