[الإسراء: 50_51] القول في تأويل قوله تعالى: {قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا} [الإسراء: 50_51] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للمكذبين بالبعث بعد الممات من قومك القائلين {أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} : كونوا إن عجبتم من إنشاء الله إياكم وإعادته أجسامكم، خلقا جديدا بعد بلاكم في التراب، ومصيركم رفاتا، وأنكرتم ذلك من قدرته حجارة أو حديدا، أو خلقا مما يكبر في صدوركم إن قدرتم على ذلك، فإني أحييكم وأبعثكم خلقا جديدا بعد مصيركم كذلك كما بدأتكم أول مرة. واختلف أهل التأويل في المعنى بقوله {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] فقال بعضهم: عنى به الموت، وأريد به: أو كونوا الموت، فإنكم إن كنتموه أمتكم ثم بعثتكم بعد ذلك يوم البعث ذكر من قال ذلك: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية، عن ابن عمر، {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] قال: الموت، قال: لو كنتم موتى لأحييتكم حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] يعني الموت. يقول: إن كنتم الموت أحييتكم حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو مالك الجنبي، قال: ثنا ابن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] قال: الموت حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا سليمان أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] قال: الموت حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال 14P617 سعيد بن جبير، في قوله: {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] كونوا الموت إن استطعتم، فإن الموت سيموت، قال: وليس شيء أكبر في نفس ابن آدم من الموت حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: بلغني، عن سعيد بن جبير، قال: هو الموت حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: " يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح حتى يجعل بين الجنة والنار، فينادي مناد يسمع أهل الجنة وأهل النار، فيقول: هذا الموت قد جئنا به ونحن مهلكوه، فأيقنوا يا أهل الجنة وأهل النار أن الموت قد هلك " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] يعني الموت، يقول: لو كنتم الموت لأمتكم وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إن الله يجيء بالموت يوم القيامة، وقد صار أهل الجنة وأهل النار إلى منازلهم ، كأنه كبش أملح، فيقف بين الجنة 14P618 والنار، فينادي أهل الجنة وأهل النار هذا الموت، ونحن ذابحوه، فأيقنوا بالخلود وقال آخرون: عنى بذلك السماء والأرض والجبال ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] قال: السماء والأرض والجبال وقال آخرون: بل أريد بذلك: كونوا ما شئتم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] قال: ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله كما كنتم حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] قال: من خلق الله، فإن الله يميتكم ثم يبعثكم يوم القيامة خلقا جديدا 14P619 وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره قال: {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] وجائز أن يكون عنى به الموت، لأنه عظيم في صدور بني آدم، وجائز أن يكون أراد به السماء والأرض، وجائز أن يكون أراد به غير ذلك، ولا بيان في ذلك أبين مما بين جل ثناؤه، وهو كل ما كبر في صدور بني آدم من خلقه، لأنه لم يخصص منه شيئا دون شيء وأما قوله: {فسيقولون من يعيدنا} [الإسراء: 51] فإنه يقول: فسيقول لك يا محمد هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة {من يعيدنا} [الإسراء: 51] خلقا جديدا إن كنا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدورنا؟
Taberî - Câmiü'l-Beyân
İmam Taberî · AR
فقل لهم: يعيدكم {الذي فطركم أول مرة} [الإسراء: 51] يقول: يعيدكم كما كنتم قبل أن تصيروا حجارة أو حديدا إنسا أحياء، الذي خلقكم إنسا من غير شيء أول مرة، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {قل الذي فطركم أول مرة} [الإسراء: 51] أي خلقكم {فسينغضون إليك رءوسهم} يقول: فإنك إذا قلت لهم ذلك، فسيهزون إليك رءوسهم برفع وخفض، وكذلك النغض في كلام العرب، إنما هو حركة بارتفاع ثم انخفاض، أو انخفاض ثم ارتفاع، ولذلك سمي الظليم نغضا، لأنه إذا عجل المشي ارتفع وانخفض، وحرك رأسه، كما قال الشاعر: [+البحر الرجز] 14P620 أسك نغضا لا يني مستهدجا ويقال: نغضت سنه: إذا تحركت وارتفعت من أصلها، ومنه قول الراجز: [+البحر الرجز] ونغضت من هرم أسنانها وقول الآخر: [+البحر . ] لما رأتني أنغضت لي الرأسا وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فسينغضون إليك رءوسهم} أي يحركون رءوسهم تكذيبا واستهزاء حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {فسينغضون إليك رءوسهم} قال: يحركون رءوسهم حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {فسينغضون إليك رءوسهم} يقول: سيحركونها إليك استهزاء حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس {فسينغضون إليك رءوسهم} قال: يحركون رءوسهم يستهزئون ويقولون متى هو حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {فسينغضون إليك رءوسهم} يقول: يهزون وقوله: {ويقولون متى هو} [الإسراء: 51] يقول جل ثناؤه: ويقولون متى البعث؟ وفي أي حال ووقت يعيدنا خلقا جديدا كما كنا أول مرة؟ قال الله عز وجل لنبيه: قل لهم يا محمد إذ قالوا لك: متى هو، متى هذا البعث الذي تعدنا؟ : عسى أن يكون قريبا وإنما معناه: هو قريب، لأن عسى من الله واجب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى» لأن الله تعالى كان قد أعلمه أنه قريب مجيب 14P621
[الإسراء: 53] القول في تأويل قوله تعالى: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا} [الإسراء: 53] يقول تعالى ذكره: قل عسى أن يكون بعثكم أيها المشركون قريبا، ذلك يوم يدعوكم ربكم بالخروج من قبوركم إلى موقف القيامة، فتستجيبون بحمده. 14P622 اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {فتستجيبون بحمده} [الإسراء: 52] فقال بعضهم: فتستجيبون بأمره ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} [الإسراء: 52] يقول: بأمره حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {فتستجيبون بحمده} [الإسراء: 52] قال: بأمره وقال آخرون: معنى ذلك: فتستجيبون بمعرفته وطاعته ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} [الإسراء: 52] أي بمعرفته وطاعته وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: معناه: فتستجيبون لله من قبوركم بقدرته، ودعائه إياكم. ولله الحمد في كل حال، كما يقول القائل: فعلت ذلك 14P623 الفعل بحمد الله، يعني: لله الحمد عن كل ما فعلته، وكما قال الشاعر: [+البحر الطويل] فإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع بمعنى: فإني والحمد لله لا ثوب فاجر لبست وقوله: {وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} [الإسراء: 52] يقول: وتحسبون عند موافاتكم القيامة من هول ما تعاينون فيها ما لبثتم في الأرض إلا قليلا، كما قال جل ثناؤه {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين} [المؤمنون: 113] وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} [الإسراء: 52] أي في الدنيا، تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقلت حين عاينوا يوم القيامة وقوله: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} [الإسراء: 53] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وقل يا محمد لعبادي يقل بعضهم لبعض التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة . كما: حدثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا النضر، قال: أخبرنا المبارك، عن الحسن، 14P624 في هذه الآية {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} [الإسراء: 53] قال: التي هي أحسن، لا يقول له مثل قوله يقول له: يرحمك الله يغفر الله لك وقوله: {إن الشيطان ينزغ بينهم} [الإسراء: 53] يقول: إن الشيطان يسوء محاورة بعضهم بعضا ينزغ بينهم، يقول: يفسد بينهم، يهيج بينهم الشر {إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا} [الإسراء: 53] يقول: إن الشيطان كان لآدم وذريته عدوا، قد أبان لهم عداوته بما أظهر لآدم من الحسد، وغروره إياه حتى أخرجه من الجنة 14P624 [الإسراء: 54] القول في تأويل قوله تعالى: {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا} [الإسراء: 54] يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش الذين قالوا {أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} {ربكم} [البقرة: 21] أيها القوم {أعلم بكم إن يشأ يرحمكم} [الإسراء: 54] فيتوب عليكم برحمته، حتى تنيبوا عما أنتم عليه من الكفر به وباليوم الآخر {وإن يشأ يعذبكم} بأن يخذلكم عن الإيمان، فتموتوا على شرككم، فيعذبكم يوم القيامة بكفركم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن عبد الملك بن جريج، قوله: {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم} [الإسراء: 54] قال: فتؤمنوا {أو إن يشأ 14P625 يعذبكم} [الإسراء: 54] فتموتوا على الشرك كما أنتم وقوله: {وما أرسلناك عليهم وكيلا} [الإسراء: 54] يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك يا محمد على من أرسلناك إليه لتدعوه إلى طاعتنا ربا ولا رقيبا، إنما أرسلناك إليهم لتبلغهم رسالاتنا وبأيدينا صرفهم وتدبيرهم، فإن شئنا رحمناهم، وإن شئنا عذبناهم 14P625
[الإسراء: 55] القول في تأويل قوله تعالى: {وربك أعلم بمن في السموات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا} [الإسراء: 55] يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: وربك يا محمد أعلم بمن في السماوات والأرض وما يصلحهم فإنه هو خالقهم ورازقهم ومدبرهم، وهو أعلم بمن هو أهل للتوبة والرحمة، ومن هو أهل للعذاب، أهدى للحق من سبق له مني الرحمة والسعادة، وأضل من سبق له مني الشقاء والخذلان، يقول: فلا يكبرن ذلك عليك، فإن ذلك من فعلي بهم لتفضيلي بعض النبيين على بعض، بإرسال بعضهم إلى بعض الخلق، وبعضهم إلى الجميع، ورفعي بعضهم على بعض درجات. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وربك أعلم بمن في السموات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} اتخذ الله إبراهيم خليلا، وكلم موسى تكليما، وجعل الله عيسى كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون، وهو عبد الله ورسوله، من كلمة الله وروحه، وآتى سليمان ملكا 14P626 لا ينبغي لأحد من بعده، وآتى داود زبورا، كنا نحدث دعاء علمه داود، تحميد وتمجيد، ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود، وغفر لمحمد ما تقدم من ذنبه وما تأخر حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} [الإسراء: 55] قال: كلم الله موسى وأرسل محمدا إلى الناس كافة 14P626 [الإسراء: 56] القول في تأويل قوله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} [الإسراء: 56] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لمشركي قومك الذين يعبدون من دون الله من خلقه: ادعوا أيها القوم الذين زعمتم أنهم أرباب وآلهة من دونه عند ضر ينزل بكم، فانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم، أو تحويله عنكم إلى غيركم، فتدعوهم آلهة، فإنهم لا يقدرون على ذلك، ولا يملكونه، وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم. وقيل: إن الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا القول كانوا يعبدون الملائكة وعزيرا والمسيح، وبعضهم كانوا يعبدون نفرا من الجن ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن 14P627 أبيه، عن ابن عباس، قوله: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} [الإسراء: 56] قال: كان أهل الشرك يقولون: نعبد الملائكة وعزيرا، وهم الذين يدعون، يعني الملائكة والمسيح وعزيرا 14P626
[الإسراء: 57] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء: 57] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء المشركون أربابا {يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] يقول: يبتغي المدعون أربابا إلى ربهم القربة والزلفة، لأنهم أهل إيمان به، والمشركون بالله يعبدونهم من دون الله {أيهم أقرب} [النساء: 11] أيهم بصالح عمله واجتهاده في عبادته أقرب عنده زلفة {ويرجون} [الإسراء: 57] بأفعالهم تلك {رحمته ويخافون} [الإسراء: 57] بخلافهم أمره {عذابه إن عذاب ربك} [الإسراء: 57] يا محمد {كان محذورا} [الإسراء: 57] متقى. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل، غير أنهم اختلفوا في المدعوين، فقال بعضهم: هم نفر من الجن ذكر من قال ذلك: حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله، في قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] قال: 14P628 كان ناس من الإنس يعبدون قوما من الجن، فأسلم الجن وبقي الإنس على كفرهم، فأنزل الله تعالى {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] يعني الجن حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي، قال: ثنا شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن أبي معمر، قال: قال عبد الله في هذه الآية {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} [الإسراء: 57] قال: قبيل من الجن كانوا يعبدون فأسلموا حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثني أبي، قال: ثني الحسين، عن قتادة، عن معبد بن عبد الله الزماني، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود، في قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فأنزلت {الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} [الإسراء: 57] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن عتبة 14P629 بن مسعود، عن حديث عمه عبد الله بن مسعود، قال: نزلت هذه الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون والنفر من العرب لا يشعرون بذلك حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، {الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] قوم عبدوا الجن، فأسلم أولئك الجن، فقال الله تعالى ذكره: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] قال: كان نفر من الإنس يعبدون نفرا من الجن، فأسلم النفر من الجن واستمسك الإنس بعبادتهم، فقال {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن الأعمش، عن إبراهيم عن أبي معمر، قال: قال عبد الله: كان ناس يعبدون نفرا من الجن، فأسلم أولئك الجنيون، وثبتت الإنس على عبادتهم، فقال الله تبارك وتعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} [الإسراء: 57] قال كان أناس من أهل الجاهلية يعبدون نفرا من الجن، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أسلموا جميعا، فكانوا يبتغون أيهم أقرب وقال آخرون: بل هم الملائكة حدثني الحسين بن علي الصدائي، قال: ثنا يحيى بن السكن، قال: أخبرنا أبو العوام، قال: أخبرنا قتادة، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن عبد الله بن مسعود، قال: كان قبائل من العرب يعبدون صنفا من الملائكة يقال لهم الجن، ويقولون: هم بنات الله، فأنزل الله عز وجل {أولئك الذين يدعون} [الإسراء: 57] معشر العرب {يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] قال: الذين يدعون الملائكة تبتغي إلى ربها الوسيلة {أيهم أقرب ويرجون رحمته} [الإسراء: 57] حتى بلغ {إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء: 57] قال: وهؤلاء الذين عبدوا الملائكة من المشركين وقال آخرون: بل هم عزير وعيسى وأمه ذكر من قال ذلك: حدثني يحيى بن جعفر، قال: أخبرنا يحيى بن السكن، قال: أخبرنا شعبة، 14P631 عن إسماعيل السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] قال: عيسى وأمه وعزير حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي، قال: ثنا شعبة، عن إسماعيل السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: عيسى ابن مريم وأمه وعزير في هذه الآية {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] قال: عيسى ابن مريم وعزير والملائكة حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: كان ابن عباس يقول في قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] قال: هو عزير والمسيح والشمس والقمر وأولى الأقوال بتأويل هذه الآية قول عبد الله بن مسعود الذي رويناه، عن أبي معمر عنه، وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن الذين يدعوهم المشركون آلهة أنهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن عزيرا لم يكن موجودا على عهد نبينا عليه الصلاة والسلام فيبتغي إلى ربه الوسيلة وأن عيسى قد كان رفع، وإنما يبتغي إلى ربه الوسيلة من كان موجودا حيا يعمل بطاعة الله، ويتقرب إليه بالصالح من الأعمال.
فأما من كان لا سبيل له إلى العمل، فبم يبتغي إلى ربه الوسيلة. فإذا كان لا معنى لهذا القول، فلا قول في ذلك إلا قول من قال ما اخترنا فيه من التأويل، أو قول من قال: هم الملائكة، وهما قولان يحتملهما ظاهر التنزيل. وأما الوسيلة، فقد بينا أنها القربة والزلفة. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: الوسيلة: القربة حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة الوسيلة، قال: القربة والزلفى 14P632
[الإسراء: 58] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم 14P633 القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا} [الإسراء: 58] يقول تعالى ذكره: وما من قرية من القرى إلا نحن مهلكو أهلها بالفناء، فمبيدوهم استئصالا قبل يوم القيامة، أو معذبوها، إما ببلاء من قتل بالسيف، أو غير ذلك من صنوف العذاب عذابا شديدا. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة} [الإسراء: 58] فمبيدوها {أو معذبوها} [الإسراء: 58] بالقتل والبلاء، قال: كل قرية في الأرض سيصيبها بعض هذا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال: سيصيبها هذا أو بعضه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها} [الإسراء: 58] قضاء من الله كما تسمعون ليس منه بد، إما أن يهلكها بموت وإما أن يهلكها بعذاب مستأصل إذا تركوا أمره، وكذبوا رسله حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها} [الإسراء: 58] 14P634 قال: مبيدوها حدثنا القاسم، قال: ثني الحسين ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله، قال: إذا ظهر الزنا والربا في أهل قرية أذن الله في هلاكها وقوله: {كان ذلك في الكتاب مسطورا} [الإسراء: 58] يعني في الكتاب الذي كتب فيه كل ما هو كائن، وذلك اللوح المحفوظ. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {كان ذلك في الكتاب مسطورا} [الإسراء: 58] قال: في أم الكتاب، وقرأ {لولا كتاب من الله سبق} [الأنفال: 68] ويعني بقوله {مسطورا} [الإسراء: 58] مكتوبا مبينا ومنه قول العجاج: [+البحر الرجز] واعلم بأن ذا الجلال قد قدر في الكتب الأولى التي كان سطر أمرك هذا فاحتفظ فيه النهر 14P634 [الإسراء: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها 14P635 الأولون} [الإسراء: 59] يقول تعالى ذكره: وما منعنا يا محمد أن نرسل بالآيات التي سألها قومك، إلا أن كان من قبلهم من الأمم المكذبة، سألوا ذلك مثل سؤالهم، فلما آتاهم ما سألوا منه كذبوا رسلهم، فلم يصدقوا مع مجيء الآيات، فعوجلوا فلم نرسل إلى قومك بالآيات، لأنا لو أرسلنا بها إليها، فكذبوا بها سلكنا في تعجيل العذاب لهم مسلك الأمم قبلها. وبالذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال، فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم لعلنا نجتني منهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم، قال: «بل تستأني بهم» ، فأنزل الله: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة} [الإسراء: 59] حدثني إسحاق بن وهب، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا مسعود بن عباد، عن مالك بن دينار، عن الحسن، في قول الله تعالى {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} [الإسراء: 59] قال: رحمة لكم أيتها الأمة، إنا لو أرسلنا بالآيات فكذبتم بها أصابكم ما أصاب من قبلكم حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال: قال المشركون لمحمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء، فمنهم من سخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فإن سرك أن نؤمن بك ونصدقك، فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهبا، فأوحى الله إليه: إني قد سمعت الذي قالوا، فإن شئت أن نفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نزل العذاب، فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة، وإن شئت أن تستأني قومك استأنيت بها، قال: «يا رب أستأني» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} [الإسراء: 59] قال: قال أهل مكة لنبي الله صلى الله عليه وسلم: إن كان ما تقول حقا، ويسرك أن نؤمن، فحول لنا الصفا ذهبا، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم يناظروا، وإن شئت استأنيت بقومك، قال: «بل أستأني بقومي» فأنزل الله: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها} [الإسراء: 59] وأنزل الله عز وجل {ما آمنت قبلهم 14P637 من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون} [الأنبياء: 6] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، أنهم سألوا أن يحول الصفا، ذهبا، قال الله: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} [الإسراء: 59] قال ابن جريج: لم يأت قرية بآية فيكذبوا بها إلا عذبوا، فلو جعلت لهم الصفا ذهبا ثم لم يؤمنوا عذبوا و «أن» الأولى التي مع منعنا، في موضع نصب بوقوع منعنا عليها، وأن الثانية رفع، لأن معنى الكلام: وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين من الأمم، فالفعل لأن الثانية 14P637
[الإسراء: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} [الإسراء: 59] يقول تعالى ذكره: وقد سأل الآيات يا محمد من قبل قومك ثمود فآتيناها ما سألت، وحملنا تلك الآية ناقة مبصرة. جعل الإبصار للناقة، كما تقول للشجة: موضحة، وهذه حجة مبينة. وإنما عنى بالمبصرة: المضيئة البينة التي من يراها كانوا أهل بصر بها، أنها لله حجة، كما قيل: {والنهار مبصرا} [يونس: 67] كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وآتينا ثمود الناقة مبصرة} [الإسراء: 59] أي بينة حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني 14P638 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز ذكره {الناقة مبصرة} [الإسراء: 59] قال: آية حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقوله: {فظلموا بها} [الأعراف: 103] يقول عز وجل: فكان بها ظلمهم، وذلك أنهم قتلوها وعقروها، فكان ظلمهم بعقرها وقتلها. وقد قيل: معنى ذلك: فكفروا بها، ولا وجه لذلك إلا أن يقول قائله أراد: فكفروا بالله بقتلها، فيكون ذلك وجها وأما قوله: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} [الإسراء: 59] فإنه يقول: وما نرسل بالعبر والذكر إلا تخويفا للعباد، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} [الإسراء: 59] وإن الله يخوف الناس بما شاء من آية لعلهم يعتبرون، أو يذكرون، أو يرجعون، ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود، فقال: يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فاعتبوه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا نوح بن قيس، عن أبي رجاء، عن 14P639 الحسن، {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} [الإسراء: 59] قال: الموت الذريع 14P638
[الإسراء: 60] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا} [الإسراء: 60] وهذا حض من الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، على تبليغ رسالته ، وإعلام منه أنه قد تقدم منه إليه القول بأنه سيمنعه من كل من بغاه سوءا وهلاكا، يقول جل ثناؤه: واذكر يا محمد إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس قدرة، فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج من مشيئته، ونحن مانعوك منهم، فلا تتهيب منهم أحدا، وامض لما أمرناك به من تبليغ رسالتنا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن، يقول: أحاط بالناس، عصمك من الناس حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو بكر الهذلي، عن الحسن {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} [الإسراء: 60] قال: يقول: أحطت لك بالعرب أن لا يقتلوك، فعرف أنه لا يقتل حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {أحاط بالناس} [الإسراء: 60] قال: فهم في قبضته حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قوله {أحاط بالناس} [الإسراء: 60] قال: منعك من الناس قال معمر، قال قتادة مثله حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} [الإسراء: 60] قال: منعك من الناس حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} [الإسراء: 60] أي منعك من الناس حتى تبلغ رسالة ربك وقوله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: هو رؤيا عين، وهي ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به من مكة إلى بيت المقدس ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال : ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، وليست برؤيا منام حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، سئل عن قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: هي رؤيا عين رآها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس بنحوه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو، عن فرات القزاز، عن 14P642 سعيد بن جبير، {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: كان ذلك ليلة أسري به إلى بيت المقدس، فرأى ما رأى فكذبه المشركون حين أخبرهم حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: أسري به عشاء إلى بيت المقدس، فصلى فيه، وأراه الله ما أراه من الآيات، ثم أصبح بمكة، فأخبرهم أنه أسري به إلى بيت المقدس، فقالوا له: يا محمد ما شأنك، أمسيت فيه، ثم أصبحت فينا تخبرنا أنك أتيت بيت المقدس، فعجبوا من ذلك حتى ارتد بعضهم عن الإسلام حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: قال كفار أهل مكة: أليس من كذب ابن أبي كبشة أنه يزعم أنه سار مسيرة شهرين في ليلة حدثني أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن أبي مالك، في هذه الآية {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: مسيره إلى بيت المقدس حدثني أبو السائب، ويعقوب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبد الله، عن أبي الضحى، عن مسروق، في قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة 14P643 للناس} [الإسراء: 60] قال: حين أسري به حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: ليلة أسري به حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: الرؤيا التي أريناك في بيت المقدس حين أسري به فكانت تلك فتنة الكافر حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] يقول: الله أراه من الآيات والعبر في مسيره إلى بيت المقدس ذكر لنا أن ناسا ارتدوا بعد إسلامهم حين حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيره، أنكروا ذلك وكذبوا له، وعجبوا منه، وقالوا: تحدثنا أنك سرت مسيرة شهرين في ليلة واحدة حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: هو ما أري في بيت المقدس ليلة أسري به حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {وما 14P644 جعلنا الرؤيا التي أريناك} [الإسراء: 60] قال: أراه الله من الآيات في طريق بيت المقدس حين أسري به، نزلت فريضة الصلاة ليلة أسري به قبل أن يهاجر بسنة وتسع سنين من العشر التي مكثها بمكة، ثم رجع من ليلته، فقالت قريش: تعشى فينا وأصبح فينا، ثم زعم أنه جاء الشام في ليلة ثم رجع، وايم الله إن الحدأة لتجيئها شهرين: شهرا مقبلة، وشهرا مدبرة حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: هذا حين أسري به إلى بيت المقدس، افتتن فيها ناس، فقالوا: يذهب إلى بيت المقدس ويرجع في ليلة وقال: " لما أتاني جبرائيل عليه السلام بالبراق ليحملني عليها صرت بأذنيها، وانقبض بعضها إلى بعض، فنظر إليها جبرائيل، فقال: والذي بعثني بالحق من عنده ما ركبك أحد من ولد آدم خير منه "، قال: " فصرت بأذنيها وارفضت عرقا حتى سال ما تحتها، وكان منتهى خطوها عند منتهى طرفها، فلما أتاهم بذلك، قالوا: ما كان محمد لينتهي حتى يأتي بكذبة تخرج من أقطارها، فأتوا أبا بكر رضي الله عنه فقالوا: هذا صاحبك يقول كذا وكذا، فقال: وقد قال ذلك؟
قالوا: نعم، فقال: إن كان قد قال ذلك فقد صدق، فقالوا: تصدقه إن قال ذهب إلى بيت المقدس ورجع في ليلة؟ فقال أبو بكر: إي، نزع الله عقولكم، أصدقه بخبر السماء، والسماء أبعد من بيت المقدس، ولا أصدقه بخبر بيت المقدس؟ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا قد جئنا بيت المقدس 14P645 فصفه لنا، فلما قالوا ذلك، رفعه الله تبارك وتعالى ومثله بين عينيه، فحمل يقول: «هو كذا، وفيه كذا» ، فقال بعضهم: وأبيكم إن أخطأ منه حرفا، فقالوا: هذا رجل ساحر حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] يعني ليلة أسري به إلى بيت المقدس، ثم رجع من ليلته، فكانت فتنة لهم حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله {الرؤيا التي أريناك} [الإسراء: 60] قال: حين أسري بمحمد صلى الله عليه وسلم حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه وقال آخرون: هي رؤياه التي رأى أنه يدخل مكة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال 14P646 ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أنه دخل مكة هو وأصحابه، وهو يومئذ بالمدينة، فعجل رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة قبل الأجل، فرده المشركون، فقالت أناس: قد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان حدثنا أنه سيدخلها، فكانت رجعته فتنتهم وقال آخرون ممن قال: هي رؤيا منام: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه قوما يعلون منبره. ذكر من قال ذلك: حدثت عن محمد بن الحسن بن زبالة، قال: ثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، قال: ثني أبي، عن جدي، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني فلان ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكا حتى مات. قال: وأنزل الله عز وجل في ذلك {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] . . الآية وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى به رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى بيت المقدس، وبيت المقدس ليلة أسري به، وقد ذكرنا بعض ذلك في أول هذه السورة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإياه عنى الله عز وجل بها، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: وما جعلنا رؤياك التي أريناك ليلة أسرينا بك من مكة إلى بيت المقدس، إلا فتنة للناس: يقول: إلا بلاء للناس الذين ارتدوا عن الإسلام، لما أخبروا بالرؤيا التي رآها، عليه الصلاة والسلام وللمشركين من أهل مكة الذين ازدادوا بسماعهم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم تماديا في غيهم، وكفرا إلى كفرهم، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] وأما قوله: {والشجرة الملعونة في القرآن} [الإسراء: 60] فإن أهل التأويل اختلفوا فيها. فقال بعضهم: هي شجرة الزقوم ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا أبو عبيدة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، {والشجرة الملعونة في القرآن} [الإسراء: 60] قال: شجرة 14P648 الزقوم حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {والشجرة الملعونة في القرآن} [الإسراء: 60] قال: هي شجرة الزقوم.