قوله: {مالك يوم الدين} قرأ عاصم والكسائي ويعقوب {مالك} وقرأ الآخرون {ملك} قال قوم: معناهما واحد مثل فرهين وفارهين، وحذرين وحاذرين ومعناهما الرب يقال رب الدار ومالكها. وقيل المالك والملك هو القادر على اختراع الأعيان من العدم إلى الوجود ولا يقدر عليه أحد غير الله. قال أبو عبيدة: مالك أجمع وأوسع لأنه يقال مالك العبد والطير والدواب ولا يقال ملك هذه الأشياء. ولأنه لا يكون مالكا لشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون ملك الشيء ولا يملكه. وقال قوم: ملك أولى لأن كل ملك ملك وليس كل مالك ملكا ولأنه أوفق لسائر القرآن مثل قوله تعالى: "فتعالى الله الملك الحق" (114-طه) "الملك القدوس" (23-الحشر) قال مجاهد: الدين الحساب، قال الله تعالى: "ذلك الدين القيم" (36-التوبة) أي الحساب المستقيم و"ملك الناس" (سورة الناس) قال ابن عباس ومقاتل والسدي: ملك يوم الدين قاضي يوم الحساب وقال قتادة: الدين الجزاء. ويقع على الجزاء في الخير والشر جميعا يقال: كما تدين تدان. قال محمد بن كعب القرظي: ملك يوم لا ينفع فيه إلا الدين، وقال يمان بن (رباب) الدين القهر. يقال دنته فدان أي قهرته فذل. وقيل: الدين الطاعة أي يوم الطاعة. وإنما خص يوم الدين بالذكر مع كونه مالكا للأيام كلها لأن الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا أمر إلا له، قال الله تعالى: "الملك يومئذ الحق للرحمن" (26-الفرقان) وقال: "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار" (16-غافر) وقال: "والأمر يومئذ لله" (19-الانفطار) وقرأ أبو عمرو: {الرحيم ملك} بإدغام الميم في الميم وكذلك يدغم كل حرفين من جنس واحد أو مخرج واحد أو قريبي المخرج سواء كان الحرف ساكنا أو متحركا إلا أن يكون الحرف الأول مشددا أو منونا أو منقوصا أو مفتوحا أو تاء الخطاب قبله ساكن من غير المثلين فإنه لا يدغمهما، وإدغام المتحرك يكون في الإدغام الكبير وافقه حمزة في إدغام المتحرك في قوله "بيت طائفة" (81-النساء) "والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا" (1-3 الصافات) "والذاريات ذروا" (1-الذاريات) أدغم التاء فيما بعدها من الحروف، وافقه الكسائي وحمزة في إدغام الصغير، وهو إدغام الساكن في المتحرك إلا في الراء عند اللام والدال عند الجيم وكذلك لا يدغم حمزة -وبرواية خلاد وخلف-الدال عند السين والصاد والزاي، ولا إدغام لسائر القراء إلا في أحرف معدودة. قوله {إياك نعبد} "إيا" كلمة ضمير خصت بالإضافة إلى المضمر ويستعمل مقدما على الفعل فيقال: إياك أعني، وإياك أسأل ولا يستعمل مؤخرا إلا منفصلا. فيقال: ما عنيت إلا إياك. قوله {نعبد} أي نوحدك ونطيعك خاضعين، والعبادة الطاعة مع التذلل والخضوع وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده يقال: طريق معبد أي مذلل. {وإياك نستعين} نطلب منك المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا فإن قيل: لم قدم ذكر العبادة على الاستعانة والاستعانة تكون قبل العبادة؟ فلهذا يلزم من يجعل الاستطاعة قبل الفعل. ونحن بحمد الله نجعل التوفيق (والاستعانة) مع الفعل، فلا فرق بين التقديم والتأخير ويقال: الاستعانة نوع تعبد فكأنه ذكر جملة العبادة أولا ثم ذكر ما هو من تفاصيلها. قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} اهدنا أرشدنا وقال علي وأبي بن كعب: ثبتنا كما يقال للقائم قم حتى أعود إليك أي دم على ما أنت عليه. وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية بمعنى التثبيت وبمعنى طلب مزيد الهداية لأن الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى على مذهب أهل السنة "الصراط" وسراط بالسين رواه أويس عن يعقوب وهو الأصل، سمي سراطا لأنه يسرط السابلة، ويقرأ بالزاي، وقرأ حمزة بإشمام الزاي، وكلها لغات صحيحة، والاختيار: الصاد، عند أكثر القراء لموافقة المصحف.
Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ) · AR
والصراط المستقيم قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهما: هو الإسلام وهو قول مقاتل. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: هو القرآن 5/أوروي عن علي رضي الله عنه مرفوعا "الصراط المستقيم كتاب الله" وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: طريق الجنة. وقال سهل بن عبد الله: طريق السنة والجماعة. وقال بكر بن عبد الله المزني: طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. [وقال أبو العالية والحسن: رسول الله وآله وصاحباه] وأصله في اللغة الطريق الواضح. قوله {صراط الذين أنعمت عليهم} أي مننت عليهم بالهداية والتوفيق قال عكرمة: مننت عليهم بالثبات على الإيمان والاستقامة وهم الأنبياء عليهم السلام، وقيل: هم كل من ثبته الله على الإيمان من النبيين والمؤمنين الذين ذكرهم الله تعالى في قوله "فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين" (69-النساء) الآية وقال ابن عباس: هم قوم موسى وعيسى عليهما السلام قبل أن غيروا دينهم. وقال عبد الرحمن ابن زيد: هم النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه. وقال أبو العالية: هم آل الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وأهل بيته وقال شهر بن حوشب: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته. قرأ حمزة: عليهم ولديهم وإليهم بضم هاءاتها، ويضم يعقوب كل هاء قبلها ياء ساكنة تثنية وجمعا إلا قوله "بين أيديهن وأرجلهن" (12-الممتحنة) وقرأ الآخرون بكسرهما، فمن ضم الهاء ردها إلى الأصل لأنها مضمومة عند الانفراد ومن (كسرها) فلأجل الياء الساكنة والكسرة أخت الياء وضم ابن كثير وأبو جعفر كل ميم جمع مشبعا في الوصل إذا لم يلقها ساكن فإن لقيها ساكن فلا يشبع، ونافع يخير، ويضم ورش عند ألف القطع، فإذا تلقته ألف وصل -وقبل الهاء كسر أو ياء ساكنة-ضم الهاء والميم حمزة والكسائي وكسرهما أبو عمرو وكذلك يعقوب إذا انكسر ما قبله والآخرون يقرءون بضم الميم وكسر الهاء في الكل لأجل الياء أو لكسر ما قبلها وضم الميم على الأصل. قوله تعالى {غير المغضوب عليهم} يعني صراط الذين غضبت عليهم، والغضب هو إرادة الانتقام من العصاة، وغضب الله تعالى لا يلحق عصاة المؤمنين إنما يلحق الكافرين. {ولا الضالين} أي وغير الضالين عن الهدى. وأصل الضلال الهلاك والغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن إذا هلك وغاب. وغير هاهنا بمعنى لا ولا بمعنى غير ولذلك جاز العطف كما يقال: فلان غير محسن ولا مجمل. فإذا كان غير بمعنى سوى فلا يجوز العطف عليها بلا ولا يجوز في الكلام: عندي سوى عبد الله ولا زيد. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين. وقيل: المغضوب عليهم هم اليهود والضالون: هم النصارى لأن الله تعالى حكم على اليهود بالغضب فقال: "من لعنه الله وغضب عليه" (60-المائدة) وحكم على النصارى بالضلال فقال "ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل" (77-المائدة) وقال سهل بن عبد الله: غير المغضوب {عليهم} بالبدعة، ولا الضالين عن السنة. والسنة للقارئ أن يقول بعد فراغه من قراءة الفاتحة "آمين" بسكتة مفصولة عن الفاتحة وهو مخفف ويجوز (عند النحويين) ممدودا ومقصورا ومعناه: اللهم اسمع واستجب. وقال ابن عباس وقتادة: معناه كذلك يكون. وقال مجاهد هو اسم من أسماء الله تعالى. وقيل: هو طابع الدعاء. وقيل هو خاتم الله على عباده يدفع به الآفات عنهم كخاتم الكتاب يمنعه من الفساد وظهور ما فيه. أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي وأبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي قالا أنا أبو بكر أحمد بن حسن الحيري أنا أبو علي محمد بن أحمد بن محمد بن معقل الميداني ثنا محمد بن يحيى ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قال الإمام -غير المغضوب عليهم ولا الضالين-فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين وإن الإمام يقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" صحيح. فصل في فضل (الفاتحة)
أنا أبو الحسين أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الكيالي أنا أبو نصر محمد بن علي بن الفضل الخزاعي أنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري ثنا محمد بن عبد الوهاب ثنا خالد مخلد القطواني حدثني محمد بن جعفر بن أبي كثير هو أخو إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال "مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بن كعب وهو قائم يصلي فصاح به فقال: تعالى يا أبي فعجل أبي في صلاته، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك؟ أليس الله يقول: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم" (24-الأنفال) قال أبي: لا جرم يا رسول الله لا تدعوني إلا أجبتك وإن كنت مصليا. قال: أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور (ولا في القرآن) مثلها؟ فقال أبي: نعم يا رسول الله فقال: لا تخرج من باب المسجد حتى تعلمها والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي يريد أن يخرج من المسجد فلما بلغ الباب ليخرج قال له أبي: السورة يا رسول الله. فوقف فقال: نعم كيف تقرأ في صلاتك؟ فقرأ أبي أم القرآن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها وإنها لهي السبع المثاني (التي) آتاني الله عز وجل" هذا حديث حسن صحيح. أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي أنا الحاكم أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي أنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ثنا يحيى بن آدم ثنا أبو الأحوص عن عمار بن رزيق عن عبد الله بن عيسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده جبريل إذ سمع نقيضا من فوقه فرفع جبريل عليه السلام بصره إلى السماء فقال: هذا باب فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك. فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ولن تقرأ حرفا منهما إلا أعطيته" صحيح [أخرجه مسلم عن الحسن بن ربيع عن أبي الأحوص] أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرازي ثنا زاهر بن أحمد السرخسي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام" قال: قلت يا أبا هريرة إني أحيانا أكون وراء الإمام فغمز ذراعي وقال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اقرءوا يقول العبد "الحمد لله رب العالمين" 5/ب يقول الله حمدني عبدي، ويقول العبد "الرحمن الرحيم" يقول الله أثنى علي عبدي، يقول العبد "مالك يوم الدين" يقول الله مجدني عبدي، يقول العبد "إياك نعبد وإياك نستعين" يقول الله تعالى: هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد "اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" يقول الله فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل" صحيح [أخرجه مسلم عن قتيبة عن مالك] سورة البقرة مدنية وهي مائتان وثمانون وسبع آيات {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون }
بسم الله الرحمن الرحيم {الم} قال الشعبي وجماعة: الم وسائر حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه وهي سر القرآن. فنحن نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله تعالى. وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها. قال أبو بكر الصديق: في كل كتاب سر وسر الله تعالى في القرآن أوائل السور، وقال علي: لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف (التهجي) وقال داود بن أبي هند: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور فقال: يا داود إن لكل كتاب سرا وإن سر القرآن فواتح السور فدعها وسل عما سوى ذلك. وقال جماعة هي معلومة المعاني فقيل: كل حرف منها مفتاح اسم من أسمائه كما قال ابن عباس في كهيعص: الكاف من كافي والهاء من هادي والياء من حكيم والعين من عليم والصاد من صادق. وقيل في المص أنا الله الملك الصادق، وقال الربيع بن أنس في الم: الألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه اللطيف، والميم مفتاح اسمه المجيد. وقال محمد بن كعب: الألف آلاء الله واللام لطفه، والميم ملكه، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال معنى الم: أنا الله أعلم: ومعنى المص: أنا الله أعلم وأفضل ومعنى الر: أنا الله أرى، ومعنى المر: أنا الله أعلم وأرى. قال الزجاج: وهذا حسن فإن العرب تذكر حرفا من كلمة تريدها كقولهم: قلت لها: قفي لنا قالت: قاف أي: وقفت، وعن سعيد بن جبير قال هي أسماء الله تعالى (مقطعة) لو علم الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم. ألا ترى أنك تقول الر، وحم، ون، فتكون الرحمن، وكذلك سائرها إلا أنا لا نقدر على وصلها، وقال قتادة: هذه الحروف أسماء القرآن. وقال مجاهد وابن زيد: هي أسماء (السور) وبيانه: أن القائل إذا قال: قرأت المص عرف السامع أنه قرأ السورة التي افتتحت بالمص. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها أقسام، وقال الأخفش: إنما أقسم الله بهذه الحروف لشرفها وفضلها لأنها (مبادئ) كتبه المنزلة، ومباني أسمائه الحسنى . قوله تعالى: {ذلك الكتاب} أي هذا الكتاب وهو القرآن، وقيل: هذا فيه مضمر أي هذا ذلك الكتاب. قال الفراء: كان الله قد وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، فلما أنزل القرآن قال هذا {ذلك} الكتاب الذي وعدتك أن أنزله عليك في التوراة والإنجيل وعلى لسان النبيين من قبلك "وهذا" للتقريب "وذلك" للتبعيد، وقال ابن كيسان: إن الله تعالى أنزل قبل سورة البقرة سورا كذب بها المشركون ثم أنزل سورة البقرة فقال {ذلك الكتاب} يعني ما تقدم البقرة من السور لا شك فيه. والكتاب مصدر وهو بمعنى المكتوب كما يقال للمخلوق خلق، وهذا الدرهم ضرب فلان أي مضروبه. وأصل الكتب: الضم والجمع، ويقال للجند: كتيبة لاجتماعها، وسمي الكتاب كتابا لأنه جمع حرف إلى حرف. قوله تعالى: {لا ريب فيه} أي لا شك فيه أنه من عند الله عز وجل وأنه الحق والصدق، وقيل هو خبر بمعنى النهي أي لا ترتابوا فيه كقوله تعالى "فلا رفث ولا فسوق" (197-البقرة) أي لا ترفثوا ولا تفسقوا. قرأ ابن كثير: فيه بالإشباع في الوصل وكذلك كل هاء كناية قبلها ساكن يشبعها وصلا ما لم يلقها ساكن ثم إن كان الساكن قبل الهاء ياء يشبعها بالكسرة ياء وإن كان غير ياء يشبعها بالضم واوا ووافقه حفص في قوله "فيه مهانا" (69-الفرقان) (فيشبعه) . قوله تعالى: {هدى للمتقين} يدغم الغنة عند اللام والراء أبو جعفر وابن كثير وحمزة والكسائي، زاد
حمزة والكسائي عند الياء وزاد حمزة عند الواو والآخرون لا يدغمونها ويخفي أبو جعفر النون والتنوين عند الخاء والغين {هدى للمتقين} أي هو هدى أي رشد وبيان لأهل التقوى، وقيل هو نصب على الحال أي هاديا تقديره لا ريب في هدايته للمتقين والهدى ما يهتدي به الإنسان، للمتقين أي للمؤمنين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: المتقي من يتقي الشرك والكبائر والفواحش وهو مأخوذ من الاتقاء. وأصله الحجز بين الشيئين ومنه يقال اتقى بترسه أي جعله حاجزا بين نفسه وبين ما يقصده. وفي الحديث: "كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم" أي إذا اشتد الحرب جعلناه حاجزا بيننا وبين العدو، فكأن المتقي يجعل امتثال أمر الله والاجتناب عما نهاه حاجزا بينه وبين العذاب. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لكعب الأحبار حدثني عن التقوى فقال: هل أخذت طريقا ذا شوك قال: نعم. قال فما عملت فيه قال: حذرت وشمرت: قال كعب: ذلك التقوى. وقال شهر بن حوشب: المتقي الذي يترك ما لا بأس به حذرا لما به بأس وقال عمر بن عبد العزيز: التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فما رزق الله بعد ذلك فهو خير إلى خير. وقيل هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وفي الحديث: "جماع التقوى في قوله تعالى "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" (90-النحل) الآية. وقال ابن عمر: التقوى أن لا ترى نفسك خيرا من أحد. وتخصيص المتقين بالذكر تشريف لهم أو لأنهم هم المتقون بالهدى. قوله تعالى: {الذين يؤمنون} موضع الذين خفض نعتا للمتقين. يؤمنون: يصدقون [ويترك الهمزة أبو عمرو وورش والآخرون يهمزونه وكذلك يتركان كل همزة ساكنة هي فاء الفعل نحو يؤمن ومؤمن إلا أحرفا معدودة] . وحقيقة الإيمان التصديق بالقلب، قال الله تعالى "وما أنت بمؤمن لنا" (17-يوسف) [أي بمصدق لنا] وهو في الشريعة: الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان، فسمي الإقرار والعمل إيمانا؛ لوجه من المناسبة، لأنه من شرائعه. والإسلام: هو الخضوع والانقياد، فكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا، إذا لم يكن معه تصديق، قال الله تعالى "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا" (14-الحجرات) وذلك لأن الرجل قد يكون مستسلما في الظاهر غير مصدق في الباطن. وقد يكون مصدقا في الباطن غير منقاد في الظاهر. وقد اختلف جواب النبي صلى الله عليه وسلم عنهما حين سأله جبريل عليه السلام وهو ما أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن بويه الزراد البخاري: أنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي ثنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي ثنا أبو أحمد عيسى 6/أبن أحمد العسقلاني أنا يزيد بن هارون أنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر، يعني بالبصرة، معبدا الجهني فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن نريد مكة فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقوله هؤلاء فلقينا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فعلمت أنه سيكل الكلام إلي فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يتفقرون هذا العلم ويطلبونه يزعمون أن لا قدر إنما الأمر أنف قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء وإنهم مني برآء والذي نفسي بيده لو أن (لأحدهم) مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ما قبل الله منه شيئا حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ثم قال:
حدثنا عمر بن الخطاب قال: "بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ما يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم [وركبته تمس ركبته] فقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا فقال: صدقت فتعجبنا من سؤاله وتصديقه. ثم قال: فما الإيمان قال: أن تؤمن بالله وحده وملائكته وكتبه ورسوله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار وبالقدر خيره وشره فقال: صدقت. ثم قال: فما الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك قال: صدقت ثم قال: فأخبرني عن الساعة فقال ما المسئول عنها بأعلم بها من السائل قال: صدقت قال: فأخبرني عن أماراتها قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في بنيان المدر قال: صدقت ثم انطلق فلما كان بعد ثالثة قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر هل تدري من الرجل؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ذلك جبرئيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا في صورته هذه" فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الإسلام في هذا الحديث اسما لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولذلك قال ذاك جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم. والدليل على أن الأعمال من الإيمان ما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن علي بن الشاه ثنا أبو أحمد بن محمد بن قريش بن سليمان ثنا بشر بن موسى ثنا خلف بن الوليد عن جرير الرازي عن سهل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" . وقيل: الإيمان مأخوذ من الأمان، فسمي المؤمن مؤمنا لأنه يؤمن نفسه من عذاب الله، والله تعالى مؤمن لأنه يؤمن العباد من عذابه . قوله تعالى "بالغيب": والغيب مصدر وضع موضع الاسم فقيل للغائب غيب [كما قيل للعادل عدل وللزائر زور. والغيب ما كان مغيبا عن العيون قال ابن عباس: الغيب هاهنا كل ما أمرت بالإيمان به فيما غاب عن بصرك مثل الملائكة والبعث والجنة والنار والصراط والميزان. وقيل الغيب هاهنا: هو الله تعالى، وقيل: القرآن، وقال الحسن: بالآخرة وقال زر بن حبيش وابن جريج: بالوحي. نظيره: {أعنده علم الغيب} (35-النجم) وقال ابن كيسان: بالقدر وقال عبد الرحمن بن يزيد: كنا عند عبد الله بن مسعود فذكرنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم [وما سبقونا به] فقال عبد الله: إن أمر محمد كان بينا لمن رآه والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ "الم ذلك الكتاب" إلى قوله "المفلحون". قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وورش يؤمنون بترك الهمزة وكذلك أبو جعفر بترك كل همزة ساكنة إلا في أنبئهم ونبئهم ونبئنا ويترك أبو عمرو كلها إلا أن تكون علامة للجزم نحو نبئهم وأنبئهم وتسؤهم وإن نشأ وننسأها ونحوها أو يكون خروجا من لغة إلى أخرى نحو مؤصدة ورئيا. ويترك ورش كل همزة ساكنة كانت فاء الفعل إلا تؤوي وتؤويه ولا يترك من عين الفعل: إلا الرؤيا وبابه، إلا ما كان على وزن فعل. مثل: ذئب] قوله تعالى: {ويقيمون الصلاة} أي يديمونها ويحافظون عليها في مواقيتها بحدودها، وأركانها وهيئاتها
يقال: قام بالأمر، وأقام الأمر إذا أتى به معطى حقوقه، والمراد بها الصلوات الخمس ذكر بلفظ (الوحدان) كقوله تعالى: "فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق" (213-البقرة) يعني الكتب. والصلاة في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: "وصل عليهم" (103-التوبة) أي ادع لهم، وفي الشريعة اسم لأفعال مخصوصة من قيام وركوع وسجود وقعود ودعاء وثناء. وقيل في قوله تعالى "إن الله وملائكته يصلون على النبي" (56-الأحزاب) الآية إن الصلاة من الله في هذه الآية الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاء. قوله تعالى: {ومما رزقناهم} (أي) أعطيناهم والرزق اسم لكل ما ينتفع به حتى الولد والعبد وأصله في اللغة الحظ والنصيب {ينفقون} يتصدقون. قال قتادة: ينفقون في سبيل الله وطاعته. وأصل الإنفاق: الإخراج عن اليد والملك، ومنه نفاق السوق؛ لأنه تخرج فيه السلعة عن اليد، ومنه: نفقت الدابة إذا خرجت روحها. فهذه الآية في المؤمنين من مشركي العرب. قوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} يعني القرآن {وما أنزل من قبلك} التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ويترك أبو جعفر وابن كثير وقالون (وأبو عمرو) وأهل البصرة ويعقوب كل مدة تقع بين كل كلمتين. والآخرون يمدونها. وهذه الآية في المؤمنين من أهل الكتاب. قوله تعالى: {وبالآخرة} أي بالدار الآخرة سميت الدنيا دنيا لدنوها من الآخرة وسميت الآخرة آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا {هم يوقنون} أي يستيقنون أنها كائنة، من الإيقان: وهو العلم. وقيل: الإيقان واليقين: علم عن استدلال. ولذلك لا يسمى الله موقنا ولا علمه يقينا إذ ليس علمه عن استدلال. قوله تعالى: {أولئك} أي أهل هذه الصفة وأولاء كلمة معناها الكناية عن جماعة نحو: هم، والكاف للخطاب كما في حرف ذلك {على هدى} أي رشد وبيان وبصيرة {من ربهم وأولئك هم المفلحون} أي الناجون 6/ب والفائزون فازوا بالجنة ونجوا من النار، ويكون الفلاح بمعنى البقاء أي باقون في النعيم المقيم وأصل الفلاح القطع والشق ومنه سمي الزراع فلاحا لأنه يشق الأرض وفي المثل: الحديد بالحديد يفلح أي يشق فهم (مقطوع) لهم بالخير في الدنيا والآخرة. {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } قوله {إن الذين كفروا} يعني مشركي العرب قال الكلبي: يعني اليهود. والكفر هو الجحود وأصله من الكفر وهو الستر ومنه سمي الليل كافرا لأنه يستر الأشياء بظلمته وسمي الزارع كافرا لأنه يستر الحب بالتراب والكافر يستر الحق بجحوده. والكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر عناد، وكفر نفاق. فكفر الإنكار: أن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به، وكفر الجحود هو: أن يعرف الله تعالى بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس (وكفر) اليهود. قال الله تعالى: "فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به" (89-البقرة) وكفر العناد هو: أن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به ككفر أبي طالب حيث يقول: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا وأما كفر النفاق: فهو أن يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب، وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له. قوله {سواء عليهم} أي: متساو لديهم {أأنذرتهم} خوفتهم وحذرتهم والإنذار إعلام مع تخويف وتحذير وكل منذر معلم وليس كل معلم منذرا وحقق ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي الهمزتين في "أأنذرتهم" وكذلك كل همزتين تقعان في أول الكلمة والآخرون يلينون الثانية {أم} حرف عطف على الاستفهام (لم) حرف جزم لا تلي إلا الفعل لأن الجزم يختص بالأفعال {تنذرهم لا يؤمنون} وهذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله ثم ذكر سبب تركهم الإيمان
فقال {ختم الله} طبع الله {على قلوبهم} فلا تعي خيرا ولا تفهمه. وحقيقة الختم الاستيثاق من الشيء كيلا يدخله ما خرج منه ولا يخرج عنه ما فيه، ومنه الختم على الباب. قال أهل السنة: أي حكم على قلوبهم بالكفر، لما سبق من علمه الأزلي فيهم، وقال المعتزلة: جعل على قلوبهم علامة تعرفهم الملائكة بها. {وعلى سمعهم} أي: على موضع سمعهم فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به، وأراد على أسماعهم كما قال: {على قلوبهم} وإنما وحده لأنه مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع. {وعلى أبصارهم غشاوة} هذا ابتداء كلام. غشاوة أي: غطاء، فلا يرون الحق. وقرأ أبو عمرو والكسائي أبصارهم بالإمالة وكذلك كل ألف بعدها راء مجرورة في الأسماء كانت لام الفعل يميلانها ويميل حمزة منها ما يتكرر فيه الراء كالقرار ونحوه. زاد الكسائي إمالة جبارين والجوار والجار وبارئكم ومن أنصاري ونسارع وبابه. وكذلك يميل هؤلاء كل ألف بمنزلة لام الفعل، أو كان علما للتأنيث، إذا كان قبلها راء، فعلم التأنيث مثل: الكبرى والأخرى. ولام الفعل: مثل ترى وافترى، يكسرون الراء فيها. ولهم {عذاب عظيم} أي: في الآخرة، وقيل القتل والأسر في الدنيا والعذاب الدائم في العقبى. والعذاب كل ما يعني الإنسان ويشق عليه. قال الخليل: العذاب ما يمنع الإنسان عن مراده، ومنه: الماء العذب، لأنه يمنع العطش. قوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله} نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير، وجد بن قيس وأصحابهم حيث أظهروا كلمة الإسلام ليسلموا من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واعتقدوا خلافها وأكثرهم من اليهود، والناس جمع إنسان سمي به لأنه عهد إليه فنسي كما قال الله تعالى "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي" (115-طه) وقيل: لظهوره من قولهم آنست أي أبصرت، وقيل: لأنه يستأنس به {وباليوم الآخر} أي بيوم القيامة. قال الله تعالى: {وما هم بمؤمنين يخادعون الله} أي يخالفون الله وأصل الخدع في اللغة الإخفاء ومنه المخدع للبيت الذي يخفى فيه المتاع فالمخادع يظهر خلاف ما يضمر والخدع من الله في قوله {وهو خادعهم} (182-النساء) أي يظهر لهم ويعجل لهم من النعيم في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم من عذاب الآخرة. وقيل: أصل الخدع: الفساد، معناه يفسدون ما أظهروا من الإيمان بما أضمروا من الكفر. وقوله: {وهو خادعهم} أي: يفسد عليهم نعيمهم في الدنيا بما يصيرهم إليه من عذاب الآخرة فإن قيل ما معنى قوله {يخادعون الله} والمفاعلة للمشاركة وقد جل الله تعالى عن المشاركة في المخادعة؟ قيل: قد ترد المفاعلة لا على معنى المشاركة كقولك عافاك الله وعاقبت فلانا، وطارقت النعل. وقال الحسن: معناه يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: "إن الذين يؤذون الله" (57-الأحزاب) أي أولياء الله، وقيل: ذكر الله هاهنا تحسين والقصد بالمخادعة الذين آمنوا كقوله تعالى "فأن لله خمسه وللرسول" (41-الأنفال) وقيل معناه يفعلون في دين الله ما هو خداع في دينهم {والذين آمنوا} أي ويخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم آمنا وهم غير مؤمنين. {وما يخدعون} قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وما يخدعون كالحرف الأول وجعلوه من المفاعلة التي تختص بالواحد. وقرأ الباقون: وما يخدعون على الأصل. {إلا أنفسهم} لأن وبال خداعهم راجع إليهم لأن الله تعالى يطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على نفاقهم فيفتضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب في العقبى {وما يشعرون} أي لا يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم وأن وبال خداعهم يعود عليهم
{في قلوبهم مرض} شك ونفاق وأصل المرض الضعف. وسمي الشك في الدين مرضا لأنه يضعف الدين كالمرض يضعف البدن. {فزادهم الله مرضا} لأن الآيات كانت تنزل تترى، آية بعد آية، كلما كفروا بآية ازدادوا كفرا ونفاقا وذلك معنى قوله تعالى "وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم" (125-التوبة) وقرأ ابن عامر وحمزة فزادهم بالإمالة وزاد حمزة إمالة زاد حيث وقع وزاغ وخاب وطاب وحاق وضاق، والآخرون لا يميلونها {ولهم عذاب أليم} مؤلم يخلص وجعه إلى قلوبهم {بما كانوا يكذبون} ما للمصدر أي بتكذيبهم الله ورسوله في السر. وقرأ الكوفيون يكذبون بالتخفيف أي بكذبهم {إذ} قالوا آمنا وهم غير مؤمنين. {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون } {وإذا قيل} قرأ الكسائي: "قيل" و"غيض" و"جيء" و"حيل" و"سيق" و"سيئت" بروم أوائلهن الضم -ووافق ابن عامر في "سيق" و"حيل" و"سيء" و"سيئت" -ووافق أهل المدينة في: سيء وسيئت لأن أصلها قول بضم القاف وكسر الواو، مثل قتل =وكذلك في أخواته فأشير إلى الضمة لتكون دالة على الواو المنقلبة وقرأ الباقون بكسر أوائلهن، استثقلوا الحركة على الواو فنقلوا كسرتها إلى فاء الفعل وانقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها 7/أ {وإذا قيل لهم} يعني للمنافقين، وقيل لليهود أي قال لهم المؤمنون {لا تفسدوا في الأرض} بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقيل معناه لا تكفروا، والكفر أشد فسادا في الدين {قالوا إنما نحن مصلحون} يقولون هذا القول كذبا كقولهم آمنا وهم كاذبون {ألا} كلمة تنبيه ينبه بها المخاطب {إنهم هم المفسدون} أنفسهم بالكفر والناس بالتعويق عن الإيمان {ولكن لا يشعرون} أي لا يعلمون أنهم مفسدون لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح. وقيل: لا يعلمون ما أعد الله لهم من العذاب. {وإذا قيل لهم} أي للمنافقين وقيل لليهود {آمنوا كما آمن الناس} عبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب وقيل كما آمن المهاجرون والأنصار {قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء} أي الجهال فإن قيل كيف يصح النفاق مع (المجاهرة) بقولهم أنؤمن كما آمن السفهاء قيل إنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين. فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بذلك فرد الله عليهم فقال {ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} أنهم كذلك فالسفيه خفيف العقل رقيق الحلم من قولهم: ثوب سفيه أي رقيق وقيل السفيه الكذاب الذي يتعمد {الكذب} بخلاف ما يعلم. قرأ أهل الكوفة والشام {السفهاء ألا} بتحقيق الهمزتين وكذلك كل همزتين وقعتا في كلمتين اتفقتا أو اختلفتا والآخرون يحققون الأولى ويلينون الثانية في المختلفتين طلبا للخفة فإن كانتا متفقتين مثل: هؤلاء، وأولياء، وأولئك، وجاء أمر ربك -قرأها أبو عمرو والبزي عن ابن كثير بهمزة واحدة وقرأ أبو جعفر وورش والقواش ويعقوب بتحقيق الأولى وتليين الثانية وقرأ قالون بتليين الأولى وتحقيق الثانية لأن ما يستأنف أولى بالهمزة مما يسكت عليه. {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين } {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون }
{وإذا لقوا الذين آمنوا} يعني هؤلاء المنافقين إذا لقوا المهاجرين والأنصار {قالوا آمنا} كإيمانكم {وإذا خلوا} رجعوا. ويجوز أن يكون من الخلوة {إلى} بمعنى الباء أي بشياطينهم وقيل: إلى بمعنى مع كما قال (الله تعالى) "ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم" (2-النساء) أي مع أموالكم "شياطينهم" أي رؤسائهم وكهنتهم قال ابن عباس رضي الله عنهما: وهم خمسة نفر من اليهود كعب بن الأشرف بالمدينة وأبو بردة في بني أسلم وعبد الدار في جهينة، وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن السوداء بالشام. ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له. والشيطان: المتمرد العاتي من الجن والإنس ومن كل شيء وأصله البعد، يقال بئر شطون أي: بعيدة العمق. سمي الشيطان شيطانا لامتداده في الشر وبعده من الخير. وقال مجاهد: إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين {قالوا إنا معكم} أي: على دينكم {إنما نحن مستهزئون} بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما نظهر من الإسلام. قرأ أبو جعفر مستهزؤن ويستهزؤن وقل استهزوا وليطفوا وليواطوا ويستنبونك وخاطين وخاطون ومتكن ومتكون فمالون والمنشون بترك الهمزة فيهن {الله يستهزئ بهم} أي يجازيهم جزاء استهزائهم سمي الجزاء باسمه لأنه في مقابلته كما قال الله تعالى "وجزاء سيئة سيئة مثلها" (40-الشورى) قال ابن عباس: هو أن يفتح لهم باب من الجنة فإذا انتهوا إليه سد عنهم، وردوا إلى النار وقيل هو أن يضرب للمؤمنين نور يمشون على الصراط فإذا وصل المنافقون إليه حيل بينهم وبين المؤمنين كما قال الله تعالى: "وحيل بينهم وبين ما يشتهون" (54-سبأ) قال الله تعالى: "فضرب بينهم بسور له باب" الآية (13-الحديد) وقال الحسن معناه الله يظهر المؤمنين على نفاقهم {ويمدهم} يتركهم ويمهلهم والمد والإمداد واحد، وأصله الزيادة إلا أن المد أكثر ما يأتي في الشر والإمداد في الخير قال الله تعالى في المد "ونمد له من العذاب مدا" (79-مريم) وقال في الإمداد "وأمددناكم بأموال وبنين" (6-الإسراء) "وأمددناهم بفاكهة" (22-الطور) {في طغيانهم} أي في ضلالتهم وأصله مجاوزة الحد. ومنه طغى الماء {يعمهون} أي يترددون في الضلالة متحيرين {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أي استبدلوا الكفر بالإيمان {فما ربحت تجارتهم} أي ما ربحوا في تجارتهم أضاف الربح إلى التجارة لأن الربح يكون فيها كما تقول العرب: ربح بيعك وخسرت صفقتك {وما كانوا مهتدين} الضلالة، وقيل مصيبين في تجارتهم {مثلهم} شبههم، وقيل: صفتهم. والمثل: قول سائر في عرف الناس يعرف به معنى الشيء وهو أحد أقسام القرآن السبعة {كمثل الذي} يعني الذين بدليل سياق الآية. ونظيره "والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون" (33-الزمر) {استوقد} أوقد {نارا فلما أضاءت} النار {ما حوله} أي حول المستوقد. وأضاء: لازم ومتعد يقال أضاء الشيء بنفسه وأضاءه غيره وهو هاهنا متعد {ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} قال ابن عباس وقتادة ومقاتل والضحاك والسدي نزلت في المنافقين. يقول: مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف فبينا هو كذلك إذا طفيت ناره فبقي في ظلمة طائفا متحيرا فكذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم وناكحوا المؤمنين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم فذلك نورهم فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف. وقيل: ذهاب نورهم في القبر. وقيل: في القيامة حيث يقولون للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم. وقيل: ذهاب نورهم بإظهار عقيدتهم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم فضرب النار مثلا ثم لم يقل أطفأ الله نارهم لكن عبر بإذهاب النور عنه لأن النور نور وحرارة فيذهب نورهم وتبقى الحرارة عليهم. وقال مجاهد: إضاءة النار إقبالهم إلى المسلمين والهدى وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة وقال عطاء ومحمد بن كعب: نزلت في اليهود. وانتظارهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب فلما خرج كفروا به ثم وصفهم الله فقال: