Qur'an&Sunnahالقرآن

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ) · AR

قسم V02/P095–V02/P097Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P095–V02/P097)

قال محمد بن إسحاق والسدي عن رجالهما: إن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه ودعا عبد الله بن أبي بن سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره، فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا، فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين. فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأي. وقال بعض أصحابه: يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني رأيت في منامي بقرا تذبح، فأولتها خيرا، ورأيت في ذباب سيفي ثلما فأولتها هزيمة ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة" وكان يعجبه أن يدخلوا عليه بالمدينة فيقاتلوا في الأزقة فقال رجال من المسلمين ممن فاتهم يوم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى أعدائنا. فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من حبهم للقاء القوم، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته، فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا، نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل" . وكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس فراح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، بعدما صلى بأصحابه الجمعة وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إليهم، فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، فكان من حرب أحد ما كان، فذلك قوله تعالى: {وإذ غدوت من أهلك} أي: واذكر إذا غدوت من أهلك {تبوئ المؤمنين} أي: تنزل المؤمنين {مقاعد للقتال} أي: مواطن، ومواضع للقتال، يقال: بوأت القوم إذا وطنتهم وتبؤوا هم إذا تواطنوا قال الله تعالى: " ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق " (يونس -93) وقال " أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا " (يونس -87) وقيل تتخذ معسكرا، {والله سميع عليم} {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون } {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} أي: تجبنا وتضعفا وتتخلفا والطائفتان بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، ودنا جناحي العسكر وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد في ألف رجل، وقيل: في تسعمائة وخمسين رجلا فلما بلغوا الشوط انخذل عبد الله بن أبي بثلث الناس ورجع في ثلاث مائة وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال: أنشدكم بالله في نبيكم وفي أنفسكم، فقال عبد الله بن أبي: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أبي فعصمهم الله فلم ينصرفوا فذكرهم الله عظيم نعمته فقال عز وجل {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما} ناصرهما وحافظهما. {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل، 68/أأنا محمد بن يوسف عن ابن عيينة عن عمرو عن جابر قال: نزلت هذه الآية فينا {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما} بنو سلمة وبنو حارثة، وما أحب أنها لم تنزل والله يقول: {والله وليهما} . {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين }

قسم V02/P097–V02/P099Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P097–V02/P099)

قوله تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر} وبدر موضع بين مكة والمدينة وهو اسم لموضع، وعليه الأكثرون وقيل: اسم لبئر هناك، وقيل: كانت بدر بئرا لرجل يقال له بدر، قاله الشعبي وأنكر الآخرون عليه. يذكر الله تعالى في هذه الآية منته عليهم بالنصرة يوم بدر، {وأنتم أذلة} جمع: ذليل وأراد به قلة العدد فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فنصرهم الله مع قلة عددهم، {فاتقوا الله لعلكم تشكرون} {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم} اختلفوا في هذه الآية فقال قتادة: كان هذا يوم بدر أمدهم الله تعالى بألف من الملائكة كما قال: " فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة " (الأنفال -9) ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف كما ذكر هاهنا {بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين } {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} فصبروا يوم بدر فاتقوا فأمدهم الله بخمسة آلاف كما وعد قال الحسن: وهؤلاء الخمسة آلاف ردء المؤمنين إلى يوم القيامة. وقال ابن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون، إنما يكونون عددا ومددا. قال محمد بن إسحاق: لما كان يوم أحد انجلى القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي سعد بن مالك يرمي وفتى شاب يتنبل له كلما فني النبل أتاه به فنثره فقال ارم أبا إسحاق مرتين، فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل يعرف. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد العزيز بن عبد الله، أنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد . ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال أخبرنا محمد بن بشر وأبو أسامة، عن مسعر، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سعد يعني ابن أبي وقاص قال: "رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأبتهما قبل ولا بعد" يعني: جبريل وميكائيل . وقال الشعبي: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر: أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى: {ألن يكفيكم أن يمدكم} إلى قوله {مسومين} فبلغ كرزا الهزيمة فرجع فلم يأتهم ولم يمدهم فلم يمدهم الله أيضا بالخمسة آلاف، وكانوا قد أمدوا بألف. وقال الآخرون: إنما وعد الله تعالى المسلمين يوم بدر إن صبروا على طاعته واتقوا محارمه: أن يمدهم أيضا في حروبهم كلها فلم يصبروا إلا في يوم الأحزاب، فأمدهم الله حتى حاصروا قريظة والنضير، قال عبد الله بن أبي أوفى: كنا محاصري قريظة والنضير ما شاء الله فلم يفتح علينا فرجعنا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل فهو يغسل رأسه إذ جاءه جبريل عليه السلام، فقال: وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة فلف بها رأسه ولم يغسله، ثم نادى فينا فقمنا حتى أتينا قريظة والنضير فيومئذ أمدنا الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة، ففتح لنا فتحا يسيرا. وقال الضحاك وعكرمة: كان هذا يوم أحد وعدهم الله المدد إن صبروا فلم يصبروا فلم يمدوا به .

قسم V02/P099–V02/P101Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P099–V02/P101)

قوله تعالى: {أن يمدكم ربكم} والإمداد: إعانة الجيش بالجيش، وقيل: ما كان على جهة القوة والإعانة يقال فيه: أمده إمدادا وما كان على جهة الزيادة يقال: مده مدا، ومنه قوله تعالى: " والبحر يمده " (لقمان -27) وقيل: المد في الشر والإمداد في الخير، يدل عليه قوله تعالى: " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " (البقرة -15) " ونمد له من العذاب مدا " (مريم -79) وقال في الخير: {أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين} وقال: " وأمددناكم بأموال وبنين " (الإسراء -26) . قوله تعالى: {بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} قرأ ابن عامر بتشديد الزاي على التكثير لقوله تعالى: " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة " (سورة الأنعام -111) وقرأ الآخرون بالتخفيف دليله قوله تعالى: " لولا أنزل علينا الملائكة " (الفرقان -21) وقوله: " وأنزل جنودا لم تروها " (التوبة -26) . ثم قال: {بلى} نمدكم {إن تصبروا} لعدوكم {وتتقوا} أي: مخالفة نبيكم {ويأتوكم} يعني المشركين {من فورهم هذا} قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والحسن وأكثر المفسرين: من وجههم هذا، وقال مجاهد والضحاك: من غضبهم هذا، لأنهم إنما رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر، {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة} لم يرد خمسة آلاف سوى ما ذكر من ثلاثة آلاف بل أراد معهم وقوله {مسومين} أي: معلمين قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو وقرأ الآخرون بفتحها فمن كسر الواو فأراد أنهم سوموا خيلهم ومن فتحها أراد به أنفسهم، والتسويم: الإعلام من السومة وهي العلامة. واختلفوا في تلك العلامة فقال عروة بن الزبير: كانت الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر، وقال علي وابن عباس رضي الله عنهم: كانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم، (وقال هشام بن عروة والكلبي: عمائم صفر مرخاة على أكتافهم) وقال الضحاك وقتادة: كانوا قد أعلموا بالعهن في نواصي الخيل وأذنابها، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: "تسوموا فإن الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم" . {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم } قوله تعالي (وما جعله الله) يعني هذا الوعد والمدد، (إلا بشرى لكم) أي: بشارة لتستبشروا به (ولتطمئن) ولتسكن (قلوبكم به) فلا تجزعوا من كثرة عدوكم وقلة عددكم (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) يعني: لا تحيلوا بالنصر على الملائكة والجند، فإن النصر من الله تعالى فاستعينوا به وتوكلوا عليه، لأن العز والحكم له. قوله تعالى: {ليقطع طرفا من الذين كفروا} يقول: لقد نصركم الله ببدر ليقطع طرفا أي: لكي يهلك طائفة من الذين كفروا وقال السدي: معناه ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر، فقتل من قادتهم وسادتهم يوم بدر سبعون وأسر سبعون ومن حمل الآية على حرب أحد فقد قتل منهم يومئذ ستة عشر وكانت النصرة للمسلمين حتى خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فانقلب عليهم، {أو يكبتهم} قال الكلبي: يهزمهم وقال يمان: يصرعهم لوجوههم، قال السدي: يلعنهم، وقال أبو عبيدة: يهلكهم، وقيل: يحزنهم، والمكبوت: الحزين وقيل أصله: يكبدهم أي: يصيب الحزن والغيظ 68/ب أكبادهم، والتاء والدال يتعاقبان كما يقال سبت رأسه وسبده: إذا حلقه، وقيل: يكبتهم بالخيبة، {فينقلبوا خائبين} ينالوا شيئا مما كانوا يرجون من الظفر بكم. قوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} الآية، اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال قوم: نزلت

قسم V02/P101–V02/P103Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P101–V02/P103)

في أهل بئر معونة، وهم سبعون رجلا من القراء، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم أميرهم المنذر بن عمرو، فقتلهم عامر بن الطفيل فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا، وقنت شهرا في الصلوات كلها يدعو على جماعة من تلك القبائل باللعن والسنين فنزلت: {ليس لك من الأمر شيء} أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا حبان بن موسى، أخبرنا عبد الله يعني ابن المبارك، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تعالى {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} . وقال قوم: نزلت يوم أحد، أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: "كيف يفلح قوم شجوا [رأس] نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى [الله عز وجل] فأنزل الله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: "اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية" فنزلت: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم} فأسلموا وحسن إسلامهم . وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن إسحاق لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يوم أحد ما بأصحابهم من جدع الآذان والأنوف وقطع المذاكير، قالوا: لئن أدالنا الله تعالى منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا، ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم بالاستئصال فنزلت هذه الآية وذلك لعلمه فيهم بأن كثيرا منهم يسلمون. فقوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} أي: ليس إليك، فاللام بمعنى "إلى" كقوله تعالى: " ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان " (سورة آل عمران -193) أي: إلى الإيمان: قوله تعالى: {أو يتوب عليهم} (قال بعضهم: معناه حتى يتوب عليهم) أو: إلى أن يتوب عليهم، وقيل: هو نسق على قوله "ليقطع طرفا" وقوله: {ليس لك من الأمر شيء} اعتراض بين نظم الكلام ونظم الآية ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء، بل الأمر أمري في ذلك كله. ثم قال: {ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم} {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين } {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} أراد به ما كانوا يفعلونه عند حلول أجل الدين من زيادة المال وتأخير الطلب، {واتقوا الله} في أمر الربا فلا تأكلوه، {لعلكم تفلحون} ثم خوفهم فقال: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون } {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين } {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} لكي ترحموا. {وسارعوا} قرأ أهل المدينة والشام سارعوا بلا واو، {إلى مغفرة من ربكم} أي بادروا وسابقوا إلى الأعمال التي توجب المغفرة.

قسم V02/P103–V02/P105Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P103–V02/P105)

قال ابن عباس رضي الله عنهما: إلى الإسلام، وروي عنه: إلى التوبة، وبه قال عكرمة، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إلى أداء الفرائض، وقال أبو العالية: إلى الهجرة، وقال الضحاك: إلى الجهاد، وقال مقاتل: إلى الأعمال الصالحة. روي عن أنس بن مالك أنها التكبيرة الأولى. {وجنة} أي وإلى جنة {عرضها السماوات والأرض} أي: عرضها كعرض السموات والأرض، كما قال في سورة الحديد: " وجنة عرضها كعرض السماء والأرض " (سورة الحديد -21) أي: سعتها، وإنما ذكر العرض على المبالغة لأن طول كل شيء في الأغلب أكثر من عرضه يقول: هذه صفة عرضها فكيف طولها؟ قال الزهري: إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلا الله، وهذا على التمثيل لا أنها كالسموات والأرض لا غير، معناه: كعرض السموات السبع والأرضين السبع عند ظنكم كقوله تعالى: " خالدين فيها ما دامت السموات والأرض " (سورة هود -107) يعني: عند ظنكم وإلا فهما زائلتان، وروي عن طارق بن شهاب أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب وعنده أصحابه رضي الله عنهم وقالوا: أرأيتم قوله {وجنة عرضها السماوات والأرض} فأين النار؟ فقال عمر: أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا: إنه لمثلها في التوراة ومعناه أنه حيث يشاء الله. فإن قيل: قد قال الله تعالى: " وفي السماء رزقكم وما توعدون " (سورة الذاريات -22) وأراد بالذي وعدنا: الجنة فإذا كانت الجنة في السماء فكيف يكون عرضها السموات والأرض؟ وقيل: إن باب الجنة في السماء وعرضها السموات والأرض كما أخبر، وسئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن الجنة: أفي السماء أم في الأرض؟ فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة؟ قيل: فأين هي؟ قال: فوق السموات السبع تحت العرش. وقال قتادة: كانوا يرون أن الجنة فوق السموات السبع وأن جهنم تحت الأرضين السبع {أعدت للمتقين} {الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين } {الذين ينفقون في السراء والضراء} أي: في اليسر والعسر فأول ما ذكر من أخلاقهم الموجبة للجنة ذكر السخاوة وقد جاء في الحديث. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عمرو الفراتي، أخبرنا أبو العباس أحمد بن إسماعيل العنبري، أخبرنا أبو عبد الله بن حازم البغوي بمكة، أخبرنا أبو صالح بن أيوب الهاشمي، أخبرنا إبراهيم بن سعد، أخبرنا سعيد بن محمد، عن يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من عابد بخيل" . {والكاظمين الغيظ} أي: الجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، والكظم: حبس الشيء عند امتلائه 69/أوكظم الغيظ أن يمتلئ غيظا فيرده في جوفه ولا يظهره. ومنه قوله تعالى: " إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين " (سورة غافر -18) أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عمرو الفراتي، أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الإسفرايني، أخبرنا أبو عبد الله بن محمد زكريا العلاني، أخبرنا روح بن عبد المؤمن، أخبرنا أبو عبد الرحمن المقري أخبرنا سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني أبو مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء ". . {والعافين عن الناس} قال الكلبي عن المملوكين سوء الأدب، وقال زيد بن أسلم ومقاتل: عمن ظلمهم وأساء إليهم. {والله يحب المحسنين} . {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } قوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} الآية قال ابن مسعود: قال المؤمنون: يا

قسم V02/P105–V02/P107Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P105–V02/P107)

رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا، كان أحدهم إذا أذنب أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه اجدع أنفك وأذنك، افعل كذا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال عطاء: نزلت في نبهان التمار وكنيته أبو معبد أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فقال لها إن هذا التمر ليس بجيد، وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية . وقال مقاتل والكلبي: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله فاشترى لهم اللحم ذات يوم فلما أرادت المرأة أن تأخذ منه دخل على أثرها وقبل يدها، ثم ندم وانصرف ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن حاله فقالت: لا أكثر الله في الإخوان مثله ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائبا مستغفرا، فطلبه الثقفي حتى وجده فأتى به أبا بكر رجاء أن يجد عنده راحة وفرجا. فقال الأنصاري: هلكت: وذكر له القصة فقال أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي مالا يغار للمقيم، ثم أتيا عمر رضي الله عنه فقال مثل ذلك، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى هذه الآية {والذين إذا فعلوا فاحشة} يعني: قبيحة خارجة عما أذن الله تعالى له فيه، وأصل الفحش القبح والخروج عن الحد قال جابر: الفاحشة الزنا. {أو ظلموا أنفسهم} ما دون الزنا من القبلة والمعانقة والنظر واللمس. وقال مقاتل والكلبي: الفاحشة ما دون الزنا من قبلة أو لمسة أو نظرة فيما لا يحل أو ظلموا أنفسهم بالمعصية. وقيل: فعلوا فاحشة الكبائر، أو ظلموا أنفسهم بالصغائر. وقيل: فعلوا فاحشة فعلا أو ظلموا أنفسهم قولا. {ذكروا الله} أي: ذكروا وعيد الله، وأن الله سائلهم، وقال مقاتل بن حيان: ذكروا الله باللسان عند الذنوب. {فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله} أي: وهل يغفر الذنوب إلا الله. {ولم يصروا على ما فعلوا} أي: لم يقيموا ولم يثبتوا عليه ولكن تابوا وأنابوا واستغفروا، وأصل الإصرار: الثبات على الشيء وقال الحسن: إتيان العبد ذنبا عمدا إصرار حتى يتوب. وقال السدي: الإصرار: السكوت وترك الاستغفار. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أنا يحيى بن يحيى، أنا عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن عثمان بن واقد العمري، عن أبي نصيرة، قال: لقيت مولى لأبي بكر رضي الله عنه فقلت له: أسمعت من أبي بكر شيئا؟ قال: نعم سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة" . {وهم يعلمون} قال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبي: وهم يعلمون أنها معصية، وقيل: وهم يعلمون أن الإصرار ضار، وقال الضحاك: وهم يعلمون أن الله يملك مغفرة الذنوب، وقال الحسين بن الفضل وهم يعلمون أن لهم ربا يغفر الذنوب، وقيل: وهم يعلمون أن الله لا يتعاظمه العفو عن الذنوب وإن كثرت وقيل: وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غفر لهم. {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين } {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين}

قسم V02/P107–V02/P108Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P107–V02/P108)

ثواب المطيعين. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أنا حميد بن زنجويه، أنا عفان بن مسلم، أنا أبو عوانة، أنا عثمان بن المغيرة عن علي بن ربيعة الأسدي، عن أسماء بن الحكم الفزاري، قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: إني كنت رجلا إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ينفعني الله منه بما شاء أن ينفعني وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وإنه حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله يقول: "ما من عبد مؤمن يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له" ورواه أبو عيسى عن قتيبة عن أبي عوانة وزاد: ثم قرأ: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} الآية . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو منصور السمعاني، أنا أبو جعفر الرياني، أنا حميد بن زنجويه، أنا هشام بن عبد الملك، أخبرنا همام، عن إسحاق، عن عبد الله بن أبي طلحة، قال: كان قاض بالمدينة يقال له عبد الرحمن بن أبي عمرة فسمعته يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن عبدا أذنب ذنبا فقال: أي رب أذنبت ذنبا فاغفره لي قال: فقال ربه عز وجل: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له فمكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبا آخر فقال: رب أذنبت ذنبا فاغفره لي فقال ربه عز وجل: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو منصور السمعاني، أنا أبو جعفر الرياني، أنا حميد بن زنجويه، أخبرنا النعمان السدوسي، أخبرنا المهدي بن ميمون، أخبرنا غيلان بن جرير، عن شهر بن حوشب عن معدي كرب عن أبي ذر 69/ب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: "قال يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك، ابن آدم إنك إن تلقاني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة بعد أن لا تشرك بي شيئا، ابن آدم إنك إن تذنب حتى تبلغ ذنوبك عنان السماء ثم تستغفرني أغفر لك" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين الحسني الشرفي، أنا أبو الأزهر، أحمد بن الأزهر أخبرنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثني أبي عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: " من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئا" قال ثابت البناني: بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية {والذين إذا فعلوا فاحشة} إلى آخرها. {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين } قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن} قال عطاء: شرائع، وقال الكلبي: مضت لكل أمة سنة ومنهاج إذا اتبعوها رضي الله عنهم، وقال مجاهد: قد خلت من قبلكم سنن بالهلاك فيمن كذب قبلكم، وقيل: سنن أي: أمم والسنة: الأمة قال الشاعر: ما عاين الناس من فضل كفضلكم ... ولا رأوا مثلكم في سالف السنن وقيل معناه: أهل السنن، والسنة هي: الطريقة المتبعة في الخير والشر، يقال: سن فلان سنة حسنة وسنة سيئة إذا عمل عملا اقتدي به من خير وشر. ومعنى الآية: قد مضت وسلفت مني سنن فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية الكافرة، بإمهالي واستدراجي إياهم حتى يبلغ الكتاب فيهم أجلي الذي أجلته لإهلاكهم، وإدالة أنبيائي عليهم. {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} أي: آخر أمر المكذبين، وهذا في حرب أحد، يقول الله عز وجل: فأنا أمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي أجلت في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وأوليائه وإهلاك أعدائه.

قسم V02/P108–V02/P110Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P108–V02/P110)

{هذا} أي: هذا القرآن، {بيان للناس} عامة، {وهدى} من الضلالة، {وموعظة للمتقين} خاصة. {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين } قوله تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا} هذا حث لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد، زيادة على ما أصابهم من القتل والجرح يوم أحد يقول الله تعالى: ولا تهنوا أي: لا تضعفوا ولا تجبنوا عن جهاد أعدائكم بما نالكم من القتل والجرح، وكان قد قتل يومئذ من المهاجرين خمسة منهم: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير، وقتل من الأنصار سبعون رجلا. {ولا تحزنوا} فإنكم {أنتم الأعلون} أي تكون لكم العاقبة بالنصرة والظفر، {إن كنتم مؤمنين} يعني: إذ كنتم مؤمنين: أي: لأنكم مؤمنون، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب فأقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم فذلك قوله تعالى: {وأنتم الأعلون} وقال الكلبي: نزلت هذه الآية بعد يوم أحد حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بطلب القوم ما أصابهم من الجراح فاشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، دليله قوله تعالى: " ولا تهنوا في ابتغاء القوم " (النساء -104) . {إن يمسسكم قرح} قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر " قرح " بضم القاف حيث جاء، وقرأ الآخرون بالفتح وهما لغتان معناهما واحد كالجهد والجهد وقال الفراء القرح بالفتح: الجراحة وبالضم: ألم الجراحة هذا خطاب مع المسلمين حيث انصرفوا من أحد مع الكآبة والحزن، يقول الله تعالى: {إن يمسسكم قرح} يوم أحد، {فقد مس القوم قرح مثله} يوم بدر، {وتلك الأيام نداولها بين الناس} فيوم لهم ويوم عليهم أديل المسلمون على المشركين يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين وأديل المشركون من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمسا وسبعين. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمرو بن خالد، أنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد وكانوا خمسين رجلا عبد الله بن جبير، فقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم فهزموهم قال: فأنا والله رأيت النساء يتشددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين. فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا فأصابوا منا سبعين.

قسم V02/P110–V02/P112Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P110–V02/P112)

وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين، سبعين أسيرا وسبعين قتيلا فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد ثلاث مرات، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك قال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: اعل هبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبوه"؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا الله أعلى وأجل" قال: إن لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تجيبوه"؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم" وروي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما وفي حديثه قال أبو سفيان: يوم بيوم وإن الأيام دول والحرب سجال، فقال عمر رضي الله عنه: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" . قال الزجاج: الدولة تكون للمسلمين على الكفار، لقوله تعالى: {وإن جندنا لهم الغالبون} وكانت 70/أيوم أحد للكفار على المسلمين لمخالفتهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {وليعلم الله الذين آمنوا} يعني: إنما كانت هذه المداولة ليعلم أي (أي: ليرى الله) الذين آمنوا فيميز المؤمن من المنافق، {ويتخذ منكم شهداء} يكرم أقواما بالشهادة، {والله لا يحب الظالمين} {وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين } {وليمحص الله الذين آمنوا} أي: يطهرهم من الذنوب، {ويمحق الكافرين} يفنيهم ويهلكهم معناه: أنهم إن قتلوكم فهو تطهير لكم، وإن قتلتموهم فهو محقهم واستئصالهم. {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين } {أم حسبتم} أحسبتم؟ {أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله} [أي: ولم يعلم الله] {الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه} وذلك أن قوما من المسلمين تمنوا يوما كيوم بدر ليقاتلوا ويستشهدوا فأراهم الله يوم أحد وقوله {تمنون الموت} أي: سبب الموت وهو الجهاد من قبل أن تلقوه، {فقد رأيتموه} يعني: أسبابه. فإن قيل: ما معنى قوله {وأنتم تنظرون} بعد قوله: {فقد رأيتموه} قيل: ذكره تأكيدا وقيل: الرؤية قد تكون بمعنى العلم، فقال: {وأنتم تنظرون} ليعلم أن المراد بالرؤية النظر، وقيل: وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وسلم. قوله عز وجل: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} قال أصحاب المغازي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من أحد في سبعمائة رجل، وجعل عبد الله بن جبير وهو أخو خوات بن جبير على الرجالة وكانوا خمسين رجلا وقال: أقيموا بأصل الجبل وانضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، فإن كانت لنا أو علينا فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ومعهم النساء يضربن بالدفوف ويقلن الأشعار فقاتلوا حتى حميت الحرب فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا فقال من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى يثخن، فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري فلما أخذه اعتم بعمامة حمراء وجعل يتبختر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع" ففلق به هام المشركين وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين فهزموهم.

قسم V02/P112–V02/P113Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P112–V02/P113)

وروينا عن البراء بن عازب قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة فلما أتوهم صرفت وجوههم. وقال الزبير بن العوام: فرأيت هندا وصواحباتها هاربات مصعدات في الجبل، باديات خدامهن ما دون أخذهن شيء فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ورأوا أصحابهم ينتهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب. فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة، ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من خلفهم فهزموهم وقتلوهم، ورمى عبد الله بن قمئة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة يعلوها، وكان قد ظاهر بين درعين فلم يستطع فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوجب طلحة" ووقعت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد، وأعطتها وحشيا وبقرت عن كبدة حمزة ولاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها، وأقبل عبد الله بن قمئة يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم فذب مصعب بن عمير -وهو صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم -عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله ابن قمئة، وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إلى المشركين وقال: إني قتلت محمدا وصاح صارخ ألا إن محمدا قد قتل، ويقال: إن ذلك الصارخ كان إبليس، فانكفأ الناس وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: "إلي عباد الله {إلي عباد الله} فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته، وقال له: ارم فداك أبي وأمي، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديدا النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر بجعبة من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة، وكان إذا رمى أشرف النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى موضع نبله وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست حين وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذ حين وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها، فعادت كأحسن ما كانت. فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبي بن خلف الجمحي، وهو يقول: لا نجوت إن نجوت فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: دعوه حتى إذا دنا منه وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله، فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه فخدشه خدشة فتدهدأ عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور، ويقول: قتلني محمد، فأخذه أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس قال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم، أليس قال لي: أقتلك؟ فلو بزق علي بعد تلك المقالة لقتلني، فلم يلبث إلا يوما حتى مات بموضع يقال له سرف. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمرو بن علي، أنا أبو عاصم، عن ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اشتد غضب الله على من قتله نبي 70/ب واشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

%0
10 Bölüm