Qur'an&Sunnahالقرآن

Beğavî - Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

İmam Beğavî · AR

قسم V07/P214–V07/P216Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V07/P214–V07/P216)

{أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } {فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم} . {وإنه} يعني القرآن، {لذكر لك} لشرف لك، {ولقومك} من قريش، نظيره: "لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم" (الأنبياء-10) ، أي شرفكم، {وسوف تسألون} عن حقه وأداء شكره، روى الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك؟ لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية، فكان بعد ذلك إذا سئل لمن هذا؟ قال: لقريش. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا عاصم بن محمد بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي اثنان". أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين". وقال مجاهد: القوم هم العرب، فالقرآن لهم شرف إذ نزل بلغتهم، ثم يختص بذلك الشرف الأخص فالأخص من العرب، حتى يكون [الأكثر لقريش ولبني هاشم. وقيل: "ذكر ذلك": شرف لك بما أعطاك من الحكمة، "ولقومك" المؤمنين بما هداهم] الله به، "وسوف تسئلون" عن القرآن وعما يلزمكم من القيام بحقه. قوله عز وجل: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} اختلفوا في هؤلاء المسئولين: قال عطاء عن ابن عباس: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم بعث الله له آدم وولده من المرسلين، فأذن جبريل ثم أقام، وقال: يا محمد تقدم فصل بهم، فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل: سل يا محمد "من أرسلنا قبلك من رسلنا"، الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أسأل فقد اكتفيت"، وهذا قول الزهري وسعيد بن جبير وابن زيد، قالوا: جمع الله له المرسلين ليلة أسري به وأمره أن يسئلهم فلم يشك ولم يسأل. وقال أكثر المفسرين: سل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد؟ وهو قول ابن عباس في سائر الروايات، ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي والحسن والمقاتليين. يدل عليه قراءة عبد الله وأبي: "واسئل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا"، ومعنى الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله عز وجل. {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون } {وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون } قوله عز وجل: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون} استهزاء. {وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها} قرينتها وصاحبتها التي كانت قبلها، {وأخذناهم بالعذاب} بالسنين والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس، فكانت هذه دلالات لموسى، وعذابا لهم، فكانت كل واحدة أكبر من التي قبلها، {لعلهم يرجعون} عن كفرهم. {وقالوا} لموسى لما عاينوا العذاب، {يا أيها الساحر} يا أيها العالم الكامل الحاذق، وإنما قالوا هذا توقيرا وتعظيما له، لأن السحر عندهم كان علما عظيما وصفة ممدوحة، وقيل: معناه

قسم V07/P216–V07/P217Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V07/P216–V07/P217)

يا أيها الذي غلبنا بسحره. وقال الزجاج: خاطبوه به لما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر. {ادع لنا ربك بما عهد عندك} أي بما أخبرتنا من عهده إليك إن آمنا كشف عنا العذاب فاسأله يكشف عنا العذاب، {إننا لمهتدون} مؤمنون، فدعا موسى فكشف عنهم فلم يؤمنوا، فذلك قوله عز وجل: {فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين } {فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون} ينقضون عهدهم ويصرون على كفرهم. {ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار} أنهار النيل، {تجري من تحتي} من تحت قصوري، وقال قتادة: تجري بين يدي في جناني وبساتيني. وقال الحسن: بأمري. {أفلا تبصرون} عظمتي وشدة ملكي. {أم أنا خير} بل أنا خير، "أم" بمعنى "بل"، وليس بحرف عطف على قول أكثر المفسرين، وقال الفراء: الوقف على قوله: "أم"، وفيه إضمار، مجازه: أفلا تبصرون أم [تبصرون] ، ثم ابتدأ فقال: أنا خير، {من هذا الذي هو مهين} ضعيف حقير يعني موسى، قوله: {ولا يكاد يبين} يفصح بكلامه للثغته التي في لسانه. {فلولا ألقي عليه} إن كان صادقا، {أسورة من ذهب} قرأ حفص ويعقوب "أسورة" جمع سوار، وقرأ الآخرون "أساورة" على جمع الأسورة، وهي جمع الجمع. قال مجاهد: كانوا إذا سودوا رجلا سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب يكون ذلك دلالة لسيادته، فقال فرعون: هلا ألقى رب موسى عليه أسورة من ذهب إن كان سيدا تجب علينا طاعته. {أو جاء معه الملائكة مقترنين} متتابعين يقارن بعضهم بعضا يشهدون له بصدقه ويعينونه على أمره. قال الله تعالى: {فاستخف قومه} أي استخف فرعون قومه القبط، أي وجدهم جهالا. وقيل: حملهم على الخفة والجهل. يقال: استخفه عن رأيه، إذا حمله على الجهل وأزاله عن الصواب، {فأطاعوه} على تكذيب موسى، {إنهم كانوا قوما فاسقين} . {فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون } {فلما آسفونا} أغضبونا، {انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين} . {فجعلناهم سلفا} قرأ حمزة والكسائي "سلفا" بضم السين واللام، قال الفراء: هو جمع سليف من سلف بضم اللام يسلف، أي تقدم، وقرأ الآخرون بفتح السين واللام على جمع السالف، مثل: حارس وحرس 119/أوخادم وخدم، وراصد ورصد، وهما جميعا الماضون المتقدمون من الأمم، يقال: سلف يسلف، إذا تقدم والسلف من تقدم من الآباء، فجعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون. {ومثلا للآخرين} عبرة وعظة لمن بقي بعدهم. وقيل: سلفا لكفار هذه الأمة إلى النار ومثلا لمن يجيء بعدهم. {ولما ضرب ابن مريم مثلا} قال ابن عباس وأكثر المفسرين: إن الآية نزلت في مجادلة عبد الله بن الزبعري مع النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى عليه السلام، لما نزل قوله عز وجل: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم" (الأنبياء-98) ، وقد ذكرناه في سورة الأنبياء عليهم السلام. {إذا قومك منه يصدون} قرأ أهل المدينة والشام والكسائي: "يصدون" بضم الصاد، أي يعرضون، نظيره قوله تعالى: "يصدون عنك صدودا"، (النساء-61) وقرأ الآخرون بكسر الصاد. واختلفوا في معناه، قال الكسائي: هما لغتان مثل يعرشون ويعرشون، وشد عليه يشد ويشد، ونم بالحديث ينم وينم. وقال ابن عباس: معناه يضجون. وقال سعيد بن المسيب: يصيحون. وقال الضحاك: يعجون. وقال قتادة: يجزعون. وقال القرظي: يضجرون. ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون يقولون ما يريد محمد منا إلا أن نعبده ونتخذه إلها كما عبدت النصارى عيسى. {وقالوا أآلهتنا خير أم هو} قال قتادة: "أم هو" يعنون محمدا، فنعبده ونطيعه ونترك آلهتنا.

قسم V07/P217–V07/P219Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V07/P217–V07/P219)

وقال السدي وابن زيد: "أم هو" يعني عيسى، قالوا: يزعم محمد أن كل ما عبد من دون الله في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة في النار، وقال الله تعالى: {ما ضربوه} يعني هذا المثل، {لك إلا جدلا} خصومة بالباطل وقد علموا أن المراد من قوله: "وما تعبدون من دون الله حصب جهنم" (الأنبياء-98) ، هؤلاء الأصنام. {بل هم قوم خصمون} . أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن عبد الله الحمشاوي، أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا حجاج بن دينار الواسطي، عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل"، ثم قرأ: "ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون". {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون } {وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم } ثم ذكر عيسى فقال: {إن هو} ما هو، يعني عيسى عليه السلام، {إلا عبد أنعمنا عليه} بالنبوة، {وجعلناه مثلا} آية وعبرة، {لبني إسرائيل} يعرفون به قدرة الله عز وجل على ما يشاء حيث خلقه من غير أب. {ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة} أي ولو نشاء لأهلكناكم وجعلنا بدلا منكم ملائكة، {في الأرض يخلفون} يكونون خلفا منكم يعمرون الأرض ويعبدونني ويطيعونني. وقيل: يخلف بعضهم بعضا. {وإنه} يعني عيسى عليه السلام، {لعلم للساعة} يعني نزوله من أشراط الساعة يعلم به قربها، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة: "وإنه لعلم للساعة" بفتح اللام والعين أي أمارة وعلامة. وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عادلا يكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام". ويروى: "أنه ينزل على ثنية بالأرض المقدسة، وعليه ممصرتان ، وشعر رأسه دهين، وبيده حربة وهي التي يقتل بها الدجال، فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة العصر، فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل النصارى إلا من آمن به". أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم"؟ وقال الحسن وجماعة: "وإنه" يعني وإن القرآن لعلم للساعة يعلمكم قيامها، ويخبركم بأحوالها وأهوالها، {فلا تمترن بها} فلا تشكن فيها، قال ابن عباس: لا تكذبوا بها، {واتبعون} على التوحيد، {هذا} الذي أنا عليه، {صراط مستقيم} . {ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون } {ولا يصدنكم} لا يصرفنكم، {الشيطان} عن دين الله، {إنه لكم عدو مبين} . {ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة} بالنبوة، {ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه} من أحكام التوراة، قال قتادة: يعني اختلاف الفرق الذين تحزبوا على أمر عيسى. قال الزجاج: الذي جاء به عيسى في الإنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه، وبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. {فاتقوا الله وأطيعون} .

قسم V07/P219–V07/P221Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V07/P219–V07/P221)

{إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم هل ينظرون إلا الساعة} يعني أنها تأتيهم لا محالة فكأنهم ينتظرونها، {أن تأتيهم بغتة} فجأة، {وهم لا يشعرون} . {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون } {الأخلاء} على المعصية في الدنيا، {يومئذ} يوم القيامة، {بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} إلا المتحابين في الله عز وجل على طاعة الله عز وجل. أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني عقيل بن محمد بن أحمد، أن أبا الفرج البغدادي القاضي أخبرهم عن محمد بن جرير، حدثنا ابن عبد الأعلى، عن قتادة، حدثنا أبو ثور عن معمر عن قتادة عن أبي إسحاق أن عليا قال في هذه الآية: خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين فقال: يا رب إن فلانا كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، ويخبرني أني ملاقيك، يا رب فلا تضله بعدي واهده كما هديتني وأكرمه كما أكرمتني، فإذا مات خليله المؤمن جمع بينهما، فيقول: ليثن أحدكما على صاحبه، فيقول: نعم الأخ، ونعم الخليل، ونعم الصاحب، قال: ويموت أحد الكافرين، فيقول: يا رب إن فلانا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك، فيقول بئس الأخ، 119/ب وبئس الخليل، وبئس الصاحب . {يا عباد} أي فيقال لهم: يا عبادي، {لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} وروي عن المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: سمعت أن الناس حين يبعثون ليس منهم أحد إلا فزع، فينادي مناد: "يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون" فيرجوها الناس كلهم فيتبعها: {الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين} فييأس الناس منها غير المسلمين فيقال لهم: {ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون} تسرون وتنعمون. {يطاف عليهم بصحاف} جمع صحفة وهي القصعة الواسعة، {من ذهب وأكواب} جمع كوب وهو إناء مستدير مدور الرأس لا عرى لها، {وفيها} أي في الجنة، {ما تشتهيه الأنفس} قرأ أهل المدينة والشام وحفص: {تشتهيه} ، وكذلك في مصاحفهم، وقرأ الآخرون بحذف الهاء. {وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون} . أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رجل: يا رسول الله أفي الجنة خيل؟ فإني أحب الخيل، فقال: "إن يدخلك الله الجنة لا تشاء أن تركب فرسا من ياقوتة حمراء فتطير بك في أي الجنة شئت، إلا فعلت"، فقال أعرابي: يا رسول الله أفي الجنة إبل؟ فقال: "يا أعرابي إن يدخلك الله الجنة أصبت فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك". {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون } {إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون } {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون} وفي الحديث: "لا ينزع رجل من الجنة من ثمرة إلا نبت مكانها مثلاها" . {إن المجرمين} المشركين، {في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ونادوا يامالك} . يدعون خازن النار، {ليقض علينا ربك} ليمتنا ربك فنستريح فيجيبهم مالك بعد ألف سنة، {قال إنكم ماكثون} مقيمون في العذاب.

قسم V07/P221–V07/P223Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V07/P221–V07/P223)

أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة يذكره عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال [النبي صلى الله عليه وسلم] : "إن أهل النار يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما، ثم يرد عليهم إنكم ماكثون، قال: هانت-والله-دعوتهم على مالك وعلى رب مالك، ثم يدعون ربهم فيقولون: ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون، قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين، ثم يرد عليهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون، قال: فوالله ما نبس القوم بعدها بكلمة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، فشبه أصواتهم بأصوات الحمير، أولها زفير وآخرها شهيق. {لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون } . {لقد جئناكم بالحق} يقول أرسلنا إليكم يا معشر قريش رسولنا بالحق، {ولكن أكثركم للحق كارهون} . {أم أبرموا} أم أحكموا {أمرا} في المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم، {فإنا مبرمون} محكمون أمرا في مجازاتهم، قال مجاهد: إن كادوا شرا كدتهم مثله. {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم} ما يسرونه من غيرهم ويتناجون به بينهم، {بلى} نسمع ذلك ونعلم، {ورسلنا} أيضا من الملائكة يعني الحفظة، {لديهم يكتبون} . {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} يعني إن كان للرحمن ولد في قولكم وعلى زعمكم، فأنا أول من عبده فإنه واحد لا شريك له ولا ولد. وروي عن ابن عباس: {إن كان} أي ما كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين الشاهدين له بذلك، جعل: "إن" بمعنى الجحد. وقال السدي: معناه لو كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده بذلك، ولكن لا ولد له. وقيل: "العابدين" بمعنى الآنفين، أي: أنا أول الجاحدين والمنكرين لما قلتم. ويقال: معناه: أنا أول من غضب للرحمن أن يقال له ولد، يقال: عبد يعبد إذا أنف وغضب. وقال قوم: قل ما يقال: عبد فهو عابد، إنما يقال: فهو عبد. ثم نزه نفسه فقال: {سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون} عما يقولون من الكذب. {فذرهم يخوضوا} في باطلهم، {ويلعبوا} في دنياهم، {حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون} يعني يوم القيامة. {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون } {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} [قال قتادة: يعبد في السماء وفي الأرض لا إله إلا هو] ، {وهو الحكيم} في تدبير خلقه، {العليم} بمصالحهم. {وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون} قرأ ابن كثير والكسائي "يرجعون" بالياء، والآخرون بالتاء. {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق} وهم عيسى وعزير والملائكة فإنهم عبدوا من دون الله، ولهم الشفاعة، وعلى هذا يكون "من" في محل الرفع، وقيل: "من" في محل الخفض، وأراد بالذين يدعون عيسى وعزير والملائكة، يعني أنهم لا يملكون الشفاعة إلا من شهد بالحق، والأول أصح، وأراد بشهادة الحق قوله لا إله إلا الله كلمة التوحيد، {وهم يعلمون} بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم. {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون} يصرفون عن عبادته.

قسم V07/P223–V07/P228Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V07/P223–V07/P228)

{وقيله يا رب} يعني قول محمد صلى الله عليه وسلم شاكيا إلى ربه: يا رب، {إن هؤلاء قوم لا يؤمنون} 120/أقرأ عاصم وحمزة "وقيله" بجر اللام والهاء، على معنى: وعنده علم الساعة وعلم قيله يا رب، وقرأ الآخرون بالنصب، وله وجهان: أحدهما معناه: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله يا رب، والثاني: وقال قيله. {فاصفح عنهم} أعرض عنهم، {وقل سلام} معناه: المتاركة، كقوله تعالى: "سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين" (القصص-55) ، {فسوف يعلمون} قرأ أهل المدينة والشام بالتاء، والباقون بالياء، قال مقاتل: نسختها آية السيف. سورة الدخان مكية بسم الله الرحمن الرحيم {حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم } . {حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة} قال قتادة وابن زيد: هي ليلة القدر أنزل الله القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم نجوما في عشرين سنة . وقال آخرون: هي ليلة النصف من شعبان . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا الأصبغ بن الفرج، أخبرني ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن عبد الملك بن عبد الملك حدثه أن ابن أبي ذئب واسمه مصعب حدثه عن القاسم بن محمد عن أبيه أو عمه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ينزل الله جل ثناؤه ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لكل نفس إلا إنسانا في قلبه شحناء أو مشركا بالله" {إنا كنا منذرين} . {فيها} أي في الليلة المباركة، {يفرق} يفصل، {كل أمر حكيم} محكم، وقال ابن عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال حتى الحجاج، يقال: يحج فلان [ويحج فلان] ، قال الحسن ومجاهد وقتادة: يبرم في ليلة القدر في شهر رمضان كل أجل وعمل وخلق ورزق، وما يكون في تلك السنة. وقال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وتنسخ الأحياء من الأموات فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له ولقد أخرج اسمه في الموتى" . وروى أبو الضحى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الله يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر. {أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك إنه هو السميع العليم رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين بل هم في شك يلعبون } {أمرا} أي أنزلنا أمرا، {من عندنا} قال الفراء: نصب على معنى: فيها يفرق كل أمر فرقا وأمرا، أي نأمر ببيان ذلك أمرا {إنا كنا مرسلين} محمدا صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبياء. {رحمة من ربك} قال ابن عباس: رأفة مني بخلقي ونعمتي عليهم بما بعثنا إليهم من الرسل. وقال الزجاج: أنزلناه في ليلة مباركة للرحمة، {إنه هو السميع العليم رب السموات والأرض وما بينهما} قرأ أهل الكوفة: "رب" جرا، ردا على قوله: "من ربك"، ورفعه الآخرون ردا على قوله: "هو السميع العليم"، وقيل: على الابتداء، {إن كنتم موقنين} أن الله رب السموات والأرض. {لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين بل هم في شك} من هذا القرآن، {يلعبون} يهزؤون به لاهون عنه. {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} اختلفوا في هذا الدخان:

قسم V07/P228–V07/P229Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V07/P228–V07/P229)

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن كثير، عن سفيان، حدثنا منصور والأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة، فقال: يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمن [كهيئة] الزكام، ففزعنا فأتيت ابن مسعود وكان متكئا فغضب فجلس، فقال: من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم، فإن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: "قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين" (ص-86) ، وإن قريشا أبطؤوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم، فقرأ: "فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين" إلى قوله: "إنكم عائدون"، أفيكشف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء؟ ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله: {يوم نبطش البطشة الكبرى} يعني يوم بدر و {لزاما} يوم بدر، "الم غلبت الروم"، إلى "سيغلبون" (الروم-3) ، الروم قد مضى . ورواه محمد بن إسماعيل عن يحيى عن وكيع عن الأعمش، قال: قالوا: {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون} فقيل له: إن كشفنا عنهم عادوا إلى كفرهم، فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا فانتقم الله منهم يوم بدر، فذلك قوله: "فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين"، إلى قوله: "إنا منتقمون" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله قال: خمس قد مضين اللزام والروم والبطشة والقمر والدخان . وقال قوم: هو دخان يجيء قبل قيام الساعة ولم يأت بعد، فيدخل في أسماع الكفار والمنافقين حتى يكون كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه النار، وهو قول ابن عباس وابن عمر والحسن . أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عقيل بن محمد الجرجاني، حدثنا أبو الفرج المعافى بن زكريا البغدادي، حدثنا محمد بن جرير الطبري، حدثني عصام بن رواد بن الجراح، حدثنا أبي، أخبرنا أبو سفيان بن سعيد، حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان 120/ب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول الآيات الدخان، ونزول عيسى بن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا"، قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟ فتلا هذه الآية: "يوم تأتي السماء بدخان مبين"، يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأما الكافر فكمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره . {أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين } {أنى لهم الذكرى} من أين لهم التذكر والاتعاظ؟ يقول: كيف يتذكرون ويتعظون؟ {وقد جاءهم رسول مبين} ظاهر الصدق يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. {ثم تولوا عنه} أعرضوا عنه، {وقالوا معلم} أي يعلمه بشر، {مجنون} . قال الله تعالى: {إنا كاشفوا العذاب} أي عذاب الجوع، {قليلا} أي زمانا يسيرا، قال مقاتل: إلى يوم بدر. {إنكم عائدون} إلى كفركم. {يوم نبطش البطشة الكبرى} وهو يوم بدر، {إنا منتقمون} وهذا قول ابن مسعود وأكثر العلماء، وقال الحسن: يوم القيامة، وروى عكرمة ذلك عن ابن عباس. {ولقد فتنا} بلونا، {قبلهم} قبل هؤلاء، {قوم فرعون وجاءهم رسول كريم} على الله وهو موسى بن عمران.

قسم V07/P229–V07/P232Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V07/P229–V07/P232)

{أن أدوا إلي عباد الله} يعني بني إسرائيل أطلقهم ولا تعذبهم، {إني لكم رسول أمين} على الوحي. {وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين } {وأن لا تعلوا على الله} لا تتجبروا عليه بترك طاعته، {إني آتيكم بسلطان مبين} ببرهان بين على صدق قولي، فلما قال ذلك توعدوه بالقتل، فقال: {وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون} . {وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون} أي: تقتلوني، وقال ابن عباس: تشتموني وتقولوا هو ساحر. وقال قتادة: ترجموني بالحجارة. {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} فاتركوني لا معي ولا علي. وقال ابن عباس: فاعتزلوا أذاي باليد واللسان، فلم يؤمنوا. {فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون} مشركون، فأجابه الله وأمره أن يسري، فقال: {فأسر بعبادي ليلا} أي ببني إسرائيل، {إنكم متبعون} يتبعكم فرعون وقومه. {واترك البحر} إذا قطعته أنت وأصحابك، {رهوا} ساكنا على حالته وهيئته، بعد أن ضربته ودخلته، معناه: لا تأمره أن يرجع، اتركه حتى يدخله آل فرعون، وأصل "الرهو": السكون. وقال مقاتل: معناه: اترك البحر رهوا [راهيا] أي: ساكنا، فسمي بالمصدر، أي ذا رهو. وقال كعب: اتركه طريقا. قال قتادة: طريقا يابسا. قال قتادة: لما قطع موسى البحر عطف ليضرب البحر بعصاه ليلتئم وخاف أن يتبعه فرعون [وجنوده] فقيل له: اترك البحر رهوا كما هو، {إنهم جند مغرقون} أخبر موسى أنه يغرقهم ليطمئن قلبه في تركه البحر كما جاوزه. ثم ذكر ما تركوا بمصر. فقال: {كم تركوا} [يعني بعد الغرق] {من جنات وعيون وزروع ومقام كريم} مجلس شريف، قال قتادة: الكريم الحسن. {ونعمة} ومتعة وعيش لين، {كانوا فيها فاكهين} ناعمين وفكهين: أشرين بطرين. {كذلك وأورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ولقد اخترناهم على علم على العالمين } {كذلك} قال الكلبي: كذلك أفعل بمن عصاني، {وأورثناها قوما آخرين} يعني بني إسرائيل. {فما بكت عليهم السماء والأرض} وذلك أن المؤمن إذا مات تبكي عليه السماء والأرض أربعين صباحا، وهؤلاء لم يكن يصعد لهم عمل صالح فتبكي السماء على فقده، ولا لهم على الأرض عمر صالح فتبكي الأرض عليه. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله الفنجوي، حدثنا أبو علي المقري، حدثنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا أحمد بن إسحاق البصري، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي، أخبرني يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه" وتلا "فما بكت عليهم السماء والأرض" . قال عطاء: بكاء السماء حمرة أطرافها. قال السدي: لما قتل الحسين بن علي بكت عليه السماء، وبكاؤها حمرتها . {وما كانوا منظرين} لم ينظروا حين أخذهم العذاب لتوبة ولا لغيرها. {ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين} قتل الأبناء واستحياء النساء والتعب في العمل. {من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ولقد اخترناهم} يعني مؤمني بني إسرائيل، {على علم} بهم، {على العالمين} على عالمي زمانهم. {وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين } {وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين} قال قتادة: نعمة بينة من فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، والنعم التي أنعمها عليهم. وقال ابن زيد: ابتلاهم بالرخاء والشدة، وقرأ: "ونبلوكم بالشر والخير فتنة" (الأنبياء-35) .

قسم V07/P232–V07/P233Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V07/P232–V07/P233)

{إن هؤلاء} يعني مشركي مكة {ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى} أي لا موتة إلا هذه التي نموتها في الدنيا، ثم لا بعث بعدها. وهو قوله: {وما نحن بمنشرين} بمبعوثين بعد موتتنا. {فأتوا بآبائنا} [الذين ماتوا] {إن كنتم صادقين} أنا نبعث أحياء بعد الموت، ثم خوفهم مثل عذاب الأمم الخالية فقال: {أهم خير أم قوم تبع} أي ليسوا خيرا منهم، يعني أقوى وأشد وأكثر من قوم تبع. قال قتادة: هو تبع الحميري، وكان سار بالجيوش حتى حير الحيرة، وبنى سمرقند وكان من ملوك اليمن، سمي تبعا لكثرة أتباعه، وكل واحد منهم يسمى: "تبعا" لأنه يتبع صاحبه، وكان هذا يعبد النار فأسلم ودعا قومه إلى الإسلام وهم حمير، فكذبوه وكان من خبره ما ذكره محمد بن إسحاق وغيره . وذكر عكرمة عن ابن عباس قالوا: كان تبع الآخر وهو أسعد أبو كرب بن مليك [جاء بكر] حين أقبل من المشرق وجعل طريقه على المدينة، وقد كان حين مر بها خلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة، فقدمها وهو مجمع لإخرابها واستئصال أهلها، فجمع له هذا الحي من الأنصار حين سمعوا ذلك من أمره، فخرجوا لقتاله وكان الأنصار يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل، فأعجبه ذلك وقال: إن هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران اسمهما: كعب وأسد من أحبار بني قريظة، عالمان وكانا ابني عم، حين سمعا ما يريد من إهلاك 121/أالمدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة. فإنها مهاجر نبي يخرج من هذا الحي من قريش اسمه محمد، مولده مكة، وهذه دار هجرته ومنزلك الذي أنت به يكون به من القتل والجراح أمر كبير في أصحابه، وفي عدوهم. قال تبع: من يقاتله وهو نبي؟ قالا يسير إليه قومه فيقتلون ها هنا، فتناهى لقولهما عما كان يريد بالمدينة، ثم إنهما دعواه إلى دينهما فأجابهما واتبعهما على دينهما وأكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما ونفر من اليهود عامدين إلى اليمن، فأتاه في الطريق نفر من هذيل وقالوا: إنا ندلك على بيت فيه كنز من لؤلؤ وزبرجد وفضة، قال: أي بيت؟ قالوا: بيت بمكة، وإنما تريد هذيل هلاكه لأنهم عرفوا أنه لم يرده أحد قط بسوء إلا هلك، فذكر ذلك للأحبار، فقالوا: ما نعلم لله في الأرض بيتا غير هذا البيت، فاتخذه مسجدا وانسك عنده وانحر واحلق رأسك، وما أراد القوم إلا هلاكك لأنه ما ناوأهم أحد قط إلا هلك، فأكرمه واصنع عنده ما يصنع أهله، فلما قالوا له ذلك أخذ النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ثم صلبهم، فلما قدم مكة نزل الشعب شعب البطائح، وكسا البيت الوصائل، وهو أول من كسا البيت، ونحر بالشعب ستة آلاف بدنة، وأقام به ستة أيام وطاف به وحلق وانصرف، فلما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بين ذلك وبينه، قالوا: لا تدخل علينا وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه وقال إنه دين خير من دينكم، قالوا: فحاكمنا إلى النار، وكانت باليمن نار في أسفل جبل يتحاكمون إليها فيما يختلفون فيه، فتأكل الظالم ولا تضر المظلوم، فقال تبع: أنصفتم، فخرج القوم بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه، فخرجت النار فأقبلت حتى غشيتهم، فأكلت الأوثان وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما، يتلوان التوراة تعرق جباههما لم تضرهما، ونكصت النار حتى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما، فمن هنالك كان أصل اليهودية في اليمن . وذكر أبو حاتم عن الرقاشي قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة سنة. وذكر لنا أن كعبا كان يقول: ذم الله قومه ولم يذمه . وكانت عائشة تقول: لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا . وقال سعيد بن جبير: هو الذي كسا البيت .

قسم V07/P233–V07/P236Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V07/P233–V07/P236)

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن سهل بن سعد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم" . أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا محمد بن علي بن سالم الهمداني، حدثنا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أدري تبع نبيا كان أو غير نبي" . {والذين من قبلهم} من الأمم الكافرة. {أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين} . {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون } {إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم إن شجرة الزقوم طعام الأثيم } {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق} قيل: يعني للحق وهو الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. {ولكن أكثرهم لا يعلمون} . {إن يوم الفصل} يوم يفصل الرحمن بين العباد، {ميقاتهم أجمعين} يوافي يوم القيامة الأولون والآخرون. {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا} لا ينفع قريب قريبه ولا يدفع عنه شيئا، {ولا هم ينصرون} لا يمنعون من عذاب الله. {إلا من رحم الله} يريد المؤمنين فإنه يشفع بعضهم لبعض، {إنه هو العزيز} في انتقامه من أعدائه، {الرحيم} بالمؤمنين. {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} [أي ذي الإثم] وهو أبو جهل. {كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنك أنت العزيز الكريم إن هذا ما كنتم به تمترون إن المتقين في مقام أمين } {كالمهل} هو دردي الزيت الأسود، {يغلي في البطون} قرأ ابن كثير وحفص "يغلي" بالياء، جعلوا الفعل للمهل، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث الشجرة، "في البطون" أي بطون الكفار، {كغلي الحميم} كالماء الحار إذا اشتد غليانه. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو بكر العبدوسي، أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد بن يزيد، حدثنا سليمان بن يوسف، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت على الأرض لأمرت على أهل الدنيا معيشتهم، فكيف بمن تكون طعامه وليس لهم طعام غيره" . قوله تعالى: {خذوه} أي يقال للزبانية: خذوه، يعني الأثيم، {فاعتلوه} قرأ أهل الكوفة، وأبو جعفر، وأبو عمرو: بكسر التاء، وقرأ الباقون بضمها، وهما لغتان، أي ادفعوه وسوقوه، يقال: عتله يعتله عتلا إذا ساقه بالعنف والدفع والجذب، {إلى سواء الجحيم} وسطه. {ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم} قال مقاتل، إن خازن النار يضربه على رأسه فينقب رأسه عن دماغه، ثم يصب فيه ماء حميما قد انتهى حره . ثم يقال له: {ذق} هذا العذاب، {إنك} قرأ الكسائي "أنك" بفتح الألف، أي لأنك كنت تقول: أنا العزيز، وقرأ الآخرون بكسرها على الابتداء، {إنك أنت العزيز الكريم} عند قومك بزعمك، وذلك أن أبا جهل كان يقول: أنا أعز أهل الوادي وأكرمهم، فيقول له هذا خزنة النار، على طريق الاستحقار والتوبيخ. {إن هذا ما كنتم به تمترون} تشكون فيه ولا تؤمنون به. ثم ذكر مستقر المتقين، فقال: {إن المتقين في مقام أمين} قرأ أهل المدينة والشام: "في مقام" بضم الميم على المصدر، أي في إقامة، وقرأ الآخرون بفتح الميم، أي في مجلس أمين، أمنوا فيه من الغير، أي من الموت ومن الخروج منه. 121/ب

%0
10 Bölüm

الأسئلة