Qur'an&Sunnahالقرآن

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ) · AR

قسم V03/P051–V03/P053Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P051–V03/P053)

أخبرنا أبو الحسن الشيرزي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في مجن [ثمنه] ثلاثة دراهم . وروي عن عثمان أنه قطع سارقا في أترجة قومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهما بدينار. وهذا قول مالك رحمه الله تعالى أنه يقطع في ثلاثة دراهم. وذهب قوم إلى أنه لا تقطع في أقل من دينار أو عشرة دراهم، يروى ذلك عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي. وقال قوم لا يقطع إلا في خمسة دراهم يروى ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه وبه قال ابن أبي ليلى، أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمر بن حفص بن غياث أخبرني أبي أنا الأعمش قال: سمعت أبا صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده" وقال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد والحبل. يرون أن منها ما يساوي دراهم. ويحتج بهذا الحديث من يرى القطع في الشيء القليل، وهو عند الأكثرين محمول على ما قاله الأعمش] 106/ب لحديث عائشة رضي الله عنها "وإذا سرق شيئا من غير حرز كثمر في حائط لا حارس له أو حيوان في برية لا حافظ له، أو متاع في بيت منقطع عن البيوت لا قطع عليه". وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" . وروي عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع" . وإذا سرق مالا له فيه شبهة كالعبد يسرق من مال سيده أو الولد يسرق من مال والده أو الوالد يسرق من مال ولده أو أحد الشريكين يسرق من مال المشترك شيئا: لا قطع عليه. وإذا سرق السارق أول مرة تقطع يده اليمنى من الكوع، ثم إذا سرق ثانيا تقطع رجله اليسرى من مفصل القدم. واختلفوا فيما إذا سرق ثالثا: فذهب أكثرهم إلى أنه تقطع يده اليسرى، ثم إذا سرق رابعا تقطع رجله اليمنى، ثم إذا سرق بعده شيئا يعزر ويحبس حتى تظهر توبته، وهو المروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو قول قتادة، وبه قال مالك والشافعي لما روي عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "في السارق يسرق إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله" . وذهب قوم إلى أنه إن سرق ثالثا بعدما قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى لا يقطع بل يحبس، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه، وقال: "إني لأستحي أن لا أدع له يدا يستنجي بها ولا رجلا يمشي بها" وهو قول الشعبي والنخعي، وبه قال الأوزاعي وأحمد وأصحاب الرأي. قوله تعالى: {جزاء بما كسبا} نصب على الحال والقطع، ومثله: {نكالا} أي: عقوبة، {من الله والله عزيز حكيم}

قسم V03/P053–V03/P055Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P053–V03/P055)

{فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم } {فمن تاب من بعد ظلمه} أي: سرقته، {وأصلح} العمل، {فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم} هذا فيما بينه وبين الله تعالى، فأما القطع فلا يسقط عنه بالتوبة عند الأكثرين، قال مجاهد: قطع السارق توبته، فإذا قطع حصلت التوبة، والصحيح أن القطع للجزاء على الجناية، كما قال: {جزاء بما كسبا} فلا بد من التوبة بعد، وتوبته الندم على ما مضى والعزم على تركه في المستقبل، وإذا قطع السارق يجب عليه غرم ما سرق من المال عند أكثر أهل العلم، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: لا غرم عليه، وبالاتفاق إن كان المسروق باقيا عنده يسترد وتقطع يده لأن القطع حق الله تعالى والغرم حق العبد، فلا يمنع أحدهما الآخر، كاسترداد العين. قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض} الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الجميع، وقيل: معناه ألم تعلم أيها الإنسان فيكون خطابا لكل أحد من الناس، {يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء} قال السدي واالكلبي: يعذب من يشاء: من مات على كفره، ويغفر لمن يشاء: [الكبيرة] من تاب من كفره، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يعذب من يشاء على الصغيرة، ويغفر لمن يشاء على الكبيرة، {والله على كل شيء قدير} قوله تعالى: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} أي: في موالاة الكفار فإنهم لم يعجزوا الله، {من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} وهم المنافقون، {ومن الذين هادوا} يعني: اليهود، {سماعون} أي: قوم سماعون، {للكذب} أي: قائلون للكذب، كقول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: قبل الله، وقيل: سماعون لأجل الكذب، أي يسمعون منك ليكذبوا عليك، وذلك أنهم كانوا يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون ويقولون سمعنا منه كذا ولم يسمعوا ذلك منه، {سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} أي هم جواسيس، يعني: بني قريظة لقوم آخرين، وهم أهل خيبر. وذلك أن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا وكانا محصنين، وكان حدهما الرجم في التوراة، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، فقالوا: إن هذا الرجل الذي بيثرب ليس في كتابه الرجم ولكنه الضرب، فأرسلوا إلى إخوانكم من بني قريظة فإنهم جيرانه وصلح له فليسألوه عن ذلك. فبعثوا رهطا منهم مستخفين وقالوا لهم: سلوا محمدا عن الزانيين إذا أحصنا ما حدهما؟ فإن أمركم بالجلد فاقبلوا منه، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه، وأرسلوا معهم الزانيين فقدم الرهط حتى نزلوا على بني قريظة والنضير فقالوا لهم: إنكم جيران هذا الرجل ومعه في بلده وقد حدث، فينا حدث فلان وفلانة قد فجرا وقد أحصنا، فنحب أن تسألوا لنا محمدا عن قضائه فيه، فقالت لهم قريظة والنضير: إذا والله يأمركم بما تكرهون. ثم انطلق قوم، منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسد وسعية بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحقيق وغيرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدهما في كتابك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هل ترضون بقضائي؟ قالوا: نعم، فنزل جبريل عليه السلام بالرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به. فقال له جبريل عليه السلام: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، ووصفه له.

قسم V03/P055–V03/P056Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P055–V03/P056)

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل تعرفون شابا أمرد أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟ قالوا: نعم، قال: فأي رجل هو فيكم؟ فقالوا: هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام في التوراة. قال: فأرسلوا إليه، ففعلوا فأتاهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت ابن صوريا"؟ قال: نعم، قال: وأنت أعلم اليهود؟ قال: كذلك يزعمون، قال: أتجعلونه بيني وبينكم؟ قالوا: نعم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام وأخرجكم من مصر، وفلق لكم البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون، والذي ظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى، وأنزل عليكم كتابه وفيه حلاله وحرامه هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن؟ ". قال ابن صوريا: نعم والذي ذكرتني به لولا خشية أن تحرقني التوراة إن كذبت أو غيرت ما اعترفت لك، ولكن كيف هي في كتابك يا محمد؟ قال: "إذا شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم"، فقال ابن صوريا: والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله عز وجل في التوراة على موسى عليه السلام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "فما كان أول ما ترخصتم به أمر الله؟ "، قال: كنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنا ابن عم ملك لنا فلم نرجمه، ثم زنى رجل آخر من الناس فأراد ذلك الملك رجمه فقام دونه قومه، فقالوا: والله لا ترجمه حتى يرجم فلان -لابن عم الملك -فقلنا: تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم يكون على الوضيع والشريف، فوضعنا الجلد والتحميم، وهو أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي بالقار ثم يسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين ووجوههما من قبل دبر الحمار ويطاف بهما، فجعلوا هذا مكان الرجم، فقالت اليهود [لابن صوريا] ما أسرع ما أخبرته به، وما كنا لما أثنينا عليك بأهل ولكنك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك، فقال لهم: إنه قد أنشدني بالتوراة ولولا خشية التوراة أن تهلكني لما أخبرته، فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرجما عند باب مسجده، وقال: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، فأنزل 107\أالله عز وجل {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} . أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ " فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: [كذبتم] إن فيها لآية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، فقال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة . وقيل: سبب نزول هذه الآية القصاص، وذلك أن بني النضير كان لهم فضل على بني قريظة فقال بنو قريظة: يا محمد إخواننا بنو النضير وأبونا واحد وديننا واحد ونبينا واحد، إذا قتلوا منا قتيلا واحدا لم يقيدونا وأعطونا ديته سبعين وسقا من تمر، وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتل وأخذوا منا الضعف مائة وأربعين وسقا من تمر، وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها الرجل منا وبالرجل منهم الرجلين منا، وبالعبد الحر منا، وجراحتنا على التضعيف من جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية . والأول أصح لأن الآية في الرجم.

قسم V03/P056–V03/P058Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P056–V03/P058)

قوله: {ومن الذين هادوا سماعون للكذب} قيل: اللام بمعنى إلى، وقيل: هي لام كي، أي: يسمعون لكي يكذبوا عليك، واللام في قوله: {لقوم} أي: لأجل قوم {آخرين لم يأتوك} وهم أهل خيبر، {يحرفون الكلم} [جمع كلمة] {من بعد مواضعه} أي: من بعد وضعه مواضعه، ذكر الكناية ردا على لفظ الكلم، {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه} أي: [إن] أفتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بالجلد والتحميم فاقبلوا، {وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته} كفره وضلالته، قال الضحاك: هلاكه، وقال قتادة: عذابه، {فلن تملك له من الله شيئا} فلن تقدر على دفع أمر الله فيه، {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} وفيه رد على من ينكر القدر، {لهم في الدنيا خزي} أي: للمنافقين واليهود، فخزي المنافقين الفضيحة وهتك الستر بإظهار نفاقهم، وخزي اليهود الجزية والقتل والسبي والنفي، ورؤيتهم من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيهم ما يكرهون، {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} الخلود في النار. {سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } قوله تعالى: {سماعون للكذب أكالون للسحت} قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأهل البصرة والكسائي "للسحت" بضم الحاء، والآخرون بسكونها، وهو الحرام، وأصله الهلاك والشدة، قال الله تعالى: {فيسحتكم بعذاب} (طه، 61) ، نزلت في حكام اليهود كعب بن الأشرف وأمثاله، كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم. قال الحسن: كان الحاكم منهم إذا أتاه أحد برشوة جعلها في كمه فيريها إياه ويتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيسمع الكذب ويأكل الرشوة. وعنه أيضا قال: إنما ذلك في الحكم إذا رشوته ليحق لك باطلا أو يبطل [عنك] حقا . فأما أن يعطي الرجل الوالي يخاف ظلمه ليدرأ به عن نفسه فلا بأس، فالسحت هو الرشوة في الحكم على قول الحسن ومقاتل وقتادة والضحاك، وقال ابن مسعود: هو الرشوة في كل شيء، وقال ابن مسعود: من يشفع شفاعة ليرد بها حقا أو يدفع بها [ظلما فأهدي له فقبل فهو سحت، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم، فقال: الأخذ على الحكم كفر قال الله تعالى: {يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} "سورة المائدة، 44". أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي ثنا علي بن الجعد أنا ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله الراشي والمرتشي". . والسحت كل كسب لا يحل. قوله عز وجل: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا} خير الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم إن شاء حكم وإن شاء ترك. واختلفوا في حكم الآية اليوم هل للحاكم الخيار في الحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا؟ فقال أكثر أهل العلم: هو حكم ثابت، وليس في سورة المائدة منسوخ، وحكام المسلمين بالخيار في الحكم بين أهل الكتاب إن شاءوا حكموا وإن شاءوا لم يحكموا، وإن حكموا حكموا بحكم الإسلام، وهو قول النخعي والشعبي وعطاء وقتادة.

قسم V03/P058–V03/P060Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P058–V03/P060)

وقال قوم: يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بينهم، والآية منسوخة نسخها قوله تعالى: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله" (سورة المائدة، 49) ، وهو قول مجاهد وعكرمة، وروي ذلك عن ابن عباس وقال: لم ينسخ من المائدة إلا آيتان، قوله تعالى: "لا تحلوا شعائر الله" نسخها قوله تعالى: "اقتلوا المشركين" وقوله: "فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم" نسخها قوله تعالى: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله" فأما إذا تحاكم إلينا مسلم وذمي فيجب علينا الحكم بينهما لا يختلف القول فيه، لأنه لا يجوز للمسلم الانقياد لحكم أهل الذمة. قوله {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} أي: بالعدل، {إن الله يحب المقسطين} أي: العادلين، روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المقسطون عند الله على منابر من نور" . {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قوله تعالى: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة} هذا تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه اختصار، أي: كيف يجعلونك حكما بينهم فيرضون بحكمك وعندهم التوراة؟ {فيها حكم الله} وهو الرجم، {ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} أي بمصدقين لك. قوله عز وجل: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا} أي: أسلموا وانقادوا [لأمر] الله تعالى، كما أخبر عن إبراهيم عليه السلام: "إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين" (سورة البقرة، 131) ، وكما قال: "وله أسلم من في السموات والأرض" (سورة آل عمران، 83) ، وأراد بهم النبيين الذين بعثوا من بعد موسى عليه السلام ليحكموا بما في التوراة، وقد أسلموا لحكم التوراة وحكموا بها، فإن من النبيين من لم يؤمر بحكم التوراة منهم عيسى عليه السلام، قال الله سبحانه وتعالى: "لكل جعلنا منك شرعة ومنهاجا" (سورة المائدة، 48) . وقال الحسن والسدي: أراد به محمدا صلى الله عليه وسلم حكم على اليهود بالرجم، ذكر بلفظ الجمع كما قال: "إن إبراهيم كان أمة قانتا" (سورة النحل، 120) . وقوله تعالى: {للذين هادوا} فيه تقديم وتأخير، تقديره: فيها هدى ونور للذين هادوا. ثم قال: يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون، وقيل: هو على موضعه، ومعناه: يحكم بها النبيون الذين أسلموا على الذين هادوا، كما قال: "وإن أسأتم فلها" (سورة الإسراء، 7) أي: فعليها، وقال: "أولئك لهم اللعنة" (سورة الرعد، 25) أي: عليهم، وقيل: فيه حذف، كأنه قال: للذين هادوا وعلى الذين هادوا فحذف أحدهما اختصارا. {والربانيون والأحبار} يعني العلماء: واحدهم حبر، وحبر بفتح الحاء وكسرها، والكسر أفصح، وهو العالم المحكم للشيء، قال الكسائي وأبو عبيد: هو من الحبر الذي يكتب به وقال قطرب هو من الحبر الذي هو بمعنى الجمال بفتح الحاء وكسرها، وفي الحديث "يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره" أي: حسنه وهيئته، ومنه التحبير وهو التحسين، فسمي العالم حبرا لما عليه من جمال العلم وبهائه، وقيل: الربانيون هاهنا من النصارى، والأحبار من اليهود، وقيل: كلاهما من اليهود. قوله عز وجل: {بما استحفظوا من كتاب الله} أي: استودعوا من كتاب الله، {وكانوا عليه شهداء} أنه كذلك. {فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال قتادة 107/ب والضحاك: نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود دون من أساء من هذه الأمة. روي عن البراء بن عازب رضي الله عنه في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} والظالمون والفاسقون كلها في الكافرين، وقيل: هي على الناس كلهم. وقال ابن عباس وطاووس: ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله فهو به [كافر] وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر.

قسم V03/P060–V03/P064Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P060–V03/P064)

قال عطاء: هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وقال عكرمة معناه: ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات، فقال: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه، فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك، ثم لم يحكم [بجميع] ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات. وقال العلماء: هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا، فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا . {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها} أي: أوجبنا على بني إسرائيل في التوراة، {أن النفس بالنفس} يعني: نفس القاتل بنفس المقتول وفاء يقتل به، {والعين بالعين} تفقأ بها، {والأنف بالأنف} يجدع به، {والأذن بالأذن} تقطع بها، قال ابن عباس: أخبر الله تعالى بحكمه في التوراة وهو: أن النفس بالنفس إلى آخرها، فما بالهم يخالفون فيقتلون بالنفس النفسين، ويفقأون بالعين العينين، وخفف نافع الأذن في جميع القرآن وثقلها الآخرون، {والسن بالسن} تقلع بها وسائر الجوارح قياس عليها في القصاص، {والجروح قصاص} فهذا تعميم بعد تخصيص، لأنه ذكر العين والأنف والأذن والسن، ثم قال: {والجروح قصاص} أي فيما يمكن الاقتصاص منه كاليد والرجل واللسان ونحوها، وأما ما لا يمكن الاقتصاص منه من كسر عظم أو جرح لحم كالجائفة ونحوها فلا قصاص فيه، لأنه لا يمكن الوقوف على نهايته، وقرأ الكسائي "والعين" وما بعدها بالرفع، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر وأبو عمرو "والجروح" بالرفع فقط وقرأ الآخرون كلها بالنصب كالنفس. قوله تعالى: {فمن تصدق به} أي بالقصاص {فهو كفارة له} قيل: الهاء في "له" كناية عن المجروح وولي القتيل، أي: كفارة للمتصدق وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص والحسن والشعبي وقتادة. أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أنا عبد الله الحسين بن محمد الدينوري أنا عمر بن الخطاب أنا عبد الله بن الفضل أخبرنا أبو خيثمة أنا جرير عن مغيرة عن الشعبي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تصدق من جسده بشيء كفر الله عنه بقدره من ذنوبه" . وقال جماعة: هي كناية عن الجارح والقاتل، يعني: إذا عفا المجني عليه من الجاني فعفوه كفارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به في الآخرة، كما أن القصاص كفارة له، فأما أجر العافي فعلى الله عز وجل، قال الله تعالى: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله" (الشورى-40) ، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} {وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } قوله تعالى: {وقفينا على آثارهم} أي: على آثار النبيين الذين أسلموا، {بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه} أي: في الإنجيل، {هدى ونور ومصدقا} يعني الإنجيل، {لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين}

قسم V03/P064–V03/P067Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P064–V03/P067)

{وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} قرأ الأعمش وحمزة "وليحكم" بكسر اللام وفتح الميم، أي لكي يحكم، وقرأ الآخرون بسكون اللام وجزم الميم على الأمر، قال مقاتل بن حيان: أمر الله الربانيين والأحبار أن يحكموا بما في التوراة، وأمر القسيسين والرهبان أن يحكموا بما في الإنجيل، فكفروا وقالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} الخارجون عن أمر الله تعالى. قوله سبحانه وتعالى: {وأنزلنا إليك} يا محمد {الكتاب} القرآن، {بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب} أي: من الكتب المنزلة من قبل، {ومهيمنا عليه} روى الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أي شاهدا عليه وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والكسائي. قال حسان: إن الكتاب مهيمن لنبينا والحق يعرفه ذوو الألباب يريد: شاهدا ومصدقا. وقال عكرمة: دالا وقال سعيد بن جبير وأبو عبيدة، مؤتمنا عليه، وقال الحسن: أمينا وقيل: أصله مؤيمن، مفيعل من أمين، كما قالوا: مبيطر من البيطار، فقلبت الهمزة هاء، كما قالوا: أرقت الماء وهرقته، وإيهات وهيهات، ونحوها. ومعنى أمانة القرآن ما قال ابن جريج: القرآن أمين على ما قبله من الكتب، فما أخبر أهل الكتاب عن [كتابهم] فإن كان في القرآن فصدقوا وإلا فكذبوا. وقال سعيد بن المسيب والضحاك قاضيا، وقال الخليل: رقيبا وحافظا، والمعاني متقاربة، ومعنى الكل: أن كل كتاب يشهد بصدقه القرآن فهو كتاب الله تعالى، وما لا فلا. {فاحكم} يا محمد، {بينهم} بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك، {بما أنزل الله} بالقرآن، {ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} أي لا تعرض عما جاءك من الحق ولا تتبع أهواءهم، {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} قال ابن عباس والحسن ومجاهد: أي سبيلا وسنة، فالشرعة والمنهاج الطريق الواضح، وكل ما شرعت فيه فهو شريعة وشرعة، ومنه شرائع الإسلام لشروع أهلها فيها، وأراد بهذا أن الشرائع مختلفة، ولكل أهل ملة شريعة. قال قتادة: الخطاب للأمم الثلاث: أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، للتوراة شريعة والإنجيل شريعة وللفرقان شريعة، والدين واحد وهو التوحيد. {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} أي: على ملة واحدة، {ولكن ليبلوكم} ليختبركم، {في ما آتاكم} من الكتب وبين لكم من الشرائع فيتبين المطيع من العاصي والموافق من المخالف، {فاستبقوا الخيرات} فبادروا إلى الأعمال الصالحة، {إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } قوله عز وجل: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال كعب بن [أسد] وعبد الله بن [صوريا] وشاس بن قيس من رؤساء اليهود بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك لم يخالفنا اليهود، وإن بيننا وبين الناس خصومات فنحاكمهم إليك فاقض لنا عليهم نؤمن بك، ويتبعنا غيرنا، ولم يكن قصدهم الإيمان، وإنما كان قصدهم التلبيس ودعوته إلى الميل في الحكم فأنزل الله عز وجل الآية . {فإن تولوا} أي: أعرضوا عن الإيمان والحكم بالقرآن، {فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} أي: فاعلم أن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ذنوبهم، {وإن كثيرا من الناس} يعني اليهود، {لفاسقون} {أفحكم الجاهلية يبغون} 108\أقرأ ابن عامر "تبغون" بالتاء وقرأ الآخرون بالياء، أي: يطلبون، {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}

قسم V03/P067–V03/P068Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P067–V03/P068)

{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين } {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} اختلفوا في نزول هذه الآية وإن كان حكمها عاما لجميع المؤمنين. فقال قوم: نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي بن سلول، وذلك أنهما اختصما، فقال عبادة: إن لي أولياء من اليهود كثير عددهم شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم وولاية اليهود، ولا مولى لي إلا الله ورسوله، فقال عبد الله: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود، لأني أخاف الدوائر، ولا بد لي منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا الحباب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه، قال: إذا أقبل، فأنزل الله تعالى هذه الآية . قال السدي: لما كانت وقعة أحد اشتدت على طائفة من الناس وتخوفوا أن يدال عليهم الكفار فقال رجل من المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي وآخذ منه أمانا إني أخاف أن يدال علينا اليهود، وقال رجل آخر: أما أنا فألحق بفلان النصراني من أهل الشام وآخذ منه أمانا، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهما . وقال عكرمة: نزلت في [أبي لبابة] بن عبد المنذر بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة [حين حاصرهم] فاستشاروه في النزول، وقالوا: ماذا يصنع بنا إذا نزلنا، فجعل أصبعه على حلقه أنه الذبح، أي: يقتلكم، فنزلت هذه الآية . {بعضهم أولياء بعض} في العون والنصرة ويدهم واحدة على المسلمين، {ومن يتولهم منكم} [فيوفقهم ويعنهم] {فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} {فترى الذين في قلوبهم مرض} أي: نفاق يعني عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين الذين يوالون اليهود، {يسارعون فيهم} في معونتهم وموالاتهم، {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} دولة، يعني: أن يدول الدهر دولة فنحتاج إلى نصرهم إيانا، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه نخشى أن لا يتم أمر محمد فيدور الأمر علينا، وقيل: نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه من جدب وقحط فلا يعطونا الميرة والقرض، {فعسى الله أن يأتي بالفتح} قال قتادة ومقاتل: بالقضاء الفصل من نصر محمد صلى الله عليه وسلم على من خالفه، وقال الكلبي والسدي: فتح مكة، وقال الضحاك: فتح قرى اليهود مثل خيبر وفدك، {أو أمر من عنده} قيل: بإتمام أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو عذاب لهم، وقيل: إجلاء بني النضير، {فيصبحوا} يعني هؤلاء المنافقون، {على ما أسروا في أنفسهم} من موالاة اليهود ودس الأخبار إليهم، {نادمين} {ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم } {و} حينئذ، {يقول الذين آمنوا} [قرأ أهل الكوفة: "ويقول" بالواو والرفع] وقرأ أهل البصرة بالواو ونصب اللام عطفا على {أن يأتي} أي: وعسى أن يقول الذين آمنوا، وقرأ الآخرون بحذف الواو ورفع اللام، وكذلك هو في مصاحف أهل [العالية] استغناء عن حرف العطف بملابسة هذه الآية بما قبلها، يعني يقول الذين آمنوا في وقت إظهار الله تعالى نفاق المنافقين، {أهؤلاء الذين أقسموا بالله} حلفوا بالله، {جهد أيمانهم} أي: حلفوا بأغلظ الأيمان، {إنهم لمعكم} أي: إنهم مؤمنون، يريد: أن المؤمنين حينئذ يتعجبون من كذبهم وحلفهم بالباطل. قال الله تعالى: {حبطت أعمالهم} بطل كل خير عملوه، {فأصبحوا خاسرين} خسروا الدنيا بافتضاحهم، والآخرة بالعذاب وفوات الثواب.

قسم V03/P068–V03/P069Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P068–V03/P069)

قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} قرأ أهل المدينة والشام "يرتدد" بدالين على إظهار التضعيف "عن دينه" فيرجع إلى الكفر. قال الحسن: علم الله تبارك وتعالى أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم الله ويحبونه. واختلفوا في أولئك القوم من هم؟ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وقتادة: هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومانعي الزكاة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض ارتد عامة العرب إلا أهل مكة والمدينة والبحرين من عبد القيس، ومنع بعضهم الزكاة، وهم أبو بكر رضي الله عنه بقتالهم فكره ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال عمر رضي الله عنه: كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل؟ " فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني [عناقا] كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها" . قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة وقالوا: أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بدا من الخروج على أثره. قال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء ثم حمدناه عليه في الانتهاء. قال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا حصين يقول: ما ولد بعد النبيين مولود أفضل من أبي بكر رضي الله عنه، لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة. وكان قد ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق: منهم [بنو مذحج] ورئيسهم ذو الخمار، عبهلة بن كعب، العنسي، ويلقب بالأسود، وكان كاهنا مشعبذا فتنبأ باليمن واستولى على بلادها، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين، وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسك بدينهم، وعلى النهوض إلى حرب الأسود، فقتله فيروز الديلمي على فراشه، قال ابن عمر رضي الله عنه فأتى الخبر النبي صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك"، قيل: ومن هو؟ قال: "فيروز، [فازفيروز] فبشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بهلاك الأسود، وقبض صلى الله عليه وسلم من الغد؛ وأتى [خبر] مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول بعدما خرج أسامة وكان ذلك أول فتح جاء أبا بكر رضي الله عنه . والفرقة الثانية: بنو حنيفة باليمامة، ورئيسهم مسيلمة الكذاب، [واسمه ثمامة بن قيس] وكان قد تنبأ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سنة عشر، وزعم أنه أشرك مع محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك، وبعث [بذلك] إليه مع رجلين من أصحابه، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أتشهدان أن مسيلمة رسول الله؟ قالا نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم] "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما"، ثم أجاب: "من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد فإن الأرض لله يروثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين"، ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب في جيش كثير حتى أهلكه الله على يدي وحشي، غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة بن عبد المطلب، بعد حرب شديد، وكان وحشي يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام .

قسم V03/P069–V03/P072Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P069–V03/P072)

والفرقة الثالثة: بنو أسد، ورئيسهم طليحة بن خويلد بن الوليد، وكان طليحة آخر من ارتد، وادعى النبوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأول من قوتل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من أهل 108/ب الردة، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إليه، فهزمهم خالد بعد قتال شديد، وأفلت طليحة فمر على وجهه هاربا نحو الشام، ثم إنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه . وارتد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم [في خلافة أبي بكر رضي الله عنه] خلق كثير، حتى كفى الله المسلمين أمرهم ونصر دينه على يدي أبي بكر رضي الله عنه . قالت عائشة: "توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب واشرأب النفاق، ونزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها" . وقال قوم: المراد بقوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} هم الأشعريون، روي عن عياض بن غنم الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم قوم هذا، وأشار إلى أبي موسى الأشعري" وكانوا من اليمن. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أنا أبو عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن [علي الكشميهني، حدثنا علي بن] حجر أنا إسماعيل بن جعفر أنا محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة، الإيمان يمان والحكمة يمانية" وقال الكلبي: هم أحياء من اليمن ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة، وثلاثة آلاف من أفياء الناس، فجاهدوا في سبيل الله يوم القادسية في أيام عمر رضي الله عنه. قوله عز وجل: {أذلة على المؤمنين} يعني: أرقاء رحماء، لقوله عز وجل: "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة"، ولم يرد به الهوان، بل أراد به أن جانبهم لين على المؤمنين، وقيل: هو من الذل من قولهم دابة ذلول، يعني أنهم متواضعون كما قال الله تعالى: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا"، {أعزة على الكافرين} أي: أشداء غلاظ على الكفار يعادونهم ويغالبونهم، من قولهم: عزه أي غلبه، قال عطاء: أذلة على المؤمنين: كالولد لوالده والعبد لسيده، أعزة على الكافرين: كالسبع على فريسته، نظيره قوله تعالى: "أشداء على الكفار رحماء بينهم". {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} يعني: لا يخافون في الله لوم الناس، وذلك أن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم، وروينا عن عبادة بن الصامت قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" . {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} أي محبتهم لله ولين جانبهم للمسلمين، وشدتهم على الكافرين، من فضل الله عليهم، {والله واسع عليم} {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون } {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} [روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي بن سلول حين تبرأ عبادة من اليهود، وقال: أتولى الله ورسوله والذين آمنوا، فنزل فيهم من قوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء"، إلى قوله: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا" يعني عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال جابر بن عبد الله: جاء عبد الله بن سلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا، فنزلت هذه الآية، فقرأها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا رسول الله رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء" . وعلى هذا التأويل أراد بقوله: {وهم راكعون} صلاة التطوع بالليل والنهار، قاله ابن عباس رضي الله عنهما.

%0
10 Bölüm

الأسئلة