قال: {نور على نور} [النور: 35] فهو يتقلب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة في الجنة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني يحيى بن اليمان، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: " المشكاة: صدر المؤمن " {فيها مصباح} [النور: 35] قال: «القرآن» قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن أم جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، نحو حديث عبد الأعلى، عن عبيد الله حدثني علي، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {مثل نوره كمشكاة} [النور: 35] قال: " مثل هداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى، ونورا على نور، كما قال إبراهيم صلوات الله عليه قبل أن تجيئه المعرفة: قال {هذا ربي} [الأنعام: 76] حين رأى الكوكب من غير أن يخبره أحد أن له ربا، فلما أخبره الله أنه ربه ازداد هدى على 17P304 هدى " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} " وذلك أن اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله مثل ذلك لنوره، فقال: {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} والمشكاة كوة البيت فيها مصباح، {المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري} [النور: 35] والمصباح: السراج يكون في الزجاجة، وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نورا، وسماها أنواعا شتى " قوله: {يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قال: هي شجرة لا يفيء عليهما ظل شرق، ولا ظل غرب، ضاحية، ذلك أصفى للزيت. {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} [النور: 35] . قال معمر: وقال الحسن: ليست من شجر الدنيا، ليست شرقية ولا غربية. وقال آخرون: هو مثل للمؤمن؛ غير أن المصباح وما فيه مثل لفؤاده، والمشكاة مثل لجوفه ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: 17P305 قال مجاهد، وابن عباس جميعا: «المصباح وما فيه مثل فؤاد المؤمن وجوفه، المصباح مثل الفؤاد، والكوة مثل الجوف» قال ابن جريج {كمشكاة} [النور: 35] كوة غير نافذة. قال ابن جريج، وقال ابن عباس: قوله: {نور على نور} [النور: 35] يعني: إيمان المؤمن وعمله وقال آخرون: بل ذلك مثل للقرآن في قلب المؤمن ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة} قال: " ككوة {فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري} [النور: 35] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {الله نور السموات والأرض مثل نوره} نور القرآن الذي أنزل على رسوله وعباده، فهذا مثل القرآن؛ {" كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة} [النور: 35] فقرأ حتى بلغ: {مباركة} [النور: 35] فهذا مثل القرآن يستضاء به في نوره، ويعلمونه ، ويأخذون به، وهو كما هو لا ينقص، فهذا مثل ضربه الله لنوره ".
الإمام الطبري - جامع البيان عن تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري · AR
وفي قوله: {يكاد زيتها يضيء} [النور: 35] قال: «الضوء إشراق ذلك الزيت، والمشكاة التي فيها الفتيلة التي في المصباح، والقناديل تلك المصابيح» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن عياض، في قوله: {كمشكاة} [النور: 35] قال: «الكوة» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن عطية، في قوله: {كمشكاة} [النور: 35] قال قال ابن عمر: " المشكاة: الكوة " وقال آخرون: المشكاة: القنديل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {كمشكاة} [النور: 35] قال: «القنديل، ثم العمود الذي فيه القنديل» حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {كمشكاة} [النور: 35] «الصفر الذي في جوف القنديل» حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن رجل، عن مجاهد، قال: " المشكاة: القنديل " 17P307 وقال آخرون: المشكاة الحديد الذي يعلق به القنديل ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن المفضل، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن مجاهد، قال: «المشكاة الحدائد التي يعلق بها القنديل» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به، فقال: مثل نور الله الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد، الذي أنزله إليهم، فآمنوا به، وصدقوا بما فيه، في قلوب المؤمنين، مثل مشكاة، وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة؛ وذلك هو نظير الكوة التي تكون في الحيطان التي لا منفذ لها. وإنما جعل ذلك العمود مشكاة، لأنه غير نافذ، وهو أجوف، مفتوح الأعلى، فهو كالكوة التي في الحائط التي لا تنفذ. ثم قال: {فيها مصباح} [النور: 35] وهو السراج، وجعل السراج ، وهو المصباح مثلا لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات المبينات. ثم قال: {المصباح في زجاجة} [النور: 35] يعني: أن السراج الذي في المشكاة في القنديل، وهو الزجاجة، وذلك مثل للقرآن، يقول: القرآن الذي في قلب المؤمن الذي أنار الله قلبه في صدره. ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله ، والشك فيه، واستنارته بنور القرآن، واستضاءته بآيات ربه المبينات ، ومواعظه فيها، بالكوكب الدري، فقال: {الزجاجة} [النور: 35] وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه {كأنها كوكب دري} [النور: 35] . واختلفت القراء في قراءة قوله: {دري} [النور: 35] فقرأته عامة قراء الحجاز : { «دري» } [النور: 35] بضم الدال، وترك الهمز. وقرأ بعض قراء البصرة والكوفة: (دريء) بكسر الدال وهمزة وقرأ بعض قراء الكوفة: (دريء) بضم الدال وهمزة. وكأن الذين ضموا داله، وتركوا الهمرة، وجهوا معناه إلى ما قاله أهل التفسير الذي ذكرنا عنهم، من أن الزجاجة في صفائها وحسنها كالدر، وأنها منسوبة إليه لذلك من نعتها وصفتها. ووجه الذين قرءوا ذلك بكسر داله وهمزه، إلى أنه فعيل من درئ الكوكب: أي دفع ورجم به الشيطان، من قوله: {ويدرأ عنها العذاب} [النور: 8] أي يدفع، والعرب تسمي الكواكب العظام التي لا تعرف أسماءها: الدراري، بغير همز. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول: هي الدرارئ، بالهمز، من يدرأن. وأما الذين قرءوه بضم داله وهمزه، فإن كانوا أرادوا به دروء، مثل سبوح، وقدوس، من درأت، ثم استثقلوا كثرة الضمات فيه، فصرفوا بعضها إلى الكسرة، فقالوا: دريء، كما قيل: {وقد بلغت من الكبر عتيا} [مريم : 8]، وهو فعول، من عتوت عتوا، ثم حولت بعض ضماتها إلى الكسر، فقيل: عتيا. فهو مذهب، وإلا فلا أعرف لصحة قراءتهم ذلك كذلك وجها، وذلك أنه لا يعرف في كلام العرب فعيل. وقد كان بعض أهل العربية يقول: هو لحن. والذي هو أولى القراءات عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأ {دري} [النور: 35] بضم داله، وترك همزه، على النسبة إلى الدر، لأن أهل التأويل بتأويل ذلك جاءوا.
وقد ذكرنا أقوالهم في ذلك قبل، ففي ذلك مكتفى عن الاستشهاد على صحتها بغيره. فتأويل الكلام: الزجاجة: وهي صدر المؤمن، {كأنها} [النور: 35] يعني كأن الزجاجة، وذلك مثل لصدر المؤمن، {كوكب} [النور: 35] يقول في صفائها وضيائها وحسنها. وإنما يصف صدره بالنقاء من كل ريب وشك في أسباب الإيمان بالله، وبعده من دنس المعاصي، كالكوكب الذي يشبه الدر في الصفاء والضياء والحسن. واختلفوا أيضا في قراءة قوله (توقد من شجرة مباركة) فقرأ ذلك بعض المكيين والمدنيين وبعض البصريين: (توقد من شجرة) بالتاء، وفتحها، وتشديد القاف، وفتح الدال. وكأنهم وجهوا معنى ذلك إلى توقد المصباح من شجرة مباركة. وقرأه بعض عامة قراء المدنيين {يوقد} [النور: 35] بالياء، وتخفيف القاف، ورفع الدال؛ بمعنى: يوقد المصباح موقده من شجرة، ثم لم يسم فاعله. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: (توقد) بضم التاء، وتخفيف القاف ورفع الدال، بمعنى: يوقد الزجاجة موقدها من شجرة مباركة، لما لم يسم فاعله، فقيل: توقد. وقرأه بعض أهل مكة: (توقد) بفتح التاء، وتشديد القاف، وضم الدال؛ بمعنى: تتوقد الزجاجة من شجرة، ثم أسقطت إحدى التاءين اكتفاء بالباقية من الذاهبة. وهذه القراءات متقاربات المعاني، وإن اختلفت الألفاظ بها؛ وذلك أن الزجاجة إذا وصفت بالتوقد أو بأنها توقد، فمعلوم معنى ذلك، فإن المراد به توقد فيها المصباح، أو يوقد فيها المصباح، ولكن وجهوا الخبر إلى أن وصفها بذلك أقرب في الكلام منها، وفهم السامعين معناه، والمراد منه. فإذا كان ذلك كذلك فبأي القراءات قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجب القراءات إلي أن أقرأ بها في ذلك: (توقد) بفتح التاء ، وتشديد القاف، وفتح الدال، بمعنى وصف المصباح بالتوقد؛ لأن التوقد والاتقاد لا شك أنهما من صفته، دون الزجاجة. فمعنى الكلام إذن: كمشكاة فيها مصباح، المصباح من دهن شجرة مباركة، زيتونة، لا شرقية ولا غربية. وقد ذكرنا بعض ما روي عن بعضهم من الاختلاف في ذلك فيما قد مضى، ونذكر باقي ما حضرنا مما لم نذكره قبل. فقال بعضهم: إنما قيل: لهذه الشجرة: لا شرقية ولا غربية أي: ليست شرقية وحدها حتى لا تصيبها الشمس إذا غربت، وإنما لها نصيبها من الشمس بالغداة ما دامت بالجنب الذي يلي الشرق، ثم لا يكون لها نصيب منها إذا مالت إلى جانب الغرب. ولا هي غربية وحدها، فتصيبها الشمس بالعشي إذا مالت إلى جانب الغرب، ولا تصيبها بالغداة؛ ولكنها شرقية غربية، تطلع عليه الشمس بالغداة، وتغرب عليها، فيصيبها حر الشمس بالغداة والعشي.
قالوا: وإذا كانت كذلك، كان أجود لزيتها ذكر من قال ذلك حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: {زيتونة لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قال: «لا يسترها من الشمس جبل ولا واد، إذا طلعت وإذا غربت» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا حرمي بن عمارة قال: ثنا شعبة قال: أخبرني عمارة، عن عكرمة، في قوله: {لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قال: «الشجرة تكون في مكان لا يسترها من الشمس شيء، تطلع عليها، وتغرب عليها» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد وابن عباس {لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قالا: «هي التي بشق الجبل، التي يصيبها شروق الشمس وغروبها، إذا طلعت أصابتها، وإذا غربت أصابتها» 17P312 وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليست شرقية ولا غربية ذكر من قال ذلك حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثني محمد بن الصلت قال: ثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: {لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قال: «هي شجرة وسط الشجر، ليست من الشرق، ولا من الغرب» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال ابن زيد، في قوله: {زيتونة لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] «متيامنة الشأم، لا شرقي، ولا غربي» وقال آخرون: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قول الله: {لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قال: والله لو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنما هو مثل ضربه الله لنوره " حدثنا ابن بشار قال: ثنا عثمان يعني ابن الهيثم قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قول الله: {زيتونة لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قال: «لو كانت في الأرض هذه الزيتونة كانت شرقية أو غربية، ولكن والله ما هي في الأرض، وإنما هو مثل 17P313 ضربه الله لنوره» حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا عوف، عن الحسن، في قوله: {لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قال: «هذا مثل ضربه الله، ولو كانت هذه الشجرة في الدنيا لكانت إما شرقية، وإما غربية» وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك قول من قال: إنها شرقية غربية؛ وقال: ومعنى الكلام: ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالعشي، دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب، فهي شرقية غربية. وإنما قلنا ذلك أولى بمعنى الكلام، لأن الله إنما وصف الزيت الذي يوقد على هذا المصباح بالصفاء والجودة، فإذا كان شجره شرقيا غربيا كان زيته لا شك أجود وأصفى وأضوأ وقوله: {يكاد زيتها يضيء} [النور: 35] يقول تعالى ذكره: يكاد زيت هذه الزيتونة يضيء من صفائه، وحسن ضيائه. {ولو لم تمسسه نار} [النور: 35] يقول: فكيف إذا مسته النار؟ . وإنما أريد بقوله: {يوقد من شجرة مباركة} [النور: 35] أن هذا القرآن من عند الله، وأنه كلامه، جعل مثله، ومثل كونه من عنده مثل المصباح الذي يوقد من الشجرة المباركة التي وصفها جل ثناؤه في هذه الآية. وعني بقوله: {يكاد زيتها يضيء} [النور: 35] أن حجج الله تعالى ذكره على خلقه تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها، ونظر، أو أعرض عنها ولها . {ولو لم تمسسه نار} [النور: 35] يقول: ولو لم يزدها الله بيانا ووضوحا بإنزاله هذا القرآن إليهم، منبها لهم على توحيده، فكيف إذا نبههم به، وذكرهم بآياته ، فزادهم به حجة إلى حججه عليهم قبل ذلك؟ فذلك بيان من الله، ونور على البيان، والنور الذي كان قد وضعه لهم ونصبه قبل نزوله.
وقوله: {نور على نور} [النور: 35] يعني النار على هذا الزيت الذي كاد يضيء ولو لم تمسسه النار كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {نور على نور} [النور: 35] قال: «النار على الزيت» قال: أبو جعفر: وهو عندي كما ذكرت مثل القرآن. ويعني بقوله: {نور على نور} [النور: 35] هذا القرآن نور من عند الله، أنزله إلى خلقه يستضيئون به. {على نور} [النور: 35] على الحجج والبيان الذي قد نصبه لهم قبل مجيء القرآن، وإنزاله إياه، مما يدل على حقيقة وحدانيته. فذلك بيان من الله، ونور على البيان، والنور الذي كان وضعه لهم ونصبه قبل نزوله. وذكر عن زيد بن أسلم في ذلك ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلم، في قوله: {نور على نور} [النور: 35] «يضيء بعضه بعضا، يعني القرآن» وقوله: {يهدي الله لنوره من يشاء} [النور: 35] يقول تعالى ذكره: يوفق الله لاتباع 17P315 نوره، وهو هذا القرآن، من يشاء من عباده وقوله {يهدي الله لنوره من يشاء} [النور: 35] يقول تعالى ذكره: يوفق الله لاتباع نوره وهو هذا القرآن من يشاء من عباده وقوله: {ويضرب الله الأمثال للناس} [إبراهيم: 25] يقول: ويمثل الله الأمثال والأشباه للناس، كما مثل لهم مثل هذا القرآن في قلب المؤمن بالمصباح في المشكاة، وسائر ما في هذه الآية من الأمثال {والله بكل شيء عليم} [البقرة: 282] يقول: والله يضرب الأمثال وغيرها من الأشياء كلها، ذو علم 17P315
[النور: 36_37_38] القول في تأويل قوله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب} [النور: 36_37_38] يعني تعالى ذكره بقوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] الله نور السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، في بيوت أذن الله أن ترفع كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " المشكاة: التي فيها الفتيلة التي فيها المصباح " قال: «المصابيح في بيوت أذن الله أن ترفع» قال أبو جعفر: قد يحتمل أن تكون (من) في صلة (توقد) فيكون المعنى: توقد من شجرة مباركة ذلك المصباح في بيوت أذن الله أن ترفع. وعني بالبيوت المساجد. وقد اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم بالذي قلنا في ذلك ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، ونصر بن عبد الرحمن الأودي، قالا: ثنا حكام، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قول الله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] قال: «المساجد» حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] «وهي المساجد تكرم، ونهي عن اللغو فيها» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] «يعني كل مسجد يصلى فيه، جامع أو غيره» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] قال: «مساجد تبنى» حدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] قال: «في المساجد» قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: «المساجد بيوت الله، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن سالم بن عمر، في قوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] قال: «هي المساجد» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] قال: المساجد " وقال آخرون: عنى بذلك البيوت كلها ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، ونصر بن عبد الرحمن الأودي، قالا: حدثنا حكام بن سلم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عكرمة: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] قال: «هي البيوت كلها» 17P318 إنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك، لدلالة قوله: {يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [النور: 37] على أنها بيوت بنيت للصلاة؛ فلذلك قلنا هي المساجد.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {أذن الله أن ترفع} [النور: 36] فقال بعضهم: معناه: أذن الله أن تبنى ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أذن الله أن ترفع} [النور: 36] قال: «تبنى» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله وقال آخرون: معناه: أذن الله أن تعظم ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: {أذن الله أن ترفع} [النور: 36] يقول: «أن تعظم لذكره» وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله مجاهد، وهو أن معناه: أذن الله أن ترفع بناء، كما قال جل ثناؤه {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من 17P319 البيت} [البقرة: 127]، وذلك أن ذلك هو الأغلب من معنى الرفع في البيوت والأبنية وقوله: {ويذكر فيها اسمه} [النور: 36] يقول: وأذن لعباده أن يذكروا اسمه فيها وقد قيل: عني به أنه أذن لهم بتلاوة القرآن فيها ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: ثم قال: {ويذكر فيها اسمه} [النور: 36] يقول: «يتلى فيها كتابه» وهذا القول قريب المعنى مما قلناه في ذلك، لأن تلاوة كتاب الله من معاني ذكر الله. غير أن الذي قلنا به أظهر معنييه، فلذلك اخترنا القول به وقوله: {يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [النور: 37] اختلفت القراء في قراءة قوله: {يسبح له} [النور: 36] فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار: {يسبح له} [النور: 36] بضم الياء، وكسر الباء، بمعنى يصلي له فيها رجال، وبجعل {يسبح} [الإسراء: 44] فعلا ل (الرجال) وخبرا عنهم، وترفع به (الرجال) . سوى عاصم، وابن عامر، فإنهما قرأا ذلك: (يسبح له) بضم الياء ، وفتح الباء، على ما لم يسم فاعله، ثم يرفعان (الرجال) بخبر ثان مضمر، كأنهما أرادا: يسبح الله في البيوت التي أذن الله أن ترفع، فسبح له رجال؛ فرفعا (الرجال) بفعل مضمر والقراءة التي هي أولاهما بالصواب: قراءة من كسر الباء، وجعله خبرا ل (الرجال) وفعلا لهم. وإنما كان الاختيار رفع الرجال بمضمر من الفعل لو كان الخبر عن البيوت لا يتم إلا بقوله: {يسبح له فيها} [النور: 36]، فأما والخبر عنها دون ذلك تام، فلا وجه لتوجيه قوله: {يسبح له} [النور: 36] إلى غيره، أي غير الخبر عن الرجال. وعني بقوله: {يسبح له فيها بالغدو والآصال} [النور: 36] يصلي له في هذه البيوت بالغدوات والعشيات رجال، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني علي بن الحسن الأزدي، قال: ثنا المعافى بن عمران، عن سفيان، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «كل تسبيح في القرآن فهو صلاة» حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: ثم قال: {يسبح له فيها بالغدو والآصال} [النور: 36] يقول: " يصلي له فيها بالغداة والعشي. يعني بالغدو: صلاة الغداة، ويعني بالآصال صلاة العصر.
وهما أول ما افترض الله من الصلاة، فأحب أن يذكرهما، ويذكر بهما عبادته " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن: { 17P321 يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال} [النور: 37] «أذن الله أن تبنى، فيصلى فيها بالغدو والآصال» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: في قوله: {يسبح له فيها بالغدو والآصال} [النور: 36] «يعني الصلاة المفروضة» وقوله: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [النور: 37] يقول تعالى ذكره: لا يشغل هؤلاء الرجال الذين يصلون في هذه المساجد التي أذن الله أن ترفع عن ذكر الله فيها وإقام الصلاة، تجارة ولا بيع كما حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن رجل، نسي اسمه في هذه الآية: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [النور: 37] إلى قوله: {والأبصار} [يونس: 31] قال: هم قوم في تجاراتهم وبيوعهم، لا تلهيهم تجاراتهم ولا بيوعهم عن ذكر الله " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا جعفر بن سليمان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله: أنه نظر إلى قوم من السوق قاموا وتركوا بياعاتهم إلى الصلاة، فقال: " هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه: {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر 17P322 الله} [النور: 37] الآية " قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن سيار، عمن حدثه عن ابن مسعود، نحو ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن سيار، قال: حدثت عن ابن مسعود: أنه رأى قوما من أهل السوق حيث نودي بالصلاة تركوا بياعاتهم ، ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله: " هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [النور: 37] " وقال بعضهم: معنى ذلك {لا تلهيهم تجارة ولا بيع} [النور: 37] عن صلاتهم المفروضة عليهم ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: ثم قال: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [النور: 37] يقول: «عن الصلاة المكتوبة» قوله: {وإقام الصلاة} [الأنبياء: 73] يقول: ولا يشغلهم ذلك أيضا عن إقام الصلاة بحدودها في أوقاتها. وبنحو قولنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد، قال: ثنا عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، عن رجل، نسي عوف اسمه في: {وإقام الصلاة} [الأنبياء: 73] قال: «يقومون للصلاة عند مواقيت الصلاة» فإن قال قائل: أو ليس قوله: {وإقام الصلاة} [الأنبياء: 73] مصدرا من قوله أقمت؟ قيل: بلى. فإن قال: أو ليس المصدر منه إقامة، كالمصدر من أجرت إجارة؟ قيل: بلى. فإن قال: وكيف قال: {وإقام الصلاة} [الأنبياء: 73] أو تجيز أن نقول: أقمت إقاما؟ قيل: ولكني أجيز: أعجبني إقام الصلاة. فإن قيل: وما وجه جواز ذلك؟ قيل: إن الحكم في أقمت إذا جعل منه مصدر أن يقال إقواما، كما يقال: أقعدت فلانا إقعادا ، وأعطيته إعطاء؛ ولكن العرب لما سكنت الواو من (أقمت) فسقطت لاجتماعها وهي ساكنة، والميم وهي ساكنة، بنوا المصدر على ذلك؛ إذ جاءت الواو ساكنة قبل ألف الإفعال وهي ساكنة، فسقطت الأولى منهما، فأبدلوا منها هاء في آخر الحرف، كالتكثير للحرف، كما فعلوا ذلك في قولهم: وعدته عدة، ووزنته زنة؛ إذ ذهبت الواو من أوله، كثروه من آخره بالهاء؛ فلما أضيفت الإقامة إلى الصلاة، حذفوا الزيادة التي كانوا زادوها للتكثير، وهي الهاء في آخرها؛ لأن الخافض وما خفض عندهم كالحرف الواحد، فاستغنوا بالمضاف إليه من الحرف الزائد. وقد قال بعضهم في نظير ذلك: [+البحر البسيط] إن الخليط أجدوا البين فانجردوا وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا يريد: عدة الأمر.
فأسقط الهاء من العدة لما أضافها، فكذلك ذلك في إقام الصلاة وقوله: {وإيتاء الزكاة } [الأنبياء: 73] قيل: معناه: وإخلاص الطاعة لله ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [النور: 56]، {وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة} [مريم: 55] . وقوله: {وأوصاني بالصلاة والزكاة} [مريم: 31]، وقوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا} [النور: 21] وقوله: {وحنانا من لدنا وزكاة} [مريم: 13] . ونحو هذا في القرآن، قال: " يعني بالزكاة: طاعة الله 17P325 والإخلاص " وقوله: {يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} [النور: 37] يقول: يخافون يوما تتقلب فيه القلوب من هوله، بين طمع بالنجاة وحذر بالهلاك. {والأبصار} [يونس: 31] أي ناحية يؤخذ بهم: أذات اليمين؟ أم ذات الشمال؟ ومن أين يؤتون كتبهم: أمن قبل الأيمان، أو من قبل الشمائل؟ وذلك يوم القيامة كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الله بن عياش: قال زيد بن أسلم، في قول الله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] . إلى قوله: {تتقلب فيه القلوب والأبصار} [النور: 37] «يوم القيامة» وقوله: {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا} [النور: 38] يقول: فعلوا ذلك، يعني: أنهم لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأطاعوا ربهم، مخافة عذابه يوم القيامة؛ كي يثيبهم الله يوم القيامة بأحسن أعمالهم التي عملوها في الدنيا، ويزيدهم على ثوابه إياهم على أحسن أعمالهم التي عملوها في الدنيا، من فضله، فيفضل عليهم من عنده بما أحب من كرامته لهم وقوله: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} [البقرة: 212] يقول تعالى ذكره: يتفضل على من شاء وأراد من طوله وكرامته، مما لم يستحقه بعمله، ولم يبلغه بطاعته؛ {بغير حساب} [البقرة: 212] يقول: بغير محاسبة على ما بذل له، وأعطاه 17P325
[النور: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه 17P326 الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} [النور: 39] وهذا مثل ضربه الله لأعمال أهل الكفر به، فقال: والذين جحدوا توحيد ربهم وكذبوا بهذا القرآن وبمن جاء به، مثل أعمالهم التي عملوها {كسراب} [النور: 39] يقول: مثل سراب، والسراب ما لصق بالأرض، وذلك يكون نصف النهار وحين يشتد الحر. والآل ما كان كالماء بين السماء والأرض، وذلك يكون أول النهار، يرفع كل شيء ضحى وقوله: {بقيعة} [النور: 39] وهي جمع قاع، كالجيرة جمع جار، والقاع ما انبسط من الأرض واتسع، وفيه يكون السراب وقوله: {يحسبه الظمآن ماء} [النور: 39] يقول: يظن العطشان من الناس السراب ماء {حتى إذا جاءه} [النور: 39] والهاء من ذكر السراب، والمعنى: حتى إذا جاء الظمآن السراب ملتمسا ماء يستغيث به من عطشه {لم يجده شيئا} [النور: 39] يقول: لم يجد السراب شيئا، فكذلك الكافرون بالله من أعمالهم التي عملوها في غرور، يحسبون أنها منجيتهم عند الله من عذابه، كما حسب الظمآن الذي رأى السراب، فظنه ماء يرويه من ظمئه؛ حتى إذا هلك وصار إلى الحاجة إلى عمله الذي كان يرى أنه نافعه عند الله، لم يجده ينفعه شيئا؛ لأنه كان عمله على كفر بالله، ووجد الله هذا الكافر عند هلاكه بالمرصاد، فوفاه يوم القيامة حساب أعماله التي عملها في الدنيا، وجازاه بها جزاءه الذي يستحقه عليه منه فإن قال قائل: وكيف قيل: {حتى إذا جاءه لم يجده شيئا} [النور: 39] فإن لم يكن السراب شيئا، فعلام أدخلت الهاء في قوله: {حتى إذا جاءه} [النور: 39] قيل: إنه شيء يرى من بعيد كالضباب الذي يرى كثيفا من بعيد والهباء، فإذا قرب منه المرء رق وصار كالهواء. وقد يحتمل أن يكون معناه: حتى إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا، فاكتفى بذكر السراب من ذكر موضعه. {والله سريع الحساب} [البقرة: 202] يقول: والله سريع حسابه لأنه تعالى ذكره لا يحتاج إلى عقد أصابع ولا حفظ بقلب ولكنه عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد، ومن بعده ما عمله، وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: " ثم ضرب مثلا آخر، فقال: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة} [النور: 39] قال: وكذلك الكافر يجيء يوم القيامة وهو يحسب أن عند الله خيرا، فلا يجد، فيدخله النار " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب بنحوه حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {أعمالهم كسراب بقيعة} [النور: 39] يقول: «الأرض المستوية» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة} [النور: 39] . إلى قوله: {والله سريع الحساب} [البقرة: 202] قال: «هو مثل ضربه الله لرجل عطش فاشتد عطشه، فرأى سرابا، فحسبه ماء، فطلبه، وظن أنه قد قدر عليه، حتى أتاه، فلما أتاه لم يجده شيئا، وقبض عند ذلك. يقول الكافر كذلك، يحسب أن عمله مغن عنه، أو نافعه شيئا، ولا يكون آتيا على شيء حتى يأتيه الموت، فإذا أتاه الموت لم يجد عمله أغنى عنه شيئا، ولم ينفعه إلا كما نفع العطشان المشتد إلى السراب» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {كسراب بقيعة} [النور: 39] قال: " بقاع من الأرض، والسراب عمله. زاد الحارث في حديثه عن الحسن: والسراب: عمل الكافر. {إذا جاءه لم يجده شيئا} [النور: 39] .