{وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون } قوله عز وجل: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها} أي: كما أن فساق مكة أكابرها، كذلك جعلنا فساق كل [قرية] أكابرها، أي: عظماءها، جمع أكبر، مثل أفضل وأفاضل، وأسود وأساود، وذلك سنة الله تعالى أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم، كما قال في قصة نوح عليه السلام: (أنؤمن لك واتبعك الأرذلون) (الشعراء، 111) ، وجعل فساقهم أكابرهم، {ليمكروا فيها} وذلك أنهم أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، يقولون لكل من يقدم: إياك وهذا الرجل فإنه كاهن ساحر كذاب. {وما يمكرون إلا بأنفسهم} لأن وبال مكرهم يعود عليهم {وما يشعرون} أنه كذلك. قوله تعالى: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} يعني: مثل ما أوتي رسل الله من النبوة، وذلك أن الوليد بن المغيرة قال: لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه قال: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إنا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يوحى إليه، والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فأنزل الله عز وجل: {وإذا جاءتهم} حجة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: يعني أبا جهل، {لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم. ثم قال الله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} قرأ ابن كثير وحفص رسالته على التوحيد، وقرأ الآخرون رسالاته بالجمع، يعني: الله أعلم بمن هو أحق بالرسالة. {سيصيب الذين أجرموا صغار} ذل وهوان {عند الله} أي: من عند الله، {وعذاب شديد بما كانوا يمكرون} 124\أقيل: صغار في الدنيا وعذاب شديد في الآخرة. {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } قوله عز وجل: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} أي: يفتح قلبه وينوره حتى يقبل الإسلام، ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر، فقال: "نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح"، قيل: فهل لذلك [أمارة؟] قال: "نعم، الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت" . قوله تعالى: {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا} قرأ ابن كثير " ضيقا " بالتخفيف هاهنا وفي الفرقان، والباقون بالتشديد، وهما لغتان مثل: هين وهين ولين ولين، {حرجا} قرأ أهل المدينة وأبو بكر بكسر الراء والباقون بفتحها، وهما لغتان أيضا مثل: الدنف والدنف، وقال سيبويه الحرج بالفتح: المصدر [كالطلب، ومعناه ذا حرج] وبالكسر الاسم، وهو أشد الضيق، يعني: يجعل قلبه ضيقا حتى لا يدخله الإيمان، وقال الكلبي: ليس للخير فيه منفذ. وقال ابن عباس: إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه، وإذا ذكر شيئا من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية، فسأل أعرابيا من كنانة: ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر رضي الله عنه: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير.
Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ) · AR
{كأنما يصعد في السماء} قرأ ابن كثير: " يصعد "، بالتخفيف، وقرأ أبو بكر عن عاصم " يصاعد " بالألف، أي يتصاعد، وقرأ الآخرون {يصعد} بتشديد الصاد والعين، أي: يتصعد، يعني: يشق عليه الإيمان كما يشق عليه صعود السماء، وأصل الصعود المشقة، ومنه قوله تعالى (سأرهقه صعودا) أي: عقبة شاقة، {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} قال ابن عباس: الرجس هو الشيطان، أي: يسلط عليه، وقال الكلبي: هو المأثم، وقال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه. وقال عطاء: الرجس العذاب مثل الرجس. وقيل: هو النجس. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال: " [اللهم إني] أعوذ بك من الرجس +والنجس" . وقال الزجاج: الرجس اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة. {وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم } قوله عز وجل: {وهذا صراط ربك مستقيما} [أي: هذا الذي بينا، وقيل هذا الذي أنت عليه يا محمد طريق ربك ودينه الذي ارتضاه لنفسه مستقيما] لا عوج فيه وهو الإسلام. {قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون} {لهم دار السلام عند ربهم} يعني: الجنة: قال أكثر المفسرين: السلام هو الله وداره الجنة، وقيل: السلام هو السلامة، [أي: لهم دار السلامة] من الآفات، وهي الجنة. وسميت دار السلام لأن كل من دخلها سلم من البلايا والرزايا. وقيل: سميت بذلك لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلام، يقال في الابتداء: (ادخلوها بسلام آمنين) (الحجر، 46) ، (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم) (الرعد، 23) ، وقال: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما) (الواقعة، 26) ، وقال: (تحيتهم فيها سلام) (إبراهيم، 23) (سلام قولا من رب رحيم) (يس، 58) . {وهو وليهم بما كانوا يعملون} قال [الحسين] بن الفضل: يتولاهم في الدنيا بالتوفيق وفي الآخرة بالجزاء. قوله عز وجل: {ويوم يحشرهم} قرأ حفص: {يحشرهم} بالياء، {جميعا} يعني: الجن والإنس يجمعهم في موقف القيامة فيقول: {يا معشر الجن} والمراد بالجن: الشياطين، {قد استكثرتم من الإنس} أي: استكثرتم من الإنس بالإضلال والإغواء أي: أضللتم كثيرا، {وقال أولياؤهم من الإنس} يعني: أولياء الشياطين الذي أطاعوهم من الإنس، {ربنا استمتع بعضنا ببعض} قال الكلبي: استمتاع الإنس بالجن هو أن الرجل كان إذا سافر ونزل بأرض قفر وخاف على نفسه من الجن قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت في جوارهم. وأما استمتاع الجن بالإنس: هو أنهم قالوا قد سدنا الإنس مع الجن، حتى عاذوا بنا فيزدادون شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم، وهذا كقوله تعالى (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) (الجن، 6) . وقيل: استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم لهم الأمور التي يهوونها، وتسهيل سبيلها عليهم، واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس لهم فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي. قال محمد بن كعب: هو طاعة بعضهم بعضا وموافقة بعضهم [لبعض] . {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} يعني: القيامة والبعث، {قال} الله تعالى {النار مثواكم} مقامكم، {خالدين فيها إلا ما شاء الله} اختلفوا في هذا الاستثناء كما اختلفوا في قوله: (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك) (هود، 107) . قيل: أراد إلا قدر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم، يعني: هم خالدون في النار إلا هذا المقدار. وقيل: الاستثناء يرجع إلى العذاب، وهو قوله {النار مثواكم} أي: خالدين في النار سوى ما شاء الله من أنواع العذاب. وقال ابن عباس: الاستثناء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون فيخرجون من النار، و"ما" بمعنى "من" على هذا التأويل، {إن ربك حكيم عليم} قيل: عليم بالذي استثناه وبما في قلوبهم من البر والتقوى.
{وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} [قيل: أي] كما خذلنا عصاة الجن والإنس حتى استمتع بعضهم ببعض نولي بعض الظالمين بعضا، أي: نسلط بعضهم على بعض، فنأخذ من الظالم بالظالم، كما جاء: "من أعان ظالما سلطه الله عليه" . وقال قتادة: نجعل بعضهم أولياء بعض، فالمؤمن ولي المؤمن [أين كان] والكافر ولي الكافر حيث كان. وروي عن معمر عن قتادة: نتبع بعضهم بعضا في النار، من الموالاة، وقيل: معناه نولي ظلمة الإنس ظلمة الجن، ونولي ظلمة الجن ظلمة الإنس، أي: نكل بعضهم إلى بعض، كقوله تعالى: (نوله ما تولى) (النساء، 115) ، وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها هو: أن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولى أمرهم خيارهم، وإذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم. قوله عز وجل: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} اختلفوا في أن الجن هل أرسل إليهم منهم [رسول] ؟ فسئل الضحاك عنه، فقال: بلى ألم تسمع الله يقول {ألم يأتكم رسل منكم} يعني: بذلك رسلا من الإنس ورسلا من الجن. قال الكلبي: كانت الرسل من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يبعثون إلى الجن وإلى الإنس جميعا. قال مجاهد: الرسل من الإنس، والنذر من الجن، ثم قرأ (ولوا إلى قومهم منذرين) (الأحقاف، 29) ، وهم قوم يسمعون كلام الرسل فيبلغون الجن ما سمعوا، وليس للجن رسل، فعلى هذا قوله "رسل منكم" ينصرف إلى أحد الصنفين وهم الإنس، كما قال تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) (الرحمن، 22) 124/ب وإنما يخرج من الملح دون العذب، قال: (وجعل القمر فيهن نورا) (نوح، 16) ، وإنما هو في سماء واحدة. {يقصون عليكم} أي: يقرؤن عليكم، {آياتي} كتبي {وينذرونكم لقاء يومكم هذا} وهو يوم القيامة، {قالوا شهدنا على أنفسنا} أنهم قد بلغوا، قال مقاتل: وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر. قال الله عز وجل: {وغرتهم الحياة الدنيا} حتى لم يؤمنوا، {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } {ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين } {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم} أي: ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وعذاب من كذبهم، لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم، [أي: لم يكن مهلكهم بظلم] أي: بشرك من أشرك، {وأهلها غافلون} لم ينذروا حتى يبعث إليهم رسلا ينذرونهم. وقال الكلبي: لم يهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم الرسل. وقيل: معناه لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل فيكون قد ظلمهم، وذلك أن الله تعالى أجرى السنة أن لا يأخذ أحدا إلا بعد وجود الذنب، وإنما يكون مذنبا إذا أمر فلم يأتمر ونهي فلم ينته، يكون ذلك بعد إنذار الرسل. {ولكل درجات مما عملوا} يعني في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا، فمنهم من هو أشد عذابا ومنهم من هو أجزل ثوابا، {وما ربك بغافل عما يعملون} قرأ ابن عامر تعملون بالتاء والباقون بالياء. {وربك الغني} عن خلقه، {ذو الرحمة} قال ابن عباس: [ذو الرحمة] بأوليائه وأهل طاعته، وقال الكلبي: بخلقه ذو التجاوز، {إن يشأ يذهبكم} يهلككم، وعيد لأهل مكة، {ويستخلف} [يخلق] وينشئ، {من بعدكم ما يشاء} خلقا غيركم أمثل وأطوع، {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} أي: آبائهم الماضين قرنا بعد قرن. {إن ما توعدون} أي: ما توعدون من مجيء الساعة والحشر، {لآت} كائن، {وما أنتم بمعجزين} أي: بفائتين، يعني: يدرككم الموت حيث ما كنتم.
{قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون } {قل} يا محمد {يا قوم اعملوا على مكانتكم} قرأ أبو بكر عن عاصم {مكانتكم} بالجمع حيث كان أي: على تمكنكم، قال عطاء: على حالاتكم التي أنتم عليها. قال الزجاج: اعملوا على ما أنتم عليه. يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة: على مكانتك يا فلان، أي: اثبت على ما أنت عليه، وهذا أمر وعيد على المبالغة يقول: قل لهم اعملوا على ما أنتم عاملون، {إني عامل} ما أمرني به ربي عز وجل، {فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار} أي: الجنة، قرأ حمزة والكسائي: يكون بالياء هنا وفي القصص، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث العاقبة، {إنه لا يفلح الظالمون} قال ابن عباس: معناه لا يسعد من كفر بي وأشرك. قال الضحاك: لا يفوز. قوله عز وجل: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} الآية، كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا، وللأوثان نصيبا فما جعلوه لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين، وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها، فإن سقط شيء مما جعلوه لله تعالى في نصيب الأوثان تركوه وقالوا: إن الله غني عن هذا، وإن سقط شيء من [نصيب] الأصنام فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان، وقالوا: إنها محتاجة، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوا للأصنام جبروه بما جعلوه لله، فذلك قوله تعالى {وجعلوا لله مما ذرأ} خلق {من الحرث والأنعام نصيبا} وفيه اختصار مجازه: وجعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا. {فقالوا هذا لله بزعمهم} قرأ الكسائي (بزعمهم) بضم الزاي، والباقون بفتحها، وهما لغتان، وهو القول من غير حقيقة، {وهذا لشركائنا} يعني: الأوثان، {فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم} ومعناه: ما قلنا أنهم [كانوا يتمون ما جعلوه للأوثان مما جعلوه لله، ولا] يتمون ما جعلوه لله مما جعلوه للأوثان. وقال قتادة كانوا إذا أصابتهم سنة استعانوا بما جزءوا لله وأكلوا منه ووفروا ما جزءوا لشركائهم ولم يأكلوا منه [شيئا] {ساء ما يحكمون} أي: بئس ما [يصنعون] . {وكذلك زين لكثير من المشركين} أي: كما زين لهم تحريم الحرث والأنعام كذلك زين لكثير من المشركين، {قتل أولادهم شركاؤهم} قال مجاهد شركاؤهم، أي: شياطينهم زينوا وحسنوا لهم وأد البنات خيفة العيلة، سميت الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله وأضيف الشركاء إليهم لأنهم اتخذوها. وقال الكلبي: شركاؤهم: سدنة آلهتهم الذين كانوا يزينون للكفار قتل الأولاد، فكان الرجل منهم يحلف لئن ولد له كذا غلاما لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله. وقرأ ابن عامر: "زين" بضم الزاي وكسر الياء، "قتل" رفع "أولادهم" نصب، "شركائهم" بالخفض على التقديم، كأنه قال: زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، فصل بين الفعل وفاعله بالمفعول به، وهم الأولاد، كما قال الشاعر: فزججته متمكنا زج القلوص أبي مزاده أي: زج أبي مزادة القلوص، فأضيف الفعل وهو القتل إلى الشركاء، وإن لم يتولوا ذلك لأنهم هم الذين زينوا ذلك ودعوا إليه، فكأنهم فعلوه. قوله عز وجل {ليردوهم} ليهلكوهم، {وليلبسوا عليهم} ليخلطوا عليهم، {دينهم} قال ابن عباس: ليدخلوا عليهم الشك في دينهم، وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه بلبس الشيطان، {ولو شاء الله ما فعلوه} أي: لو شاء الله لعصمهم حتى ما فعلوا ذلك من تحريم الحرث والأنعام وقتل الأولاد، {فذرهم} يا محمد، {وما يفترون} يختلقون من الكذب، فإن الله تعالى لهم بالمرصاد.
{وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم } {وقالوا} يعني: المشركين، {هذه أنعام وحرث حجر} أي حرام، يعني: ما جعلوا لله ولآلهتهم من الحرث والأنعام على ما مضى ذكره. وقال مجاهد: يعني بالأنعام: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، {لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم} يعنون الرجال دون النساء، {وأنعام حرمت ظهورها} يعني: الحوامي كانوا لا يركبونها، {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} أي: يذبحونها باسم الأصنام لا باسم الله، وقال أبو وائل: معناه لا يحجون عليها ولا يركبونها لفعل الخير، لأنه لما جرت العادة بذكر اسم الله على فعل الخير عبر بذكر الله تعالى عن فعل الخير. {افتراء عليه} يعني: أنهم يفعلون ذلك ويزعمون أن الله أمرهم به افتراء عليه {سيجزيهم بما كانوا يفترون} {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} أي: نسائنا. قال ابن عباس وقتادة والشعبي: أراد أجنة البحائر والسوائب، فما ولد منها حيا فهو خالص للرجال دون النساء، وما ولد ميتا أكله الرجال والنساء جميعا، وأدخل الهاء في ال " خالصة " للتأكيد كالخاصة والعامة، كقولهم: نسابة وعلامة، وقال الفراء: أدخلت الهاء لتأنيث الأنعام لأن ما في بطونها مثلها فأنثت بتأنيثها. وقال الكسائي: خالص وخالصة واحد، مثل وعظ وموعظة. {وإن يكن ميتة} قرأ ابن عامر [وأبو جعفر] " تكن " بالتاء {ميتة} رفع، ذكر الفعل بعلامة التأنيث، لأن الميتة في اللفظ مؤنثة. وقرأ أبو بكر عن عاصم " تكن " بالتاء 125\أ {ميتة} نصب، أي: وإن تكن الأجنة ميتة، وقرأ ابن كثير: {وإن يكن} بالياء {ميتة} رفع، لأن المراد بالميتة الميت، أي: وإن يقع ما في البطون ميتا، وقرأ الآخرون {وإن يكن} بالياء {ميتة} نصب، رده إلى {ما} أي: وإن يكن ما في البطون ميتة، [يدل عليه أنه قال] {فهم فيه شركاء} ولم يقل فيها، وأراد أن الرجال والنساء فيه شركاء، {سيجزيهم وصفهم} أي: بوصفهم، أو على وصفهم الكذب على الله تعالى {إنه حكيم عليم} {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } {قد خسر الذين قتلوا أولادهم} قرأ ابن عامر وابن كثير " قتلوا " بتشديد التاء على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف. {سفها} جهلا. {بغير علم} نزلت في ربيعة ومضر وبعض العرب من غيرهم، كانوا يدفنون البنات أحياء مخافة السبي والفقر، وكان بنو كنانة لا يفعلون ذلك . {وحرموا ما رزقهم الله} يعني: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، {افتراء على الله} حيث قالوا: إن الله أمرهم بها، {قد ضلوا وما كانوا مهتدين} قوله تعالى: {وهو الذي أنشأ} ابتدع. {جنات} بساتين، {معروشات وغير معروشات} أي: +مسموكات مرفوعات وغير مرفوعات، وقال ابن عباس: معروشات: ما انبسط على وجه الأرض وانتشر مما يعرش، مثل: الكرم والقرع والبطيخ وغيرها، وغير معروشات. ما قام على ساق وبسق، مثل النخل والزرع وسائر الأشجار. وقال الضحاك: كلاهما، الكرم خاصة، منها ما عرش ومنها ما لم يعرش. {والنخل والزرع} أي: وأنشأ النخل والزرع، {مختلفا أكله} ثمره وطعمه منها الحلو والحامض والجيد والرديء، {والزيتون والرمان متشابها} في المنظر، {وغير متشابه} في المطعم مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف، {كلوا من ثمره إذا أثمر} هذا أمر إباحة. {وآتوا حقه يوم حصاده} قرأ أهل البصرة وابن عامر وعاصم {حصاده} بفتح الحاء، وقرأ الآخرون بكسرها ومعناهما واحد، كالصرام والصرام والجزاز والجزاز. واختلفوا في هذا الحق: فقال ابن عباس وطاووس والحسن وجابر بن زيد وسعيد بن المسيب: إنها الزكاة المفروضة من العشر ونصف العشر.
وقال علي بن الحسين وعطاء ومجاهد وحماد والحكم: هو حق في المال سوى الزكاة، أمر بإتيانه، لأن الآية مكية وفرضت الزكاة بالمدينة. قال إبراهيم: هو الضغث. وقال الربيع: لقاط السنبل. وقال مجاهد: كانوا [يعلقون] العذق عند الصرام فيأكل منه من مر. وقال يزيد بن الأصم: كان أهل المدينة إذا صرموا يجيئون بالعذق فيعلقونه في جانب المسجد، فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فيسقط منه فيأخذه. وقال سعيد بن جبير: كان هذا حقا يؤمر بإتيانه في ابتداء الإسلام فصار منسوخا بإيجاب العشر. وقال مقسم عن ابن عباس: نسخت الزكاة كل نفقة في القرآن. {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} قيل: أراد بالإسراف إعطاء الكل. قال ابن عباس في رواية الكلبي: إن ثابت بن قيس بن شماس صرم خمسمائة نخلة وقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. قال السدي: لا تسرفوا أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. قال الزجاج: على هذا إذا أعطى الإنسان كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف، لأنه قد جاء في الخبر "ابدأ بمن تعول" . وقال سعيد بن المسيب: معناه لا تمنعوا الصدقة. فتأويل الآية على هذا: لا تتجاوز الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة. وقال مقاتل: لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام. وقال الزهري: لا تنفقوا في المعصية، وقال مجاهد: الإسراف ما قصرت به عن حق الله عز وجل، وقال: لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفا ولو أنفق درهما أو مدا في معصية الله كان مسرفا. وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف. وروى ابن وهب عن أبي زيد. قال: الخطاب للسلاطين، يقول: لا تأخذوا فوق حقكم. {ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين } {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين } قوله عز وجل: {ومن الأنعام} أي: وأنشأ من الأنعام، {حمولة} وهي كل ما يحمل عليها من الإبل، {وفرشا} وهي الصغار من الإبل التي لا تحمل. {كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان} لا تسلكوا طريقه وآثاره في تحريم الحرث والأنعام، {إنه لكم عدو مبين} ثم بين الحمولة والفرش فقال: {ثمانية أزواج} نصبها على البدل من الحمولة والفرش، أي: وأنشأ من الأنعام ثمانية أزواج أصناف، {من الضأن اثنين} أي: الذكر والأنثى، [فالذكر زوج والأنثى] زوج، والعرب تسمي الواحد زوجا إذا كان لا ينفك عن الآخر، والضأن النعاج، وهي ذوات الصوف من الغنم، والواحد ضائن والأنثى ضائنة، والجمع ضوائن، {ومن المعز اثنين} قرأ ابن كثير وابن عامر وأهل البصرة "من المعز" بفتح العين، والباقون بسكونها، والمعز والمعزى جمع لا واحد له من لفظه، وهي ذوات الشعر من الغنم، وجمع الماعز معير، وجميع الماعزة مواعز، {قل} يا محمد {آلذكرين حرم} الله عليكم، يعني ذكر الضأن والمعز، {أم الأنثيين} يعني أنثى الضأن والمعز، {أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} منهما، فإنها لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى، {نبئوني} أخبروني {بعلم} قال الزجاج: فسروا ما حرمتم بعلم، {إن كنتم صادقين} أن الله تعالى حرم ذلك. {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم }
{ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} وذلك أنهم كانوا يقولون: هذه أنعام وحرث حجر، وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وكانوا يحرمون بعضها على الرجال والنساء، وبعضها على النساء دون الرجال، فلما قام الإسلام وثبتت الأحكام جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم، وكان خطيبهم مالك بن عوف أبو الأحوض الجشمي، فقال: يا محمد [بلغنا] أنك تحرم أشياء مما كان آباؤنا يفعلونه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم قد حرمتم أصنافا من الغنم على غير أصل، وإنما خلق الله هذه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها، فمن أين جاء هذا التحريم؟ من قبل الذكر أم من قبل الأنثى"؟ فسكت مالك بن عوف وتحير فلم يتكلم. فلو قال جاء التحريم بسبب الذكور وجب أن يحرم جميع الذكور، وإن قال بسبب الأنوثة وجب أن يحرم جميع الإناث، وإن كان باشتمال الرحم عليه فينبغي أن يحرم الكل، لأن الرحم لا يشتمل إلا على ذكر أو أنثى، فأما تخصيص التحريم بالولد الخامس أو السابع أو البعض دون البعض 125/ب فمن أين؟. ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمالك: "يا مالك: ما لك لا تتكلم؟ قال له مالك: بل تكلم وأسمع منك". {أم كنتم شهداء} حضورا {إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم} قيل: أراد به: عمرو بن لحي ومن جاء بعده على طريقته، {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ثم بين أن التحريم والتحليل يكون بالوحي والتنزيل، فقال: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} وروي أنهم قالوا: فما المحرم إذا فنزل: {قل} يا محمد {لا أجد في ما أوحي إلي محرما} أي: شيئا محرما، {على طاعم يطعمه} آكل يأكله، {إلا أن يكون ميتة} قرأ ابن عامر وأبو جعفر "تكون" بالتاء، {ميتة} رفع أي: إلا أن تقع ميتة، وقرأ ابن كثير وحمزة " تكون " بالتاء، {ميتة} نصب على تقدير اسم مؤنث، أي: إلا أن تكون النفس، أو: الجثة ميتة، وقرأ الباقون "يكون" بالياء "ميتة" نصب، يعني إلا أن يكون [المطعوم] ميتة، {أو دما مسفوحا} أي: مهراقا سائلا قال ابن عباس: يريد ما خرج من الحيوان، وهن أحياء وما خرج من الأرواح وما يخرج من الأدواج عند الذبح، ولا يدخل فيه الكبد والطحال، لأنهما جامدان، وقد جاء الشرع بإباحتهما، ولا ما اختلط باللحم من الدم، لأنه غير سائل. قال عمران بن حدير: سألت أبا مجلز عما يختلط باللحم من الدم، وعن القدر يرى فيها حمرة الدم؟ فقال: لا بأس به، إنما نهى عن الدم المسفوح. وقال إبراهيم: لا بأس بالدم في عرق أو مخ، إلا المسفوح الذي تعمد ذلك، وقال عكرمة: لولا هذه الآية لاتبع المسلمون من العروق ما يتبع اليهود. {أو لحم خنزير فإنه رجس} حرام، {أو فسقا أهل لغير الله به} وهو ما ذبح على غير اسم الله تعالى. فذهب بعض أهل العلم إلى أن التحريم مقصور على هذه الأشياء. يروى ذلك عن عائشة وابن عباس قالوا: ويدخل في الميتة: المنخنقة والموقوذة، وما ذكر في أول سورة المائدة . وأكثر العلماء على أن التحريم لا يختص بهذه الأشياء، والمحرم بنص الكتاب ما ذكر هنا . ذلك معنى قوله تعالى: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما"، وقد حرمت السنة أشياء يجب القول بها. منها: ما أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ثنا عبد الغافر بن محمد بن عيسى الجلودي ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج، قال ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري أخبرنا أبي أنا شعبة عن الحكم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير" .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ثنا زاهر بن أحمد ثنا أبو إسحاق الهاشمي ثنا أبو مصعب عن مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام" . والأصل عند الشافعي: أن ما لم يرد فيه نص تحريم أو تحليل، فإن كان مما أمر الشرع بقتله -كما قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم" أو نهى عن قتله، كما روي أنه نهى عن قتل النحلة والنملة -فهو حرام، وما سوى ذلك فالمرجع فيه إلى الأغلب من عادات العرب، فما يأكله الأغلب منهم فهو حلال، وما لا يأكله الأغلب منهم فهو حرام، لأن الله تعالى خاطبهم بقوله: (قل أحل لكم الطيبات) ، فثبت أن ما استطابوه فهو حلال. {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم} أباح أكل هذه المحرمات عند الاضطرار في غير العدوان. {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون } قوله عز وجل: {وعلى الذين هادوا} يعني اليهود، {حرمنا كل ذي ظفر} وهو ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير مثل: البعير والنعامة والإوز والبط، قال القتيبي: هو كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من [الدواب] وحكاه عن بعض المفسرين، وقال: سمي الحافر ظفرا على الاستعارة. {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما} يعني شحوم الجوف، وهي الثروب، وشحم الكليتين، {إلا ما حملت ظهورهما} أي: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما، {أو الحوايا} وهي المباعر، واحدتها: حاوية وحوية، أي: ما حملته الحوايا من الشحم. {أو ما اختلط بعظم} يعني: شحم الألية، هذا كله داخل في الاستثناء، والتحريم مختص بالثرب وشحم الكلية. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا قتيبة أنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام. ثم قال رسول الله عند ذلك: "قاتل الله اليهود إن الله عز وجل لما حرم شحومهما جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه" . {ذلك جزيناهم} أي: ذلك التحريم عقوبة لهم {ببغيهم} أي: بظلمهم من قتلهم الأنبياء وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا واستحلال أموال الناس بالباطل، {وإنا لصادقون} في الإخبار عما حرمنا عليهم وعن بغيهم. {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة} بتأخير العذاب عنكم، {ولا يرد بأسه} [عذابه] {عن القوم المجرمين} إذا جاء وقته. {سيقول الذين أشركوا} لما لزمتهم الحجة وتيقنوا بطلان ما كانوا عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله [قالوا] {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} من قبل، {ولا حرمنا من شيء} من البحائر والسوائب وغيرهما، أرادوا أن يجعلوا قوله: {لو شاء الله ما أشركنا} حجة لهم على إقامتهم على الشرك، وقالوا إن الله تعالى قادر على أن يحول بيننا وبين ما نحن عليه حتى لا نفعله، فلولا أنه رضي بما نحن عليه وأراده منا وأمرنا به لحال بيننا وبين ذلك، فقال الله تعالى تكذيبا لهم: {كذلك كذب الذين من قبلهم} من كفار الأمم الخالية، {حتى ذاقوا بأسنا} عذابنا.
ويستدل أهل القدر بهذه الآية، يقولون: إنهم لما قالوا: لو شاء الله ما أشركنا كذبهم الله ورد عليهم، فقال: "كذلك كذب الذين من قبلهم". قلنا: التكذيب ليس في قولهم "لو شاء الله ما أشركنا" بل ذلك القول صدق ولكن في قولهم: إن الله تعالى أمرنا بها ورضي بما نحن عليه، كما أخبر عنهم في سورة الأعراف (الآية 28) : (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها) ، فالرد عليهم في هذا كما قال تعالى: (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) . والدليل على أن التكذيب ورد فيما قلنا لا في قولهم: "لو شاء الله ما أشركنا"، قوله: {كذلك كذب الذين من قبلهم} بالتشديد 126\أولو كان ذلك خبرا من الله عز وجل عن كذبهم في قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا} لقال كذب الذين [من قبلهم] بالتخفيف فكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب. وقال الحسن بن الفضل: لو ذكروا هذه المقالة تعظيما وإجلالا لله عز وجل، ومعرفة منهم به لما عابهم بذلك، لأن الله تعالى قال: {ولو شاء الله ما أشركوا} وقال: (وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) (الأنعام، 111) ، والمؤمنون يقولون ذلك، ولكنهم قالوه تكذيبا وتخرصا وجدلا من غير معرفة بالله وبما يقولون، نظيره قوله عز وجل: (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم) (الزخرف، 20) ، قال الله تعالى: (ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون) (الأنعام، 116) . وقيل في معنى الآية: إنهم كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة إلا أنهم كانوا يعدونه عذرا لأنفسهم ويجعلونه حجة لأنفسهم في ترك الإيمان، ورد عليهم في هذا لأن أمر الله بمعزل عن مشيئته وإرادته، فإنه مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد، وعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته، فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد. {قل هل عندكم من علم} أي: كتاب وحجة من الله، {فتخرجوه لنا} حتى يظهر ما تدعون على الله تعالى من الشرك أو تحريم ما حرمتم، {إن تتبعون} ما تتبعون فيما أنتم عليه، {إلا الظن} من غير علم ويقين، {وإن أنتم إلا تخرصون} تكذبون. {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون } {قل فلله الحجة البالغة} التامة على خلقه بالكتاب [والرسول] والبيان، {فلو شاء لهداكم أجمعين} فهذا يدل على أنه لم يشأ إيمان الكافر، ولو شاء لهداه. {قل هلم} يقال للواحد والاثنين والجمع، {شهداءكم الذين يشهدون} أي: ائتوا بشهدائكم الذين يشهدون، {أن الله حرم هذا} هذا راجع إلى ما تقدم من تحريمهم الأشياء على أنفسهم ودعواهم أن الله أمرهم به، {فإن شهدوا} كاذبين، {فلا تشهد} أنت، {معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون} أي: يشركون. قوله عز وجل: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} وذلك أنهم سألوا وقالوا: أي شيء الذي حرم الله تعالى؟ فقال عز وجل: "قل تعالوا أتل" أقرأ ما حرم ربكم عليكم حقا يقينا لا ظنا ولا كذبا كما تزعمون. فإن قيل: ما معنى قوله "حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا" والمحرم هو الشرك لا ترك الشرك؟ .
قيل: موضع " أن " رفع، معناه هو أن لا تشركوا، وقيل: محله نصب، واختلفوا في وجه انتصابه، قيل: معناه حرم عليكم أن تشركوا به، و"لا" صلة كقوله تعالى: (ما منعك أن لا تسجد) (الأعراف، 12) ، أي: منعك أن تسجد. وقيل: تم الكلام عند قوله "حرم ربكم" ثم قال: عليكم أن لا تشركوا به شيئا على الإغراء. قال الزجاج: يجوز أن يكون هذا محمولا على المعنى، أي: أتل عليكم تحريم الشرك، وجائز أن يكون على معنى: أوصيكم ألا تشركوا به شيئا. {وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} فقر، {نحن نرزقكم وإياهم} أي: لا تئدوا بناتكم خشية العيلة، فإني رازقكم وإياهم، {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} [ما ظهر يعني: العلانية، وما بطن] يعني: السر. وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأسا في السر فحرم الله تعالى الزنا في العلانية والسر. وقال الضحاك: ما ظهر: الخمر، وما بطن: الزنا. {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} حرم الله تعالى قتل المؤمن والمعاهد إلا بالحق، إلا بما يبيح قتله من ردة أو قصاص أو زنا يوجب الرجم. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ثنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري ثنا حاجب بن أحمد الطوسي ثنا محمد بن حماد ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" . {ذلكم} الذي ذكرت {وصاكم به} أمركم به، {لعلكم تعقلون} {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون } {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} يعني: بما فيه صلاحه وتثميره. وقال مجاهد: هو التجارة فيه. وقال الضحاك: هو أن يبتغي له فيه ولا يأخذ من ربحه شيئا، {حتى يبلغ أشده} قال الشعبي ومالك: الأشد: الحلم، حتى يكتب له الحسنات [وتكتب عليه] السيئات. قال أبو العالية: حتى يعقل وتجتمع قوته. وقال الكلبي: الأشد ما بين الثمانية عشر سنة إلى ثلاثين سنة. وقيل: إلى أربعين سنة. وقيل: إلى ستين سنة. وقال الضحاك: عشرون سنة. وقال السدي: ثلاثون سنة. وقال مجاهد: الأشد ثلاث وثلاثون سنة. والأشد جمع شد، مثل قد وأقد، وهو استحكام قوة شبابه وسنه، ومنه شد النهار وهو ارتفاعه. وقيل بلوغ الأشد أن يؤنس رشده بعد البلوغ. وتقدير الآية: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى يبلغ أشده، فادفعوا إليه ماله إن كان رشيدا. {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} بالعدل، {لا نكلف نفسا إلا وسعها} أي: طاقتها في إيفاء الكيل والميزان، أي: لم يكلف المعطي أكثر مما وجب عليه، ولم يكلف صاحب الحق الرضا بأقل من حقه، حتى لا تضيق نفسه عنه، بل أمر كل واحد منهما بما يسعه مما لا حرج عليه فيه. {وإذا قلتم فاعدلوا} فاصدقوا في الحكم والشهادة، {ولو كان ذا قربى} أي: ولو كان المحكوم والمشهود عليه ذا قرابة، {وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون} تتعظون، قرأ حمزة والكسائي وحفص تذكرون [خفيفة] الذال، كل القرآن، والآخرون بتشديدها. قال ابن عباس: هذه الآيات محكمات في جميع الكتب، لم ينسخهن شيء وهن محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار. {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون } {وأن هذا} أي: هذا الذي وصيتكم به في هاتين الآيتين {صراطي} طريقي وديني،