Qur'an&Sunnahالقرآن

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ) · AR

قسم V02/P148–V02/P149Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P148–V02/P149)

{وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون } {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} قرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو بكر بالياء فيهما لقوله تعالى: {فنبذوه وراء ظهورهم} وقرأ الآخرون بالتاء فيها على إضمار القول، {فنبذوه وراء ظهورهم} أي: طرحوه وضيعوه وتركوا العمل به، {واشتروا به ثمنا قليلا} يعني: المآكل والرشا، {فبئس ما يشترون} قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله تعالى على أهل العلم فمن علم شيئا فليعلمه وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء ثم تلا هذه الآية {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} الآية. حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو معاذ الشاه بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو بكر عمر بن سهل بن إسماعيل الدينوري، أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي، أخبرنا أبو حذيفة موسى بن مسعود أخبرنا إبراهيم بن طهمان عن سماك بن حرب، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار" . وقال الحسن بن عمارة: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث؟ فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك فقال: حدثني فقلت: حدثني الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا قال: فحدثني أربعين حديثا . {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم } قوله: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} الآية قرأ عاصم وحمزة والكسائي {لا تحسبن} بالتاء، أي: لا تحسبن يا محمد الفارحين وقرأ الآخرون بالياء "لا يحسبن" الفارحون فرحهم منجيا لهم من العذاب {فلا يحسبنهم} وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالياء وضم الباء خبرا عن الفارحين، أي فلا يحسبن أنفسهم، وقرأ الآخرون بالتاء وفتح الباء أي: فلا تحسبنهم يا محمد وأعاد قوله {فلا تحسبنهم} تأكيدا وفي حرف عبد الله بن مسعود {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا بمفازة من العذاب} غير تكرار. واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا سعيد بن أبي مريم، أنا محمد بن جعفر، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري 76/أأن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} الآية.

قسم V02/P149–V02/P151Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P149–V02/P151)

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا إبراهيم بن موسى، أنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم: أخبرني ابن أبي مليكة أن علقمة بن وقاص أخبره أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه فأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم، ثم قرأ ابن عباس رضي الله عنهما {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} كذلك حتى قوله: {يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} . قال عكرمة: نزلت في فنحاص وأشيع وغيرهما من الأحبار يفرحون بإضلالهم الناس وبنسبة الناس إياهم إلى العلم وليسوا بأهل العلم . وقال مجاهد: هم اليهود فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب وحمدهم إياهم عليه . وقال سعيد بن جبير: هم اليهود فرحوا بما أعطى الله آل إبراهيم وهم برآء من ذلك . وقال قتادة ومقاتل: أتت يهود خيبر نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: نحن نعرفك ونصدقك وإنا على رأيكم ونحن لكم ردء، وليس ذلك في قلوبهم فلما خرجوا قال لهم المسلمون: ما صنعتم؟ قالوا: عرفناه وصدقناه فقال لهم المسلمون: أحسنتم هكذا فافعلوا فحمدوهم ودعوا لهم فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال: {يفرحون بما أتوا} قال الفراء بما فعلوا كما قال الله تعالى: "لقد جئت شيئا فريا" (مريم -27) أي: فعلت، {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة} بمنجاة، {من العذاب ولهم عذاب أليم} {ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } {ولله ملك السماوات والأرض} يصرفها كيف يشاء، {والله على كل شيء قدير} {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين الإسفرايني، أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، أنا أحمد بن عبد الجبار، أنا ابن فضيل، عن حصين بن عبد الرحمن، عن حبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه رقد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه استيقظ فتسوك ثم توضأ وهو يقول: {إن في خلق السماوات والأرض} حتى ختم السورة ثم قام فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات كل ذلك يستاك ثم يتوضأ ثم يقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث ركعات ثم أتاه المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول: "اللهم اجعل في بصري نورا وفي سمعي نورا وفي لساني نورا واجعل خلفي نورا وأمامي نورا واجعل من فوقي نورا ومن تحتي نورا اللهم أعطني نورا" . ورواه كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما وزاد: "اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني نورا وعن يساري نورا" . قوله تعالى: {لآيات لأولي الألباب} ذوي العقول ثم وصفهم فقال: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار } {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} قال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم والنخعي وقتادة: هذا في الصلاة يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جنب.

قسم V02/P151–V02/P153Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P151–V02/P153)

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، أنا هناد أنا وكيع عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة المريض فقال: "صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب". . وقال سائر المفسرين أراد به المداومة على الذكر في عموم الأحوال لأن الإنسان قل ما يخلو من إحدى هذه الحالات الثلاث، نظيره في سورة النساء "فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم" {النساء -103} ، {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} وما أبدع فيهما ليدلهم ذلك على قدرة الله ويعرفوا أن لها صانعا قادرا مدبرا حكيما قال ابن عون: الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة، {ربنا} أي: ويقولون ربنا {ما خلقت هذا} رده إلى الخلق فلذلك لم يقل هذه، {باطلا} أي: عبثا وهزلا بل خلقته لأمر عظيم وانتصب الباطل بنزع الخافض، أي: بالباطل، {سبحانك فقنا عذاب النار} {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} أي: أهنته، وقيل: أهلكته، وقيل: فضحته، لقوله تعالى: {ولا تخزون في ضيفي} (هود -78) فإن قيل: قد قال الله تعالى: "يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه" (التحريم -8) ومن أهل الإيمان من يدخل النار وقد قال: {إنك من تدخل النار فقد أخزيته} قيل: قال أنس وقتادة معناه: إنك من تخلد في النار فقد أخزيته وقال سعيد بن المسيب هذه خاصة لمن لا يخرج منها فقد روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يدخل قوما النار ثم يخرجون منها" . {وما للظالمين من أنصار} {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد } {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب } {ربنا إننا سمعنا مناديا} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم قاله ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، وأكثر الناس، وقال القرظي: يعني القرآن فليس كل أحد يلقى النبي صلى الله عليه وسلم، {ينادي للإيمان} أي إلى الإيمان، {أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار} أي: في جملة الأبرار. {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} أي: على ألسنة رسلك، {ولا تخزنا} ولا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنا، {يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد} فإن قيل: ما وجه قولهم: {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} وقد علموا أن الله لا يخلف الميعاد؟ قيل: لفظه دعاء ومعناه خبر أي: لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك تقديره: {فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا} {ولا تخزنا يوم القيامة} لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك من الفضل والرحمة وقيل: معناه ربنا واجلعنأ 76/ب ممن يستحقون ثوابك وتؤتيهم ما وعدتهم على ألسنة رسلك لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها، وقيل: إنما سألوه تعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء، قالوا: قد علمنا أنك لا تخلف ولكن لا صبر لنا على حلمك فعجل خزيهم وانصرنا عليهم. قوله تعالى: {فاستجاب لهم ربهم أني} أي: بأني، {لا أضيع} لا أحبط، {عمل عامل منكم} أيها المؤمنون {من ذكر أو أنثى} قال مجاهد: قالت أم سلمة يا رسول الله إني أسمع الله يذكر

قسم V02/P153–V02/P154Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P153–V02/P154)

الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فأنزل الله تعالى هذه الآية {بعضكم من بعض} قال الكلبي: في الدين والنصرة والموالاة، وقيل: كلكم من آدم وحواء، وقال الضحاك: رجالكم شكل نسائكم ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة، كما قال: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" (التوبة -71) . {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي} أي: في طاعتي وديني، وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة، {وقاتلوا وقتلوا} قرأ ابن عامر وابن كثير " وقتلوا " بالتشديد وقال الحسن: يعني أنهم قطعوا في المعركة، والآخرون بالتخفيف وقرأ أكثر القراء: {وقاتلوا وقتلوا} يريد أنهم قاتلوا العدو ثم أنهم قتلوا وقرأ حمزة والكسائي {وقتلوا وقاتلوا} وله وجهان أحدهما: معناه وقاتل من بقي منهم، ومعنى قوله {وقتلوا} أي: قتل بعضهم تقول العرب قتلنا بني فلان وإنما قتلوا بعضهم والوجه الآخر {وقتلوا} وقد قاتلوا، {لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتهاالأنهار ثوابا من عند الله} نصب على القطع قاله الكسائي، وقال المبرد: مصدر أي: لأثيبنهم ثوابا، {والله عنده حسن الثواب} {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار } قوله عز وجل: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} نزلت في المشركين، وذلك أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله تعالى فيما نرى من الخير ونحن في الجهد؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} وضربهم في الأرض وتصرفهم في البلاد للتجارات وأنواع المكاسب فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه غيره. {متاع قليل} أي: هو متاع قليل وبلغة فانية ومتعة زائلة، {ثم مأواهم} مصيرهم، {جهنم وبئس المهاد} الفراش. {لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا} جزاء وثوابا، {من عند الله} نصب على التفسير وقيل: جعل ذلك نزلا {وما عند الله خير للأبرار} من متاع الدنيا. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد العزيز بن عبد الله، أنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد بن حنين أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف وإن عند رجليه قرظا مصبورا، وعند رأسه أهب معلقة فرأيت أثر الحصير في جنبه، فبكيت فقال: ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله؟ فقال: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة" ؟ . {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب } قوله عز وجل: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} الآية قال ابن عباس وجابر وأنس وقتادة: نزلت في النجاشي ملك الحبشة، واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وذلك أنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم النجاشي، فخرج إلى البقيع وكشف له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات، واستغفر له فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه فأنزل الله تعالى هذه الآية .

قسم V02/P154–V02/P158Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P154–V02/P158)

وقال عطاء: نزلت في أهل نجران أربعين رجلا [من بني حارث بن كعب] اثنين وثلاثين من أرض الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن جريج: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه . وقال مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم ، {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} {وما أنزل إليكم} يعني: القرآن، {وما أنزل إليهم} يعني: التوراة والإنجيل، {خاشعين لله} خاضعين متواضعين لله، {لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا} يعني: لا يحرفون كتبهم ولا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم لأجل الرياسة والمأكلة كفعل غيرهم من رؤساء اليهود، {أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب} {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} قال الحسن: اصبروا على دينكم ولا تدعوه لشدة ولا رخاء، وقال قتادة: اصبروا على طاعة الله. وقال الضحاك ومقاتل بن سليمان: على أمر الله. وقال مقاتل بن حيان: على أداء فرائض الله تعالى، وقال زيد بن أسلم: على الجهاد. وقال الكلبي: على البلاء، وصابروا يعني: الكفار، ورابطوا يعني: المشركين، قال أبو عبيدة، أي داوموا واثبتوا، والربط الشد، وأصل الرباط أن يربط هؤلاء خيولهم، وهؤلاء خيولهم، ثم قيل: لكل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه، وإن لم يكن له مركب. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الله بن منير، سمع أبا النضر، أنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها" . . أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر الجوربذي، أنا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن عبد الكريم بن الحارث، عن أبي عبيدة بن عقبة، عن شرحبيل بن السمط عن سلمان الخير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان له أجر صيام شهر مقيم، ومن مات مرابطا جرى له مثل ذلك الأجر، وأجري عليه من الرزق، وأمن من الفتان" . وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة، ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أنا زاهر بن أحمد الفقيه، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بما يمحو الله الخطايا ويرفع 77/أبه الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط" . {واتقوا الله لعلكم تفلحون} قال بعض أرباب اللسان: اصبروا على النعماء وصابروا على البأساء والضراء ورابطوا في دار الأعداء واتقوا إله الأرض والسماء لعلكم تفلحون في دار البقاء. سورة النساء - مدنية بسم الله الرحمن الرحيم {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا }

قسم V02/P158–V02/P160Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P158–V02/P160)

قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} يعني: آدم عليه السلام، {وخلق منها زوجها} يعني: حواء، {وبث منهما} نشر وأظهر، {رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به} أي: تتساءلون به، وقرأ أهل الكوفة بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين، كقوله تعالى: {ولا تعاونوا} ، {والأرحام} قراءة العامة بالنصب، أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ حمزة بالخفض، أي: به وبالأرحام كما يقال: سألتك بالله والأرحام، والقراءة الأولى أفصح لأن العرب لا تكاد تنسق بظاهر على مكنى، إلا أن تعيد الخافض فتقول: مررت به وبزيد، إلا أنه جائز مع قلته، {إن الله كان عليكم رقيبا} أي: حافظا. قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم} قال مقاتل والكلبي: نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول نعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع إليه ماله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره"، يعني: جنته، فلما قبض الفتى ماله أنفق في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثبت الأجر وبقي الوزر" فقالوا: كيف بقي الوزر؟ فقال: "ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده" . وقوله {وآتوا} خطاب للأولياء والأوصياء، واليتامى: جمع يتيم، واليتيم: اسم لصغير لا أب له ولا جد، وإنما يدفع المال إليهم بعد البلوغ، وسماهم يتامى هاهنا على معنى أنهم كانوا يتامى. {ولا تتبدلوا} أي: لا تستبدلوا، {الخبيث بالطيب} أي: مالهم الذي هو حرام عليكم بالحلال من أموالكم، واختلفوا في هذا التبدل، قال سعيد بن المسيب والنخعي والزهري والسدي: كان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم ويجعلونه مكان الرديء، فربما كان أحدهما يأخذ الشاة السمينة من مال اليتيم ويجعل مكانها المهزولة، ويأخذ الدرهم الجيد ويجعل مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم، فنهوا عن ذلك. وقيل: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث، فنصيبه من الميراث طيب، وهذا الذي يأخذه خبيث، وقال مجاهد: لا تتعجل الرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال. {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} أي: مع أموالكم، كقوله تعالى: {من أنصاري إلى الله} أي: مع الله، {إنه كان حوبا كبيرا} أي: إثما عظيما. {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا } وقوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} الآية. اختلفوا في تأويلهم، فقال بعضهم: معناه إن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن فانكحوا غيرهن من الغرائب مثنى وثلاث ورباع. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، قال: كان عروة بن الزبير يحدث أنه سأل عائشة رضي الله عنها {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} قالت: هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء، قالت عائشة رضي الله عنها: ثم استفتى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} إلى قوله تعالى {وترغبون أن تنكحوهن} . فبين الله تعالى في هذه الآية أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال أو مال، رغبوا في نكاحها ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء، قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها الأوفى من الصداق ويعطوها حقها.

قسم V02/P160–V02/P161Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P160–V02/P161)

قال الحسن: كان الرجل من أهل المدينة يكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له نكاحها فيتزوجها لأجل مالها وهي لا تعجبه كراهية أن يدخله غريب فيشاركه في مالها، ثم يسيء صحبتها ويتربص بها أن تموت ويرثها، فعاب الله تعالى ذلك، وأنزل الله هذه الآية. وقال عكرمة: كان الرجل من قريش يتزوج العشر من النساء والأكثر فإذا صار معدما من مؤن نسائه مال إلى مال يتيمه الذي في حجره فأنفقه، فقيل لهم: لا تزيدوا على أربع حتى لا يحوجكم إلى أخذ أموال اليتامى، وهذه رواية طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال بعضهم: كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء، فيتزوجون ما شاءوا وربما عدلوا وربما لم يعدلوا، فلما أنزل الله تعالى في أموال اليتامى {وآتوا اليتامى أموالهم} أنزل هذه الآية {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} يقول كما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن فلا تتزوجوا أكثر مما يمكنكم القيام بحقهن، لأن النساء في الضعف كاليتامى، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والضحاك والسدي ، ثم رخص في نكاح أربع فقال: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا} فيهن {فواحدة} وقال مجاهد: معناه إن تحرجتم من ولاية اليتامى وأموالهم إيمانا فكذلك تحرجوا من الزنا فانكحوا النساء الحلال نكاحا طيبا ثم بين لهم عددا، وكانوا يتزوجون ما شاءوا من غير عدد، قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} أي: من طاب كقوله تعالى: "والسماء وما بناها" (الشمس -5) أي ومن بناها "قال فرعون وما رب العالمين" (الشعراء -23) والعرب تضع "من" و"ما" كل واحدة موضع الأخرى، كقوله تعالى: "فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين" (النور -45) ، وطاب أي: حل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، معدولات عن اثنين، وثلاث، وأربع، ولذلك لا ينصرفن، والواو بمعنى أو، للتخيير، كقوله تعالى: "أن تقوموا لله مثنى وفرادى" (سبأ -46) : "أولي أجنحة مثنى وثلاث 77/ب ورباع" (غافر -1) وهذا إجماع أن أحدا من الأمة لا يجوز له أن يزيد على أربع نسوة، وكانت الزيادة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، لا مشاركة معه لأحد من الأمة فيها، وروي أن قيس بن الحارث كان تحته ثمان نسوة فلما نزلت هذه الآية قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلق أربعا وأمسك أربعا" قال فجعلت أقول للمرأة التي لم تلد يا فلانة أدبري والتي قد ولدت يا فلانة أقبلي . وروي أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" . وإذا جمع الحر بين أربع نسوة حرائر يجوز، فأما العبد فلا يجوز له أن ينكح أكثر من امرأتين عند أكثر أهل العلم أخبرنا عبد الوهاب بن أحمد الخطيب، أنا عبد العزيز أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عتبة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ينكح العبد امرأتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين، فإن لم تكن تحيض فبشهرين أو شهر ونصف" وقال ربيعة: يجوز للعبد أن ينكح أربع نسوة كالحر.

قسم V02/P161–V02/P163Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P161–V02/P163)

{فإن خفتم} خشيتم، وقيل: علمتم، {ألا تعدلوا} بين الأزواج الأربع، {فواحدة} أي فانكحوا واحدة. وقرأ أبو جعفر {فواحدة} بالرفع، {أو ما ملكت أيمانكم} يعني السراري لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق ما يلزم في الحرائر، ولا قسم لهن، ولا وقف في عددهن، وذكر الأيمان بيان، تقديره: أو ما ملكتم، وقال بعض أهل المعاني: أو ما ملكت أيمانكم أي: ما ينفذ فيه إقسامكم، جعله من يمين الحلف، لا يمين الجارحة، {ذلك أدنى} أقرب، {ألا تعولوا} أي: لا تجوروا ولا تميلوا، يقال: ميزان عائل، أي: جائر مائل، هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد: أن لا تضلوا، وقال الفراء: أن لا تجاوزوا ما فرض الله عليكم، وأصل العول: المجاوزة، ومنه عول الفرائض، وقال الشافعي رحمه الله: أن لا تكثر عيالكم، وما قاله أحد، إنما يقال من كثرة العيال: أعال يعيل إعالة، إذا كثر عياله. وقال أبو حاتم: كان الشافعي رضي الله عنه أعلم بلسان العرب منا ولعله لغة، ويقال: هي لغة حمير، وقرأ طلحة بن مصرف {" أن لا تعيلوا "} وهي حجة لقول الشافعي رضوان الله عليه. {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} قال الكلبي ومجاهد: هذا الخطاب للأولياء، وذلك أن ولي المرأة كان إذا زوجها فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلا ولا كثيرا، وإن كان زوجها غريبا حملوها إليه على بعير ولم يعطوها من مهرها غير ذلك. فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى أهله. [قال الحضرمي: كان أولياء النساء يعطي هذا أخته على أن يعطيه الآخر أخته، ولا مهر بينهما، فنهوا عن ذلك وأمروا بتسمية المهر في العقد. أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن الشغار". والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوج الرجل الآخر ابنته، وليس بينهما صداق" وقال الآخرون: الخطاب للأزواج أمروا بإيتاء نسائهم الصداق، وهذا أصح، لأن الخطاب فيما قبل مع الناكحين، والصدقات: المهور، واحدها صدقة {نحلة} قال قتادة: فريضة، وقال ابن جريج: فريضة مسماة، قال أبو عبيدة: ولا تكون النحلة إلا مسماة معلومة، وقال الكلبي: عطية وهبة، وقال أبو عبيدة: عن طيب نفس] ، وقال الزجاج: تدينا. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" . {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} يعني: فإن طابت نفوسهن بشيء من ذلك فوهبن منكم، فنقل الفعل من النفوس إلى أصحابها فخرجت النفس مفسرا، فلذلك وحد النفس، كما قال الله تعالى: "وضاق بهم ذرعا" (هود -77) (العنكبوت -33) " وقري عينا" (مريم -26) وقيل: لفظها واحد ومعناها جمع، {فكلوه هنيئا مريئا} سائغا طيبا، يقال هنأ في الطعام يهنأ بفتح النون في الماضي وكسرها في الباقي ، وقيل: الهنأ: الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء، والمريء: المحمود العاقبة التام الهضم الذي لا يضر، قرأ أبو جعفر {هنيئا مريئا} بتشديد الياء فيهما من غير همز، وكذلك "بري"، "وبريون"، "وبريا" "وكهية" والآخرون يهمزونها. {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا }

قسم V02/P163–V02/P164Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P163–V02/P164)

قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} اختلفوا في هؤلاء السفهاء فقال قوم: هم النساء، وقال الضحاك: النساء من أسفه السفهاء، وقال مجاهد: نهى الرجال أن يؤتوا النساء أموالهم وهن سفهاء، من كن، أزواجا أو بنات أو أمهات، وقال آخرون: هم الأولاد، قال الزهري: يقول لا تعط ولدك السفيه مالك الذي هو قيامك بعد الله تعالى فيفسده، وقال بعضهم: هم النساء والصبيان، وقال الحسن: هي امرأتك السفيهة وابنك السفيه، وقال ابن عباس: لا تعمد إلى مالك الذي خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك فيكونوا هم الذين يقومون عليك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في رزقهم ومؤنتهم، قال الكلبي: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي أن يسلط واحدا منهما على ماله فيفسده. وقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مال اليتيم يكون عندك، يقول لا تؤته إياه وأنفق عليه حتى يبلغ، وإنما أضاف إلى الأولياء فقال: {أموالكم} لأنهم قوامها ومدبروها. والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله هو المستحق للحجر عليه، وهو أن يكون مبذرا في ماله أو مفسدا في دينه، فقال جل ذكره: {ولا تؤتوا السفهاء} أي: الجهال بموضع الحق أموالكم التي جعل الله لكم قياما. قرأ نافع وابن عامر {قياما} بلا ألف، وقرأ الآخرون {قياما} وأصله: قواما، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وهو ملاك الأمر وما يقوم به الأمر. وأراد هاهنا قوام عيشكم الذي تعشيون به. قال الضحاك: به يقام الحج والجهاد وأعمال البر وبه فكاك الرقاب من النار. {وارزقوهم فيها} 78/أأي: أطعموهم، {واكسوهم} لمن يجب عليكم رزقه ومؤنته، وإنما قال {فيها} يقل: منها، لأنه أراد: اجعلوا لهم فيها رزقا فإن الرزق من الله: العطية من غير حد، ومن العباد إجراء موقت محدود. {وقولوا لهم قولا معروفا} عدة جميلة، وقال عطاء: إذا ربحت أعطيتك وإن غنمت جعلت لك حظا، وقيل: هو الدعاء، وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن تجب عليكم نفقته، فقل له: عافاك الله وإيانا، بارك الله فيك، وقيل: قولا لينا تطيب به أنفسهم. {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا } قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى} الآية نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه، وذلك أن رفاعة توفي وترك. ابنه ثابتا وهو صغير، فجاء عمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية {وابتلوا اليتامى} اختبروهم في عقولهم وأديانهم وحفظهم أموالهم، {حتى إذا بلغوا النكاح} أي: مبلغ الرجال والنساء، {فإن آنستم} أبصرتم، {منهم رشدا} فقال المفسرون يعني: عقلا وصلاحا في الدين وحفظا للمال وعلما بما يصلحه. وقال سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي: لا يدفع إليه ماله وإن كان شيخا حتى يؤنس منه رشده. والابتلاء يختلف باختلاف أحوالهم فإن كان ممن يتصرف في السوق فيدفع الولي إليه شيئا يسيرا من المال وينظر في تصرفه وإن كان ممن لا يتصرف في السوق فيتخبره في نفقة داره، والإنفاق على عبيده وأجرائه، وتختبر المرأة في أمر بيتها وحفظ متاعها وغزلها واستغزالها، فإذا رأى حسن تدبيره، وتصرفه في الأمور مرارا يغلب على القلب رشده، دفع المال إليه. واعلم أن الله تعالى علق زوال الحجر عن الصغير وجواز دفع المال إليه بشيئين: بالبلوغ والرشد، فالبلوغ يكون بأحد {أشياء أربعة} ، اثنان يشترك فيهما الرجال والنساء، واثنان تختصان بالنساء:

قسم V02/P164–V02/P166Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V02/P164–V02/P166)

فما يشترك فيه الرجال والنساء أحدهما السن، والثاني الاحتلام، أما السن فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة حكم ببلوغه غلاما كان أو جارية، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ثم عرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ، قال نافع: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: هذا فرق بين المقاتلة والذرية، وكتب أن يفرض لابن خمس عشرة سنة في المقاتلة، ومن لم يبلغها في الذرية. وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: بلوغ الجارية باستكمال سبع عشرة، وبلوغ الغلام باستكمال ثماني عشرة سنة. وأما الاحتلام فنعني به نزول المني سواء كان بالاحتلام أو بالجماع، أو غيرهما، فإذا وجدت ذلك بعد استكمال تسع سنين من أيهما كان حكم ببلوغه، لقوله تعالى: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا} وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ في الجزية حين بعثه إلى اليمن: "خذ من كل حالم دينارا" . وأما الإنبات، وهو نبات الشعر الخشن حول الفرج: فهو بلوغ في أولاد المشركين، لما روي عن عطية القرظي قال: كنت من سبي قريظة، فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت ممن لم ينبت . وهل يكون ذلك بلوغا في أولاد المسلمين؟ فيه قولان، أحدهما: يكون بلوغا كما في أولاد الكفار، والثاني: لا يكون بلوغا لأنه يمكن الوقوف على مواليد المسلمين بالرجوع إلى آبائهم، وفي الكفار لا يوقف على مواليدهم، ولا يقبل قول آبائهم فيه لكفرهم، فجعل الإنبات الذي هو أمارة البلوغ بلوغا في حقهم. وأما ما يختص بالنساء: فالحيض والحبل، فإذا حاضت المرأة بعد استكمال تسع سنين يحكم ببلوغها، وكذلك إذا ولدت يحكم ببلوغها قبل الوضع بستة أشهر لأنها أقل مدة الحمل. وأما الرشد: فهو أن يكون مصلحا في دينه وماله، فالصلاح في الدين هو أن يكون مجتنبا عن الفواحش والمعاصي التي تسقط العدالة، والصلاح في المال هو أن لا يكون مبذرا، والتبذير: هو أن ينفق ماله فيما لا يكون فيه محمدة دنيوية ولا مثوبة أخروية، أو لا يحسن التصرف فيها، فيغبن في البيوع فإذا بلغ الصبي وهو مفسد في دينه وغير مصلح لماله، دام الحجر عليه، ولا يدفع إليه ماله ولا ينفذ تصرفه. وعند أبي حنيفة رضي الله عنه إذا كان مصلحا لماله زال الحجر عنه وإن كان مفسدا في دنيه، وإذا كان مفسدا لماله قال: لا يدفع إليه المال حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، غير أن تصرفه يكون نافذا قبله. والقرآن حجة لمن استدام الحجر عليه، لأن الله تعالى قال: {حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد، والفاسق لا يكون رشيدا وبعد بلوغه خمسا وعشرين سنة، وهو مفسد لماله بالاتفاق غير رشيد، فوجب أن لا يجوز دفع المال إليه كما قبل بلوغ هذا السن. وإذا بلغ وأونس منه الرشد، زال الحجر عنه، ودفع إليه المال رجلا كان أو امرأة تزوج أو لم يتزوج. وعند مالك رحمه الله تعالى: إن كانت امرأة لا يدفع المال إليها ما لم تتزوج، فإذا تزوجت دفع إليها، ولكن لا ينفذ تصرفها إلا بإذن الزوج، ما لم تكبر وتجرب. فإذا بلغ الصبي رشيدا وزال الحجر عنه ثم عاد سفيها، نظر: فإن عاد مبذرا لماله حجر عليه، وإن عاد مفسدا في دينه فعلى وجهين: أحدهما: يعاد الحجر عليه كما يستدام الحجر عليه إذا بلغ بهذه الصفة، والثاني: لا يعاد لأن حكم الدوام أقوى من حكم الابتداء.

%0
10 Bölüm