[القصص: 33_34] القول في تأويل قوله تعالى: {قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لسانا، فأرسله معي ردءا يصدقني، إني أخاف أن يكذبون} [القصص: 33_34] يقول تعالى ذكره: قال موسى: رب إني قتلت من قوم فرعون نفسا، فأخاف إن أتيتهم فلم أبن عن نفسي بحجة أن يقتلون، لأن في لساني عقدة، ولا أبين معها ما أريد من الكلام. {وأخي هارون هو أفصح مني لسانا} [القصص: 34] يقول: أحسن بيانا عما يريد أن يبينه. {فأرسله معي ردءا} [القصص: 34] يقول: عونا. يصدقني: أي يبين لهم عني ما أخاطبهم به كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، " {وأخي هارون هو أفصح مني لسانا، فأرسله معي ردءا يصدقني} [القصص: 34] : أي يبين لهم عني ما أكلمهم به، فإنه يفهم ما لا يفهمون ". وقيل: إنما سأل موسى ربه يؤيده بأخيه، لأن الاثنين إذا اجتمعا على الخير، كانت النفس إلى تصديقهما أسكن منها إلى تصديق خبر الواحد. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله " {فأرسله 18P250 معي ردءا يصدقني} [القصص: 34] لأن الاثنين أحرى أن يصدقا من واحد ". وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله " {فأرسله معي ردءا يصدقني} [القصص: 34] قال عونا ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {ردءا يصدقني} [القصص: 34] : أي عونا ". وقال آخرون: معنى ذلك: كيما يصدقني. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، " {ردءا يصدقني} [القصص: 34] يقول: كي يصدقني " حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، " {فأرسله معي ردءا يصدقني} [القصص: 34] يقول: كيما يصدقني " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {ردءا يصدقني} [القصص: 34] يقول: كيما يصدقني ". والردء في كلام العرب: هو العون، يقال منه: قد أردأت فلانا على أمره: أي أكفيته وأعنته. واختلفت القراء في قراءة قوله: {يصدقني} [القصص: 34] فقرأته عامة قراء الحجاز والبصرة: (ردءا يصدقني) بجزم {يصدقني} [القصص: 34] . وقرأ عاصم وحمزة: {يصدقني} [القصص: 34] ، برفعه، فمن رفعه جعله صلة للردء، بمعنى: فأرسله معي ردءا من صفته يصدقني؛ ومن جزمه جعله جوابا لقوله فأرسله، فإنك إذا أرسلته صدقني، على وجه الخبر. والرفع في ذلك أحب القراءتين إلي، لأنه مسألة من موسى ربه أن يرسل أخاه عونا له بهذه الصفة. وقوله: {إني أخاف أن يكذبون} [الشعراء: 12] يقول: إني أخاف أن لا يصدقون على قولي لهم إني أرسلت إليكم. 18P251
الإمام الطبري - جامع البيان عن تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري · AR
[القصص: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما، بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون} [القصص: 35] يقول تعالى ذكره: قال الله لموسى {سنشد عضدك} [القصص: 35] ؛ أي نقويك 18P252 ونعينك بأخيك. تقول العرب إذا أعز رجل رجلا، وأعانه ومنعه ممن أراده بظلم: قد شد فلان على عضد فلان، وهو من عاضده على أمره: إذا أعانه، ومنه قول ابن مقبل: [+البحر البسيط] عاضدتها بعتود غير معتلث كأنه وقف عاج بات مكنونا يعني بذلك: قوسا عاضدها بسهم. وفي العضد لغات أربع: أجودها: العضد، ثم العضد، ثم العضد والعضد. يجمع جميع ذلك على أعضاد. وقوله: {ونجعل لكما سلطانا} [القصص: 35] يقول: ونجعل لكما حجة. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله " {لكما سلطانا} [القصص: 35] حجة ". حدثنا القاسم قال: قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، " {ونجعل 18P253 لكما سلطانا} [القصص: 35] والسلطان: الحجة " وقوله: {فلا يصلون إليكما} [القصص: 35] يقول تعالى ذكره: فلا يصل إليكما فرعون وقومه بسوء. وقوله: {بآياتنا} [البقرة: 39] يقول تعالى ذكره: {فلا يصلون إليكما} [القصص: 35] فرعون وقومه {بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون} [القصص: 35] فالباء في قوله بآياتنا من صلة غالبون. ومعنى الكلام: أنتما ومن اتبعكما الغالبون فرعون وملأه بآياتنا أي بحجتنا وسلطاننا الذي نجعله لكما. 18P253 [القصص: 36] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} [القصص: 36] يقول تعالى ذكره: فلما جاء موسى فرعون وملأه بأدلتنا وحججنا بينات أنها حجج شاهدة بحقيقة ما جاء به موسى من عند ربه، قالوا لموسى: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحرا افتريته من قبلك وتخرصته كذبا وباطلا {وما سمعنا بهذا} [القصص: 36] الذي تدعونا إليه من عبادة من تدعونا إلى عبادته في أسلافنا وآبائنا الأولين الذين مضوا قبلنا. 18P253 [القصص: 37] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار، إنه لا يفلح الظالمون} [القصص: 37] يقول تعالى ذكره: {وقال موسى} [الأعراف: 104] مجيبا لفرعون: {ربي أعلم} [الكهف: 22] بالمحق منا يا فرعون من المبطل، ومن الذي جاء بالرشاد إلى سبيل الصواب والبيان عن واضح الحجة من عنده، ومن الذي له العقبى المحمودة في الدار الآخرة منا. وهذه معارضة من نبي الله موسى عليه السلام لفرعون، وجميل مخاطبة، إذ ترك أن يقول له: بل الذي غر قومه وأهلك جنوده، وأضل أتباعه أنت لا أنا، ولكنه قال: {ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده، ومن تكون له عاقبة الدار} [القصص: 37] ثم بالغ في ذم عدو الله بأجمل من الخطاب فقال: {إنه لا يفلح الظالمون} [الأنعام: 21] يقول: إنه لا ينجح ولا يدرك طلبتهم الكافرون بالله تعالى، يعني بذلك فرعون إنه لا يفلح ولا ينجح لكفره به. 18P254
[القصص: 38] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري، فأوقد لي يا هامان على الطين، فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين} [القصص: 38] يقول تعالى ذكره: وقال فرعون لأشراف قومه وسادتهم: {يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} [القصص: 38] فتعبدوه، وتصدقوا قول موسى فيما جاءكم به من أن لكم وله ربا غيري ومعبودا سواي. {فأوقد لي يا هامان على الطين} [القصص: 38] يقول: فاعمل لي آجرا، وذكر أنه أول من طبخ الآجر وبنى به. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {فأوقد لي يا هامان على الطين} [القصص: 38] قال: على المدر يكون لبنا مطبوخا " قال ابن جريج: «أول من أمر بصنعة الآجر وبنى به فرعون» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {فأوقد لي يا هامان على الطين} [القصص: 38] قال: فكان أول من طبخ الآجر يبني به الصرح " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: " {فأوقد لي يا هامان على الطين} [القصص: 38] قال: المطبوخ الذي يوقد عليه هو من طين يبنون به البنيان " وقوله: {فاجعل لي صرحا} [القصص: 38] يقول: ابن لي بالآجر بناء، وكل بناء مسطح فهو صرح كالقصر. ومنه قول الشاعر: [+البحر المتقارب] بهن نعام بناها الرجا ل يحسب أعلامهن الصروحا يعني بالصروح: جمع صرح. وقوله: {لعلي أطلع إلى إله موسى} [القصص: 38] يقول: انظر إلى معبود موسى، الذي يعبده، ويدعو إلى عبادته {وإني لأظنه} [القصص: 38] فيما يقول من أن له معبودا يعبده في السماء، وأنه هو الذي يؤيده وينصره، وهو الذي أرسله إلينا {من 18P256 الكاذبين} [الأعراف: 66] ؛ فذكر لنا أن هامان بنى له الصرح، فارتقى فوقه فكان من قصته وقصة ارتقائه ما: حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: قال فرعون لقومه: {يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري، فأوقد لي يا هامان على الطين، فاجعل لي صرحا} [القصص: 38] لعلي أذهب في السماء، فأنظر إلى إله موسى؛ فلما بني له الصرح، ارتقى فوقه، فأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء، فردت إليه وهي متلطخة دما، فقال: قد قتلت إله موسى، تعالى الله عما يقولون " 18P256
[القصص: 39_40] القول في تأويل قوله تعالى: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم، فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} [القصص: 39_40] يقول تعالى ذكره: واستكبر فرعون وجنوده في أرض مصر عن تصديق موسى، واتباعه على ما دعاهم إليه من توحيد الله، والإقرار بالعبودية له {بغير الحق} [البقرة: 61] يعني تعديا وعتوا على ربهم {وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} [القصص: 39] يقول: وحسبوا أنهم بعد مماتهم لا يبعثون، ولا ثواب، ولا عقاب، فركبوا أهواءهم، ولم يعلموا أن الله لهم بالمرصاد، وأنه لهم مجاز على أعمالهم الخبيثة. وقوله: {فأخذناه وجنوده} [القصص: 40] يقول تعالى ذكره: فجمعنا فرعون وجنوده من القبط {فنبذناهم في اليم} [القصص: 40] يقول: فألقيناهم جميعهم في البحر، فغرقناهم فيه، كما قال أبو الأسود الدؤلي: [+البحر الطويل] 18P257 نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا وذكر أن ذلك بحر من وراء مصر كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {فنبذناهم في اليم} [القصص: 40] قال: كان اليم بحرا يقال له إساف من وراء مصر، غرقهم الله فيه " وقوله: {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} [يونس: 39] يقول تعالى ذكره: فانظر يا محمد بعين قلبك : كيف كان أمر هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم، فكفروا بربهم وردوا على رسوله نصيحته، ألم نهلكهم فنورث ديارهم وأموالهم أولياءنا، ونخولهم ما كان لهم من جنات وعيون، وكنوز ومقام كريم، بعد أن كانوا مستضعفين، تقتل أبناؤهم، وتستحيا نساؤهم، فإنا كذلك بك وبمن آمن بك وصدقك فاعلون مخولوك وإياهم ديار من كذبك ورد عليك ما أتيتهم به من الحق وأموالهم، ومهلكوهم قتلا بالسيف، سنة الله في الذين خلوا من قبل. 18P257 [القصص: 41_42] القول في تأويل قوله تعالى: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة، ويوم القيامة هم من المقبوحين} [القصص: 41_42] يقول تعالى ذكره: وجعلنا فرعون وقومه أئمة يأتم بهم أهل العتو على الله، والكفر به، يدعون الناس إلى أعمال أهل النار {ويوم القيامة لا ينصرون} [القصص: 41] يقول جل ثناؤه: ويوم القيامة لا ينصرهم إذا عذبهم الله ناصر، وقد كانوا في الدنيا يتناصرون، فاضمحلت تلك النصرة يومئذ. وقوله: {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة} [القصص: 42] يقول تعالى ذكره: وألزمنا فرعون وقومه في هذه الدنيا خزيا وغضبا منا عليهم، فحتمنا لهم فيها بالهلاك والبوار والثناء السيئ، ونحن متبعوهم لعنة أخرى يوم القيامة، فمخزوهم بها الخزي الدائم، ومهينوهم الهوان اللازم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة} [القصص: 42] قال: لعنوا في الدنيا والآخرة، قال: هو كقوله {وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة، بئس الرفد المرفود} [هود: 99] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة} [القصص: 42] لعنة أخرى، ثم استقبل فقال: {هم من المقبوحين} [القصص: 42] " وقوله: {هم من المقبوحين} [القصص: 42] يقول تعالى ذكره: هم من القوم الذين قبحهم الله، فأهلكهم بكفرهم بربهم، وتكذيبهم رسوله موسى عليه السلام، فجعلهم عبرة للمعتبرين، وعظة للمتعظين. 18P258
[القصص: 43] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون} [القصص: 43] 18P259 يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى التوراة من بعد ما أهلكنا الأمم التي كانت قبله، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين. {بصائر للناس} [القصص: 43] يقول: ضياء لبني إسرائيل فيما بهم إليه الحاجة من أمر دينهم. {وهدى} [البقرة: 97] يقول: وبيانا لهم ورحمة لمن عمل به منهم {لعلهم يتذكرون} [البقرة: 221] يقول: ليتذكروا نعم الله بذلك عليهم، فيشكروه عليها ولا يكفروا. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} [القصص: 43] قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد، وعبد الوهاب، قالا: ثنا عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: " ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أن الله يقول: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون} [القصص: 43] " 18P259 [القصص: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر، وما كنت من الشاهدين} [القصص: 44] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وما كنت} [آل عمران: 44] يا محمد {بجانب} [القصص: 44] غربي الجبل، {إذ قضينا إلى موسى الأمر} [القصص: 44] يقول: إذ فرضنا إلى موسى الأمر فيما ألزمناه وقومه، وعهدنا إليه من عهد، {وما كنت من الشاهدين} [القصص: 44] يقول: وما كنت 18P260 لذلك من الشاهدين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وما كنت} [آل عمران: 44] يا محمد {بجانب الغربي} [القصص: 44] يقول: بجانب غربي الجبل {إذ قضينا إلى موسى الأمر} [القصص: 44] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: «غربي الجبل» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا الضحاك بن مخلد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة بن عمرو، قال: " إنكم أمة محمد صلى الله عليه وسلم قد أجبتم قبل أن تسألوا، وقرأ: {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر} [القصص: 44] " 18P260 [القصص: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر، وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا، ولكنا كنا مرسلين} [القصص: 45] يعني تعالى ذكره بقوله: {ولكنا أنشأنا قرونا} [القصص: 45] ولكنا خلقنا أمما فأحدثناها من بعد ذلك {فتطاول عليهم العمر} [القصص: 45] . وقوله: {وما كنت ثاويا في أهل مدين} [القصص: 45] يقول: وما كنت مقيما في أهل مدين، يقال: ثويت بالمكان أثوي به ثواء، قال أعشى ثعلبة: [+البحر الكامل] أثوى وقصر ليله ليزودا فمضى وأخلف من قتيلة موعدا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وما كنت ثاويا في أهل مدين} [القصص: 45] قال: الثاوي: المقيم. {تتلو عليهم آياتنا} [القصص: 45] يقول: تقرأ عليهم كتابنا، {ولكنا كنا مرسلين} [القصص: 45] يقول: لم تشهد شيئا من ذلك يا محمد، ولكنا كنا نحن نفعل ذلك ونرسل الرسل " 18P261
[القصص: 46] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا، ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون} [القصص: 46] يقول تعالى ذكره: وما كنت يا محمد بجانب الجبل إذ نادينا موسى بأن {سأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة، والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} الآية كما: حدثنا عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة، في قول الله: " {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} [القصص: 46] قال: نادى يا أمة محمد، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} [القصص: 46] قال: نودوا: يا أمة محمد، أعطيتكم قبل أن تسألوني، واستجبت لكم قبل أن تدعوني " حدثني ابن وكيع، قال: ثنا حرملة بن قيس النخعي، قال: سمعت هذا الحديث من أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، " {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} [القصص: 46] قال: نودوا يا أمة محمد، أعطيتكم قبل أن تسألوني، واستجبت لكم قبل أن تدعوني " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمر، عن سليمان، وسفيان، عن سليمان، وحجاج، عن حمزة الزيات، عن الأعمش، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة بن عمرو، عن أبي هريرة، في قوله: " {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} [القصص: 46] قال: نودوا يا أمة محمد، أعطيتكم قبل أن تسألوني، واستجبت لكم قبل أن تدعوني، قال: وهو قوله حين قال موسى {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة} [الأعراف: 156] . الآية ". 18P263 قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، مثل ذلك وقوله: {ولكن رحمة من ربك} [القصص: 46] يقول تعالى ذكره: لم تشهد شيئا من ذلك يا محمد فتعلمه، ولكنا عرفناكه، وأنزلنا إليك، فاقتصصنا ذلك كله عليك في كتابنا، وابتعثناك بما أنزلنا إليك من ذلك رسولا إلى من ابتعثناك إليه من الخلق رحمة منا لك ولهم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {ولكن رحمة من ربك} [القصص: 46] ما قصصنا عليك {لتنذر قوما} [القصص: 46] . الآية " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، " {ولكن رحمة من ربك} [القصص: 46] قال: كان رحمة من ربك النبوة " وقوله: {لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك} [القصص: 46] يقول تعالى ذكره: ولكن أرسلناك بهذا الكتاب وهذا الدين لتنذر قوما لم يأتهم من قبلك نذير، وهم العرب الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعثه الله إليهم رحمة لينذرهم بأسه على عبادتهم الأصنام، وإشراكهم به الأوثان والأنداد. وقوله: {لعلهم يتذكرون} [البقرة: 221] يقول: ليتذكروا خطأ ما هم عليه مقيمون من كفرهم بربهم، فينيبوا إلى الإقرار لله بالوحدانية، وإفراده بالعبادة دون كل ما سواه من الآلهة. 18P264 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، " {ولكن رحمة من ربك} [القصص: 46] قال: الذي أنزلنا عليك من القرآن {لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك} [القصص: 46] " 18P264
[القصص: 47] القول في تأويل قوله تعالى: {ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين} [القصص: 47] يقول تعالى ذكره: ولولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلتك يا محمد إليهم، لو حل بهم بأسنا، أو أتاهم عذابنا من قبل أن نرسلك إليهم على كفرهم بربهم، واكتسابهم الآثام، واجترامهم المعاصي: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من قبل أن يحل بنا سخطك، وينزل بنا عذابك فنتبع أدلتك، وآي كتابك الذي تنزله على رسولك ونكون من المؤمنين بألوهيتك، المصدقين رسولك فيما أمرتنا ونهيتنا، لعاجلناهم العقوبة على شركهم من قبل ما أرسلناك إليهم، ولكنا بعثناك إليهم نذيرا بأسنا على كفرهم، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. والمصيبة في هذا الموضع: العذاب والنقمة. ويعني بقوله: {بما قدمت أيديهم} [البقرة: 95] بما اكتسبوا. 18P264
[القصص: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى، أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل، قالوا سحران تظاهرا، وقالوا إنا بكل كافرون} [القصص: 48] يقول تعالى ذكره: فلما جاء هؤلاء الذين لم يأتهم من قبلك يا محمد نذير فبعثناك إليهم نذيرا {الحق من عندنا} [يونس: 76] ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة من الله إليهم، قالوا تمردا على الله، وتماديا في الغي: هلا أوتي هذا الذي أرسل إلينا، وهو محمد صلى الله عليه وسلم مثل ما أوتي موسى بن عمران من الكتاب؟ يقول الله تبارك وتعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لقومك من قريش، القائلين لك {لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} [القصص: 48] : أو لم يكفر الذين علموا هذه الحجة من اليهود بما أوتي موسى من قبلك؟ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " اليهود تأمر قريشا أن تسأل محمدا مثل ما أوتي موسى، يقول الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل لقريش يقولوا لهم: أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل؟ ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} [القصص: 48] قال: اليهود تأمر قريشا، ثم ذكر نحوه. واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة 18P266 قراء المدينة والبصرة: (قالوا ساحران تظاهرا) بمعنى: أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل، وقالوا له ولمحمد صلى الله عليه وسلم في قول بعض المفسرين، وفي قول بعضهم لموسى وهارون عليهما السلام، وفي قول بعضهم: لعيسى ومحمد ساحران تعاونا. وقرأ عامة قراء الكوفة: {قالوا سحران تظاهرا} [القصص: 48] بمعنى: وقالوا للتوراة والفرقان في قول بعض أهل التأويل، وفي قول بعضهم للإنجيل والفرقان. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك على قدر اختلاف القراء في قراءته. ذكر من قال: عني بالساحرين اللذين تظاهرا محمد وموسى صلى الله عليهما: حدثنا سليمان بن محمد بن معدي كرب الرعيني، قال: ثنا بقية بن الوليد، قال: ثنا شعبة، عن أبي حمزة، قال: سمعت مسلم بن يسار، يحدث عن ابن عباس، في قول الله (قالوا ساحران تظاهرا) ، قال: موسى ومحمد " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي حمزة، قال: سمعت مسلم بن يسار، قال: سألت ابن عباس، عن هذه الآية (قالوا ساحران تظاهرا) ، قال: موسى ومحمد " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن أبي حمزة، عن 18P267 مسلم بن يسار، أن ابن عباس قرأ (ساحران) قال موسى ومحمد عليهما السلام ". حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن كيسان أبي حمزة، عن مسلم بن يسار، عن ابن عباس، مثله ومن قال: موسى وهارون عليهما السلام: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله (ساحران تظاهرا) . قال اليهود لموسى وهارون " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، (قالوا ساحران تظاهرا) ، قول يهود لموسى وهارون عليهما السلام " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، وأبي رزين أن أحدهما، " قرأ: (ساحران تظاهرا) ، والآخر: {سحران} [القصص: 48] . قال: الذي قرأ {سحران} [القصص: 48] قال: التوراة والإنجيل. وقال: الذي قرأ: (ساحران) قال: موسى وهارون ". وقال آخرون: عنوا بالساحرين عيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين،.
قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن، قوله (ساحران تظاهرا) قال عيسى ومحمد، أو قال موسى صلى الله عليه وسلم " ذكر من قال: عنوا بذلك التوراة والفرقان، ووجه تأويله إلى قراءة من قرأ {سحران تظاهرا} [القصص: 48] : حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {سحران تظاهرا} [القصص: 48] يقول: التوراة والقرآن " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، " {قالوا سحران تظاهرا} [القصص: 48] يعني: التوراة والفرقان " حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {قالوا سحران تظاهرا} [القصص: 48] قال: كتاب موسى، وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " ذكر من قال: عنوا به التوراة والإنجيل: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن علية، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: 18P269 كنت إلى جنب ابن عباس وهو يتعوذ بين الركن والمقام، فقلت كيف تقرأ: {سحران} [القصص: 48] ، أو (ساحران) ، فلم يرد علي شيئا، فقال عكرمة: (ساحران) ، وظننت أنه لو كره ذلك أنكره علي. قال حميد: فلقيت عكرمة بعد ذلك فذكرت ذلك له، وقلت: كيف كان يقرؤها؟ قال: " كان يقرأ {سحران تظاهرا } [القصص: 48] أي التوراة والإنجيل " ذكر من قال: عنوا به الفرقان والإنجيل: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد، عن الضحاك، أنه " قرأ {سحران تظاهرا} [القصص: 48] يعنون الإنجيل والفرقان " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {قالوا سحران تظاهرا} [القصص: 48] قالت ذلك أعداء الله اليهود للإنجيل والفرقان، فمن قال (ساحران) فيقول: محمد، وعيسى ابن مريم ". قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب، قراءة من قرأه {قالوا سحران تظاهرا} [القصص: 48] بمعنى: كتاب موسى وهو التوراة، وكتاب عيسى وهو الإنجيل. وإنما قلنا: ذلك أولى القراءتين بالصواب، لأن الكلام من قبله جرى بذكر الكتاب، وهو قوله: {وقالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} والذي يليه من 18P270 بعده ذكر الكتاب، وهو قوله: {فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه} [القصص: 49] فالذي بينهما بأن يكون من ذكره أولى وأشبه بأن يكون من ذكر غيره. وإذ كان ذلك هو الأولى بالقراءة، فمعلوم أن معنى الكلام: قل يا محمد: أو لم يكفر هؤلاء اليهود بما أوتي موسى من قبل، وقالوا لما أوتي موسى من الكتاب وما أوتيته أنت، سحران تعاونا. وقوله: {وقالوا إنا بكل كافرون} [القصص: 48] يقول تعالى ذكره: وقالت اليهود: إنا بكل كتاب في الأرض من توراة وإنجيل وزبور وفرقان كافرون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل، وخالفه فيه مخالفون. ذكر من قال مثل الذي قلنا في ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {إنا بكل كافرون} [القصص: 48] قالوا: نكفر أيضا بما أوتي محمد " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {وقالوا إنا بكل كافرون} [القصص: 48] قال اليهود أيضا: نكفر بما أوتي محمد أيضا ". وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقالوا إنا بكل الكتابين الفرقان والإنجيل كافرون.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال : ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد، عن الضحاك، " {وقالوا إنا بكل كافرون} [القصص: 48] يقول: بالإنجيل والقرآن " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " {وقالوا إنا بكل كافرون} [القصص: 48] : يعنون الإنجيل والفرقان " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، " وقالوا إنا بكل كافرون قال: هم أهل الكتاب، يقول: بالكتابين: التوراة والفرقان " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وقالوا إنا بكل كافرون} [القصص: 48] الذي جاء به موسى، والذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم " 18P271