[الشورى: 46_47] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير} [الشورى: 46_47] يقول تعالى ذكره: ولم يكن لهؤلاء الكافرين حين يعذبهم الله يوم القيامة أولياء يمنعونهم من عذاب الله ولا ينتصرون لهم من ربهم على ما نالهم به من العذاب من دون الله {ومن يضلل الله فما له من سبيل} [الشورى: 46] يقول: ومن يخذله عن طريق الحق فما له من طريق إلى الوصول إليه، لأن الهداية والإضلال بيده دون كل أحد سواه وقوله: {استجيبوا لربكم} [الشورى: 47] يقول تعالى ذكره للكافرين به: أجيبوا أيها الناس داعي الله وآمنوا به واتبعوه على ما جاءكم به من عند ربكم {من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله} [الروم: 43] يقول: لا شيء يرد مجيئه إذا جاء الله به، وذلك 20P535 يوم القيامة {ما لكم من ملجأ يومئذ} [الشورى: 47] يقول جل ثناؤه: ما لكم أيها الناس من معقل تحترزون فيه، وتلجأون إليه، فتعتصمون به من النازل بكم من عذاب الله على كفركم به، كان في الدنيا {وما لكم من نكير} [الشورى: 47] يقول: ولا أنتم تقدرون لما يحل بكم من عقابه يومئذ على تغييره، ولا على انتصار منه إذا عاقبكم بما عاقبكم به وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ما لكم من ملجأ} [الشورى: 47] قال: " من محرز وقوله: {من نكير} [الشورى: 47] قال: «ناصر ينصركم» حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، {ما لكم من ملجأ يومئذ} [الشورى: 47] «تلجأون إليه» {وما لكم من نكير} [الشورى: 47] يقول: «من عز تعتزون» 20P535 [الشورى: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور} [الشورى: 48] يقول تعالى ذكره: فإن أعرض هؤلاء المشركون يا محمد عما أتيتهم به من الحق، ودعوتهم إليه من الرشد، فلم يستجيبوا لك، وأبوا قبوله منك، فدعهم، فإنا لن نرسلك إليهم رقيبا عليهم، تحفظ عليهم أعمالهم وتحصيها {إن عليك إلا البلاغ} [الشورى: 48] يقول: ما عليك يا محمد إلا أن تبلغهم ما أرسلناك به إليهم من الرسالة، فإذا بلغتهم ذلك، فقد قضيت ما عليك {وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها} [الشورى: 48] يقول تعالى ذكره: فإنا إذا أغنينا ابن آدم فأعطيناه من عندنا سعة، وذلك هو الرحمة التي ذكرها جل ثناؤه، فرح بها: يقول: سر بما أعطيناه من الغنى، ورزقناه من السعة وكثرة المال {وإن تصبهم سيئة} [النساء: 78] يقول: وإن أصابتهم فاقة وفقر وضيق عيش {بما قدمت أيديهم} [البقرة: 95] يقول: بما أسلفت من معصية الله عقوبة له على معصيته إياه، جحد نعمة الله، وأيس من الخير {فإن الإنسان كفور} [الشورى: 48] يقول تعالى ذكره: فإن الإنسان جحود نعم ربه، يعدد المصائب، ويجحد النعم وإنما قال: {وإن تصبهم سيئة} [النساء: 78] فأخرج الهاء والميم مخرج كناية جمع الذكور، وقد ذكر الإنسان قبل ذلك بمعنى الواحد، لأنه بمعنى الجمع 20P536
الإمام الطبري - جامع البيان عن تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري · AR
[الشورى: 49_50] القول في تأويل قوله تعالى: {لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير} [الشورى: 49_50] يقول تعالى ذكره: لله سلطان السماوات السبع والأرضين، يفعل في سلطانه ما يشاء، ويخلق ما يحب خلقه، يهب لمن يشاء من خلقه من الولد الإناث 20P537 دون الذكور، بأن يجعل كل ما حملت زوجته من حمل منه أنثى {ويهب لمن يشاء الذكور} [الشورى: 49] يقول: ويهب لمن يشاء منهم الذكور، بأن يجعل كل حمل حملته امرأته ذكرا لا أنثى فيهم حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا} [الشورى: 50] قال: " يخلط بينهم يقول: التزويج: أن تلد المرأة غلاما، ثم تلد جارية، ثم تلد غلاما، ثم تلد جارية " حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور} [الشورى: 49] " قادر والله ربنا على ذلك أن يهب للرجل ذكورا ليست معهم أنثى، وأن يهب للرجل ذكرانا وإناثا، فيجمعهم له جميعا، {ويجعل من يشاء عقيما} [الشورى: 50] «لا يولد له» حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قول الله عز وجل: {يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور} [الشورى: 49] «ليست معهم إناث» {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا} [الشورى: 50] قال: «يهب لهم إناثا وذكرانا» ، {ويجعل من يشاء 20P539 عقيما} [الشورى: 50] لا يولد له " حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ويجعل من يشاء عقيما} [الشورى: 50] يقول: «لا يلقح» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {ويجعل من يشاء عقيما} [الشورى: 50] «لا يلد واحدا ولا اثنين» حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد الله قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور} [الشورى: 49] «ليس فيهم أنثى» {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا} [الشورى: 50] «تلد المرأة ذكرا مرة وأنثى مرة» {ويجعل من يشاء عقيما} [الشورى: 50] «لا يولد له» وقال ابن زيد في معنى قوله: {أو يزوجهم} [الشورى: 50] ما: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: في قوله: {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا} [الشورى: 50] قال: «أو يجعل في الواحد ذكرا وأنثى توأما» ، هذا قوله: {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا} [الشورى: 50] وقوله: {إنه عليم قدير} [سورة: الشورى، آية رقم: 50] يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم بما يخلق، وقدرة على خلق ما يشاء، لا يعزب عنه علم شيء من خلقه، ولا يعجزه شيء 20P540 أراد خلقه 20P539
[الشورى: 51] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم} [الشورى: 51] يقول تعالى ذكره: وما ينبغي لبشر من بني آدم أن يكلمه ربه إلا وحيا يوحي الله إليه كيف شاء، أو إلهاما، وإما غيره {أو من وراء حجاب} [الشورى: 51] يقول: أو يكلمه بحيث يسمع كلامه ولا يراه، كما كلم موسى نبيه صلى الله عليه وسلم {أو يرسل رسولا} [الشورى: 51] يقول: أو يرسل الله من ملائكته رسولا، إما جبرائيل، وإما غيره {فيوحي بإذنه ما يشاء} [الشورى: 51] يقول: فيوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن ربه ما يشاء، يعني: ما يشاء ربه أن يوحيه إليه من أمر ونهي، وغير ذلك من الرسالة والوحي وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله عز وجل: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا} [الشورى: 51] «يوحي إليه» {أو من وراء حجاب} [الشورى: 51] «موسى كلمه الله من وراء حجاب» ، {أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} [الشورى: 51] قال: «جبرائيل يأتي بالوحي» واختلفت القراء في قراءة قوله: {أو يرسل رسولا فيوحي} [الشورى: 51] ، فقرأته عامة قراء الأمصار {فيوحي} [الشورى: 51] بنصب الياء عطفا على {يرسل} [الشورى: 51] ، ونصبوا {يرسل} [الشورى: 51] عطفا بها على موضع الوحي ومعناه، لأن معناه وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يرسل إليه رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء وقرأ ذلك نافع المدني (فيوحي) بإرسال الياء بمعنى الرفع عطفا به على (يرسل) ، وبرفع (يرسل) على الابتداء وقوله: {إنه علي حكيم} [الشورى: 51] يقول تعالى ذكره إنه يعني نفسه جل ثناؤه: ذو علو على كل شيء وارتفاع عليه، واقتدار {حكيم} [البقرة: 209] : يقول: ذو حكمة في تدبيره خلقه 20P541
[الشورى: 52_53] القول في تأويل قوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} [الشورى: 52_53] يعني تعالى ذكره بقوله: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52] وكما كنا نوحي في سائر رسلنا، كذلك أوحينا إليك يا محمد هذا القرآن، روحا من أمرنا: يقول: وحيا ورحمة من أمرنا واختلف أهل التأويل في معنى الروح في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى به الرحمة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: {روحا من أمرنا} [الشورى: 52] قال: «رحمة من أمرنا» وقال آخرون: معناه: وحيا من أمرنا ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52] قال: «وحيا من أمرنا» وقد بينا معنى الروح فيما مضى بذكر اختلاف أهل التأويل فيها بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وقوله: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} [الشورى: 52] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ما كنت تدري يا محمد أي شيء الكتاب ولا الإيمان اللذين أعطيناكهما {ولكن جعلناه نورا} [الشورى: 52] يقول: ولكن جعلنا هذا القرآن، وهو الكتاب نورا، يعني ضياء للناس، يستضيئون بضوئه الذي بين الله فيه، وهو بيانه الذي بين فيه، مما لهم فيه في العمل به الرشاد، ومن النار النجاة {نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى: 52] يقول: نهدي بهذا القرآن، فالهاء في قوله «به» من ذكر الكتاب ويعني بقوله: {نهدي به من نشاء} [الشورى: 52] نسدد إلى سبيل الصواب، وذلك الإيمان بالله {من نشاء من عبادنا} [الشورى: 52] يقول: نهدي به من نشاء هدايته إلى الطريق المستقيم من عبادنا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} [الشورى: 52] «يعني محمدا صلى الله عليه وسلم» {ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى: 52] «يعني بالقرآن» وقال جل ثناؤه {ولكن جعلناه} [الشورى: 52] فوحد الهاء، وقد ذكر قبل الكتاب والإيمان، لأنه قصد به الخبر عن الكتاب وقال بعضهم: عنى به الإيمان والكتاب، ولكن وحد الهاء، لأن أسماء الأفعال يجمع جميعها الفعل، كما يقال: إقبالك وإدبارك يعجبني، فيوحدهما وهما اثنان وقوله: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى: 52] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإنك يا محمد لتهدي إلى صراط مستقيم عبادنا، بالدعاء إلى الله، والبيان لهم كما: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى: 52] قال تبارك وتعالى {ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] «داع يدعوهم إلى الله عز وجل» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى: 52] قال: «لكل قوم هاد» حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى: 52] يقول: «تدعو إلى دين مستقيم» {صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض} يقول جل ثناؤه: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، وهو الإسلام، طريق الله الذي دعا إليه عباده، الذي لهم ملك جميع ما في السموات وما في الأرض، لا شريك له في ذلك والصراط الثاني: ترجمة عن الصراط الأول وقوله جل ثناؤه: {ألا إلى الله تصير الأمور} [الشورى: 53] يقول جل ثناؤه: ألا إلى الله أيها الناس تصير أموركم في الآخرة، فيقضي بينكم بالعدل. فإن قال قائل: أوليست أمورهم في الدنيا إليه؟
قيل: هي وإن كان إليه تدبير جميع ذلك، فإن لهم حكاما وولاة ينظرون بينهم، وليس لهم يوم القيامة حاكم ولا سلطان غيره، فلذلك قيل: إليه تصير الأمور هنالك، وإن كانت الأمور كلها إليه وبيده قضاؤها وتدبيرها في كل حال
[043] سورة الزخرف مكية وآياتها تسع وثمانون بسم الله الرحمن الرحيم 20P545 [الزخرف: 1_2_3] القول في تأويل قوله تعالى: {حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} [الزخرف: 1_2_3] قد بينا فيما مضى قوله {حم} [غافر: 1] بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وقوله: {والكتاب المبين} [الزخرف: 2] قسم من الله تعالى أقسم بهذا الكتاب الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {والكتاب المبين} [الزخرف: 2] لمن تدبره وفكر في عبره، وعظاته، هداه ، ورشده، وأدلته على حقيته، وأنه تنزيل من حكيم حميد، لا اختلاق من محمد صلى الله عليه وسلم ولا افتراء من أحد {إنا جعلناه قرآنا عربيا} [الزخرف: 3] يقول: إنا أنزلناه قرآنا عربيا بلسان العرب، إذ كنتم أيها المنذرون به من رهط محمد صلى الله عليه وسلم عربا {لعلكم تعقلون} [البقرة: 73] يقول: لتعقلوا معانيه وما فيه من مواعظ، ولم ينزله بلسان العجم، فيجعله أعجميا، فتقولوا: نحن عرب، وهذا كلام أعجمي لا نفقه معانيه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، {حم والكتاب المبين} [الزخرف: 2] «هو هذا الكتاب المبين» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {حم والكتاب المبين} [الزخرف: 2] «مبين والله بركته، وهداه ورشده» 20P546 [الزخرف: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} [الزخرف: 4] يقول تعالى ذكره: وإن هذا الكتاب أصل الكتاب الذي منه نسخ هذا الكتاب عندنا {لعلي} [يوسف: 46] : يقول: لذو علو ورفعة، {حكيم} [البقرة: 209] : قد أحكمت آياته، ثم فصلت فهو ذو حكمة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، عن القاسم بن أبي بزة قال: ثنا عروة بن عامر، أنه سمع ابن عباس، يقول: «أول ما خلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق» قال: «والكتاب عنده» قال: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} [الزخرف: 4] " حدثني أبو السائب قال: ثنا ابن إدريس قال: سمعت أبي، عن عطية بن سعد، في قول الله تبارك وتعالى: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} [الزخرف: 4] «يعني القرآن في أم الكتاب الذي عند الله منه نسخ» حدثني أبو السائب قال: ثنا ابن إدريس قال: سمعت مالكا، يروي عن عمران، عن عكرمة، {وإنه في أم الكتاب لدينا} [الزخرف: 4] قال: «أم الكتاب القرآن» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وإنه في أم الكتاب لدينا} [الزخرف: 4] قال: " أم الكتاب: أصل الكتاب وجملته " حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وإنه في أم الكتاب} [الزخرف: 4] «أي جملة الكتاب أي أصل الكتاب» حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وإنه في أم الكتاب} [الزخرف: 4] يقول: «في الكتاب الذي عند الله في الأصل» وقوله: {لدينا لعلي حكيم} [الزخرف: 4] وقد ذكرنا معناه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {لدينا لعلي حكيم} [الزخرف: 4] «يخبر عن منزلته وفضله وشرفه» 20P547
[الزخرف: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين} [الزخرف: 5] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: أفنضرب عنكم ونترككم أيها المشركون فيما تحسبون، فلا نذكركم بعقابنا من أجل أنكم قوم مشركون ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا} [الزخرف: 5] قال: «تكذبون بالقرآن ثم لا تعاقبون عليه» حدثني محمد بن عمارة قال: ثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قوله: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا} [الزخرف: 5] قال: «بالعذاب» حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، {أفنضرب عنكم الذكر صفحا} [الزخرف: 5] قال: «أفنضرب عنكم العذاب» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين} [الزخرف: 5] يقول: «أحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا ما أمرتم به» وقال آخرون: بل معنى ذلك: أفنترك تذكيركم بهذا القرآن، ولا نذكركم به، لأن كنتم قوما مسرفين ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين } [الزخرف: 5] «أي مشركين، والله لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، فدعاهم إليه عشرين سنة، أو ما شاء الله من ذلك» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا} [الزخرف: 5] قال: «لو أن هذه الأمة لم يؤمنوا لضرب عنهم الذكر صفحا» قال: «الذكر ما أنزل عليهم مما أمرهم الله 20P550 به ونهاهم، صفحا لا يذكر لكم منه شيئا» وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله: أفنضرب عنكم العذاب فنترككم ونعرض عنكم، لأن كنتم قوما مسرفين لا تؤمنون بربكم وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تبارك وتعالى أتبع ذلك خبره عن الأمم السالفة قبل الأمم التي توعدها بهذه الآية في تكذيبها رسلها، وما أحل بها من نقمته، ففي ذلك دليل على أن قوله: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا} [الزخرف: 5] وعيد منه للمخاطبين به من أهل الشرك، إذ سلكوا في التكذيب بما جاءهم عن الله رسولهم مسلك الماضين قبلهم واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والكوفة: (إن كنتم) بكسر الألف من «إن» بمعنى: أفنضرب عنكم الذكر صفحا إذ كنتم قوما مسرفين وقرأه بعض قراء أهل مكة والكوفة وعامة قراء البصرة: {" أن} [البقرة: 25] «بفتح الألف من» أن "، بمعنى: لأن كنتم واختلف أهل العربية في وجه فتح الألف من أن في هذا الموضع، فقال بعض نحويي البصرة: فتحت لأن معنى الكلام: لأن كنتم وقال بعض نحويي الكوفة: من فتحها فكأنه أراد شيئا ماضيا، فقال: وأنت 20P551 تقول في الكلام: أتيت أن حرمتني، تريد: إذ حرمتني، ويكسر إذا أردت: أتيت إن تحرمني ومثله: {لا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم} [المائدة: 2] و (إن صدوكم) بكسر وبفتح.
{فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} [الكهف: 6] قال: والعرب تنشد قول الفرزدق: أتجزع أن أذنا قتيبة حزتا جهارا ولم تجزع لقتل ابن حازم قال: وينشد: أتجزع أن بان الخليط المودع وحبل الصفا من عزة المتقطع قال : وفي كل واحد من البيتين ما في صاحبه من الكسر والفتح والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الكسر والفتح في الألف في هذا الموضع قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وذلك أن العرب إذا تقدم «أن» وهي بمعنى الجزاء فعل مستقبل كسروا ألفها أحيانا، فمحضوا لها الجزاء، فقالوا: أقوم إن قمت، وفتحوها أحيانا، وهم ينوون ذلك المعنى، فقالوا: أقوم أن قمت، بتأويل لأن قمت، فإذا كان الذي تقدمها من الفعل ماضيا لم يتكلموا إلا بفتح الألف من «أن» فقالوا: قمت أن قمت، وبذلك جاء التنزيل، وتتابع شعر الشعراء 20P549
[الزخرف: 6_7] القول في تأويل قوله تعالى: {وكم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون} [الزخرف: 6_7] يقول تعالى ذكره: {وكم أرسلنا من نبي} [الزخرف: 6] يا محمد في القرون الأولين الذين مضوا قبل قرنك الذي بعثت فيه كما أرسلناك في قومك من قريش {وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون} يقول: وما كان يأتي قرنا من أولئك القرون وأمة من أولئك الأمم الأولين لنا من نبي يدعوهم إلى الهدى وطريق الحق، إلا كان الذين يأتيهم ذلك من تلك الأمم نبيهم الذي أرسله إليهم يستهزئون سخرية منهم بهم كاستهزاء قومك بك يا محمد يقول: فلا يعظمن عليك ما يفعل بك قومك، ولا يشقن عليك، فإنهم إنما سلكوا في استهزائهم بك مسلك أسلافهم، ومنهاج أئمتهم الماضين من أهل الكفر بالله 20P552 [الزخرف: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين} [الزخرف: 8] يقول تعالى ذكره: فأهلكنا أشد من هؤلاء المستهزئين بأنبيائهم بطشا إذا بطشوا فلم يعجزونا بقواهم وشدة بطشهم، ولم يقدروا على الامتناع من بأسنا إذ أتاهم، فالذين هم أضعف منهم قوة أحرى أن لا يقدروا على الامتناع من نقمنا إذا حلت بهم {ومضى مثل الأولين} [الزخرف: 8] يقول جل ثناؤه: ومضى لهؤلاء المشركين 20P553 المستهزئين بك ولمن قبلهم من ضربائهم مثلنا لهم في أمثالهم من مكذبي رسلنا الذين أهلكناهم، يقول: فليتوقع هؤلاء الذين يستهزئون بك يا محمد من عقوبتنا مثل الذي أحللناه بأولئك الذين أقاموا على تكذيبك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ومضى مثل الأولين} [الزخرف: 8] قال: «عقوبة الأولين» حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {مثل الأولين} [الزخرف: 8] قال: «سنتهم» 20P553 [الزخرف: 9_10] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون} [الزخرف: 9_10] يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك: من 20P554 خلق السماوات السبع والأرضين، فأحدثهن وأنشأهن؟ ليقولن: خلقهن العزيز في سلطانه وانتقامه من أعدائه، العليم بهن وما فيهن من الأشياء، لا يخفى عليه شيء {الذي جعل لكم الأرض مهدا} [طه: 53] يقول: الذي مهد لكم الأرض، فجعلها لكم وطاء توطئونها بأقدامكم، وتمشون عليها بأرجلكم {وجعل لكم فيها سبلا} [الزخرف: 10] يقول: وسهل لكم فيها طرقا تتطرقونها من بلدة إلى بلدة، لمعايشكم ومتاجركم كما: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وجعل لكم فيها سبلا} [الزخرف: 10] «أي طرقا» حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، {الذي جعل لكم الأرض مهدا} [طه: 53] قال: «بساطا» {وجعل لكم فيها سبلا} [الزخرف: 10] قال: «الطرق» {لعلكم تهتدون} [الزخرف: 10] يقول: لكي تهتدوا بتلك السبل إلى حيث أردتم من البلدان والقرى والأمصار، لولا ذلك لم تطيقوا براح أفنيتكم ودوركم، ولكنها نعمة أنعم بها عليكم 20P554
[الزخرف: 11_12] القول في تأويل قوله تعالى: {والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} [الزخرف: 11_12] يقول تعالى ذكره: {والذي نزل من السماء ماء بقدر} [الزخرف: 11] يعني: ما نزل جل ثناؤه من الأمطار من السماء بقدر: يقول: بمقدار حاجتكم إليه، فلم يجعله كالطوفان ، فيكون عذابا كالذي أنزل على قوم نوح، ولا جعله قليلا لا ينبت به النبات والزرع من قلته، ولكن جعله غيثا، وحيا للأرض الميتة محييا {فأنشرنا به بلدة ميتا} [الزخرف: 11] يقول جل ثناؤه: فأحيينا به بلدة من بلادكم ميتا، يعني مجدبة لا نبات بها ولا زرع، قد درست من الجدوب، وتعفنت من القحوط {كذلك تخرجون} [الزخرف: 11] يقول تعالى ذكره: كما أخرجنا بهذا الماء الذي نزلناه من السماء من هذه البلدة الميتة بعد جدوبها وقحوطها النبات والزرع، كذلك أيها الناس تخرجون من بعد فنائكم ومصيركم في الأرض رفاتا بالماء الذي أنزله إليها لإحيائكم من بعد مماتكم منها أحياء كهيئتكم التي بها قبل مماتكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {والذي نزل من السماء ماء بقدر} [الزخرف: 11] الآية، «كما أحيا الله هذه الأرض الميتة بهذا الماء كذلك تبعثون يوم القيامة» وقيل: أنشرنا به، لأن معناه: أحيينا به، ولو وصفت الأرض بأنها أحييت، قيل: نشرت الأرض، كما قال الأعشى: 20P556 حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبا للميت الناشر وقوله: {والذي خلق الأزواج كلها} [الزخرف: 12] يقول تعالى ذكره: والذي خلق كل شيء فزوجه، أي خلق الذكور من الإناث أزواجا، والإناث من الذكور أزواجا {وجعل لكم من الفلك} [الزخرف: 12] وهي السفن {والأنعام} [آل عمران: 14] وهي البهائم {ما تركبون} [الزخرف: 12] يقول: جعل لكم من السفن ما تركبونه في البحار إلى حيث قصدتم واعتمدتم في سيركم فيها لمعايشكم ومطالبكم، ومن الأنعام ما تركبونه في البر إلى حيث أردتم من البلدان، كالإبل والخيل والبغال والحمير 20P556