Qur'an&Sunnahالقرآن

الإمام الطبري - جامع البيان عن تأويل آي القرآن

أبو جعفر محمد بن جرير الطبري · AR

قسم V19/P320–V19/P323Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V19/P320–V19/P323)

[سبأ: 54] القول في تأويل قوله تعالى: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب} [سبأ: 54] يقول تعالى ذكره: وحيل بين هؤلاء المشركين حين فزعوا، فلا فوت، وأخذوا من مكان قريب، فقالوا آمنا به {وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] حينئذ من الإيمان بما كانوا به في الدنيا قبل ذلك يكفرون ولا سبيل لهم إليه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني إسماعيل بن حفص الأبلي، قال: ثنا المعتمر، عن أبي الأشهب، عن الحسن، في قوله: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] قال: «حيل بينهم وبين الإيمان بالله» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عبد الصمد، قال: سمعت الحسن، وسئل عن هذه الآية {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] قال: «حيل بينهم وبين الإيمان» حدثني ابن أبي زياد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا أبو الأشهب، عن الحسن {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] قال: «حيل بينهم وبين الإيمان» حدثنا أحمد بن عبد الصمد الأنصاري، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] قال: «من الرجوع إلى الدنيا ليتوبوا» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] «كان القوم يشتهون طاعة الله أن يكونوا عملوا بها في الدنيا حين عاينوا ما عاينوا» حدثنا الحسن بن واضح، قال: ثنا الحسن بن حبيب، قال: ثنا أبو الأشهب، عن الحسن، في قوله: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] قال: «حيل بينهم وبين الإيمان» وقال آخرون: معنى ذلك: وحيل بينهم وبين ما يشتهون من مال وولد وزهرة الدنيا ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، قال: ثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] قال: «من مال أو ولد أو زهرة» حدثني يونس، قال: قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وحيل 19P323 بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] قال: «في الدنيا التي كانوا فيها والحياة» وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك، لأن القوم إنما تمنوا حين عاينوا من عذاب الله ما عاينوا، ما أخبر الله عنهم أنهم تمنوه، وقالوا آمنا به، فقال الله: وأنى لهم تناوش ذلك من مكان بعيد، وقد كفروا من قبل ذلك في الدنيا فإذا كان ذلك كذلك، فلأن يكون قوله: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] خبرا عن أنه لا سبيل لهم إلى ما تمنوه أولى من أن يكون خبرا عن غيره وقوله: {كما فعل بأشياعهم من قبل} [سبأ: 54] يقول فعلنا بهؤلاء المشركين، فحلنا بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان بالله عند نزول سخط الله بهم، ومعاينتهم بأسه كما فعلنا بأشياعهم على كفرهم بالله من قبلهم من كفار الأمم، فلم نقبل منهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما لم نقبل في مثل ذلك الوقت من ضربائهم.

قسم V19/P323–V19/P324Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V19/P323–V19/P324)

والأشياع: جمع شيع، وشيع: جمع شيعة، فأشياع جمع الجمع وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح {كما فعل بأشياعهم من قبل} [سبأ: 54] قال: «الكفار من قبلهم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {كما فعل بأشياعهم من قبل} [سبأ: 54] «أي في الدنيا كانوا إذا عاينوا العذاب لم يقبل منهم إيمان» وقوله: {إنهم كانوا في شك مريب} [سبأ: 54] يقول تعالى ذكره: وحيل بين هؤلاء المشركين حين عاينوا بأس الله، وبين الإيمان: إنهم كانوا قبل في الدنيا في شك من نزول العذاب الذي نزل بهم وعاينوه، وقد أخبرهم نبيهم أنهم إن لم ينيبوا مما هم عليه مقيمون من الكفر بالله، وعبادة الأوثان أن الله مهلكهم، ومحل بهم عقوبته في عاجل الدنيا، وآجل الآخرة قبل نزوله بهم {مريب} [هود: 62] يقول: موجب لصاحبه الذي هو به ما يريبه من مكروه، من قولهم: قد أراب الرجل: إذا أتى ريبة وركب فاحشة؛ كما قال الراجز: [+البحر الرجز] يا قوم مالي وأبا ذؤيب؟ 19P325 كنت إذا أتوته من غيب يشم عطفي ويبز ثوبي كأنما أربته بريب يقول: كأنما أتيت إليه ريبة

قسم V19/P324–V19/P328Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V19/P324–V19/P328)

[035] سورة فاطر مكية وآياتها خمس وأربعون بسم الله الرحمن الرحيم 19P326 [فاطر: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير} يقول تعالى ذكره: الشكر الكامل للمعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا ينبغي أن تكون لغيره خالق السموات السبع والأرض {جاعل الملائكة رسلا} [فاطر: 1] إلى من يشاء من عباده، وفيما شاء من أمره ونهيه {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} [فاطر: 1] يقول أصحاب أجنحة: يعني ملائكة، فمنهم من له اثنان من الأجنحة، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} [فاطر: 1] قال " بعضهم: له جناحان، وبعضهم: ثلاثة، وبعضهم أربعة " واختلف أهل العربية في علة ترك إجراء مثنى وثلاث ورباع، وهي ترجمة عن أجنحة، وأجنحة نكرة، فقال بعض نحويي البصرة ترك إجراؤهن لأنهن مصروفات عن وجوههن، وذلك أن مثنى مصروف عن اثنين، وثلاث عن ثلاثة، ورباع عن أربعة، فصرف نظير عمر، وزفر، إذ صرف هذا عن عامر إلى عمر، وهذا عن زافر إلى زفر، وأنشد بعضهم في ذلك: [+البحر الكامل] ولقد قتلتكم ثناء وموحدا وتركت مرة مثل أمس المدبر وقال آخر منهم: لم يصرف ذلك لأنه يوهم به الثلاثة والأربعة، قال: وهذا لا يستعمل إلا في حال العدد وقال بعض نحويي الكوفة: هن مصروفات عن المعارف، لأن الألف واللام لا تدخلها، والإضافة لا تدخلها؛ قال: ولو دخلتها الإضافة والألف واللام لكانت نكرة، وهي ترجمة عن النكرة؛ قال: وكذلك ما كان في القرآن، مثل: {أن تقوموا لله مثنى وفرادى} [سبأ: 46] ، وكذلك وحاد وأحاد، وما أشبهه من مصروف العدد وقوله: {يزيد في الخلق ما يشاء} [فاطر: 1] وذلك زيادته تبارك وتعالى في خلق هذا الملك من الأجنحة على الآخر ما يشاء، ونقصانه عن الآخر ما أحب، وكذلك ذلك في جميع خلقه يزيد ما يشاء في خلق ما شاء منه، وينقص ما شاء من خلق ما شاء، له الخلق والأمر، وله القدرة والسلطان {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20] يقول: إن الله تعالى ذكره قدير على زيادة ما شاء من ذلك فيما شاء، ونقصان ما شاء منه ممن شاء، وغير ذلك من الأشياء كلها، لا يمتنع عليه فعل شيء أراده سبحان ه وتعالى 19P327 [فاطر: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم} [فاطر: 2] 19P328 يقول تعالى ذكره: مفاتيح الخير ومغالقه كلها بيده؛ فما يفتح الله للناس من خير فلا مغلق له، ولا ممسك عنهم، لأن ذلك أمره لا يستطيع أمره أحد، وكذلك ما يغلق من خير عنهم فلا يبسطه عليهم، ولا يفتحه لهم، فلا فاتح له سواه، لأن الأمور كلها إليه وله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ما يفتح الله للناس من رحمة} [فاطر: 2] " أي من خير {فلا ممسك لها} [فاطر: 2] فلا يستطيع أحد حبسها {وما يمسك فلا مرسل له من بعده} [فاطر: 2] وقال تعالى ذكره: {فلا ممسك لها} [فاطر: 2] فأنث ما لذكر الرحمة من بعده، وقال: {وما يمسك فلا مرسل له من بعده} [فاطر: 2] فذكر للفظ ما؛ لأن لفظه لفظ مذكر، ولو أنث في موضع التذكير للمعنى، وذكر في موضع التأنيث للفظ جاز، ولكن الأفصح من الكلام التأنيث إذا ظهر بعد ما يدل على تأنيثها والتذكير إذا لم يظهر ذلك وقوله: {وهو العزيز الحكيم} [إبراهيم: 4] يقول: وهو العزيز في نقمته ممن انتقم منه من خلقه بحبس رحمته عنه وخيراته، الحكيم في تدبير خلقه، وفتحه لهم الرحمة إذا كان فتح ذلك صلاحا، وإمساكه إياه عنهم إذا كان إمساكه حكمة 19P328

قسم V19/P328–V19/P331Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V19/P328–V19/P331)

[فاطر: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} [فاطر: 3] يقول تعالى ذكره للمشركين به من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش: {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله} التي أنعمها {عليكم} [البقرة: 40] بفتحه لكم من خيراته ما فتح وبسطه لكم من العيش ما بسط وفكروا فانظروا هل من خالق سوى فاطر السموات والأرض الذي بيده مفاتيح أرزاقكم ومغالقها {يرزقكم من السماء والأرض} [يونس: 31] فتعبدوه دونه {لا إله إلا هو} [البقرة: 163] يقول: لا معبود تنبغي له العبادة إلا الذي فطر السموات والأرض، القادر على كل شيء، الذي بيده مفاتح الأشياء وخزائنها، ومغالق ذلك كله، فلا تعبدوا أيها الناس شيئا سواه، فإنه لا يقدر على نفعكم وضركم سواه، فله فأخلصوا العبادة، وإياه فأفردوا بالألوهة {فأنى تؤفكون} [الأنعام: 95] يقول: فأي وجه عن خالقكم ورازقكم الذي بيده نفعكم وضركم تصرفون كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فأنى تؤفكون} [فاطر: 3] " يقول الرجل: إنه ليوفك عني كذا وكذا " وقد بينت معنى الإفك، وتأويل قوله: {تؤفكون} [فاطر: 3] فيما مضى بشواهده المغنية عن تكريره 19P329 [فاطر: 4_5] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} [فاطر: 4_5] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله من قومك فلا يحزننك ذاك، ولا يعظم عليك، فإن ذلك سنة أمثالهم من كفرة الأمم بالله من قبلهم، وتكذيبهم رسل الله التي أرسلها إليهم من قبلك، ولن يعدو مشركو قومك أن يكونوا مثلهم، فيتبعوا في تكذيبك منهاجهم، ويسلكوا سبيلهم {وإلى الله ترجع الأمور} [البقرة: 210] يقول تعالى ذكره: وإلى الله مرجع أمرك وأمرهم، فمحل بهم العقوبة، إن هم لم ينيبوا إلى طاعتنا في اتباعك، والإقرار بنبوتك، وقبول ما دعوتهم إليه من النصيحة، نظير ما أحللنا بنظرائهم من الأمم المكذبة رسلها قبلك، ومنجيك وأتباعك من ذلك سنتنا بمن قبلك في رسلنا وأوليائنا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك} [فاطر: 4] «يعزي نبيه كما تسمعون» وقوله: {يا أيها الناس إن وعد الله حق} [فاطر: 5] يقول تعالى ذكره لمشركي قريش، المكذبي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس إن وعد الله إياكم بأسه على إصراركم على الكفر به، وتكذيب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وتحذيركم نزول سطوته بكم على ذلك حق، فأيقنوا بذلك، وبادروا حلول عقوبتكم بالتوبة والإنابة إلى طاعة الله والإيمان به وبرسوله {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} [لقمان: 33] يقول: فلا يغرنكم ما أنتم فيه من العيش في هذه الدنيا ورياستكم التي تترأسون بها في ضعفائكم فيها عن اتباع محمد والإيمان {ولا يغرنكم بالله الغرور} [لقمان: 33] يقول: ولا يخدعنكم بالله الشيطان، فيمنيكم الأماني، ويعدكم من الله العدات الكاذبة، ويحملكم على الإصرار على كفركم بالله كما: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {ولا يغرنكم بالله الغرور} [لقمان: 33] يقول: «الشيطان» 19P331

قسم V19/P331–V19/P334Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V19/P331–V19/P334)

[فاطر: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6] يقول تعالى ذكره: {إن الشيطان} [الأعراف: 22] الذي نهيتكم أيها الناس أن تغتروا بغروره إياكم بالله {لكم عدو فاتخذوه عدوا} [فاطر: 6] يقول: فأنزلوه من أنفسكم منزل العدو منكم، واحذروه بطاعة الله واستغشاشكم إياه، حذركم من عدوكم الذي تخافون غائلته على أنفسكم، فلا تطيعوه ولا تتبعوا خطواته، فإنه إنما يدعو حزبه، يعني شيعته، ومن أطاعه إلى طاعته والقبول منه، والكفر بالله {ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6] يقول: ليكونوا من المخلدين في نار جهنم التي تتوقد على أهلها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} [فاطر: 6] «فإنه لحق على كل مسلم عداوته، وعداوته أن يعاديه بطاعة الله» {إنما يدعو حزبه} [فاطر: 6] " وحزبه: أولياؤه " {ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6] «أي ليسوقهم إلى النار، فهذه عداوته» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6] وقال: " هؤلاء حزبه من الإنس، يقول: أولئك حزب الشيطان، والحزب: ولاته الذين يتولاهم ويتولونه " وقرأ: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 196] 19P332 [فاطر: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير} [فاطر: 7] يقول تعالى ذكره: {الذين كفروا} [البقرة: 6] بالله ورسوله {لهم عذاب} [آل عمران: 4] من الله {شديد} [البقرة: 165] ، وذلك عذاب النار وقوله: {والذين آمنوا} [البقرة: 9] يقول: والذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بما 19P333 أمرهم الله، وانتهوا عما نهاهم عنه {لهم مغفرة} [المائدة: 9] من الله لذنوبهم {وأجر كبير} [هود: 11] وذلك الجنة كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لهم مغفرة وأجر كبير} [هود: 11] «وهي الجنة» 19P333 [فاطر: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون} [فاطر: 8] يقول تعالى ذكره: أفمن حسن له الشيطان أعماله السيئة من معاصي الله والكفر به، وعبادة ما دونه من الآلهة والأوثان، فرآه حسنا، فحسب سيئ ذلك حسنا، وظن أن قبحه جميل، لتزيين، الشيطان ذلك له، ذهبت نفسك عليهم حسرات؛ وحذف من الكلام: ذهبت نفسك عليهم حسرات، اكتفاء بدلالة قوله: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] منه وقوله: {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [فاطر: 8] يقول: فإن الله يخذل من يشاء عن الإيمان به واتباعك وتصديقك، فيضله عن الرشاد إلى الحق في ذلك، {ويهدي من يشاء} [يونس: 25] يقول: ويوفق من يشاء للإيمان به واتباعك، والقبول منك، فتهديه إلى سبيل الرشاد {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] 19P334 يقول: فلا تهلك نفسك حزنا على ضلالتهم وكفرهم بالله، وتكذيبهم لك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [فاطر: 8] قال قتادة والحسن: «الشيطان زين لهم» {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] «لا يحزنك ذلك عليهم، فإن الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] قال: " الحسرات: الحزن، وقرأ قول الله: {يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} ووقع قوله: {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [فاطر: 8] موضع الجواب، وإنما هو منبع الجواب، لأن الجواب هو المتروك الذي ذكرت، ف‍اكتفى به من الجواب لدلالته على الجواب ومعنى الكلام 19P335 واختلفت القراء في قراءة قوله: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] فقرأته قراء الأمصار سوى أبي جعفر المدني {فلا تذهب نفسك} [فاطر: 8] بفتح التاء من {تذهب} [فاطر: 8] ، ونفسك برفعها وقرأ ذلك أبو جعفر: (فلا تذهب) بضم التاء من {تذهب} [فاطر: 8] ، ونفسك بنصبها، بمعنى: لا تذهب أنت يا محمد نفسك والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار، لإجماع الحجة من القراء عليه وقوله: {إن الله عليم بما يصنعون} [فاطر: 8] يقول تعالى ذكره: إن الله يا محمد ذو علم بما يصنع هؤلاء الذين زين لهم الشيطان سوء أعمالهم، وهو محصيه عليهم، ومجازيهم به جزاءهم 19P335

قسم V19/P334–V19/P335Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V19/P334–V19/P335)

[فاطر: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور} [فاطر: 9] يقول تعالى ذكره: والله الذي أرسل الرياح فتثير السحاب للحيا والغيث {فسقناه إلى بلد ميت} [فاطر: 9] يقول: فسقناه إلى بلد مجدب الأهل، محل الأرض، داثر لا نبت فيه ولا زرع {فأحيينا به الأرض بعد موتها} [فاطر: 9] يقول: فأخصبنا بغيث ذلك السحاب الأرض التي سقناه إليها بعد جدوبها، وأنبتنا فيها الزرع بعد المحل {كذلك النشور} [فاطر: 9] يقول تعالى ذكره: هكذا ينشر الله الموتى بعد بلائهم في قبورهم، 19P336 فيحييهم بعد فنائهم، كما أحيينا هذه الأرض بالغيث بعد مماتها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله، قال: " يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من بني آدم إلا وفي الأرض منه شيء قال: فيرسل الله ماء من تحت العرش منيا كمني الرجل، فتنبت أجسادهم ولحمانهم من ذلك، كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت} [فاطر: 9] إلى قوله: {كذلك النشور} [فاطر: 9] قال: ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى جسدها، فتدخل فيه " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا} [فاطر: 9] قال: «يرسل الرياح فتسوق السحاب، فأحيا الله به هذه الأرض الميتة بهذا الماء، فكذلك يبعثه يوم القيامة» 19P336

قسم V19/P335–V19/P341Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V19/P335–V19/P341)

[فاطر: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور} [فاطر: 10] 19P337 اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} [فاطر: 10] فقال بعضهم: معنى ذلك: من كان يريد العزة بعبادة الآلهة والأوثان، فإن العزة لله جميعا ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {من كان يريد العزة} [فاطر: 10] يقول: «من كان يريد العزة بعبادته الآلهة» {فإن العزة لله جميعا} [النساء: 139] وقال آخرون: معنى ذلك: من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} [فاطر: 10] يقول: «فليتعزز بطاعة الله» وقال آخرون: بل معنى ذلك: من كان يريد علم العزة لمن هي، فإنه لله جميعا كلها: أي كل وجه من العزة فلله والذي هو أولى الأقوال بالصواب عندي قول من قال: من كان يريد العزة، فبالله فليتعزز، فلله العزة جميعا، دون كل ما دونه من الآلهة والأوثان 19P338 وإنما قلت: ذلك أولى بالصواب، لأن الآيات التي قبل هذه الآية، جرت بتقريع الله المشركين على عبادتهم الأوثان، وتوبيخه إياهم، ووعيده لهم عليها، فأولى بهذه أيضا أن تكون من جنس الحث على فراق ذلك، فكانت قصتها شبيهة بقصتها، وكانت في سياقها وقوله: {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10] يقول تعالى ذكره: إلى الله يصعد ذكر العبد إياه وثناؤه عليه {والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] يقول: ويرفع ذكر العبد ربه إليه عمله الصالح، وهو العمل بطاعته، وأداء فرائضه، والانتهاء إلى ما أمر به وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: أخبرني جعفر بن عون، عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن عبد الله بن المخارق، عن أبيه المخارق بن سليم، قال: قال لنا عبد الله: " إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله. إن العبد المسلم إذا قال: سبحان الله وبحمده، الحمد لله لا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله، أخذهن ملك، فجعلهن تحت جناحيه، ثم صعد بهن إلى السماء، فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيي بهن وجه الرحمن، ثم قرأ عبد الله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا سعيد الجريري، عن عبد الله بن شقيق، قال: قال كعب: «إن لسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لدويا حول العرش كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن، والعمل الصالح في الخزائن» حدثني يونس، قال: ثنا سفيان، عن ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب الأشعري، قول: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] قال: «العمل الصالح يرفع الكلم الطيب» حدثني علي، ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] قال: " الكلام الطيب: ذكر الله، والعمل الصالح: أداء فرائضه؛ فمن ذكر الله سبحانه في أداء فرائضه، حمل عليه ذكر الله فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله، ولم يؤد فرائضه، رد كلامه على عمله، فكان أولى به " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني 19P340 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] قال: «العمل الصالح يرفع الكلام الطيب» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] قال: قال الحسن وقتادة: «لا يقبل الله قولا إلا بعمل، من قال وأحسن العمل قبل الله منه» وقوله: {والذين يمكرون السيئات} [فاطر: 10] يقول تعالى ذكره: والذين يكسبون السيئات لهم عذاب جهنم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثني سعيد، عن قتادة، قوله: {والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد} [فاطر: 10] قال: «هؤلاء أهل الشرك» وقوله: {ومكر أولئك هو يبور} [فاطر: 10] يقول: وعمل هؤلاء المشركين يبور، فيبطل فيذهب، لأنه لم يكن لله، فلم ينفع عامله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ومكر أولئك هو يبور} [فاطر: 10] «أي يفسد» حدثني يونس، قال: أخبرنا سفيان، عن ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب {ومكر أولئك هو يبور} [فاطر: 10] قال: «هم أصحاب الرياء» حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا سهل بن أبي عامر، قال: ثنا جعفر الأحمر، عن شهر بن حوشب، في قوله {ومكر أولئك هو يبور} [فاطر: 10] قال: «هم أصحاب الرياء» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ومكر أولئك هو يبور} [فاطر: 10] قال: «بار فلم ينفعهم، ولم ينتفعوا به، وضرهم» 19P341

قسم V19/P341–V19/P342Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V19/P341–V19/P342)

[فاطر: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص 19P342 من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير} [فاطر: 11] يقول تعالى ذكره: {والله خلقكم} [النحل: 70] أيها الناس {من تراب} [آل عمران: 59] يعني بذلك أنه خلق أباهم آدم من تراب، فجعل خلق أبيهم منه لهم خلقا {ثم من نطفة} [الكهف: 37] يقول: ثم خلقكم من نطفة الرجل والمرأة {ثم جعلكم أزواجا} [فاطر: 11] يعني أنه زوج منهم الأنثى من الذكر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {والله خلقكم من تراب} [فاطر: 11] «يعني آدم» {ثم من نطفة} [الكهف: 37] «يعني ذريته» {ثم جعلكم أزواجا} [فاطر: 11] «فزوج بعضكم بعضا» وقوله: {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} [فاطر: 11] يقول تعالى ذكره: وما تحمل من أنثى منكم أيها الناس من حمل ولا نطفة إلا وهو عالم بحملها إياه ووضعها، وما هو؟ ذكر أو أنثى؟ لا يخفى عليه شيء من ذلك وقوله: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} [فاطر: 11] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: وما يعمر من معمر فيطول عمره، ولا ينقص من عمر آخر غيره عن عمر هذا الذي عمر عمرا طويلا {إلا في 19P343 كتاب} [الأنعام: 59] عنده، مكتوب قبل أن تحمل به أمه، وقبل أن تضعه، قد أحصى ذلك كله وعلمه قبل أن يخلقه، لا يزاد فيما كتب له ولا ينقص ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وما يعمر من معمر} [فاطر: 11] إلى {يسير} [فاطر: 11] يقول: «ليس أحد قضيت له طول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له، وإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت له، لا يزاد عليه؛ وليس أحد قضيت له أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت له لا يزاد عليه» فذلك قوله: {ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} [فاطر: 11] يقول: «كل ذلك في كتاب عنده» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: «من قضيت له أن يعمر حتى يدركه الكبر، أو يعمر أنقص من ذلك، فكل بالغ أجله الذي قد قضى له، كل ذلك في كتاب» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} [فاطر: 11] قال: «ألا ترى الناس الإنسان يعيش مائة سنة، وآخر يموت حين يولد؟

قسم V19/P342–V19/P344Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V19/P342–V19/P344)

فهذا هذا» فالهاء التي في قوله {ولا ينقص من عمره} [فاطر: 11] على هذا التأويل وإن كانت في الظاهر أنها كناية عن اسم المعمر الأول، فهي كناية عن اسم آخر غيره، وإنما حسن ذلك لأن صاحبها لو أظهر‍ لظهر بلفظ الأول، وذلك كقولهم: عندي ثوب ونصفه، والمعنى: ونصف الآخر وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره بفناء ما فني من أيام حياته، فذلك هو نقصان عمره والهاء على هذا التأويل للمعمر الأول، لأن معنى الكلام: ما يطول عمر أحد، ولا يذهب من عمره شيء فينقص إلا وهو في كتاب عبد الله مكتوب قد أحصاه وعلمه ذكر من قال ذلك: حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر ، قال: ثنا حصين، عن أبي مالك، في هذه الآية: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} [فاطر: 11] قال: «ما يقضي من أيامه التي عددت له إلا في كتاب» 19P345 وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب التأويل الأول؛ وذلك أن ذلك هو أظهر معنييه، وأشبههما بظاهر التنزيل وقوله: {إن ذلك على الله يسير} [الحج: 70] يقول تعالى ذكره: إن إحصاء أعمار خلقه عليه يسير سهل، طويل ذلك وقصيره، لا يتعذر عليه شيء منه 19P345

قسم V19/P344–V19/P350Taberî — Câmiü'l-Beyân (s. V19/P344–V19/P350)

[فاطر: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} [فاطر: 12] يقول تعالى ذكره: وما يعتدل البحران فيستويان، أحدهما عذب فرات؛ والفرات: هو أعذب العذب، {وهذا ملح أجاج} [الفرقان: 53] يقول: والآخر منهما ملح أجاج، وذلك هو ماء البحر الأخضر؛ والأجاج: المر، وهو أشد المياه ملوحة كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وهذا 19P346 ملح أجاج} [فاطر: 12] " والأجاج: المر " وقوله: {ومن كل تأكلون لحما طريا} [فاطر: 12] يقول: ومن كل البحار تأكلون لحما طريا، وذلك السمك من عذبهما الفرات، وملحهما الأجاج {وتستخرجون حلية تلبسونها} [فاطر: 12] يعني: الدر والمرجان تستخرجونها من الملح الأجاج. وقد بينا قبل وجه {تستخرجون حلية} [فاطر: 12] ، وإنما يستخرج من الملح فيما مضى بما أغنى عن إعادته {وترى الفلك فيه مواخر} [فاطر: 12] يقول تعالى ذكره: وترى السفن في كل تلك البحار مواخر، تمخر الماء بصدورها، وذلك خرقها إياه إذا مرت واحدتها ماخرة يقال منه: مخرت تمخر، وتمخر مخرا، وذلك إذا شقت الماء بصدورها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ومن كل تأكلون لحما طريا} [فاطر: 12] " أي منهما جميعا {وتستخرجون حلية تلبسونها} [فاطر: 12] هذا اللؤلؤ، {وترى الفلك فيه مواخر} [فاطر: 12] فيه السفن مقبلة ومدبرة بريح واحدة " حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، 19P347 قوله: {وترى الفلك فيه مواخر} [فاطر: 12] يقول: «جواري» وقوله: {لتبتغوا من فضله} [الإسراء: 66] يقول: لتطلبوا بركوبكم في هذه البحار في الفلك من معايشكم، ولتتصرفوا فيها في تجاراتكم، وتشكروا الله على تسخيره ذلك لكم، وما رزقكم منه من طيبات الرزق، وفاخر الحلي 19P347 [فاطر: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] يقول تعالى ذكره: يدخل الليل في النهار، وذلك ما نقص من الليل أدخله في النهار فزاده فيه، ويولج النهار في الليل، وذلك ما نقص من أجزاء النهار زاد في أجزاء الليل، فأدخله فيها كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل «زيادة هذا في نقصان هذا، ونقصان هذا في زيادة هذا» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} [فاطر: 13] يقول: «هو انتقاص أحدهما من الآخر» وقوله: {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} [الرعد: 2] يقول: وأجرى لكم الشمس والقمر نعمة منه عليكم، ورحمة منه بكم، لتعلموا عدد السنين والحساب، وتعرفوا الليل من النهار وقوله: {كل يجري لأجل مسمى} [الرعد: 2] يقول: كل ذلك يجري لوقت معلوم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} [الرعد: 2] «أجل معلوم وحد لا يقصر دونه ولا يتعداه» وقوله: {ذلكم الله ربكم} [الأنعام: 102] 19P348 يقول: الذي يفعل هذه الأفعال معبودكم أيها الناس الذي لا تصلح العبادة إلا له، وهو الله ربكم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ذلكم الله ربكم له الملك} [فاطر: 13] «أي هو الذي يفعل هذا» وقوله: {له الملك} [البقرة: 247] يقول تعالى ذكره: له الملك التام الذي لا شيء إلا وهو في ملكه وسلطانه وقوله {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] يقول تعالى ذكره: والذين تعبدون أيها الناس من دون ربكم الذي هذه الصفة التي ذكرها في هذه الآيات الذي له الملك الكامل، الذي لا يشبهه ملك، صفته {ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] يقول: ما يملكون قشر نواة فما فوقها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف، عمن حدثه عن ابن عباس، في قوله: {ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] قال: «هو جلد النواة» حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله {من قطمير} [فاطر: 13] يقول: «الجلد الذي يكون على ظهر النواة» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] " يعني: قشر النواة " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، 19P350 في قول الله: {من قطمير} [فاطر: 13] قال: «لفافة النواة كسحاة البيضة» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] والقطمير: القشرة التي على رأس النواة " حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن جويبر، عن بعض أصحابه، في قوله: {ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] قال: «هو القمع الذي يكون على التمرة» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا مرة، عن عطية، قال: " القطمير: قشر النواة " 19P350

%0
10 قسم

الأسئلة