Qur'an&Sunnahالقرآن

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ) · AR

قسم V03/P129–V03/P131Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P129–V03/P131)

{ولقد استهزئ برسل من قبلك} كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم {فحاق} قال الربيع [بن أنس] فنزل، وقال عطاء: حل، وقال الضحاك: أحاط، {بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} أي: جزاء استهزائهم من العذاب والنقمة. {قل} يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين، {سيروا في الأرض} معتبرين، يحتمل هذا: السير بالعقول والفكر، ويحتمل السير بالأقدام، {ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} أي: آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والتكذيب الهلاك، فحذر كفار مكة عذاب الأمم الخالية. {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم } قوله عز وجل: {قل لمن ما في السماوات والأرض} فإن أجابوك وإلا ف {قل} أنت، {لله} أمره بالجواب عقيب السؤال ليكون أبلغ في التأثير وآكد في الحجة، {كتب} أي: قضى، {على نفسه الرحمة} هذا استعطاف منه تعالى للمؤمنين عنه إلى الإقبال عليه وإخباره بأنه رحيم بالعباد لا يعجل بالعقوبة، ويقبل الإنابة والتوبة. أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أخبرنا أبو طاهر الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه قال ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي" . وروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: "إن رحمتي [سبقت] غضبي . أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن علي الكركاني أنا أبو طاهر الزيادي أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا عبد الرحمن المروزي أخبرنا عبد الله بن المبارك أنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تتعاطف الوحوش على أولادها، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة" . أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا ابن أبي مريم ثنا أبو غسان حدثني زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها، تسعى إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: "أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ فقلنا: لا وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: الله أرحم بعباده من هذه بولدها" . قوله عز وجل: {ليجمعنكم} اللام فيه لام القسم والنون نون التأكيد مجازه: والله ليجمعنكم، {إلى يوم القيامة} أي: في يوم القيامة، وقيل: معناه ليجمعنكم في قبوركم إلى يوم القيامة، {لا ريب فيه الذين خسروا} غبنوا، {أنفسهم فهم لا يؤمنون} {وله ما سكن في الليل والنهار} أي: استقر، قيل: أراد ما سكن وما تحرك، كقوله: (سرابيل تقيكم الحر) أي: الحر والبرد، وقيل: إنما خص السكون بالذكر لأن النعمة فيه أكثر، قال محمد بن جرير: كل ما طلعت عليه الشمس وغربت فهو من ساكن الليل والنهار، والمراد منه جميع ما في الأرض. وقيل معناه: ما يمر عليه الليل والنهار، {وهو السميع} لأصواتهم، {العليم} بأسرارهم. {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين } قوله تعالى: {قل أغير الله أتخذ وليا} ؟ وهذا حين دعا إلى 116/ب دين آبائه، فقال تعالى: قل يا

قسم V03/P131–V03/P133Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P131–V03/P133)

محمد أغير الله أتخذ وليا، [ربا ومعبودا وناصرا ومعينا] ؟ {فاطر السماوات والأرض} أي: خالقهما ومبدعهما ومبتديهما، {وهو يطعم ولا يطعم} أي: وهو يرزق ولا يرزق كما قال: (ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) . {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} يعني: من هذه الأمة، والإسلام بمعنى الاستسلام لأمر الله، وقيل: أسلم أخلص، {ولا تكونن} يعني: وقيل لي ولا تكونن، {من المشركين} {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير } {قل إني أخاف إن عصيت ربي} [فعبدت غيره] {عذاب يوم عظيم} يعني: عذاب يوم القيامة. {من يصرف عنه} يعني: من يصرف العذاب عنه، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب " يصرف " بفتح الياء وكسر الراء، أي: من يصرف الله عنه العذاب، لقوله: "فقد رحمه" وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الراء، {يومئذ} يعني: يوم القيامة، {فقد رحمه وذلك الفوز المبين} أي: النجاة البينة. قوله عز وجل: {وإن يمسسك الله بضر} بشدة وبلية، {فلا كاشف له} لا رافع، {إلا هو وإن يمسسك بخير} عافية ونعمة، {فهو على كل شيء قدير} من الخير والضر. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو عبد الله السلمي أنا أبو العباس الأصم أنا أحمد بن شيبان الرملي أنا عبد الله بن ميمون القداح أنا شهاب بن خراش، [هو ابن عبد الله] عن عبد الملك بن عمير عن ابن عباس قال: أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة، أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني خلفه، ثم سار بي مليا ثم التفت إلي فقال: يا غلام، فقلت: لبيك يا رسول الله، قال: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وقد مضى القلم بما هو كائن، فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقضه الله تعالى لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروك بما لم يكتب الله تعالى عليك، ما قدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين، فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر، وأن مع الكرب الفرج، وأن مع العسر يسرا" . {وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير } {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون } {وهو القاهر فوق عباده} القاهر الغالب، وفي القهر زيادة معنى على القدرة، وهي منع غيره عن بلوغ المراد، وقيل: هو المنفرد بالتدبير الذي يجبر الخلق على مراده، فوق عباده هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله عز وجل. {وهو الحكيم} في أمره، {الخبير} بأعمال عباده. قوله عز وجل: {قل أي شيء أكبر شهادة} ؟ الآية، قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أرنا من يشهد أنك رسول الله فإنا لا نرى أحدا يصدقك، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، فأنزل الله تعالى: {قل أي شيء أكبر} أعظم، {شهادة} ؟ فإن أجابوك، وإلا {قل الله} هو {شهيد بيني وبينكم} على ما أقول، ويشهد لي بالحق وعليكم بالباطل، {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به} لأخوفكم به يا أهل مكة، {ومن بلغ} يعني: ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم من الأمم إلى يوم القيامة. حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد بن الحنفي أنا محمد بن بشر بن محمد المزني أنا أبو بكر

قسم V03/P133–V03/P134Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P133–V03/P134)

محمد بن الحسن بن بشر النقاش أنا أبو شعيب الحراني أنا يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلي أنا الأوزاعي حدثني حسان بن عطية عن أبي كبشة [السلولي] عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ معقده من النار" . أخبرنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها. فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" . قال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له، وقال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا صلى الله عليه وسلم وسمع منه، أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ ولم يقل أخر لأن الجمع يلحقه التأنيث، كقوله عز وجل: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) (الأعراف، 180) ، وقال: (فما بال القرون الأولى) . (طه، 51) {قل} يا محمد إن شهدتم أنتم، ف {لا أشهد} ، أنا أن معه إلها، {قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون} قوله عز وجل: {الذين آتيناهم الكتاب} ، يعني: التوراة والإنجيل، {يعرفونه} ، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته، {كما يعرفون أبناءهم} ، من بين الصبيان. {الذين خسروا أنفسهم} ، غبنوا أنفسهم {فهم لا يؤمنون} ، وذلك أن الله جعل لكل آدمي منزلا في الجنة ومنزلا في النار، وإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة، ولأهل النار منازل أهل الجنة في النار، وذلك الخسران. قوله عز وجل: {ومن أظلم} ، أكفر، {ممن افترى} ، اختلق، {على الله كذبا} ، فأشرك به غيره، {أو كذب بآياته} ، يعني: القرآن، {إنه لا يفلح الظالمون} ، الكافرون. {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } {ويوم نحشرهم جميعا} ، أي: العابدين والمعبودين، يعني: يوم القيامة، قرأ يعقوب " يحشرهم " هاهنا، وفي سبأ بالياء، ووافق حفص في سبأ، وقرأ الآخرون بالنون، {ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون} ، أنها تشفع لكم عند ربكم. {ثم لم تكن فتنتهم} ، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب "يكن" بالياء لأن الفتنة بمعنى الافتتان، فجاز تذكيره، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث الفتنة، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم "فتنتهم" بالرفع جعلوه اسم كان، وقرأ الآخرون بالنصب، فجعلوا الاسم قوله "أن قالوا" وفتنتهم الخبر، ومعنى قوله "فتنتهم" أي: قولهم وجوابهم، وقال ابن عباس وقتادة: معذرتهم والفتنة التجربة، فلما كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم قيل فتنة. قال الزجاج في قوله: {ثم لم تكن فتنتهم} معنى لطيف وذلك مثل الرجل يفتتن بمحبوب ثم يصيبه فيه [محنة] فيتبرأ من محبوبه، فيقال: لم تكن فتنت إلا هذا، كذلك الكفار فتنوا بمحبة الأصنام ولما رأوا العذاب تبرأوا منها، يقول الله عز وجل: {ثم لم تكن فتنتهم} في محبتهم الأصنام، {إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} ، قرأ حمزة والكسائي " ربنا " بالنصب على نداء المضاف، وقرأ الآخرون بالخفض على نعت والله، وقيل: 117\أإنهم إذا رأوا يوم القيامة مغفرة الله تعالى وتجاوزه عن أهل التوحيد قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجوا مع أهل التوحيد، فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالكفر.

قسم V03/P134–V03/P136Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P134–V03/P136)

فقال عز وجل: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} ، باعتذارهم بالباطل وتبريهم عن الشرك، {وضل عنهم} زال وذهب عنهم {ما كانوا يفترون} من الأصنام، وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها، فبطل كله في ذلك اليوم. {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون } قوله عز وجل: {ومنهم من يستمع إليك} الآية، قال الكلبي: اجتمع أبو سفيان بن حرب وأبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحارث بن عامر، يستمعون القرآن فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة ما يقول محمد؟ قال: ما أدري ما يقول إلا أني أراه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون وأخبارها . فقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقول حقا، فقال أبو جهل: كلا لا نقر بشيء من هذا، وفي رواية: للموت أهون علينا من هذا، فأنزل الله عز وجل: "ومنهم من يستمع إليك" وإلى كلامك، {وجعلنا على قلوبهم أكنة} ، أغطية، جمع كنان، كالأعنة جمع عنان، {أن يفقهوه} ، أن يعلموه، قيل: معناه أن لا يفقهوه، وقيل: كراهة أن يفقهوه، {وفي آذانهم وقرا} ، صمما وثقلا هذا دليل على أن الله تعالى يقلب القلوب فيشرح بعضها للهدى، ويجعل بعضها في أكنة فلا تفقه كلام الله ولا تؤمن، {وإن يروا كل آية} ، من المعجزات والدلالات، {لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين} ، يعني: أحاديثهم وأقاصيصهم، والأساطير جمع: أسطورة، وإسطارة، وقيل: هي الترهات والأباطيل، وأصلها من سطرت، أي: كتبت. {وهم ينهون عنه} أي: ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم {وينأون عنه} ، أي: يتباعدون عنه بأنفسهم، نزلت في كفار مكة، قاله محمد بن الحنفية والسدي والضحاك، وقال قتادة: ينهون عن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم ويتباعدون عنه. وقال ابن عباس ومقاتل نزلت في أبي طالب كان ينهى الناس عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ويمنعهم وينأى عن الإيمان به، أي: يبعد، حتى روي أنه اجتمع إليه رءوس المشركين وقالوا: خذ شابا من أصبحنا وجها، وادفع إلينا محمدا، فقال أبو طالب: ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي لتقتلوه وأربي ولدكم؟ وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإيمان، فقال: لولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينك، ولكن أذب عنك ما حييت. وقال فيه أبياتا: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر بذاك وقر بذاك منك عيونا ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينا قد علمت بأنه من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار سبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا {وإن يهلكون} ، أي: ما يهلكون، {إلا أنفسهم} أي: لا يرجع وبال فعلهم إلا إليهم، وأوزار الذين يصدونهم عليهم، {وما يشعرون} . . {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين } {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون }

قسم V03/P136–V03/P138Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P136–V03/P138)

قوله عز وجل: {ولو ترى إذ وقفوا على النار} يعني: في النار، كقوله تعالى: (على ملك سليمان) أي: في ملك سليمان، وقيل: عرضوا على النار، وجواب "لو" محذوف معناه: لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا، {فقالوا يا ليتنا نرد} يعني: إلى الدنيا، {ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} قراءة العامة كلها بالرفع على معنى: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب، ونكون من المؤمنين، وقرأ حمزة وحفص ويعقوب "ولا نكذب ونكون" بنصب الباء والنون على جواب التمني، أي: ليت ردنا وقع، وأن لا نكذب ونكون، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصب بالفاء، وقرأ ابن عامر "نكذب" بالرفع و"نكون" بالنصب لأنهم تمنوا أن يكونوا من المؤمنين، وأخبروا عن أنفسهم أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردوا إلى الدنيا. {بل بدا لهم} قوله: "بل" تحته رد لقولهم، أي: ليس الأمر على ما قالوا إنهم لو ردوا لآمنوا، بل بدا لهم، ظهر لهم، {ما كانوا يخفون} يسرون، {من قبل} في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم، وقيل: ما كانوا يخفون وهو قولهم "والله ربنا ما كنا مشركين" (الأنعام، 23) ، فأخفوا شركهم وكتموا حتى شهدت عليهم جوارحهم بما كتموا وستروا، لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا، إلا أن تجعل الآية في المنافقين، وقال المبرد: بل بدا لهم جزاء ما كانوا يخفون، وقال النضر بن شميل: بل بدا عنهم. ثم قال {ولو ردوا} إلى الدنيا {لعادوا لما} يعني إلى ما {نهوا عنه} من الكفر، {وإنهم لكاذبون} في قولهم، لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين. {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} هذا إخبار عن إنكارهم البعث، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، هذا من قولهم لو ردوا لقالوه. قوله عز وجل: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} أي: على حكمه وقضائه ومسألته، وقيل: عرضوا على ربهم، {قال} لهم وقيل: تقول لهم الخزنة بأمر الله، {أليس هذا بالحق} ؟ يعني: أليس هذا البعث والعذاب بالحق؟ {قالوا بلى وربنا} إنه حق، قال ابن عباس: هذا في موقف، وقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين في موقف آخر، وفي القيامة مواقف، ففي موقف يقرون، وفي موقف ينكرون. {قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} أي: خسروا أنفسهم بتكذيبهم المصير إلى الله بالبعث بعد الموت، {حتى إذا جاءتهم الساعة} أي: القيامة {بغتة} أي: فجأة، {قالوا يا حسرتنا} ندامتنا، [ذكر] على وجه النداء للمبالغة، وقال سيبويه: كأنه يقول: أيتها الحسرة هذا أوانك، {على ما فرطنا} أي: قصرنا {فيها} أي: في الطاعة، وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة.

قسم V03/P138–V03/P139Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P138–V03/P139)

قال محمد بن جرير: الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك أنه لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الآخرة بالدنيا قالوا: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها، أي: في الصفقة [فترك ذكر الصفقة] اكتفاء بذكر بقوله {قد خسر} لأن الخسران إنما يكون في صفقة بيع، والحسرة شدة الندم، حتى يتحسر النادم، كما يتحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد، {وهم يحملون أوزارهم} أثقالهم وآثامهم، {على ظهورهم} قال السدي وغيره: إن المؤمن +إذ أخرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا فيقول: أنا عملك الصالح فاركبني، فقد طالما ركبتك في الدنيا، فذلك قوله عز وجل: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) (مريم، 85) أي: ركبانا، وأما الكافر فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا. فيقول: أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيأ 117/ب فأنا اليوم أركبك، فهذا معنى قوله: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} {ألا ساء ما يزرون} يحملون قال ابن عباس: بئس الحمل حملوا. {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} باطل وغرور لا بقاء لها {وللدار الآخرة} قرأ ابن عامر {ولدار الآخرة} مضافا أضاف الدار إلى الآخرة، ويضاف الشيء إلى نفسه عند اختلاف اللفظين، كقوله: (وحب الحصيد) ، وقولهم: ربيع الأول ومسجد الجامع، سميت الدنيا لدنوها، وقيل: لدناءتها، وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا، {خير للذين يتقون} الشرك، {أفلا تعقلون} أن الآخرة أفضل من الدنيا، قرأ أهل المدينة وابن عامر ويعقوب (أفلا تعقلون) بالتاء هاهنا وفي الأعراف وسورة يوسف ويس، ووافق أبو بكر في سورة يوسف، ووافق حفص إلا في سورة يس، وقرأ الآخرون بالياء فيهن. قوله عز وجل: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} قال السدي: التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام، فقال الأخنس لأبي جهل يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيري، قال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية . وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم لا نتهمك ولا نكذبك، ولكنا نكذب الذي جئت به، فأنزل الله تعالى: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} . {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} بأنك كاذب، {فإنهم لا يكذبونك} قرأ نافع والكسائي بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد من التكذيب، والتكذيب هو أن تنسبه إلى الكذب، وتقول له: كذبت، والإكذاب هو أن تجده كاذبا، تقول العرب: أجدبت الأرض وأخصبتها إذا وجدتها جدبة ومخصبة، {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} يقول: إنهم لا يكذبونك في السر لأنهم عرفوا صدقك فيما مضى، وإنما يكذبون وحيي ويجحدون آياتي، كما قال: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم" (النمل، 94) . {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين } {ولقد كذبت رسل من قبلك} كذبهم قومهم كما كذبتك قريش، {فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا} بتعذيب من كذبهم، {ولا مبدل لكلمات الله} لا ناقض لما حكم به، وقد حكم في كتابه بنصر أنبيائه عليهم السلام، فقال: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) (الصافات، 171-172) ، وقال: (إنا لننصر رسلنا) (غافر، 51) وقال: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) (المجادلة، 21) ، وقال الحسن بن الفضل: لا خلف [لعداته] {ولقد جاءك من نبأ المرسلين} و {من} صلة كما تقول: أصابنا من مطر.

قسم V03/P139–V03/P142Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P139–V03/P142)

{وإن كان كبر عليك إعراضهم} أي: عظم عليك وشق أن أعرضوا عن الإيمان بك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان قومه أشد الحرص، وكانوا إذ سألوا آية أحب أن يريهم الله تعالى ذلك طمعا في إيمانهم، فقال الله عز وجل: {فإن استطعت أن تبتغي نفقا} تطلب وتتخد نفقا سربا {وفي الأرض} ومنه نافقاء اليربوع، وهو أحد جحريه فيذهب فيه، {أو سلما} أي: درجا ومصعدا، {في السماء} فتصعد فيه، {فتأتيهم بآية} فافعل، {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} فآمنوا كلهم، {فلا تكونن من الجاهلين} أي: بهذا الحرف، وهو قوله: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} وأن من يكفر لسابق علم الله فيه. {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } {إنما يستجيب الذين يسمعون} يعني: المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه، {والموتى} يعني الكفار، {يبعثهم الله ثم إليه يرجعون} فيجزيهم بأعمالهم. قوله عز وجل: {وقالوا} يعني: رؤساء قريش، {لولا} هلا {نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون} ما عليهم في إنزالها. قوله عز وجل: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه} قيد الطيران بالجناح تأكيدا كما يقال نظرت بعيني وأخذت بيدي، {إلا أمم أمثالكم} قال مجاهد: أصناف مصنفة تعرف بأسمائها يريد أن كل جنس من الحيوان أمة، فالطير أمة، والدواب أمة، والسباع أمة، تعرف بأسمائها مثل بني آدم، يعرفون بأسمائهم، يقال: الإنس والناس. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا المبارك هو ابن فضالة عن الحسن عن عبد الله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن الكلاب أمة لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم) . وقيل: أمم أمثالكم يفقه بعضهم عن بعض، وقيل: أمم أمثالكم في الخلق والموت والبعث، وقال عطاء: أمم أمثالكم في التوحيد والمعرفة، قال ابن قتيبة: أمم أمثالكم في الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك. {ما فرطنا في الكتاب} أي: في اللوح المحفوظ، {من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} قال ابن عباس والضحاك: حشرها موتها، وقال أبو هريرة: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير، وكل شيء فيأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا فحينئذ يتمنى الكافر ويقول: (يا ليتني كنت ترابا) . أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لتردن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء" . {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } قوله عز وجل: {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم} لا يسمعون الخير ولا يتكلمون به، {في الظلمات} في ضلالات الكفر، {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} وهو الإسلام. قوله تعالى: {قل أرأيتكم} هل رأيتم؟ والكاف فيه للتأكيد، وقال الفراء: العرب تقول أرأيتك، وهم يريدون أخبرنا، كما يقول: أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل؟ أي: أخبرني، وقرأ أهل

قسم V03/P142–V03/P144Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P142–V03/P144)

المدينة "أرايتكم، وأرايتم، وأرايت" بتليين الهمزة الثانية، والكسائي بحذفها، قال ابن عباس: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أرأيتكم، {إن أتاكم عذاب الله} قبل الموت، {أو أتتكم الساعة} يعني: القيامة، {أغير الله تدعون} في صرف العذاب عنكم، {إن كنتم صادقين} وأراد أن الكفار يدعون الله في أحوال الاضطرار كما أخبر الله عنهم: (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين) (لقمان، 32) . ثم قال: {بل إياه تدعون} أي: تدعون الله ولا تدعون غيره، {فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} قيد الإجابة بالمشيئة [والأمور كلها بمشيئته] {وتنسون} وتتركون، {ما تشركون} {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء} بالشدة والجوع، {والضراء} المرض والزمانة، {لعلهم يتضرعون} أي يتوبون ويخضعون، والتضرع السؤال بالتذلل. {فلولا} فهلا {إذ جاءهم بأسنا} عذابنا، {تضرعوا} فآمنوا فكشف عنهم، 118\أأخبر الله عز وجل أنه قد أرسل إلى قوم بلغوا من القسوة إلى أنهم أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا، فذلك قوله: {ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} من الكفر والمعاصي. {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون } {فلما نسوا ما ذكروا به} تركوا ما وعظوا وأمروا به، {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} قرأ أبو جعفر، "فتحنا" بالتشديد، في كل القرآن، وقرأ ابن عامر كذلك إذا كان عقيبه جمع والباقون بالتخفيف وهذا فتح استدراج ومكر، أي: بدلنا مكان البلاء والشدة الرخاء والصحة، {حتى إذا فرحوا بما أوتوا} وهذا فرح بطر مثل فرح قارون بما أصاب من الدنيا، {أخذناهم بغتة} فجأة آمن ما كانوا، وأعجب ما كانت الدنيا إليهم، {فإذا هم مبلسون} آيسون من كل خير، وقال أبو عبيدة: المبلس النادم الحزين، وأصل الإبلاس: الإطراق من الحزن والندم، وروى عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته، فإنما ذلك استدراج) ، ثم تلا "فلما نسوا ما ذكروا به" الآية . {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} أي: آخرهم [الذين بدبرهم، يقال: دبر فلان القوم يدبرهم دبرا ودبورا إذا كان آخرهم] ومعناه أنهم استؤصلوا بالعذاب فلم يبق منهم باقية، {والحمد لله رب العالمين} حمد الله نفسه على أن قطع دابرهم لأنه نعمة على الرسل، فذكر الحمد لله تعليما لهم ولمن آمن بهم، أن يحمدوا الله على كفايته شر الظالمين، وليحمد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ربهم إذا أهلك المكذبين. قوله تعالى: {قل أرأيتم} أيها المشركون، {إن أخذ الله سمعكم} حتى لا تسمعوا شيئا أصلا {وأبصاركم} حتى لا تبصروا شيئا، {وختم على قلوبكم} حتى لا تفقهوا شيئا ولا تعرفوا مما تعرفون من أمور الدنيا، {من إله غير الله يأتيكم به} ولم يقل بها مع أنه ذكر أشياء، قيل: معناه يأتيكم بما أخذ منكم، وقيل: الكناية ترجع إلى السمع الذي ذكر أولا ويندرج غيره تحته، كقوله تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه) (التوبة، 62) . فالهاء راجعة إلى الله، ورضى رسوله يندرج في رضى الله تعالى، {انظر كيف نصرف الآيات} أي: نبين لهم العلامات الدالة على التوحيد والنبوة، {ثم هم يصدفون} يعرضون عنها مكذبين. {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون } {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة} فجأة، {أو جهرة} معاينة ترونه عند نزوله، قال

قسم V03/P144–V03/P145Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P144–V03/P145)

ابن عباس والحسن ليلا أو نهارا، {هل يهلك إلا القوم الظالمون} المشركون. قوله عز وجل: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح} العمل، {فلا خوف عليهم} حين يخاف أهل النار، {ولا هم يحزنون} إذا حزنوا. {والذين كذبوا بآياتنا يمسهم} يصيبهم {العذاب بما كانوا يفسقون} يكفرون. {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله} نزل حين اقترحوا الآيات فأمره أن يقول لهم: {لا أقول لكم عندي خزائن الله} أي خزائن رزقه فأعطيكم ما تريدون، {ولا أعلم الغيب} فأخبركم بما غاب مما مضى ومما سيكون، {ولا أقول لكم إني ملك} قال ذلك لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه الآدمي ويشاهد ما لا يشاهده الآدمي، يريد لا أقول لكم شيئا من ذلك فتنكرون قولي وتجحدون أمري، {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي: ما آتيكم به فمن وحي الله تعالى، وذلك غير مستحيل في العقل مع قيام الدليل والحجج البالغة، {قل هل يستوي الأعمى والبصير} ؟ قال قتادة: الكافر والمؤمن، وقال مجاهد: الضال والمهتدي، وقيل: الجاهل والعالم، {أفلا تتفكرون} أي: أنهما لا يستويان. {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين } قوله عز وجل: {وأنذر به} خوف به أي: بالقرآن، {الذين يخافون أن يحشروا} يجمعوا ويبعثوا إلى ربهم، وقيل: يخافون أي يعلمون، لأن خوفهم إنما كان من علمهم، {ليس لهم من دونه} من دون الله، {ولي} قريب ينفعهم، {ولا شفيع} يشفع لهم، {لعلهم يتقون} فينتهون عما نهوا عنه، وإنما نفى الشفاعة لغيره -مع أن الأنبياء والأولياء يشفعون -لأنهم لا يشفعون إلا بإذنه. {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قرأ ابن عامر "بالغدوة" بضم الغين وسكون الدال وواو بعدها، هاهنا وفي سورة الكهف، وقرأ الآخرون: بفتح العين والدال وألف بعدها. قال سلمان وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية، جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري وذووهم من المؤلفة قلوبهم، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم، وكان عليهم جباب صوف لم يكن عليهم غيرها، لجالسناك وأخذنا عنك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: "ما أنا بطارد المؤمنين" قالوا فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: اكتب لنا عليك بذلك كتابا، قال: فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب، قالوا ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} إلى قوله: {بالشاكرين} فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعانا فأثبته، وهو يقول: (سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة) ، فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله عز وجل: (واصبر نفسك ممع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (الكهف، 28) ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد وندنو منه حتى كادت ركبنا تمس ركبته، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم، وقال لنا: "الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات" . وقال الكلبي: قالوا له اجعل لنا يوما ولهم يوما، فقال: لا أفعل، قالوا: فاجعل المجلس واحدا فأقبل إلينا وول ظهرك عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي}

قسم V03/P145–V03/P147Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V03/P145–V03/P147)

قال مجاهد: قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لبايعنا محمدا، فأنزل الله هذه الآية: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال ابن عباس: يعني يعبدون ربهم بالغداة والعشي، يعني: صلاة الصبح وصلاة العصر، ويروى عنه: أن المراد منه الصلوات الخمس، وذلك أن أناسا من الفقراء كانوا مع النبي عليه السلام، فقال ناس من الأشراف: إذا صلينا فأخر هؤلاء فليصلوا خلفنا، فنزلت الآية. وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلم الإمام ابتدر الناس القاص، فقال سعيد: ما أسرع الناس إلى هذا المجلس! قال مجاهد: فقلت يتأولون قوله تعالى {يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: أفي هذا هو، إنمأ 118/ب ذلك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن، وقال إبراهيم النخعي: يعني يذكرون ربهم، وقيل المراد منه: حقيقة الدعاء، {يريدون وجهه} أي: يريدون الله بطاعتهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يطلبون ثواب الله فقال: {ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} أي: لا تكلف أمرهم ولا يتكلفون أمرك، وقيل: ليس رزقهم عليك فتملهم، {فتطردهم} ولا رزقك عليهم، قوله {فتطردهم} جواب لقوله {ما عليك من حسابهم من شيء} وقوله: {فتكون من الظالمين} جواب لقوله {ولا تطرد} أحدهما جواب النفي والآخر جواب النهي. {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم } قوله عز وجل: {وكذلك فتنا} أي: ابتلينا، {بعضهم ببعض} أراد ابتلاء الغني بالفقير والشريف بالوضيع، وذلك أن الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد سبقه بالإيمان امتنع من الإسلام بسببه فكان فتنة له فذلك قوله: {ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} فقال الله تعالى: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} فهو جواب لقوله {أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} فهو استفهام بمعنى التقرير، أي: الله أعلم بمن شكر الإسلام إذ هداه الله عز وجل. أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون الطيسفوني أنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو بن بسطام ثنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي أنا مسدد أنا جعفر بن سليمان عن المعلى بن زياد عن العلاء بن بشير المزني عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: جلست في نفر من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري، وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام علينا، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت القارئ، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "ما كنتم تصنعون؟ قلنا يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا فكنا نستمع إلى كتاب الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم" قال: ثم جلس وسطنا ليدل نفسه فينا ثم قال بيده هكذا فتحلقوا، وبرزت وجوههم له، قال فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف منهم أحدا غيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك مقدار خمسمائة سنة" . قوله عز وجل: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم} قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه عن طردهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام . وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة ومصعب بن عمير وحمزة وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر والأرقم بن أبي الأرقم وأبي سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنهم أجمعين.

%0
10 Bölüm

الأسئلة