[النمل: 87] القول في تأويل قوله تعالى: {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين} [النمل: 87] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى: {ويوم ينفخ في الصور} [النمل: 87] وقد ذكرنا اختلافهم فيما مضى، وبينا الصواب من القول في ذلك عندنا بشواهده، غير أنا نذكر في هذا الموضع بعض ما لم يذكر هناك من الأخبار، فقال بعضهم: هو قرن ينفخ فيه. ذكر بعض من لم يذكر فيما مضى قبل من الخبر عن ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن 18P132 مجاهد، قوله: " {ويوم ينفخ في الصور} [النمل: 87] قال كهيئة البوق " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: " الصور: البوق قال: هو البوق، صاحبه آخذ به يقبض قبضتين بكفيه على طرف القرن، بين طرفه وبين فيه قدر قبضة أو نحوها، قد برك على ركبة إحدى رجليه، فأشار، فبرك على ركبة يساره مقعيا على قدمها، عقبها تحت فخذه وأليته، وأطراف أصابعها في التراب " قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، قال: «الصور كهيئة القرن قد رفع إحدى ركبتيه إلى السماء، وخفض الأخرى، لم يلق جفون عينه على غمض منذ خلق الله السموات مستعدا مستجدا، قد وضع الصور على فيه ينتظر متى يؤمر أن ينفخ فيه» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن زياد، قال أبو جعفر: والصواب: يزيد بن أبي زياد ، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ما الصور؟ قال: «قرن» ، قال: وكيف هو؟ قال: " 18P133 قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لله رب العالمين، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ نفخة الفزع، فينفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض، إلا من شاء الله، ويأمره الله فيمد بها ويطولها، فلا يفتر، وهي التي يقول الله: {ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق} [ص: 15] فيسير الله الجبال، فتكون سربا، وترج الأرض بأهلها رجا، وهي التي يقول الله: {يوم ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة، قلوب يومئذ واجفة} [النازعات: 7] فتكون الأرض كالسفينة الموثقة في البحر، تضربها الأمواج، تكفأ بأهلها، أو كالقنديل المعلق بالوتر ترجحه الأرياح، فتميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة، حتى تأتي الأقطار ، فتتلقاها الملائكة، فتضرب وجوهها فترجع، ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله: {يوم التناد، يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم، ومن يضلل الله فما له من هاد} [غافر: 32] فبينما هم على ذلك إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر، فرأوا أمرا عظيما، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء، فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت عنهم ". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك» ، فقال أبو هريرة: يا رسول الله، فمن استثنى الله حين يقول: {ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله} قال: «أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى لما فرغ من السماوات والأرض، خلق الصور، فأعطاه ملكا، فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره العرش، ينتظر متى يؤمر» .
الإمام الطبري - جامع البيان عن تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري · AR
قال: قلت: يا رسول الله، وما الصور؟ قال: «قرن» ، قلت: فكيف هو؟ قال: «عظيم، والذي نفسي بيده، إن عظم دائرة فيه لكعرض السماوات والأرض، يأمره فينفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله» ، ثم ذكر باقي الحديث نحو حديث أبي كريب عن المحاربي، غير أنه قال في حديثه «كالسفينة المرفأة في البحر» . وقال آخرون: بل معنى ذلك: ونفخ في صور الخلق. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {ويوم ينفخ في الصور} [النمل: 87] أي في الخلق " وقوله: {ففزع من في السموات ومن في الأرض} يقول: ففزع من في السماوات من الملائكة ومن في الأرض من الجن والإنس والشياطين، من هول ما يعاينون ذلك اليوم. فإن قال قائل : وكيف قيل: ففزع، فجعل فزع وهي فعل مردودة على ينفخ، وهي يفعل؟ قيل: العرب تفعل ذلك في المواضع التي تصلح فيها إذا، لأن إذا يصلح معها فعل ويفعل، كقولك: أزورك إذا زرتني، وأزورك إذا تزورني، فإذا وضع مكان إذا يوم أجري مجرى إذا. فإن قيل: فأين جواب قوله: {ويوم ينفخ في الصور ففزع} [النمل: 87] قيل: جائز أن يكون مضمرا مع الواو، كأنه قيل: ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون، وذلك يوم ينفخ في الصور. وجائز أن يكون متروكا اكتفى بدلالة الكلام عليه منه، كما قيل: {ولو يرى الذين ظلموا} [البقرة: 165] فترك جوابه. وقوله: {إلا من شاء الله} [النمل: 87] قيل: إن الذين استثناهم الله في هذا الموضع من أن ينالهم الفزع يومئذ الشهداء، وذلك أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وإن كانوا في عداد الموتى عند أهل الدنيا، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرناه في الخبر الماضي. وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام، عمن حدثه، عن أبي هريرة، أنه قرأ هذه الآية: " {ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله} قال: هم الشهداء " وقوله: {وكل أتوه داخرين} [النمل: 87] يقول: وكل أتوه صاغرين. 18P136 وبمثل الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وكل أتوه داخرين} [النمل: 87] يقول: صاغرين " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وكل أتوه داخرين} [النمل: 87] قال: صاغرين " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وكل أتوه داخرين} [النمل: 87] قال: الداخر: الصاغر الراغم، قال: لأن المرء الذي يفزع إذا فزع إنما همته الهرب من الأمر الذي فزع منه، قال: فلما نفخ في الصور فزعوا، فلم يكن لهم من الله منجى ". واختلفت القراء في قراءة قوله: {وكل أتوه داخرين} [النمل: 87] فقرأته عامة قراء الأمصار: (وكل آتوه) ، بمد الألف من أتوه على مثال فاعلوه، سوى ابن مسعود، فإنه قرأه: {وكل أتوه} [النمل: 87] على مثال فعلوه، واتبعه على القراءة به المتأخرون الأعمش وحمزة، 18P137 واعتل الذين قرءوا ذلك على مثال فاعلوه بإجماع القراء على قوله: {وكلهم آتيه} [مريم: 95] قالوا: فكذلك قوله: (آتوه) ، في الجمع. وأما الذين قرءوا على قراءة عبد الله، فإنهم ردوه على قوله: {ففزع} [النمل: 87] كأنهم وجهوا معنى الكلام إلى: ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض، وأتوه كلهم داخرين، كما يقال في الكلام: رأى وفر وعاد وهو صاغر. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، ومتقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب 18P136
[النمل: 88] القول في تأويل قوله تعالى: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب، صنع الله الذي أتقن كل شيء، إنه خبير بما تفعلون} [النمل: 88] يقول تعالى ذكره: {وترى الجبال} [النمل: 88] يا محمد {تحسبها} [النمل: 88] قائمة {وهي تمر} [النمل: 88] . كالذي: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وترى الجبال تحسبها جامدة} [النمل: 88] يقول: قائمة ". وإنما قيل: {وهي تمر مر السحاب} [النمل: 88] لأنها تجمع ثم تسير، فيحسب رائيها لكثرتها أنها واقفة، وهي تسير سيرا حثيثا، كما قال الجعدي: [+البحر الطويل] 18P138 بأرعن مثل الطود تحسب أنهم وقوف لحاج والركاب تهملج وقوله: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} [النمل: 88] وأوثق خلقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {صنع الله الذي أتقن كل شيء} [النمل: 88] يقول: أحكم كل شيء " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {صنع الله الذي أتقن كل شيء} [النمل: 88] يقول: أحسن كل شيء خلقه وأوثقه " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {الذي أتقن كل شيء} [النمل: 88] قال: أوثق كل شيء وسوى " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {أتقن} [النمل: 88] أوثق " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " (إنه خبير بما يفعلون) يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم وخبرة بما يفعل عباده من خير وشر وطاعة له ومعصية، وهو مجازي جميعهم على جميع ذلك، على الخير الخير، وعلى الشر الشر نظيره " 18P139
[النمل: 89_90] القول في تأويل قوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله خير منها، وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار، هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} [النمل: 89_90] يقول تعالى ذكره: {من جاء} [الأنعام: 160] الله بتوحيده والإيمان به، وقول لا إله إلا الله موقنا به قلبه، {فله} [البقرة: 112] من هذه الحسنة عند الله {خير} [البقرة: 54] يوم القيامة، وذلك الخير أن يثيبه الله {منها} [البقرة: 25] الجنة، ويؤمنه {من فزع} [النمل: 89] الصيحة الكبرى وهي النفخ في الصور {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] يقول: ومن جاء بالشرك به يوم يلقاه، وجحود وحدانيته {فكبت وجوههم} [النمل: 90] في نار جهنم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثني الفضل بن دكين، قال: ثنا 18P140 يحيى بن أيوب البجلي، قال: سمعت أبا زرعة، قال: قال أبو هريرة، قال يحيى: أحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون} [النمل: 89] قال: وهي لا إله إلا الله {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} [النمل: 90] قال: وهي الشرك " حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا أبو يحيى الحماني، عن النضر بن عربي، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: " {من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون} [النمل: 89] قال: من جاء بلا إله إلا الله، {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} [النمل: 90] ، قال: بالشرك " حدثني علي ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {من جاء بالحسنة فله خير منها} [النمل: 89] يقول: من جاء بلا إله إلا الله {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] وهو الشرك " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] قال: بالشرك " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] قال: كلمة الإخلاص {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] 18P141 قال: الشرك ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه قال ابن جريج: وسمعت عطاء يقول فيها: " الشرك، يعني: في قوله: {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم، قال: كان يحلف ما يستثني، أن " {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] قال: لا إله إلا الله، {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] قال: الشرك ". حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء، مثله حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب: " {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} [النمل: 90] قال: الشرك " حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص، قال: ثنا سعيد بن سعيد، عن علي بن 18P142 الحسين، وكان رجلا غزاء، قال: بينا هو في بعض خلواته حتى رفع صوته: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير؛ قال: فرد عليه رجل: ما تقول يا عبد الله؟
قال: أقول ما تسمع، قال: أما إنها الكلمة التي قال الله: {من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون} [النمل: 89] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] قال: الإخلاص {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] قال: الشرك " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول، في قوله: " {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] يعني: الشرك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن: " {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] يقول: الشرك " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} [النمل: 90] قال: السيئة: الشرك الكفر " حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حفص بن عمر العدني، 18P143 قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، قوله: " {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] قال: شهادة أن لا إله إلا الله {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] قال: السيئة: الشرك " قال الحكم: قال عكرمة: «كل شيء في القرآن السيئة فهو الشرك» . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {فله خير منها} [النمل: 89] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {فله خير منها} [النمل: 89] فمنها وصل إليه الخير، يعني ابن عباس بذلك: من الحسنة وصل إلى الذي جاء بها الخير " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا حسين الشهيد، عن الحسن: " {من جاء بالحسنة فله خير منها} [النمل: 89] قال: له منها " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن، قال: «من جاء بلا إله إلا الله، فله خير منها خيرا» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {فله خير منها} [النمل: 89] يقول: له منها حظ " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {من جاء 18P144 بالحسنة فله خير منها} [النمل: 89] قال: له منها خير؛ فأما أن يكون خيرا من الإيمان فلا، ولكن منها خير يصيب منها خيرا " حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا الحكم، عن عكرمة، قوله: " {من جاء بالحسنة فله خير منها } [النمل: 89] قال: ليس شيء خيرا من لا إله إلا الله، ولكن له منها خير " وكان ابن زيد يقول في ذلك ما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {من جاء بالحسنة فله خير منها} [النمل: 89] قال: أعطاه الله بالواحدة عشرا، فهذا خير منها ". واختلفت القراء في قراءة قوله: {وهم من فزع يومئذ آمنون} [النمل: 89] فقرأ ذلك بعض قراء البصرة: (وهم من فزع يومئذ آمنون) ، بإضافة فزع إلى اليوم. وقرأ ذلك جماعة قراء أهل الكوفة: {من فزع يومئذ} [النمل: 89] ، بتنوين فزع. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن الإضافة أعجب إلي، لأنه فزع معلوم. وإذا كان ذلك كذلك كان معرفة على أن ذلك في سياق قوله: {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله} فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه عني بقوله: {وهم من فزع يومئذ آمنون} [النمل: 89] من الفزع الذي قد جرى ذكره قبله. وإذا كان ذلك كذلك، كان لا شك أنه معرفة، وأن الإضافة إذا كان معرفة به أولى من ترك الإضافة؛ وأخرى أن ذلك إذا أضيف فهو أبين أنه خبر عن أمانه من كل أهوال ذلك اليوم منه إذا لم يضف ذلك، وذلك أنه إذا لم يضف كان الأغلب عليه أنه جعل الأمان من فزع بعض أهواله.
وقوله: {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} [النمل: 90] يقول تعالى ذكره. يقال لهم: هل تجزون أيها المشركون إلا ما كنتم تعملون، إذ كبكم الله لوجوهكم في النار، وإلا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا بما يسخط ربكم؛ وترك «يقال لهم» اكتفاء بدلالة الكلام عليه. 18P145
[النمل: 91] القول في تأويل قوله تعالى: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء، وأمرت أن أكون من المسلمين} [النمل: 91] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد قل {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة } [النمل: 91] وهي مكة {الذي حرمها} [النمل: 91] على خلقه أن يسفكوا فيها دما حراما، أو يظلموا فيها أحدا، أو يصاد صيدها، أو يختلى خلاها دون الأوثان التي تعبدونها أيها المشركون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها} [النمل: 91] يعني: مكة " وقوله: {وله كل شيء} [النمل: 91] يقول: ولرب هذه البلدة الأشياء كلها ملكا. فإياه أمرت أن أعبد، لا من لا يملك شيئا. وإنما قال جل ثناؤه: {رب هذه البلدة الذي حرمها} [النمل: 91] فخصها بالذكر دون سائر البلدان، وهو رب البلاد كلها، لأنه أراد تعريف المشركين من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين هم أهل مكة بذلك نعمته عليهم، وإحسانه إليهم، وأن الذي ينبغي لهم أن يعبدوه هو الذي حرم بلدهم، فمنع الناس منهم، وهم في سائر البلاد يأكل بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا، لا من لم تجر له عليهم نعمة، ولا يقدر لهم على نفع ولا ضر. وقوله: {وأمرت أن أكون من المسلمين} [يونس: 72] يقول: وأمرني ربي أن أسلم وجهي له حنيفا، فأكون من المسلمين الذين دانوا بدين خليله إبراهيم وجدكم أيها المشركون، لا من خالف دين جده المحق، ودان دين إبليس عدو الله. 18P146 [النمل: 92] القول في تأويل قوله تعالى: {وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين} [النمل: 92] يقول تعالى ذكره: قل {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة} [النمل: 91] و {أن أكون من المسلمين ، وأن اتلو القرآن، فمن اهتدى} يقول: فمن تبعني وآمن بي وبما 18P147 جئت به، فسلك طريق الرشاد {فإنما يهتدي لنفسه} [يونس: 108] يقول: فإنما يسلك سبيل الصواب باتباعه إياي، وإيمانه بي، وبما جئت به لنفسه، لأنه بإيمانه بي، وبما جئت به يأمن نقمته في الدنيا وعذابه في الآخرة. وقوله: {ومن ضل} [يونس: 108] يقول: ومن جار عن قصد السبيل بتكذيبه بي وبما جئت به من عند الله {فقل إنما أنا من المنذرين} [النمل: 92] يقول تعالى ذكره: فقل يا محمد لمن ضل عن قصد السبيل، وكذبك، ولم يصدق بما جئت به من عندي، إنما أنا ممن ينذر قومه عذاب الله وسخطه على معصيتهم إياه، وقد أنذرتكم ذلك معشر كفار قريش، فإن قبلتم وانتهيتم عما يكرهه الله منكم من الشرك به، فحظوظ أنفسكم تصيبون، وإن رددتم وكذبتم فعلى أنفسكم جنيتم، وقد بلغتكم ما أمرت بإبلاغه إياكم، ونصحت لكم. 18P147
[النمل: 93] القول في تأويل قوله تعالى: {وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون} [النمل: 93] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء القائلين لك من مشركي قومك: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، {الحمد لله} [الفاتحة: 2] على نعمته علينا بتوفيقه إيانا للحق الذي أنتم عنه عمون، سيريكم ربكم آيات عذابه وسخطه، فتعرفون بها حقيقة نصحي كان لكم، ويتبين صدق ما دعوتكم إليه من الرشاد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {سيريكم آياته فتعرفونها} [النمل: 93] قال: في أنفسكم، وفي السماء والأرض والرزق " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: " {سيريكم آياته فتعرفونها} [النمل: 93] قال: في أنفسكم والسماء والأرض والرزق " وقوله: {وما ربك بغافل عما تعملون} [هود: 123] يقول تعالى ذكره: وما ربك يا محمد بغافل عما يعمل هؤلاء المشركون، ولكن لهم أجل هم بالغوه، فإذا بلغوه فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: فلا يحزنك تكذيبهم إياك، فإني من وراء إهلاكهم، وإني لهم بالمرصاد، فأيقن لنفسك بالنصر، ولعدوك بالذل والخزي. [028] سورة القصص مكية وآياتها ثمان وثمانون بسم الله الرحمن الرحيم 18P149 [القصص: 1_2_3] القول في تأويل قوله تعالى: {طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون} [القصص: 1_2_3] قال أبو جعفر: وقد بينا قبل فيما مضى تأويل قول الله عز وجل {طسم} [الشعراء: 1] وذكرنا اختلاف أهل التأويل في تأويله. وأما قوله: {تلك آيات الكتاب المبين} [يوسف: 1] فإنه يعني هذه آيات الكتاب الذي أنزلته إليك يا محمد، المبين أنه من عند الله، وأنك لم تتقوله ولم تتخرصه. وكان قتادة فيما ذكر عنه يقول في ذلك ما: حدثني بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {طسم. تلك آيات الكتاب المبين} [الشعراء: 2] يعني مبين والله بركته ورشده وهداه " وقوله: {نتلوا عليك} [القصص: 3] يقول: نقرأ عليك ونقص في هذا القرآن من خبر موسى {وفرعون بالحق} [القصص: 3] . كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون} يقول: في هذا القرآن نبؤهم " وقوله: {لقوم يؤمنون} [الأنعام: 99] يقول: لقوم يصدقون بهذا الكتاب، ليعلموا أن ما نتلوا عليك من نبئهم فيه نبؤهم، وتطمئن نفوسهم، بأن سنتنا فيمن خالفك وعاداك من المشركين سنتنا فيمن عادى موسى ومن آمن به من بني إسرائيل من فرعون وقومه، أن نهلكهم كما أهلكناهم، وننجيهم منهم كما أنجيناهم. 18P150
[القصص: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين} [القصص: 4] يقول تعالى ذكره: إن فرعون تجبر في أرض مصر وتكبر، وعلا أهلها وقهرهم، حتى أقروا له بالعبودة. كما: حدثنا محمد بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، " {إن فرعون علا في الأرض} [القصص: 4] يقول: تجبر في الأرض " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {إن فرعون علا في الأرض} [القصص: 4] أي بغى في الأرض " وقوله: {وجعل أهلها شيعا} [القصص: 4] يعني بالشيع: الفرق، يقول: وجعل أهلها فرقا متفرقين. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {وجعل 18P151 أهلها شيعا} [القصص: 4] : أي فرقا يذبح طائفة منهم، ويستحيي طائفة، ويعذب طائفة، ويستعبد طائفة. قال الله عز وجل: {يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين} [القصص: 4] " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا في منامه، أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القبط، وتركت بني إسرائيل، وأحرقت بيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة، فسألهم عن رؤياه، فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه، يعنون بيت المقدس، رجل يكون على وجهه هلاك مصر، فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه، ولا تولد لهم جارية إلا تركت، وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجا، فأدخلوهم، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة، فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم، وأدخلوا غلمانهم، فذلك حين يقول: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا} [القصص: 4] يعني بني إسرائيل حين جعلهم في الأعمال القذرة " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {وجعل أهلها شيعا} [القصص: 4] قال: فرق بينهم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {وجعل أهلها شيعا} [القصص: 4] قال: فرقا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وجعل أهلها شيعا} [القصص: 4] قال: الشيع: الفرق " وقوله: {يستضعف طائفة منهم} [القصص: 4] ذكر أن استضعافه إياها كان استعباده. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: «يستعبد طائفة منهم، ويذبح طائفة، ويقتل طائفة، ويستحيي طائفة» وقوله: {إنه كان من المفسدين} [القصص: 4] يقول: إنه كان ممن يفسد في الأرض بقتله من لا يستحق منه القتل، واستعباده من ليس له استعباده، وتجبره في الأرض على أهلها، وتكبره على عبادة ربه. 18P152
[القصص: 5_6] القول في تأويل قوله تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [القصص: 5_6] قوله: {ونريد} [القصص: 5] عطف على قوله {يستضعف طائفة منهم} [القصص: 4] ومعنى الكلام: أن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها من بني إسرائيل فرقا يستضعف طائفة منهم ونحن {نريد أن نمن على الذين} [القصص: 5] استضعفهم فرعون من بني إسرائيل {ونجعلهم أئمة} [القصص: 5] . 18P153 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض} [القصص: 5] قال: بنو إسرائيل " قوله: {ونجعلهم أئمة} [القصص: 5] أي ولاة وملوكا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {ونجعلهم أئمة} [القصص: 5] أي ولاة الأمر " وقوله: {ونجعلهم الوارثين} [القصص: 5] يقول: ونجعلهم وراث آل فرعون يرثون الأرض من بلد مهلكهم. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {ونجعلهم الوارثين} [القصص: 5] : أي يرثون الأرض بعد فرعون وقومه " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: " {ونجعلهم الوارثين} [القصص: 5] يقول: يرثون الأرض بعد فرعون " وقوله: {ونمكن لهم في الأرض} [القصص: 6] يقول: ونوطئ لهم في أرض الشام ومصر {ونري فرعون وهامان وجنودهما} [القصص: 6] كانوا قد أخبروا أن هلاكهم على يد رجل من بني إسرائيل، فكانوا من ذلك على وجل منهم، ولذلك كان فرعون يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، فأرى الله فرعون وهامان وجنودهما من بني إسرائيل على يد موسى بن عمران نبيه ما كانوا يحذرونه منهم من هلاكهم وخراب منازلهم ودورهم. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [القصص: 6] شيئا ما حذر القوم، قال: وذكر لنا أن حازيا حزا لعدو الله فرعون، فقال: يولد في هذا العام غلام من بني إسرائيل يسلبك ملكك، فتتبع أبناءهم ذلك العام، يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم حذرا مما قال له الحازي " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، قال: " كان لفرعون رجل ينظر له ويخبره، يعني أنه كاهن، فقال له: إنه يولد في هذا العام غلام يذهب بملككم، فكان فرعون يذبح أبناءهم، ويستحيي 18P155 نساءهم حذرا، فذلك قوله {ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [القصص: 6] ". واختلفت القراء في قراءة قوله: {ونري فرعون وهامان} [القصص: 6] فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين: {ونري فرعون وهامان} [القصص: 6] بمعنى: ونري نحن بالنون عطفا بذلك على قوله: {ونمكن لهم} [القصص: 6] . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: (ويرى فرعون) على أن الفعل لفرعون، بمعنى: ويعاين فرعون، بالياء من يرى، ورفع فرعون وهامان والجنود. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قراء الأمصار، متقاربتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب، لأنه معلوم أن فرعون لم يكن ليرى من موسى ما رأى، إلا بأن يريه الله عز وجل منه، ولم يكن ليريه الله تعالى ذكره ذلك منه إلا رآه. 18P154