أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسين محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن عكرمة بن عمار، حدثنا ضمضم بن جوس قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ، فقال: يا يماني تعال، وما أعرفه، فقال: لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك أبدا، ولا يدخلك الله الجنة، قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة، قال فقلت: إن هذه الكلمة [يقولها] أحدنا لبعض أهله إذا غضب أو لزوجته أو لخادمه، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين أحدهما مجتهد في العبادة والآخر يقول كأنه مذنب، فجعل يقول: أقصر أقصر عما أنت فيه، قال فيقول: خلني وربي، قال: حتى وجده يوما على ذنب استعظمه، فقال: أقصر، فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أبدا، ولا يدخلك الجنة أبدا. قال: فبعث الله إليهما ملكا فقبض أرواحهما فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب، فقال اذهبوا به إلى النار" قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته . قوله عز وجل: {إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} . أخبرنا عبد الرحمن بن أبي بكر القفال، أخبرنا أبو مسعود محمد بن أحمد بن يونس الخطيب، حدثنا محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا أبو قلابة، حدثنا أبو عاصم، حدثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: "إلا اللمم" (النجم-32) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون } قوله عز وجل: {وأنيبوا إلى ربكم} أقبلوا وارجعوا إليه بالطاعة، {وأسلموا له} أخلصوا له التوحيد، {من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون} . {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} يعني: القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قاله الحسن: التزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن القرآن ذكر القبيح لتجتنبه، وذكر الأدون لئلا ترغب فيه، وذكر الأحسن لتؤثره. قال السدي: "الأحسن" ما أمر الله به في الكتاب، {من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون} {أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين } {أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون }
Beğavî - Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)
İmam Beğavî · AR
{أن تقول نفس} يعني: لئلا تقول نفس، كقوله: "وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم" (النحل-15) أي: لئلا تميد بكم، قال المبرد: أي بادروا واحذروا أن تقول نفس. وقال الزجاج: خوف أن تصيروا إلى حال تقولون هذا القول، {يا حسرتا} يا ندامتا، والتحسر الاغتمام على ما فات، وأراد: يا حسرتي، على الإضافة، لكن العرب تحول ياء الكناية ألفا في الاستغاثة، فتقول: يا حسرتا ويا ندامتا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف ليدل على الإضافة، وكذلك قرأ أبو جعفر {يا حسرتاي} ، وقيل: معنى قوله: "يا حسرتا" يا أيتها الحسرة هذا وقتك، {على ما فرطت في جنب الله} قال الحسن: قصرت في طاعة الله. وقال مجاهد: في أمر الله. وقال سعيد بن جبير: في حق الله. وقيل: ضيعت في ذات الله. وقيل: معناه قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضاء الله. والعرب تسمي الجنب جانبا {وإن كنت لمن الساخرين} المستهزئين بدين الله وكتابه ورسوله والمؤمنين قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعته. {أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب} عيانا، {لو أن لي كرة} رجعة إلى الدنيا، {فأكون من المحسنين} الموحدين. ثم يقال لهذا القائل: {بلى قد جاءتك آياتي} يعني: القرآن، {فكذبت بها} وقلت إنها ليست من الله، {واستكبرت} تكبرت عن الإيمان بها، {وكنت من الكافرين} . {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله} فزعموا أن له ولدا وشريكا، {وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} عن الإيمان. {وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم} قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر: "بمفازاتهم" بالألف على الجمع أي: بالطرق التي تؤديهم إلى الفوز والنجاة، وقرأ الآخرون: "بمفازتهم" على الواحد لأن المفازة بمعنى الفوز، أي: ينجيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة، قال المبرد: المفازة مفعلة من الفوز، والجمع حسن كالسعادة والسعادات {لا يمسهم السوء} لا يصيبهم المكروه، {ولا هم يحزنون} . {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل} أي: الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها. {له مقاليد السموات والأرض} مفاتيح خزائن السموات والأرض واحدها 108/أمقلاد، مثل مفتاح، ومقليد مثل منديل ومناديل. وقال قتادة ومقاتل: مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة. وقال الكلبي: خزائن المطر وخزائن النبات. {والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون} . قوله عز وجل: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} ؟ قال مقاتل: وذلك أن كفار قريش دعوه إلى دين آبائه. قرأ أهل الشام "تأمرونني" بنونين خفيفتين على الأصل، وقرأ أهل المدينة بنون واحدة خفيفة على الحذف، وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة على الإدغام. {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} الذي عملته قبل الشرك وهذا خطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد منه غيره. وقيل: هذا أدب من الله عز وجل لنبيه وتهديد لغيره، لأن الله تعالى عصمه من الشرك. {ولتكونن من الخاسرين} . {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} لإنعامه عليك. قوله عز وجل: {وما قدروا الله حق قدره} ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره، ثم أخبر عن عظمته فقال: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون}
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا شيبان عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ: "وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة" . ورواه مسلم بن الحجاج عن أحمد بن عبد الله بن يونس عن فضيل بن عياض عن منصور، وقال: "والجبال والشجر على إصبع، وقال: ثم يهزهن هزا، فيقول: (أنا الملك أنا الله) " . أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن فنجويه، حدثنا عمر بن الخطاب، حدثنا عبد الله بن الفضل، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، عن عمر بن حمزة، عن سالم بن عبد الله، أخبرني عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون"، هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة . أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني، حدثنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، حدثنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس عن الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض" . {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } قوله عز وجل: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض} ماتوا من الفزع وهي النفخة الأولى، {إلا من شاء الله} اختلفوا في الذين استثناهم الله عز وجل، وقد ذكرناهم في سورة النمل ، قال الحسن: إلا من شاء الله يعني الله وحده، {ثم نفخ فيه} أي: في الصور، {أخرى} أي: مرة أخرى، {فإذا هم قيام ينظرون} [من قبورهم] ينتظرون أمر الله فيهم. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بين النفختين أربعون" قالوا: أربعون يوما؟ قال: "أبيت"، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: "أبيت"، قالوا: أربعون سنة؟ قال: "أبيت"، قال: "ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد، وهو عجب الذنب ومنه يتركب الخلق يوم القيامة . {وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين }
قوله عز وجل: {وأشرقت الأرض} أضاءت، {بنور ربها} بنور خالقها، وذلك حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، فما يتضارون في نوره كما لا يتضارون في الشمس في اليوم الصحو. وقال الحسن والسدي: بعدل ربها، وأراد بالأرض عرصات القيامة، {ووضع الكتاب} أي: كتاب الأعمال، {وجيء بالنبيين والشهداء} قال ابن عباس: يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال عطاء: يعني الحفظة، يدل عليه قوله تعالى: "وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد" (ق-21) {وقضي بينهم بالحق} أي: بالعدل، {وهم لا يظلمون} أي: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم. {ووفيت كل نفس ما عملت} أي: ثواب ما عملت، {وهو أعلم بما يفعلون} قال عطاء: يريد أني عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا إلى شاهد. {وسيق الذين كفروا إلى جهنم} سوقا عنيفا، {زمرا} أفواجا بعضها على إثر بعض، كل أمة على حدة قال أبو عبيدة والأخفش: "زمرا" أي: جماعات في تفرقة، واحدتها زمرة {حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها} السبعة وكانت مغلقة قبل ذلك، قرأ أهل الكوفة "فتحت، وفتحت" بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير {وقال لهم خزنتها} توبيخا وتقريعا لهم، {ألم يأتكم رسل منكم} من أنفسكم {يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت} وجبت، {كلمة العذاب على الكافرين} وهو قوله عز وجل: "لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" (هود-119) {قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين } {قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها} قال الكوفيون: هذه الواو زائدة حتى تكون جوابا لقوله: "حتى إذا جاءوها" 108/ب كما في سوق الكفار، وهذا كما قال الله تعالى: "ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء" (الأنبياء-48) [أي: ضياء] والواو زائدة. وقيل: الواو واو الحال، مجازه: وقد فتحت أبوابها، فأدخل الواو لبيان أنها كانت مفتحة قبل مجيئهم، وحذفها في الآية الأولى لبيان أنها كانت مغلقة قبل مجيئهم. فإذا لم تجعل الواو زائدة في قوله: "وفتحت" اختلفوا في جواب قوله: "وقال لهم خزنتها" والواو فيه ملغاة تقديره: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها. وقال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف، تقديره: "حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين" دخلوها، فحذف "دخلوها" لدلالة الكلام عليه. {وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم} يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليهم ويقولون: طبتم. قال ابن عباس: طاب لكم المقام. قال قتادة: هم إذا قطعوا النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض حتى إذا هذبوا وطيبوا أدخلوا الجنة، فقال لهم رضوان وأصحابه: "سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين" . وروي عن علي عليه السلام قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيغتسل المؤمن من إحداهما فيطهر ظاهره، ويشرب من الأخرى فيطهر باطنه، وتلقيهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون: {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} . {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين } {وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين } {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض} أي: أرض الجنة. وهو قوله عز وجل: "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" (الأنبياء-105) {نتبوأ} ننزل، {من الجنة حيث نشاء} قال الله تعالى: {فنعم أجر العاملين} ثواب المطيعين.
{وترى الملائكة حافين من حول العرش} أي: محدقين محيطين بالعرش، مطيفين بحوافيه أي: بجوانبه، {يسبحون بحمد ربهم} قيل: هذا تسبيح تلذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف [يزول] في ذلك اليوم {وقضي بينهم بالحق} أي: قضي بين أهل الجنة والنار بالعدل، {وقيل الحمد لله رب العالمين} يقول أهل الجنة: شكرا لله، حين تم وعد الله لهم. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلا فمر بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات ، فقال: عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب منه وأعجب، فقيل له: إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن، وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل ال حم في القرآن . أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو محمد الرومي، حدثنا أبو العباس السراج، حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن الجراح بن أبي الجراح حدثه عن ابن عباس قال: لكل شيء لباب ولباب والقرآن الحواميم . وقال ابن مسعود: إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن . وقال سعد بن إبراهيم: كن -آل حم-يسمين العرائس . سورة غافر مكية بسم الله الرحمن الرحيم {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير } قوله عز وجل: {حم} قد سبق الكلام في حروف التهجي . قال السدي عن ابن عباس: حم اسم الله الأعظم. وروى عكرمة عنه قال: الر، وحم، ونون، حروف "الرحمن" مقطعة . وقال سعيد بن جبير وعطاء الخراساني: الحاء افتتاح أسمائه: حكيم حميد حي حليم حنان، والميم افتتاح أسمائه: مالك مجيد منان. وقال الضحاك والكسائي: معناه قضى ما هو كائن كأنهما أشارا إلى أن معناه: حم، بضم الحاء وتشديد الميم . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: حم بكسر الحاء، والباقون بفتحها. {تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب} ساتر الذنب، {وقابل التوب} يعني التوبة، مصدر تاب يتوب توبا. وقيل: التوب جمع توبة مثل دومة ودوم وحومة وحوم. قال ابن عباس: غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله، [وقابل التوب ممن قال لا إله إلا الله] {شديد العقاب} لمن لا يقول لا إله إلا الله، {ذي الطول} ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله. قال مجاهد: "ذي الطول": ذي السعة والغنى. وقال الحسن: ذو الفضل. وقال قتادة: ذو النعم. وقيل: ذو القدرة. وأصل الطول الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه. {لا إله إلا هو إليه المصير} . {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد } {ما يجادل في آيات الله} في دفع آيات الله بالتكذيب والإنكار، {إلا الذين كفروا} قال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن: "ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا" و"إن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد" (البقرة-176) . أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن أحمد، حدثنا محمد بن خالد، أخبرنا داود بن سليمان، أخبرنا عبد الله بن حميد، حدثنا الحسين بن علي الجعفي عن زائدة عن ليث عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن جدالا في القرآن كفر" .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما يتمارون في القرآن، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله عز وجل بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوه، وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه" . قوله تعالى: {فلا يغررك تقلبهم في البلاد} تصرفهم في البلاد للتجارات وسلامتهم فيها مع كفرهم، فإن عاقبة أمرهم العذاب، نظيره قوله عز وجل: "لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد" (آل عمران-196) . {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار } {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم} وهم الكفار الذين تحزبوا 109/أعلى أنبيائهم بالتكذيب من بعد قوم نوح، {وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه} قال ابن عباس: ليقتلوه ويهلكوه. وقيل: ليأسروه. والعرب تسمي الأسير أخيذا، {وجادلوا بالباطل ليدحضوا} ليبطلوا، {به الحق} الذي جاء به الرسل ومجادلتهم مثل قولهم: "إن أنتم إلا بشر مثلنا" (إبراهيم-10) ، و"لولا أنزل علينا الملائكة" (الفرقان-21) ونحو ذلك، {فأخذتهم فكيف كان عقاب} . {وكذلك حقت كلمة ربك} يعني: كما حقت كلمة العذاب على الأمم المكذبة حقت، {على الذين كفروا} من قومك، {أنهم أصحاب النار} قال الأخفش: لأنهم أو بأنهم أصحاب النار. {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم } قوله عز وجل: {الذين يحملون العرش ومن حوله} حملة العرش والطائفون به وهم الكروبيون، وهم سادة الملائكة. قال ابن عباس: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام ، ويروى أن أقدامهم في تخوم الأرضين، والأرضون والسموات إلى حجزهم، وهم يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح. وقال ميسرة بن عروبة: أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفا من أهل السماء السابعة، وأهل السماء السابعة أشد خوفا من أهل السماء التي تليها، والتي تليها أشد خوفا من التي تليها. وقال مجاهد: بين الملائكة والعرش سبعون حجابا من نور. وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" . وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: [إن ما] بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع ثلاثين ألف عام، والعرش يكسى كل يوم سبعين ألف لون من النور، لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله، والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة. وقال مجاهد: بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب من نور، وحجاب من ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة. وقال وهب بن منبه: إن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة، صف خلف صف يطوفون بالعرش، يقبل هؤلاء [ويدبر] هؤلاء، فإذا استقبل بعضهم بعضا هلل هؤلاء وكبر هؤلاء، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام، أيديهم إلى أعناقهم قد وضعوها على عواتقهم، فإذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم رفعوا أصواتهم، فقالوا: سبحانك وبحمدك ما أعظمك
وأجلك أنت الله لا إله غيرك، أنت الأكبر، الخلق كلهم لك راجعون. ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلا وهو يسبح بتحميد لا يسبحه الآخر، ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلثمائة عام، وما بين شحمة أذنه إلى عاتقه أربعمائة عام، واحتجب الله من الملائكة الذين حول العرش بسبعين حجابا من نار، وسبعين حجابا من ظلمة، وسبعين حجابا من نور، وسبعين حجابا من در أبيض، وسبعين حجابا من ياقوت أحمر، [وسبعين حجابا من ياقوت أصفر] وسبعين حجابا من زبرجد أخضر، وسبعين حجابا من ثلج، وسبعين حجابا من ماء، وسبعين حجابا من برد، وما لا يعلمه إلا الله تعالى. قال: ولكل واحد من حملة العرش ومن حوله أربعة وجوه، وجه ثور ووجه أسد ووجه نسر ووجه إنسان، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة، أما جناحان فعلى وجهه مخافة أن ينظر إلى العرش فيصعق، وأما جناحان فيهفو بهما، ليس لهم كلام إلا التسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد . قوله عز وجل: {يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به} يصدقون بأنه واحد لا شريك له. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عمر بن عبد الله الرقاشي، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا هارون بن رباب، حدثنا شهر بن حوشب قال: حملة العرش ثمانية، فأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، قال: وكأنهم ينظرون ذنوب بني آدم . قوله عز وجل: {ويستغفرون للذين آمنوا ربنا} يعني يقولون ربنا، {وسعت كل شيء رحمة وعلما} قيل: نصب على التفسير، وقيل: على النقل، أي: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، {فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك} دينك {وقهم عذاب الجحيم} قال [مطرف] : أنصح عباد الله للمؤمنين هم الملائكة، وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين . {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم } {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم} قال سعيد بن جبير: يدخل المؤمن الجنة فيقول: أين أبي؟ أين أمي، أين ولدي أين زوجي؟ فيقال: إنهم لم يعملوا مثل عملك، فيقول: إني كنت أعمل لي ولهم، فيقال: أدخلوهم الجنة . {وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل } {وقهم السيئات} العقوبات، {ومن تق السيئات} أي: ومن تقه السيئات يعني العقوبات، وقيل: جزاء السيئات، {يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم} . قوله عز وجل: {إن الذين كفروا ينادون} يوم القيامة وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم حين عرضت عليهم سيئاتهم، وعاينوا العذاب، فيقال لهم: {لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} يعني لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم اليوم أنفسكم عند حلول العذاب بكم. {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-وقتادة والضحاك: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم الله في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما موتتان وحياتان ، وهذا كقوله تعالى: "كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم" 109/ب (البقرة-28) ، وقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم للسؤال، ثم أميتوا في قبورهم ثم أحيوا في الآخرة . {فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل} أي: من خروج من النار إلى الدنيا فنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك، نظيره: "هل إلى مرد من سبيل" (الشورى-44) .
{ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } قال الله تعالى: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم} وفيه متروك استغني عنه لدلالة الظاهر عليه، مجازه: فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك، وهذا العذاب والخلود في النار بأنكم إذا دعي الله وحده كفرتم، إذا قيل لا إله إلا الله [كفرتم] وقلتم: "أجعل الآلهة إلها واحدا" (ص-5) {وإن يشرك به} غيره، {تؤمنوا} تصدقوا ذلك الشرك، {فالحكم لله العلي الكبير} الذي لا أعلى منه ولا أكبر. {هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا} يعني: المطر الذي هو سبب الأرزاق، {وما يتذكر} وما يتعظ بهذه الآيات، {إلا من ينيب} يرجع إلى الله تعالى في جميع أموره. {فادعوا الله مخلصين له الدين} الطاعة والعبادة. {ولو كره الكافرون} . {رفيع الدرجات} رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة، {ذو العرش} خالقه ومالكه، {يلقي الروح} ينزل الوحي، سماه روحا لأنه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح، {من أمره} قال ابن عباس: من قضائه. وقيل: من قوله. وقال مقاتل: بأمره. {على من يشاء من عباده لينذر} أي: لينذر النبي بالوحي، {يوم التلاق} وقرأ يعقوب بالتاء أي: لتنذر أنت يا محمد يوم التلاق، يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض. قال قتادة ومقاتل: يلتقي فيه الخلق والخالق. قال ابن زيد: يتلاقى العباد. وقال ميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم والخصوم. وقيل: يلتقي العابدون والمعبودون. وقيل: يلتقي فيه المرء مع عمله . {يوم هم بارزون} خارجون من قبورهم ظاهرون لا يسترهم شيء، {لا يخفى على الله منهم} من أعمالهم وأحوالهم، {شيء} يقول الله تعالى في ذلك اليوم بعد فناء الخلق: {لمن الملك اليوم} فلا أحد يجيبه، فيجيب نفسه فيقول: {لله الواحد القهار} الذي قهر الخلق بالموت. {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق } {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} يجزى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، {لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب} . {وأنذرهم يوم الآزفة} يعني: يوم القيامة، سميت بذلك لأنها قريبة إذ كل ما هو آت قريب، نظيره قوله عز وجل: "أزفت الآزفة" (النجم-57) أي: قربت القيامة {إذ القلوب لدى الحناجر} وذلك أنها تزول عن أماكنها من الخوف حتى تصير إلى الحناجر، فلا هي تعود إلى أماكنها، ولا هي تخرج من أفواههم فيموتوا ويستريحوا، {كاظمين} مكروبين ممتلئين خوفا وحزنا، والكظم تردد الغيظ والخوف والحزن في القلب حتى يضيق به. {ما للظالمين من حميم} قريب ينفعهم، {ولا شفيع يطاع} فيشفع فيهم. {يعلم خائنة الأعين} أي: خيانتها وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل. قال مجاهد: وهو نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. {وما تخفي الصدور} . {والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه} [يعني الأوثان] {لا يقضون بشيء} لأنها لا تعلم شيئا ولا تقدر على شيء، قرأ نافع [وابن عامر] : "تدعون" بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء. {إن الله هو السميع البصير} .
{أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة} قرأ ابن عامر: "منكم" بالكاف، وكذلك هو في مصاحفهم، {وآثارا في الأرض} فلم ينفعهم ذلك {فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق} يدفع عنهم العذاب. {ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال } {وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد } {ذلك} أي: ذلك العذاب الذي نزل بهم، {بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب} . قوله عز وجل: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا} يعني فرعون وقومه {اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه} قال قتادة: هذا غير القتل الأول، لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان، فلما بعث موسى -عليه السلام-أعاد القتل عليهم، فمعناه أعيدوا عليهم القتل {واستحيوا نساءهم} ليصدوهم بذلك عن متابعة موسى ومظاهرته، {وما كيد الكافرين} وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم، {إلا في ضلال} أي: يذهب كيدهم باطلا ويحيق بهم ما يريده الله عز وجل. {وقال فرعون} لملئه، {ذروني أقتل موسى} وإنما قال هذا لأنه كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتله خوفا من الهلاك {وليدع ربه} أي: وليدع موسى ربه الذي يزعم أنه أرسله إلينا فيمنعه منا، {إني أخاف أن يبدل} يغير، {دينكم} الذي أنتم عليه، {أو أن يظهر في الأرض الفساد} قرأ يعقوب وأهل الكوفة "أو أن يظهر " وقرأ الآخرون "وأن يظهر " وقرأ أهل المدينة والبصرة وحفص "يظهر" بضم الياء وكسر الهاء على التعدية، {الفساد} نصب لقوله: "أن يبدل دينكم" حتى يكون الفعلان على نسق واحد، وقرأ الآخرون بفتح الياء والهاء على اللزوم، "الفساد" رفع وأراد بالفساد تبديل الدين وعبادة غيره. {وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب } {وقال موسى} لما توعده فرعون بالقتل، {إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} . واختلفوا في هذا المؤمن: قال مقاتل والسدي: كان قبطيا ابن عم فرعون وهو الذي حكى الله عنه فقال: "وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى" (القصص-20) ، وقال قوم: كان إسرائيليا، ومجاز الآية: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون وكان اسمه حزئيل عند ابن عباس، وأكثر العلماء. وقال ابن إسحاق: كان اسمه [جبران] . وقيل: كان اسم الرجل الذي آمن من آل فرعون حبيبا {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} لأن يقول ربي الله، {وقد جاءكم بالبينات من ربكم} أي: بما يدل على صدقه، {وإن يك كاذبا فعليه كذبه} 110/ألا يضركم ذلك، {وإن يك صادقا} فكذبتموه، {يصبكم بعض الذي يعدكم} قال أبو عبيد: المراد بالبعض الكل، أي: إن قتلتموه وهو صادق أصابكم ما يتوعدكم به من العذاب. قال الليث: "بعض" صلة، يريد: يصبكم الذي يعدكم. وقال أهل المعاني: هذا على الظاهر في الحجاج كأنه قال: أقل ما في صدقه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم وفي بعض ذلك هلاككم، فذكر البعض ليوجب الكل، {إن الله لا يهدي} إلى دينه، {من هو مسرف} [مشرك] {كذاب} على الله.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، حدثني عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم" . {يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد } {يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض} غالبين في أرض مصر، {فمن ينصرنا من بأس الله} من يمنعنا من عذاب الله، {إن جاءنا} والمعنى لكم الملك اليوم فلا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب، وقتل النبي فإنه لا مانع من عذاب الله إن حل بكم، {قال فرعون ما أريكم} من الرأي والنصيحة، {إلا ما أرى} لنفسي. وقال الضحاك: ما أعلمكم إلا ما أعلم، {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى. {وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم} أي: مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب حتى أتاهم العذاب، {وما الله يريد ظلما للعباد} أي: لا يهلكهم قبل اتخاذ الحجة عليهم. {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد} يوم القيامة يدعى كل أناس بإمامهم وينادي بعضهم بعضا، فينادي أصحاب الجنة أصحاب النار، وأصحاب النار أصحاب الجنة، وينادى أصحاب الأعراف، وينادى بالسعادة والشقاوة، ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وفلان ابن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا، وينادى حين يذبح الموت: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. وقرأ ابن عباس والضحاك: "يوم التناد" بتشديد الدال أي: يوم التنافر، وذلك أنهم هربوا فندوا في الأرض كما تند الإبل إذا شردت عن أربابها. قال الضحاك: وكذلك إذا سمعوا زفير النار ندوا هربا فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفا، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله تعالى: "والملك على أرجائها" (الحاقة-17) وقوله: "يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا" . (الرحمن-33) {يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد } {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار }