Qur'an&Sunnahالقرآن

الإمام الطبري - جامع البيان عن تأويل آي القرآن

أبو جعفر محمد بن جرير الطبري · AR

قسم V17/P015–V17/P019Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V17/P015–V17/P019)

[المؤمنون: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} [المؤمنون: 11] يقول تعالى ذكره: {الذين يرثون} [المؤمنون: 11] البستان ذا الكرم، وهو الفردوس عند العرب. وكان مجاهد يقول: هو بالرومية حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: {الذين يرثون الفردوس} [المؤمنون: 11] قال: " الفردوس: بستان بالرومية " قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: " عدن حديقة في الجنة ، قصرها فيها عدنها، خلقها بيده، تفتح كل فجر فينظر فيها ثم يقول: {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون: 1] قال: هي الفردوس أيضا تلك الحديقة، قال مجاهد: غرسها الله بيده؛ فلما بلغت قال: {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون: 1] ثم أمر بها تغلق، فلا ينظر فيها خلق ولا ملك مقرب، ثم تفتح كل سحر، فينظر فيها فيقول: {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون: 1] ثم تغلق إلى مثلها " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: " قتل حارثة بن سراقة يوم بدر، فقالت أمه: يا رسول الله، إن كان ابني من أهل الجنة لم أبك عليه، وإن كان من أهل النار بالغت في البكاء. قال: «يا أم حارثة، إنها جنتان في جنة، وإن ابنك قد أصاب الفردوس الأعلى من الجنة» حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن كعب، قال: " خلق الله بيده جنة الفردوس، غرسها بيده، ثم قال: تكلمي قالت: {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون: 1] " قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن حسام بن مصك، عن قتادة، أيضا، مثله، غير أنه قال: " تكلمي، قالت: طوبى للمتقين " قال: ثنا الحسين قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي داود نفيع قال: " لما خلقها الله قال لها: تزيني فتزينت؛ ثم قال لها: تكلمي فقالت: طوبى لمن رضيت عنه " وقوله: {هم فيها خالدون} [البقرة: 39] يعني ماكثون فيها، يقول: هؤلاء الذين يرثون الفردوس خالدون، يعني ماكثون فيها أبدا لا يتحولون عنها 17P018 [المؤمنون: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} [المؤمنون: 12] يقول تعالى ذكره: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} [المؤمنون: 12] أسللناه منه، فالسلالة هي المستلة من كل تربة؛ ولذلك كان آدم خلق من تربة أخذت من أديم الأرض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في المعني بالإنسان في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به آدم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {من طين} [الأنعام: 2] قال: استل آدم من الطين " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: " {من سلالة من طين} [المؤمنون: 12] قال: استل آدم من طين، وخلقت ذريته من ماء مهين " وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خلقنا ولد آدم، وهو الإنسان الذي ذكر في هذا الموضع، من سلالة، وهي النطفة التي استلت من ظهر الفحل من طين، وهو آدم الذي خلق من طين ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي يحيى، عن ابن عباس: " {من سلالة من طين} [المؤمنون: 12] قال: صفوة الماء " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {من سلالة} [المؤمنون: 12] من مني آدم " حدثنا القاسم. قال: ثنا الحسين. قال: ثني حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ولقد خلقنا ابن آدم من سلالة آدم، وهي صفة مائه ، وآدم هو الطين، لأنه خلق منه وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لدلالة قوله: {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} [المؤمنون: 13] على أن ذلك كذلك؛ لأنه معلوم أنه لم يصر في قرار مكين إلا بعد خلقه في صلب الفحل، ومن بعد تحوله من صلبه صار في قرار مكين؛ والعرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سليله وسلالته. لأنهما مسلولان منه؛ ومن السلالة قول بعضهم: [+البحر الطويل] حملت به عضب الأديم غضنفرا سلالة فرج كان غير حصين وقول الآخر: [+البحر الطويل] وهل كنت إلا مهرة عربية سلالة أفراس تجللها بغل فمن قال: سلالة جمعها سلالات، وربما جمعوها سلائل، وليس بالكثير. لأن السلائل جمع للسليل؛ ومنه قول بعضهم: [+البحر الطويل] إذا أنتجت منها المهارى تشابهت على القود إلا بالأنوف سلائله وقول الراجز: [+البحر الرجز] يقذفن في أسلابها بالسلائل 17P020

قسم V17/P019–V17/P025Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V17/P019–V17/P025)

[المؤمنون: 13_14] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 13_14] يعني تعالى ذكره بقوله: {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} [المؤمنون: 13] ثم جعلنا الإنسان الذي جعلناه من سلالة من طين، نطفة في قرار مكين، وهو حيث استقرت فيه نطفة الرجل من رحم المرأة. ووصفه بأنه مكين، لأنه مكن لذلك وهيئ له ليستقر فيه إلى بلوغ أمره الذي جعله له قرارا وقوله: {ثم خلقنا النطفة علقة } [المؤمنون: 14] يقول: ثم صيرنا النطفة التي جعلناها في قرار مكين علقة، وهي القطعة من الدم {فخلقنا العلقة مضغة} [المؤمنون: 14] يقول: فجعلنا ذلك الدم مضغة، وهي القطعة من اللحم وقوله: {فخلقنا المضغة عظاما} [المؤمنون: 14] يقول: فجعلنا تلك المضغة اللحم عظاما وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق سوى عاصم: {فخلقنا المضغة عظاما} [المؤمنون: 14] على الجماع، وكان عاصم وعبد الله يقرآن ذلك: (عظما) في الحرفين على التوحيد جميعا. والقراءة التي نختار في ذلك الجماع، لإجماع الحجة من القراء عليه وقوله: {فكسونا العظام لحما} [المؤمنون: 14] يقول: فألبسنا العظام لحما. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: (ثم خلقنا النطفة عظما وعصبا فكسوناه لحما) . وقوله: {ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون: 14] يقول: ثم أنشأنا هذا الإنسان خلقا آخر. وهذه الهاء التي في: {أنشأناه} [المؤمنون: 14] عائدة على الإنسان في قوله: {ولقد خلقنا الإنسان} [الحجر: 26] قد يجوز أن تكون من ذكر العظم والنطفة والمضغة، جعل ذلك كله كالشيء الواحد، فقيل: ثم أنشأنا ذلك خلقا آخر. 17P022 واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون: 14] فقال بعضهم: إنشاؤه إياه خلقا آخر: نفخه الروح فيه، فيصير حينئذ إنسانا، وكان قبل ذلك صورة ذكر من قال ذلك: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله: " {ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون: 14] قال: نفخ الروح فيه " حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا هشيم، عن الحجاج بن أرطأة، عن عطاء، عن ابن عباس، بمثله حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: " {ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون: 14] قال: الروح " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عكرمة، في قوله: " {ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون: 14] قال: نفخ الروح فيه " حدثنا ابن بشار، وابن المثنى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي : " {ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون: 14] قال: نفخ فيه الروح " قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، بمثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: " {ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون: 14] قال: نفخ فيه الروح، فهو الخلق الآخر الذي ذكر " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول، في قوله: " {ثم أنشأناه خلقا} [المؤمنون: 14] يعني الروح ، تنفخ فيه بعد الخلق " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون: 14] قال: «الروح الذي جعله فيه» وقال آخرون: إنشاؤه خلقا آخر: تصريفه إياه في الأحوال بعد الولادة: في الطفولة، والكهولة، والاغتذاء، ونبات الشعر، والسن، ونحو ذلك من أحوال الأحياء في الدنيا ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 14] يقول: " خرج من بطن أمه بعد ما خلق، فكان من بدء خلقه الآخر أن استهل، ثم كان من خلقه أن دل على ثدي أمه، ثم كان من خلقه أن علم كيف يبسط رجليه، إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشى، إلى أن فطم، فعلم كيف 17P024 يشرب ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحلم، إلى أن بلغ أن يتقلب في البلاد حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون: 14] قال: يقول بعضهم: هو نبات الشعر، وبعضهم يقول: هو نفخ الروح " حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر ، عن قتادة، مثله حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك: {ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون: 14] قال: «يقال الخلق الآخر بعد خروجه من بطن أمه بسنه وشعره» وقال آخرون: بل عنى بإنشائه خلقا آخر: سوى شبابه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون: 14] قال: «حين استوى شبابه» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال مجاهد: «حين استوى به الشباب» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك نفخ الروح فيه؛ 17P025 وذلك أنه بنفخ الروح فيه يتحول خلقا آخر إنسانا، وكان قبل ذلك بالأحوال التي وصفه الله أنه كان بها، من نطفة وعلقة ومضغة وعظم، وبنفخ الروح فيه، يتحول عن تلك المعاني كلها إلى معنى الإنسانية، كما تحول أبوه آدم بنفخ الروح في الطينة التي خلق منها إنسانا وخلقا آخر، غير الطين الذي خلق منه وقوله: {فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 14] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه فتبارك الله أحسن الصانعين ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد: {فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 14] قال: «يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين» وقال آخرون: إنما قيل: {فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 14] لأن عيسى ابن مريم كان يخلق، فأخبر جل ثناؤه عن نفسه أنه يخلق أحسن مما كان يخلق ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج، في قوله: {فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 14] قال: عيسى ابن مريم يخلق " وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد، لأن العرب تسمي كل صانع خالقا؛ ومنه قول زهير: [+البحر الكامل] 17P026 ولأنت تفري ما خلقت وبع ض القوم يخلق ثم لا يفري ويروى: [+البحر .

قسم V17/P025Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V17/P025)

] ولأنت تخلق ما فريت وبع ض القوم يخلق ثم لا يفري 17P025

قسم V17/P025–V17/P028Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V17/P025–V17/P028)

[المؤمنون: 15_16] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} [المؤمنون: 15_16] يقول تعالى ذكره: ثم إنكم أيها الناس من بعد إنشائكم خلقا آخر وتصييرناكم إنسانا سويا ميتون وعائدون ترابا كما كنتم، ثم إنكم بعد موتكم وعودكم رفاتا باليا مبعوثون من التراب خلقا جديدا كما بدأناكم أول مرة. وإنما قيل: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} [المؤمنون: 15] لأنه خبر عن حال لهم يحدث لم يكن. وكذلك تقول العرب لمن لم يمت: هو مائت وميت عن قليل، ولا يقولون لمن قد مات مائت، وكذلك هو طمع فيما عندك إذا وصف بالطمع، فإذا أخبر عنه أنه سيفعل ولم يفعل قيل هو طامع فيما عندك غدا، وكذلك ذلك في كل ما كان نظيرا لما ذكرناه 17P026 [المؤمنون: 17] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين} [المؤمنون: 17] يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا فوقكم أيها الناس سبع سماوات بعضهن فوق بعض؛ والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. وإنما قيل للسماوات السبع سبع طرائق، لأن بعضهن فوق بعض، فكل سماء منهن طريقة 17P027 وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} [المؤمنون: 17] قال: " الطرائق: السماوات " وقوله: {وما كنا عن الخلق غافلين} [المؤمنون: 17] يقول: وما كنا في خلقنا السماوات السبع فوقكم عن خلقنا الذي تحتها غافلين، بل كنا لهم حافظين من أن تسقط عليهم فتهلكهم 17P027 [المؤمنون: 18] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون} [المؤمنون: 18] يقول تعالى ذكره: وأنزلنا من السماء ما في الأرض من ماء، فأسكناه فيها كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض} [المؤمنون: 18] «ماء هو من السماء» وقوله: {وإنا على ذهاب به لقادرون} [المؤمنون: 18] يقول جل ثناؤه: وإنا على الماء الذي أسكناه في الأرض لقادرون أن نذهب به فتهلكوا أيها الناس عطشا، وتخرب أرضوكم، فلا تنبت زرعا ولا غرسا، وتهلك مواشيكم، يقول: فمن نعمتي عليكم تركي ذلك لكم في الأرض جاريا 17P027 [المؤمنون: 19] القول في تأويل قوله تعالى: {فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون} [المؤمنون: 19] يقول تعالى ذكره: فأحدثنا لكم بالماء الذي أنزلناه من السماء، بساتين من نخيل وأعناب {لكم فيها} [الأعراف: 10] يقول: لكم في الجنات فواكه كثيرة. {ومنها تأكلون} [النحل: 5] يقول: ومن الفواكه تأكلون. وقد يجوز أن تكون الهاء والألف من ذكر الجنات، ويحتمل أن تكون من ذكر النخيل والأعناب وخص جل ثناؤه الجنات التي ذكرها في هذا الموضع، فوصفها بأنها من نخيل وأعناب دون وصفها بسائر ثمار الأرض؛ لأن هذين النوعين من الثمار كانا هما أعظم ثمار الحجاز وما قرب منها، فكانت النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذكر القوم بما يعرفون من نعمة الله عليهم، بما أنعم به عليهم من ثمارها 17P028

قسم V17/P028–V17/P032Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V17/P028–V17/P032)

[المؤمنون: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين} [المؤمنون: 20] يقول تعالى ذكره: وأنشأنا لكم أيضا شجرة تخرج من طور سيناء و {شجرة} [طه: 120] منصوبة عطفا على {الجنات} [الشورى: 22] ، ويعني بها: شجرة الزيتون وقوله: {تخرج من طور سيناء} [المؤمنون: 20] يقول: تخرج من جبل ينبت الأشجار. وقد بينت معنى الطور فيما مضى بشواهده، واختلاف المختلفين، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وأما قوله: {سيناء} [المؤمنون: 20] فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة: (سيناء) بكسر السين. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: {سيناء} [المؤمنون: 20] بفتح السين، وهما جميعا مجمعون على مدها، 17P029 والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. واختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: المبارك، كأن معنى الكلام عنده: وشجرة تخرج من جبل مبارك ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {طور سيناء} [المؤمنون: 20] قال: «المبارك» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وشجرة تخرج من طور سيناء} [المؤمنون: 20] قال: «هو جبل بالشام مبارك» وقال آخرون: معناه: حسن ذكر من قال ذلك حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { 17P030 طور سيناء} [المؤمنون: 20] قال: «هو جبل حسن» حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {من طور سيناء} [المؤمنون: 20] " الطور: الجبل بالنبطية، وسيناء: حسنة بالنبطية وقال آخرون: هو اسم جبل معروف ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، في قوله: {من طور سيناء} [المؤمنون: 20] قال: «الجبل الذي نودي منه موسى صلى الله عليه وسلم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {طور سيناء} [المؤمنون: 20] قال: «هو جبل الطور الذي بالشام، جبل ببيت المقدس» قال: «ممدود، هو بين مصر وبين أيلة» وقال آخرون: معناه: أنه جبل ذو شجر. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عمن قاله والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن سيناء اسم أضيف إليه الطور يعرف به، كما قيل جبلا طيئ، فأضيفا إلى طيئ، ولو كان القول في ذلك كما قال من قال معناه جبل مبارك، أو كما قال من قال معناه حسن، لكان الطور منونا، وكان قوله {سيناء} [المؤمنون: 20] من نعته. على أن سيناء بمعنى: مبارك وحسن، غير معروف في كلام العرب فيجعل ذلك من نعت الجبل، ولكن القول في ذلك إن شاء الله كما قال ابن عباس، من أنه جبل عرف بذلك، وأنه الجبل الذي نودي منه موسى صلى الله عليه وسلم، وهو مع ذلك مبارك، لا أن معنى سيناء معنى مبارك وقوله: {تنبت بالدهن} [المؤمنون: 20] اختلفت القراء في قراءة قوله: {تنبت} [البقرة: 61] فقرأته عامة قراء الأمصار: {تنبت} [البقرة: 61] بفتح التاء، بمعنى: تنبت هذه الشجرة بثمر الدهن، وقرأه يعض قراء البصرة: (تنبت) بضم التاء، بمعنى: تنبت الدهن: تخرجه. وذكر أنها في قراءة عبد الله: (تخرج الدهن) وقالوا: الباء في هذا الموضع زائدة، كما قيل: أخذت ثوبه وأخذت بثوبه؛ وكما قال الراجز: [+البحر الرجز] نحن بنو جعدة أرباب الفلج نضرب بالبيض ونرجو بالفرج بمعنى: ونرجو الفرج. والقول عندي في ذلك أنهما لغتان: نبت، وأنبت؛ ومن أنبت قول زهير: [+البحر الطويل] رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل ويروى: نبت، وهو كقوله: {فأسر بأهلك} [هود: 81]، و (فاسر) .

قسم V17/P032–V17/P033Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V17/P032–V17/P033)

غير أن ذلك وإن كان كذلك، فإن القراءة التي لا أختار غيرها في ذلك قراءة من قرأ: {تنبت} [البقرة: 61] بفتح التاء، لإجماع الحجة من القراء عليها. ومعنى ذلك: تنبت هذه الشجرة بثمر الدهن كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {تنبت بالدهن} [المؤمنون: 20] قال: «بثمره» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج عن مجاهد، مثله 17P033 والدهن الذي هو من ثمره الزيت كما: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {تنبت بالدهن} [المؤمنون: 20] يقول: «هو الزيت يؤكل ويدهن به» وقوله: {وصبغ للآكلين} [المؤمنون: 20] يقول: تنبت بالدهن وبصبغ للآكلين، يصطبغ بالزيت الذين يأكلونه كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وصبغ للآكلين} [المؤمنون: 20] قال: «هذا الزيتون صبغ للآكلين، يأتدمون به ويصطبغون به» قال أبو جعفر: فالصبغ عطف على الدهن 17P033

قسم V17/P033–V17/P034Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V17/P033–V17/P034)

[المؤمنون: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون} [المؤمنون: 22] يقول تعالى ذكره: {وإن لكم} [النحل: 66] أيها الناس، {في الأنعام لعبرة} [النحل: 66] تعتبرون بها، فتعرفون بها أيادي الله عندكم، وقدرته على ما يشاء، وأنه الذي لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يعجزه شيء شاءه {نسقيكم مما في بطونها} [المؤمنون: 21] من اللبن الخارج من بين الفرث والدم. {ولكم} [البقرة: 36] مع ذلك {فيها} [البقرة: 25] يعني: في الأنعام، {منافع كثيرة} [المؤمنون: 21] وذلك كالإبل التي يحمل عليها، ويركب ظهرها، ويشرب درها. {ومنها تأكلون} [النحل: 5] يعني: من لحومها تأكلون وقوله: {وعليها وعلى الفلك تحملون} [المؤمنون: 22] يقول: وعلى الأنعام وعلى السفن 17P034 تحملون، على هذه في البر، وعلى هذه في البحر 17P033 [المؤمنون: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} [المؤمنون: 23] يقول تعالى ذكره: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه} [هود: 25] داعيهم إلى طاعتنا وتوحيدنا والبراءة من كل معبود سوانا {فقال} [البقرة: 31] لهم نوح: {يا قوم اعبدوا الله} [الأعراف: 59] يقول: قال لهم: ذلوا يا قوم لله بالطاعة. {ما لكم من إله غيره} [الأعراف: 59] يقول: ما لكم من معبود يجوز لكم أن تعبدوه غيره. {أفلا تتقون} [الأعراف: 65] يقول: أفلا تخشون بعبادتكم غيره عقابه أن يحل بكم 17P034 [المؤمنون: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} [المؤمنون: 24] يقول تعالى ذكره: فقالت جماعة أشراف قوم نوح، الذين جحدوا توحيد الله وكذبوه، لقومهم: ما نوح أيها القوم إلا بشر مثلكم، إنما هو إنسان مثلكم وكبعضكم، {يريد أن يتفضل عليكم} [المؤمنون: 24] يقول: يريد أن يصير له الفضل عليكم، فيكون متبوعا وأنتم له تبع. {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} [المؤمنون: 24] يقول: ولو شاء الله أن لا نعبد شيئا سواه لأنزل ملائكة، يقول: لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوح ملائكة تؤدي إليكم رسالته. وقوله: {ما سمعنا بهذا} [المؤمنون: 24] الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا 17P035 غير الله في القرون الماضية، وهي آباؤهم الأولون 17P034

قسم V17/P034–V17/P036Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V17/P034–V17/P036)

[المؤمنون: 25_26_27] القول في تأويل قوله تعالى: {إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين قال رب انصرني بما كذبون فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} [المؤمنون: 25_26_27] يعني ذكره مخبرا عن قيل الملأ الذين كفروا من قوم نوح {إن هو إلا رجل به جنة} [المؤمنون: 25] ما نوح إلا رجل به جنون. وقد يقال أيضا للجن جنة، فيتفق الاسم والمصدر، وهو من قوله: {إن هو} [الأنعام: 90] كناية اسم نوح وقوله: {فتربصوا به حتى حين} [المؤمنون: 25] يقول: فتلبثوا به، وتنظروا به حتى حين؛ يقول: إلى وقت ما. ولم يعنوا بذلك وقتا معلوما، إنما هو كقول القائل: دعه إلى يوم ما، أو إلى وقت ما وقوله: {قال رب انصرني بما كذبون} [المؤمنون: 26] يقول: قال نوح داعيا ربه مستنصرا به على قومه، لما طال أمره وأمرهم، وتمادوا في غيهم: {رب انصرني} [المؤمنون: 26] على قومي {بما كذبون} [المؤمنون: 26] يعني بتكذيبهم إياي، فيما بلغتهم من رسالتك، ودعوتهم إليه من توحيدك وقوله: {فأوحينا إليه أن اصنع الفلك} [المؤمنون: 27] يقول: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك، وهي السفينة {بأعيننا} [هود: 37] يقول: بمرأى منا ومنظر، {ووحينا} [هود: 37] يقول: وبتعليمنا إياك صنعتها. {فإذا جاء أمرنا} [المؤمنون: 27] يقول: فإذا جاء قضاؤنا في قومك، بعذابهم وهلاكهم؛ وقوله: {وفار التنور} [هود: 40] وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف المختلفين في صفة التنور والصواب عندنا من القول فيه بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. {فاسلك فيها من كل زوجين اثنين} [المؤمنون: 27] يقول: فأدخل في الفلك واحمل. والهاء والألف في قوله {فيها} [البقرة: 25] من ذكر الفلك {من كل زوجين اثنين} [هود: 40] . يقال: سلكته في كذا، وأسلكته فيه؛ ومن سلكته قول الشاعر: [+البحر الوافر] وكنت لزاز خصمك لم أعرد وقد سلكوك في يوم عصيب وبعضهم يقول: أسلكت بالألف؛ ومنه قول الهذلي. [+البحر البسيط] حتى إذا أسلكوهم في قتائدة شلا كما تطرد الجمالة الشردا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه عن ابن عباس، قوله: {فاسلك فيها من كل زوجين اثنين} [المؤمنون: 27] يقول لنوح: اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين 17P037 . {وأهلك} [المؤمنون: 27] وهم ولده ونساؤهم. {إلا من سبق عليه القول} [هود: 40] من الله بأنه هالك فيمن يهلك من قومك، فلا تحمله معك، وهو يام الذي غرق " ويعني بقوله: {منهم} [المؤمنون: 27] من أهلك، والهاء والميم في قوله {منهم} [المؤمنون: 27] من ذكر الأهل وقوله: {ولا تخاطبني} [هود: 37] الآية، يقول: ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم. {إنهم مغرقون} [هود: 37] يقول: فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم 17P037 [المؤمنون: 28] القول في تأويل قوله تعالى: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين} [المؤمنون: 28] يعني تعالى ذكره بقوله: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك} [المؤمنون: 28] فإذا اعتدلت في السفينة أنت ومعك ممن حملته معك من أهلك، راكبا فيها عاليا فوقها؛ {فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين} [المؤمنون: 28] يعني من المشركين 17P037

قسم V17/P036–V17/P039Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V17/P036–V17/P039)

[المؤمنون: 29_30] القول في تأويل قوله تعالى: {وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين} [المؤمنون: 29_30] يقول تعالى ذكره لنبيه نوح عليه السلام: وقل إذا سلمك الله وأخرجك من الفلك فنزلت عنها: {رب أنزلني منزلا} [المؤمنون: 29] من الأرض {مباركا وأنت خير} [المؤمنون: 29] من أنزل عباده المنازلوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {منزلا مباركا} [المؤمنون: 29] قال: «لنوح حين نزل من السفينة» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد، مثله واختلفت القراء في قراءة ذلك. فقرأته عامة قراء الأمصار: {رب أنزلني منزلا مباركا} [المؤمنون: 29] بضم الميم، وفتح الزاي. بمعنى : أنزلني إنزالا مباركا. وقرأه عاصم: (منزلا) بفتح الميم، وكسر الزاي. بمعنى: أنزلني مكانا مباركا وموضعا وقوله: {إن في ذلك لآيات} [يونس: 67] يقول تعالى ذكره: إن فيما فعلنا بقوم نوح يا محمد من إهلاكناهم إذ كذبوا رسلنا، وجحدوا وحدانيتنا، وعبدوا الآلهة والأصنام، لعبرا لقومك من مشركي قريش، وعظات، وحججا لنا، يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم، فينزجروا عن كفرهم ، ويرتدعوا عن تكذيبك، حذرا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب. 17P039 وقوله: {وإن كنا لمبتلين} [المؤمنون: 30] يقول تعالى ذكره: وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا، لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم 17P038 [المؤمنون: 31_32] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} [المؤمنون: 31_32] يقول تعالى ذكره: ثم أحدثنا من بعد مهلك قوم نوح قرنا آخرين فأوجدناهم. {فأرسلنا فيهم رسولا منهم} [المؤمنون: 32] داعيا لهم، {أن اعبدوا الله} [المائدة: 117] يا قوم، وأطيعوه دون الآلهة والأصنام، فإن العبادة لا تنبغي إلا له. {ما لكم من إله غيره} [الأعراف: 59] يقول: ما لكم من معبود يصلح أن تعبدوا سواه. {أفلا تتقون} [الأعراف: 65] أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم شيئا دونه، وهو الإله الذي لا إله لكم سواه 17P039 [المؤمنون: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون} [المؤمنون: 33] يقول تعالى ذكره: وقالت الأشراف من قوم الرسول الذي أرسلنا بعد نوح. وعني بالرسول في هذا الموضع: صالحا، وبقومه: ثمود. {الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة} [المؤمنون: 33] يقول: الذين جحدوا توحيد الله. {وكذبوا بلقاء الآخرة} [المؤمنون: 33] يعني: كذبوا بلقاء الله في الآخرة وقوله: وأترفناهم في الحياة الدنيا يقول: ونعمناهم في حياتهم الدنيا 17P040 بما وسعنا عليهم من المعاش وبسطنا لهم من الرزق، حتى بطروا وعتوا على ربهم وكفروا؛ ومنه قول الراجز: وقد أراني بالديار مترفا وقوله: ما هذا إلا بشر مثلكم يقول: قالوا: بعث الله صالحا إلينا رسولا من بيننا، وخصه بالرسالة دوننا، وهو إنسان مثلنا يأكل مما نأكل منه من الطعام ويشرب مما نشرب، وكيف لم يرسل ملكا من عنده يبلغنا رسالته؟ قال: ويشرب مما تشربون معناه: مما تشربون منه، فحذف من الكلام (منه) ، لأن معنى الكلام: ويشرب من شرابكم، وذلك أن العرب تقول: شربت من شرابك 17P040

قسم V17/P039–V17/P044Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V17/P039–V17/P044)

[المؤمنون: 34_35] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون} [المؤمنون: 34_35] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملأ من قوم صالح لقومهم: {ولئن أطعتم بشرا مثلكم} [المؤمنون: 34] فاتبعتموه وقبلتم ما يقول وصدقتموه. {إنكم} [البقرة: 54] أيها القوم 17P041 {إذا لخاسرون} [الأعراف: 90] يقول: قالوا: إنكم إذن لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة في الدنيا، باتباعكم إياه قوله: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما الآية يقول تعالى ذكره: قالوا لهم: أيعدكم صالح أنكم إذا متم وكنتم ترابا في قبوركم وعظاما قد ذهبت لحوم أجسادكم، وبقيت عظامها، أنكم مخرجون من قبوركم أحياء كما كنتم قبل مماتكم؟ وأعيدت (أنكم) مرتين، والمعنى: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما مخرجون مرة واحدة، لما فرق بين (أنكم) الأولى وبين خبرها ب (إذا) ، وكذلك تفعل العرب بكل اسم أوقعت عليه الظن وأخواته، ثم اعترضت بالجزاء دون خبره، فتكرر اسمه مرة ، وتحذفه أخرى، فتقول: أظن أنك إن جالستنا أنك محسن، فإن حذفت (أنك) الأولى أو الثانية صلح، وإن أثبتهما صلح، وإن لم تعترض بينهما بشيء لم يجز، خطأ أن يقال: أظن أنك أنك جالس. وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: «أيعدكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون» 17P041 [المؤمنون: 36_37] القول في تأويل قوله تعالى: {هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين} [المؤمنون: 36_37] 17P042 وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن قول الملأ من ثمود أنهم قالوا: {هيهات هيهات} [المؤمنون: 36] أي بعيد ما توعدون أيها القوم، من أنكم بعد موتكم ومصيركم ترابا وعظاما مخرجون أحياء من قبوركم، يقولون: ذلك غير كائنوبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: هيهات هيهات يقول: «بعيد بعيد» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {هيهات هيهات لما توعدون} [المؤمنون: 36] قال: «يعني البعث» والعرب تدخل اللام مع (هيهات) في الاسم الذي يصحبها، وتنزعها منه، تقول: هيهات لك هيهات، وهيهات ما تبتغي هيهات؛ وإذا أسقطت اللام رفعت الاسم ، بمعنى هيهات، كأنه قال: بعيد ما ينبغي لك؛ كما قال جرير: [+البحر الطويل] 17P043 فهيهات هيهات العقيق ومن به وهيهات خل بالعقيق نواصله كأنه قال: العقيق وأهله. وإنما دخلت اللام مع هيهات في الاسم لأنهم قالوا: (هيهات) أداة غير مأخوذة من فعل، فأدخلوا معها في الاسم اللام. كما أدخلوها مع هلم لك. إذ لم تكن مأخوذة من فعل. فإذا قالوا أقبل. لم يقولوا لك. لاحتمال الفعل ضمير الاسم. واختلف أهل العربية في كيفية الوقف على هيهات، فكان الكسائي يختار الوقوف فيها بالهاء. لأنها منصوبة، وكان الفراء يختار الوقوف عليها بالتاء. ويقول: من العرب من يخفض التاء، فدل على أنها ليست بهاء التأنيث. فصارت بمنزلة: دراك، ونظار؛ وأما نصب التاء فيهما. فلأنهما أداتان. فصارتا بمنزلة خمسة عشر. وكان الفراء يقول: إن قيل: إن كل واحدة مستغنية بنفسها يجوز الوقوف عليها. وإن نصبها كنصب قوله: ثمت جلست؛ وبمنزلة قول الشاعر: [+البحر السريع] ماوي يا ربتما غارة شعواء كاللذعة بالميسم 17P044 قال: فنصب (هيهات) بمنزلة هذه الهاء التي في (ربت) لأنها دخلت على حرف، على (رب) وعلى (ثم) ، وكانا أداتين، فلم تغيرها عن أداتهما فنصبا. واختلف القراء في قراءة ذلك. فقرأته قراء الأمصار غير أبي جعفر: {هيهات هيهات} [المؤمنون: 36] بفتح التاء فيهما. وقرأ ذلك أبو جعفر: (هيهات هيهات) بكسر التاء فيهما. والفتح فيهما هو القراءة عندنا، لإجماع الحجة من القراء عليه وقوله: {إن هي إلا حياتنا الدنيا} [الأنعام: 29] يقول: ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها {نموت ونحيا} [المؤمنون: 37] يقول: تموت الأحياء منا، فلا تحيا، ويحدث آخرون منا فيولدون أحياء. {وما نحن بمبعوثين} [الأنعام: 29] يقول: قالوا: وما نحن بمبعوثين بعد الممات كما حدثني يونس، قال: أحبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين قال: " يقول: ليس آخرة ولا بعث، يكفرون بالبعث، يقولون: إنما هي حياتنا هذه، ثم نموت ولا نحيا، يموت هؤلاء، ويحيا هؤلاء، يقولون: إنما الناس كالزرع، يحصد هذا، وينبت هذا: يقولون: يموت هؤلاء، ويأتي آخرون. وقرأ: وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد، وقرأ: لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم " 17P044

%0
10 قسم

الأسئلة

الإمام الطبري - جامع البيان عن تأويل آي القرآن · 452 · Qur'an & Sunnah