Qur'an&Sunnahالقرآن

Beğavî - Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

İmam Beğavî · AR

قسم V06/P099–V06/P102Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P099–V06/P102)

{أولئك يجزون} أي: يثابون، {الغرفة} أي: الدرجة الرفيعة في الجنة، و"الغرفة": كل بناء مرتفع عال. وقال عطاء: يريد غرف الدر والزبرجد والياقوت في الجنة، {بما صبروا} على أمر الله تعالى وطاعته. وقيل: على أذى المشركين. وقيل: عن الشهوات {ويلقون فيها} قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر: بفتح الياء وتخفيف القاف، كما قال: "فسوف يلقون غيا" (مريم-59) ، وقرأ الآخرون بضم الياء وتشديد القاف كما قال: "ولقاهم نضرة وسرورا" (الإنسان-11) ، وقوله: {تحية} أي ملكا، وقيل: بقاء دائما، {وسلاما} أي: يسلم بعضهم على بعض. وقال الكلبي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام، ويرسل الرب إليهم بالسلام. وقيل: "سلاما" أي: سلامة من الآفات. {خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما} أي: موضع قرار وإقامة. {قل ما يعبأ بكم ربي} قال مجاهد وابن زيد: أي: ما يصنع وما يفعل بكم. قال أبو عبيدة يقال: ما عبأت به شيئا أي: لم أعده، فوجوده وعدمه سواء، مجازه: أي وزن وأي مقدار لكم عنده، {لولا دعاؤكم} إياه، وقيل: لولا إيمانكم، وقيل: لولا عبادتكم، وقيل: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام، فإذا آمنتم ظهر لكم قدر. وقال قوم: معناها: قل ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم وطاعتكم إياه يعني إنه خلقكم لعبادته، كما قال: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (الذاريات-56) وهذا قول ابن عباس ومجاهد. وقال قوم: "قل ما يعبأ" ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما يفعل بعذابكم لولا شرككم، كما قال الله تعالى: "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم" (النساء-147) . وقيل: ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه في الشدائد، كما قال: "فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله" (العنكبوت-65) ، وقال: "فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون" (الأنعام-42) . وقيل: "قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم" يقول: ما خلقتكم ولي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم. {فقد كذبتم} أيها الكافرون، يخاطب أهل مكة، يعني: إن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه. {فسوف يكون لزاما} هذا تهديده لهم، أي: يكون تكذيبكم لزاما، قال ابن عباس: موتا. وقال أبو عبيدة: هلاكا وقال ابن زيد: قتالا. والمعنى: يكون التكذيب لازما لمن كذب، فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله. وقال ابن جرير عذابا دائما لازما وهلاكا مقيما يلحق بعضكم ببعض. واختلفوا فيه، فقال قوم: هو يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون. وهو قول عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومجاهد ومقاتل، يعني: أنهم قتلوا يوم بدر واتصل بهم عذاب الآخرة، لازما لهم. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص بن غياث، أخبرنا أبي، أخبرنا الأعمش، حدثنا مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: خمس قد مضين: الدخان، والقمر، والروم، والبطشة، واللزام" {فسوف يكون لزاما} وقيل: اللزام هو عذاب الآخرة. سورة الشعراء مكية إلا أربع آيات من آخر السورة من قوله {والشعراء يتبعهم الغاوون} وروينا عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أعطيت طه والطواسين من [اللوح المحفوظ] " بسم الله الرحمن الرحيم {طسم تلك آيات الكتاب المبين } {طسم} قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر: طسم، وطس، وحم، ويس بكسر الطاء والياء والحاء، وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر، وقرأ الآخرون بالفتح على التفخيم، وأظهر النون في يس عند الميم في "طسم": أبو جعفر، وحمزة، وأخفاها الآخرون. وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال: "طسم" عجزت العلماء عن تفسيرها. وروى علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس: أنه قسم، وهو من أسماء الله تعالى، وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: اسم للسورة. قال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله بطوله وسنائه وملكه . {تلك} أي: هذه الآيات، {آيات الكتاب المبين} {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين }

قسم V06/P102–V06/P107Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P102–V06/P107)

{لعلك باخع نفسك} قاتل نفسك، {ألا يكونوا مؤمنين} أي: إن لم يؤمنوا، وذلك حين كذبه أهل مكة فشق عليه ذلك، وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله هذه الآية. {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} قال قتادة: لو شاء الله لأنزل عليهم آية يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله. وقال ابن جريج: معناه: لو شاء الله لأراهم أمرا من أمره، لا يعمل أحد منهم بعده معصية. وقوله عز وجل: {خاضعين} ولم يقل خاضعة وهي صفة الأعناق، وفيه أقاويل: أحدها: أراد أصحاب الأعناق، فحذف الأصحاب وأقام الأعناق مقامهم، لأن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون، فجعل الفعل أولا للأعناق، ثم جعل خاضعين للرجال. وقال الأخفش: رد الخضوع على المضمر الذي أضاف الأعناق إليه. وقال قوم: ذكر الصفة لمجاورتها المذكر، وهو قوله "هم" على عادة العرب في تذكير المؤنث إذا أضافوه إلى مذكر، وتأنيث المذكر إذا أضافوه إلى مؤنث. وقيل: أراد فظلوا خاضعين فعبر بالعنق عن جميع البدن، كقوله: "ذلك بما قدمت يداك" (الحج-10) و"ألزمناه طائره في عنقه" (الإسراء-13) . وقال مجاهد: أراد بالأعناق الرؤساء والكبراء، أي: فظلت كبراؤهم خاضعين. وقيل: أراد بالأعناق الجماعات، يقال: جاء القوم عنقا عنقا، أي: جماعات وطوائف. وقيل: إنما قال خاضعين على وفاق رؤوس الآي ليكون على نسق واحد . {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين } {وما يأتيهم من ذكر} وعظ وتذكير، {من الرحمن محدث} أي: محدث إنزاله، فهو محدث في التنزيل. قال الكلبي: كلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول، {إلا كانوا عنه معرضين} أي: عن الإيمان به. {فقد كذبوا فسيأتيهم} أي: فسوف يأتيهم، {أنباء} أخبار وعواقب، {ما كانوا به يستهزئون} {أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج} صنف وضرب، {كريم} حسن من النبات مما يأكل الناس والأنعام، يقال: نخلة كريمة إذا طاب حملها، وناقة كريمة إذا كثر لبنها. قال الشعبي: الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم {إن في ذلك} الذي ذكرت، {لآية} دلالة على وجودي وتوحيدي وكمال قدرتي، {وما كان أكثرهم مؤمنين} مصدقين، أي: سبق علمي فيهم أن أكثرهم لا يؤمنون. وقال سيبويه: "كان" هاهنا صلة، مجازه: وما أكثرهم مؤمنين. {وإن ربك لهو العزيز} العزيز بالنقمة من أعدائه، {الرحيم} ذو الرحمة بأوليائه. قوله عز وجل: {وإذ نادى ربك موسى} واذكر يا محمد إذ نادى ربك موسى حين رأى الشجرة والنار، {أن ائت القوم الظالمين} يعني: الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، وظلموا بني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب. {قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني إسرائيل } {قوم فرعون ألا يتقون} ألا يصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته. {قال} يعني موسى، {رب إني أخاف أن يكذبون} {ويضيق صدري} من تكذيبهم إياي، {ولا ينطلق لساني} قال: هذا للعقدة التي كانت على لسانه، قرأ يعقوب "ويضيق"، "ولا ينطلق" بنصب القافين على معنى وأن يضيق، وقرأ العامة برفعهما ردا على قوله: "إني أخاف"، {فأرسل إلى هارون} ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة.

قسم V06/P107–V06/P109Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P107–V06/P109)

{ولهم علي ذنب} أي: دعوى ذنب، وهو قتله القبطي، {فأخاف أن يقتلون} أي: يقتلونني به. {قال} الله تعالى، {كلا} أي: لن يقتلوك، {فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون} سامعون ما يقولون، ذكر "معكم" بلفظ الجمع، وهما اثنان، أجراهما مجرى الجماعة. وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون. {فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين} ولم يقل: رسولا رب العالمين، لأنه أراد الرسالة، أي: أنا ذو رسالة رب العالمين، كما قال كثير: لقد كذب الواشون ما بحث عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول أي: بالرسالة، وقال أبو عبيدة: يجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي وهذان وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال الله تعالى: "وهم لكم عدو" (الكهف-50) ، وقيل: معناه كل واحد منا رسول رب العالمين {أن أرسل} أي: بأن أرسل، {معنا بني إسرائيل} إلى فلسطين، ولا تستعبدهم، وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ستمائة وثلاثين ألفا، فانطلق موسى إلى مصر وهارون بها فأخبره بذلك. وفي القصة أن موسى رجع إلى مصر وعليه جبة صوف وفي يده عصا، والمكتل معلق في رأس العصا، وفيه زاده، فدخل دار نفسه وأخبر هارون بأن الله أرسلني إلى فرعون وأرسلني إليك حين تدعو فرعون إلى الله، فخرجت أمهما 49/ب وصاحت وقالت: إن فرعون يطلبك ليقتلك فلو ذهبتما إليه قتلكما فلم يمتنع موسى لقولها، وذهبا إلى باب فرعون ليلا ودقا الباب، ففزع البوابون وقال من بالباب؟ وروي أنه اطلع البواب عليهما فقال من أنتما؟ فقال موسى: أنا رسول رب العالمين، فذهب البواب إلى فرعون وقال: إن مجنونا بالباب يزعم أنه رسول رب العالمين، فترك حتى أصبح، ثم دعاهما. وروي أنهما انطلقا جميعا إلى فرعون فلم يؤذن لهما سنة في الدخول عليه، فدخل البواب فقال لفرعون: هاهنا إنسان يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال فرعون: ائذن له لعلنا نضحك منه، فدخلا عليه وأديا رسالة الله عز وجل، فعرف فرعون موسى؛ لأنه نشأ في بيته. {قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين } {قال فعلتها إذا وأنا من الضالين } {قال ألم نربك فينا وليدا} صبيا، {ولبثت فينا من عمرك سنين} وهو ثلاثون سنة. {وفعلت فعلتك التي فعلت} يعني: قتل القبطي، {وأنت من الكافرين} قال الحسن والسدي: يعني وأنت من الكافرين بإلهك وكنت على ديننا هذا الذي تعيبه. وقال أكثر المفسرين: معنى قوله: "وأنت من الكافرين"، أي: من الجاحدين لنعمتي وحق تربيتي، يقول ربيناك فينا فكافأتنا أن قتلت منا نفسا، وكفرت بنعمتنا. وهذا رواية العوفي عن ابن عباس، وقال: إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر بالربوبية . {قال} موسى، {فعلتها إذا} أي: فعلت ما فعلت حينئذ، {وأنا من الضالين} أي: من الجاهلين، أي لم يأتني من الله شيء . وقيل: من الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله. وقيل: من الضالين عن طريق الصواب من غير تعمد. وقيل: من المخطئين. {ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } {ففررت منكم لما خفتكم} إلى مدين، {فوهب لي ربي حكما} يعني النبوة، وقال مقاتل: يعني العلم والفهم، {وجعلني من المرسلين} {وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل} اختلفوا في تأويلها: فحملها بعضهم على الإقرار وبعضهم على الإنكار. فمن قال هو إقرار، قال عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه، ولم يقتله كما قتل سائر غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل مجازه: بلى وتلك نعمة علي أن عبدت بني إسرائيل، وتركتني فلم تستعبدني. ومن قال: هو إنكار قال قوله: "وتلك نعمة" هو على طريق الاستفهام، أي: أو تلك نعمة؟ حذف ألف الاستفهام، كقوله: "أفهم الخالدون" (الأنبياء-34) ؟ قال الشاعر تروح من الحي أو تبتكر وماذا يضرك لو تنتظر? أي: أتروح من الحي؟ قال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: لم أنس يوم الرحيل وفقتها وطرفها في دموعها غرق وقولها والركاب واقفة تتركني هكذا وتنطلق?

قسم V06/P109–V06/P111Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P109–V06/P111)

أي: أتتركني، يقول: تمن علي أن ربيتني، وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد والمعاملات القبيحة؟. أو يريد: كيف تمن علي بالتربية وقد استعبدت قومي، ومن أهين قومه ذل، فتعبيدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إلي. وقيل معناه تمن علي بالتربية. وقوله: {أن عبدت بني إسرائيل} أي: باستعبادك بني إسرائيل وقتلك أولادهم، دفعت إليك حتى ربيتني وكفلتني ولو لم تستعبدهم وتقتلهم كان لي من أهلي من يربيني ولم يلقوني في اليم، فأي نعمة لك علي؟ قوله: {عبدت} أي: اتخذتهم عبيدا، يقال: عبدت فلانا، وأعبدته، وتعبدته، واستعبدته، أي: اتخذته عبدا. {قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين } {قال فرعون وما رب العالمين} يقول: أي شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله إلي؟ يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه ب "ما"، وهو سؤال عن جنس الشيء، والله منزه عن الجنسية، فأجابه موسى عليه السلام بذكر أفعاله التي يعجز عن الإتيان بمثلها. {قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} إنه خالقهما. قال أهل المعاني: أي كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينونها فأيقنوا أن إله الخلق هو الله عز وجل، فلما قال موسى ذلك تحير فرعون في جواب موسى. {قال لمن حوله} من أشراف قومه. قال ابن عباس: كانوا خمس مائة رجل عليهم الأسورة، قال لهم فرعون استبعادا لقول موسى: {ألا تستمعون} وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم. فزادهم موسى في البيان. {قال ربكم ورب آبائكم الأولين} {قال} يعني: فرعون: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} يتكلم بكلام لا نعقله ولا نعرف صحته، وكان عندهم أن من لا يعتقد ما يعتقدون ليس بعاقل، فزاد موسى في البيان: {قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون} {قال} فرعون -حين لزمته الحجة وانقطع عن الجواب- تكبرا عن الحق: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} من المحبوسين، قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل، لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فردا لا يسمع ولا يبصر فيه شيئا، يهوي به في الأرض. {قال} له موسى حين توعده بالسجن: {أولو جئتك} أي: وإن جئتك، {بشيء مبين} بآية مبينة، ومعنى الآية: أتفعل ذلك وإن أتيتك بحجة بينة؟ وإنما قال ذلك موسى لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان. {قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } {لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون }

قسم V06/P111–V06/P113Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P111–V06/P113)

{قال} له فرعون، {فأت به} فإنا لن نسجنك حينئذ، {إن كنت من الصادقين} {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} فقال: وهل غيرها؟. {ونزع} موسى، {يده فإذا هي بيضاء للناظرين} {قال} فرعون {للملأ حوله إن هذا لساحر عليم} {يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون} ؟ {قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين} . {يأتوك بكل سحار عليم} . {فجمع السحرة لميقات يوم معلوم} وهو يوم الزينة. وروي عن ابن عباس قال: وافق ذلك اليوم يوم السبت، في أول يوم من السنة، وهو يوم النيروز. {وقيل للناس هل أنتم مجتمعون} 50/ألتنظروا إلى ما يفعل الفريقان ولمن تكون الغلبة؟ {لعلنا} لكي، {نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين} لموسى، وقيل: إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء، وأرادوا بالسحرة موسى وهارون وقومهما. {فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين} . {قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين} . {قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون} . {فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون } {فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون} . {فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون} . {فألقي السحرة ساجدين} . {قالوا آمنا برب العالمين} . {رب موسى وهارون} . {قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين} . {قالوا لا ضير} لا ضرر، {إنا إلى ربنا منقلبون} {إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين} من أهل زماننا. {وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون} يتبعكم فرعون وقومه ليحولوا بينكم وبين الخروج من مصر. وروي عن ابن جريج قال: أوحى الله تعالى إلى موسى: أن اجمع بني إسرائيل كل أربعة أهل أبيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن، فاضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة فلا يدخلوا بيتا على بابه دم، وسآمرها فتقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم وأموالهم، ثم اخبزوا خبزا فطيرا فإنه أسرع لكم ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر، فيأتيك أمري، ففعل ذلك، فلما أصبحوا قال فرعون: هذا عمل موسى وقومه، قتلوا أبكارنا من أنفسنا، وأخذوا أموالنا. فأرسل في أثره ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في الكرسي العظيم . {فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم }

قسم V06/P113–V06/P115Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P113–V06/P115)

{فأرسل فرعون في المدائن حاشرين} يحشرون الناس يعني: الشرط ليجمعوا السحرة. وقيل: حتى يجمعوا له الجيش، وذكر بعضهم: أنه كان له ألف مدينة واثنا عشرة ألف قرية. وقال لهم: {إن هؤلاء لشرذمة} عصابة {قليلون} والشرذمة القطعة من الناس غير الكثير، وجمعها شراذم. قال أهل التفسير: كانت الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف. وعن ابن مسعود قال: كانوا ستمائة وسبعين ألفا ولا يحصى عدد أصحاب فرعون. . {وإنهم لنا لغائظون} يقال: غاظه وأغاظه وغيظه إذا أغضبه، والغيظ والغضب واحد، يقول: أغضبونا بمخالفتهم ديننا وقتلهم أبكارنا وذهابهم بأموالنا التي استعاروها، وخروجهم من أرضنا بغير إذن منا. {وإنا لجميع حاذرون} قرأ أهل الحجاز والبصرة: "حذرون" و"فرهين" بغير ألف، وقرأ الآخرون "حاذرون" و"فارهين" بالألف فيهما، وهما لغتان. وقال أهل التفسير: حاذرون، أي: مؤدون ومقوون، أي: ذوو أداة وقوة مستعدون شاكون في السلاح ومعنى "حذرون" أي: خائفون شرهم. وقال الزجاج: "الحاذر": المستعد، و"الحذر": المتيقظ. وقال الفراء: "الحاذر": الذي يحذرك الآن، و"الحذر": المخوف. وكذلك لا تلقاه إلا حذرا، والحذر: اجتناب الشيء خوفا منه. {فأخرجناهم من جنات} وفي القصة: البساتين كانت ممتدة على حافتي النيل، {وعيون} أنهار جارية. {وكنوز} يعني الأموال الظاهرة من الذهب والفضة. قال مجاهد: سماها كنوزا لأنه لم يعط حق الله منها، وما لم يعط حق الله منه فهو كنز وإن كان ظاهرا، قيل: كان لفرعون ثمانمائة ألف غلام، كل غلام على فرس عتيق، في عنق كل فرس طوق من ذهب، {ومقام كريم} أي: مجلس حسن، قال المفسرون: أراد مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تحفها الأتباع. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: هي المنابر . وذكر بعضهم: أنه كان إذا قعد على سريره وضع بين يديه ثلاثمائة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف عليهم الأقبية من الديباج مخوصة بالذهب. {كذلك وأورثناها بني إسرائيل فأتبعوهم مشرقين } {فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم } {كذلك} كما وصفنا، {وأورثناها} بهلاكهم، {بني إسرائيل} وذلك أن الله تعالى رد بني إسرائيل إلى مصر بعدما أغرق فرعون وقومه، فأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن. {فأتبعوهم مشرقين} أي: لحقوهم في وقت إشراق الشمس، وهو إضاءتها، أي: أدرك قوم فرعون موسى وأصحابه وقت شروق الشمس. {فلما تراءى الجمعان} أي: تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه، وكسر حمزة الراء من "تراءى" وفتحها الآخرون. {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} أي: سيدركنا قوم فرعون ولا طاقة لنا بهم. {قال} موسى ثقة بوعد الله إياه: {كلا} لن يدركونا، {إن معي ربي سيهدين} يدلني على طريق النجاة. {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق} أي: فضربه "فانفلق" فانشق، {فكان كل فرق} قطعة من الماء، {كالطود العظيم} كالجبل الضخم، قال ابن جريج وغيره لما انتهى موسى إلى البحر هاجت الريح، والبحر يرمي بموج مثل الجبال، فقال يوشع: يا مكلم الله أين أمرت فقد غشينا فرعون والبحر أمامنا؟ قال موسى: هاهنا، فخاض يوشع الماء وجاز البحر، ما يواري حافر دابته الماء. وقال الذي يكتم إيمانه: يا مكلم الله أين أمرت؟ قال: هاهنا، فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقيه، ثم أقحمه البحر، فارتسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع، فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه فانفلق، فإذا الرجل واقف على فرسه لم يبتل سرجه ولا لبده. {وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون }

قسم V06/P115–V06/P117Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P115–V06/P117)

50/ب {وأزلفنا} يعني: وقربنا {ثم الآخرين} يعني: قوم فرعون، يقول: قدمناهم إلى البحر، وقربناهم إلى الهلاك، وقال أبو عبيدة: "وأزلفنا": جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة أي: ليلة الجمع. وفي القصة أن جبريل كان بين بني إسرائيل وقوم فرعون وكان يسوق بني إسرائيل، ويقولون: ما رأينا أحسن سياقة من هذا الرجل، وكان يزع قوم فرعون، وكانوا يقولون: ما رأينا أحسن زعة من هذا . {وأنجينا موسى ومن معه أجمعين} . {ثم أغرقنا الآخرين} فرعون وقومه. وقال سعيد بن جبير: كان البحر ساكنا قبل ذلك، فلما ضربه موسى بالعصا اضطرب فجعل يمد ويجزر. {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} أي: من أهل مصر، قيل: لم يكن آمن من أهل مصر إلا آسية امرأة فرعون وحزبيل المؤمن، ومريم بنت ناقوسا التي دلت على عظام يوسف عليه السلام. {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} العزيز في الانتقام من أعدائه، الرحيم بالمؤمنين حين أنجاهم. قوله: {واتل عليهم نبأ إبراهيم} . قوله: {إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون} أي شيء تعبدون؟. {قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين} أي: نقيم على عبادتها. قال بعض أهل العلم: إنما قال: {فنظل} لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار، دون الليل، يقال: ظل يفعل كذا إذا فعل بالنهار. {قال هل يسمعونكم} أي: هل يسمعون دعاءكم، {إذ تدعون} قال ابن عباس يسمعون لكم. {أو ينفعونكم} قيل بالرزق، {أو يضرون} إن تركتم عبادتها. {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين } {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} معناه: إنها لا تسمع قولا ولا تجلب نفعا، ولا تدفع ضرا، لكن اقتدينا بآبائنا. فيه إبطال التقليد في الدين. {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون} الأولون. {فإنهم عدو لي} أي: أعداء لي، ووحده على معنى أن كل معبود لكم عدو لي. فإن قيل: كيف وصف الأصنام بالعداوة وهي جمادات؟ قيل: معناه فإنهم عدو لي لو عبدتهم يوم القيامة كما قال تعالى: "سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا" (مريم-82) . وقال الفراء هو من المقلوب، أراد: فإني عدو لهم، لأن من عاديته فقد عاداك. وقيل: "فإنهم عدو لي" على معنى إني لا أتولاهم ولا أطلب من جهتهم نفعا، كما لا يتولى العدو، ولا يطلب من جهته النفع. قوله: {إلا رب العالمين} اختلفوا في هذا الاستثناء، قيل: هو استثناء منقطع، كأنه قال: فإنهم عدو لي لكن رب العالمين وليي . وقيل: إنهم كانوا يعبدون الأصنام مع الله، فقال إبراهيم: كل من تعبدون أعدائي إلا رب العالمين . وقيل: إنهم غير معبود لي إلا رب العالمين، فإني أعبده. وقال الحسين بن الفضل: معناه إلا من عبد رب العالمين. ثم وصف معبوده فقال: {الذي خلقني فهو يهدين} أي: يرشدني إلى طريق النجاة. {والذي هو يطعمني ويسقين} أي: يرزقني ويغذني بالطعام والشراب، فهو رازقي ومن عنده رزقي. {وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين } {واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم }

قسم V06/P117–V06/P119Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P117–V06/P119)

{وإذا مرضت} أضاف المرض إلى نفسه وإن كان المرض والشفاء كله من الله، استعمالا لحسن الأدب كما قال الخضر: "فأردت أن أعيبها" (الكهف-79) ، وقال: "فأراد ربك أن يبلغا أشدهما" (الكهف-82) . {فهو يشفين} أي: يبرئني من المرض. {والذي يميتني ثم يحيين} أدخل "ثم" هاهنا للتراخي، أي: يميتني في الدنيا ويحييني في الآخرة. {والذي أطمع} أي: أرجو، {أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} أي: خطاياي يوم الحساب. قال مجاهد: هو قوله: "إني سقيم"، وقوله: "بل فعله كبيرهم هذا"، وقوله لسارة: "هذه أختي"، وزاد الحسن وقوله للكواكب: "هذا ربي". وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص بن غياث، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قال: قلت يا رسول الله: ابن جدعان، كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المساكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: "لا ينفعه إنه لم يقل يوما، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه، وإخبار أنه لا يصلح للإلهية من لا يفعل هذه الأفعال. {رب هب لي حكما} قال ابن عباس: معرفة حدود الله وأحكامه. وقال مقاتل: الفهم والعلم. وقال الكلبي: النبوة {وألحقني بالصالحين} بمن قبلي من النبيين في المنزلة والدرجة. {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} أي: ثناء حسنا، وذكرا جميلا وقبولا عاما في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطاه الله ذلك، فجعل كل أهل الأديان يتولونه ويثنون عليه. قال القتيبي: وضع اللسان موضع القول على الاستعارة لأن القول يكون به. {واجعلني من ورثة جنة النعيم} أي: ممن تعطيه جنة النعيم. {واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون } {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} وقال هذا قبل أن يتبين له أنه عدو الله، كما سبق ذكره في سورة التوبة. {ولا تخزني} لا تفضحني، {يوم يبعثون} {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} أي: خالص من الشرك والشك فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد، هذا قول أكثر المفسرين. قال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض. قال الله تعالى: "في قلوبهم مرض" (البقرة-10) ، قال ابن عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة المطمئن على السنة . {وأزلفت} قربت {الجنة للمتقين} {وبرزت} أظهرت، {الجحيم للغاوين} للكافرين. {وقيل لهم} يوم القيامة، {أين ما كنتم تعبدون} {من دون الله هل ينصرونكم} يمنعونكم 51/أمن العذاب، {أو ينتصرون} لأنفسهم. {فكبكبوا فيها} قال ابن عباس: جمعوا. وقال مجاهد: دهوروا. وقال مقاتل: قذفوا. وقال الزجاج: طرح بعضهم على بعض. وقال القتيبي: ألقوا على رءوسهم. {هم والغاوون} يعني: الشياطين، قال قتادة، ومقاتل. وقال الكلبي: كفرة الجن. {وجنود إبليس أجمعون} وهم أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس. ويقال: ذريته. {قالوا} أي: قال الغاوون للشياطين والمعبودين، {وهم فيها يختصمون} مع المعبودين ويجادل بعضهم بعضا. {تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلا المجرمون فما لنا من شافعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم كذبت قوم نوح المرسلين }

قسم V06/P119–V06/P121Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P119–V06/P121)

{تالله إن كنا لفي ضلال مبين} . {إذ نسويكم} نعدلكم، {برب العالمين} فنعبدكم. {وما أضلنا} أي: ما دعانا إلى الضلال، {إلا المجرمون} قال مقاتل: يعني الشياطين. وقال الكلبي: إلا أولونا الذين اقتدينا بهم. وقال أبو العالية وعكرمة: يعني: إبليس، وابن آدم الأول، وهو قابيل، لأنه أول من سن القتل، وأنواع المعاصي. {فما لنا من شافعين} أي: من يشفع لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين. {ولا صديق حميم} أي: قريب يشفع لنا، يقوله الكفار حين تشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، والصديق هو الصادق في المودة بشرط الدين. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا محمد بن الحسين اليقطيني، أخبرنا أحمد بن عبد الله يزيد العقيلي، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا من سمع أبا الزبير يقول: أشهد لسمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل صديقي فلان، وصديقه في الجحيم، فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم" قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة. {فلو أن لنا كرة} أي: رجعة إلى الدنيا، {فنكون من المؤمنين} {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} العزيز الذي لا يغالب، فالله عزيز، وهو في وصف عزته رحيم. قوله عز وجل: {كذبت قوم نوح المرسلين} قيل للحسن البصري: يا أبا سعيد أرأيت قوله: {كذبت قوم نوح المرسلين} و {كذبت عاد المرسلين} و {كذبت ثمود المرسلين} وإنما أرسل إليهم رسول واحد؟ قال: إن الآخر جاء بما جاء الأول، فإذا كذبوا واحدا فقد كذبوا الرسل أجمعين. {إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين فاتقوا الله وأطيعون قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } {قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين } {إذ قال لهم أخوهم} في النسب لا في الدين. {نوح ألا تتقون} {إني لكم رسول أمين} على الوحي. {فاتقوا الله} بطاعته وعبادته، {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان والتوحيد. {وما أسألكم عليه من أجر إن أجري} ثوابي، {إلا على رب العالمين} {فاتقوا الله وأطيعون} . {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} قرأ يعقوب: "وأتباعك الأرذلون" السفلة. وعن ابن عباس قال: الصاغة. وقال عكرمة الحاكة والأساكفة. {قال} نوح، {وما علمي بما كانوا يعملون} أي: ما أعلم أعمالهم وصنائعهم، وليس علي من دناءة مكاسبهم وأحوالهم شيء إنما كلفت أن أدعوهم إلى الله، ولي منهم ظاهر أمرهم. {إن حسابهم} ما حسابهم، {إلا على ربي لو تشعرون} لو تعلمون ذلك ما عبتموهم بصنائعهم. قال الزجاج: الصناعات لا تضر في الديانات. وقيل: معناه: أي: لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويوفقهم ويخذلكم. {وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين} . {قالوا لئن لم تنته يا نوح} عما تقول، {لتكونن من المرجومين} قال مقاتل والكلبي: من المقتولين بالحجارة. وقال الضحاك: من المشتومين. {قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتبنون بكل ريع آية تعبثون }

قسم V06/P121–V06/P123Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V06/P121–V06/P123)

{قال رب إن قومي كذبون فافتح} فاحكم، {بيني وبينهم فتحا} حكما، {ونجني ومن معي من المؤمنين} {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} الموقر المملوء من الناس والطير والحيوان كلها. {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي: أغرقنا بعد إنجاء نوح، وأهله: من بقي من قومه. {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} قوله عز وجل: {كذبت عاد المرسلين} {إذ قال لهم أخوهم هود} يعني في النسب لا في الدين، {ألا تتقون} {إني لكم رسول أمين} على الرسالة، قال الكلبي: أمين فيكم قبل الرسالة، فكيف تتهموني اليوم؟. {فاتقوا الله وأطيعون} {وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين} {أتبنون بكل ريع} قال الوالبي عن ابن عباس: أي: بكل شرف. وقال الضحاك ومقاتل والكلبي: بكل طريق، وهو رواية العوفي عن ابن عباس، وعن مجاهد قال: هو الفج بين الجبلين. وعنه أيضا: إنه المنظرة. {آية} أي: علامة، {تعبثون} بمن مر بالطريق، والمعنى: أنهم كانوا يبنون المواضع المرتفعة ليشرفوا على المارة والسابلة فيسخروا منهم ويعبثوا بهم. وعن سعيد بن جبير ومجاهد: هذا في بروج الحمام أنكر عليهم هود اتخاذها، بدليل قوله: {تعبثون} أي: تلعبون، وهم كانوا يلعبون بالحمام. وقال أبو عبيدة: الريع: المكان المرتفع {وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين } {إن هذا إلا خلق الأولين } {وتتخذون مصانع} قال ابن عباس: أبنية. وقال مجاهد: قصورا مشيدة. وعن الكلبي: أنها الحصون. وقال قتادة: مآخذ الماء، يعني الحياض، واحدتها مصنعة {لعلكم تخلدون} أي: كأنكم تبقون فيها خالدين. والمعنى: أنهم كانوا يستوثقون المصانع كأنهم لا يموتون. {وإذا بطشتم} أخذتم وسطوتم، {بطشتم جبارين} قتلا بالسيف وضربا بالسوط، "والجبار": الذي يقتل ويضرب على الغضب. {فاتقوا الله وأطيعون} . {واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون} أي: أعطاكم من الخير ما تعلمون، ثم ذكر ما أعطاهم فقال: {أمدكم بأنعام وبنين} {وجنات وعيون} أي: بساتين وأنهار. 51/ب {إني أخاف عليكم} قال ابن عباس: إن عصيتموني، {عذاب يوم عظيم} {قالوا سواء علينا} أي: مستو عندنا، {أوعظت أم لم تكن من الواعظين} الوعظ كلام يلين القلب بذكر الوعد والوعيد. قال الكلبي: نهيتنا أم لم تكن من الناهين لنا. {إن هذا} ما هذا، {إلا خلق الأولين} قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: "خلق" بفتح الخاء وسكون اللام، أي: اختلاق الأولين وكذبهم دليل هذه القراءة قوله تعالى: "وتخلقون إفكا" (العنكبوت-17) ، وقرأ الآخرون "خلق" بضم الخاء واللام، أي: عادة الأولين من قبلنا، وأمرهم أنهم يعيشون ما عاشوا ثم يموتون ولا بعث ولا حساب. {وما نحن بمعذبين فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون في ما ها هنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم }

%0
10 Bölüm

الأسئلة