قال ابن عباس: من سمع صوت الرعد فقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقة فعلي ديته. وعن عبد الله بن الزبير: أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث: وقال" سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، ويقول: إن هذا الوعيد لأهل الأرض شديد . وفي بعض الأخبار يقول الله تعالى: "لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل، ولأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد" وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: الرعد ملك موكل بالسحاب يصرفه إلى حيث يؤمر، وأن بحور الماء في نقرة إبهامه، وأنه يسبح الله تعالى، فإذا سبح لا يبقى ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل القطر. {والملائكة من خيفته} أي: تسبح الملائكة من خيفة الله عز وجل وخشيته. وقيل: أراد بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد، جعل الله تعالى له أعوانا، فهم خائفون خاضعون طائعون. قوله تعالى: {ويرسل الصواعق} جمع صاعقة، وهي: العذاب المهلك، ينزل من البرق فيحرق من يصيبه، {فيصيب بها من يشاء} كما أصاب أربد بن ربيعة. وقال محمد بن علي الباقر: الصاعقة تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب الذاكر. {وهم يجادلون} يخاصمون، {في الله} نزلت في شأن أربد بن ربيعة حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم: مم ربك أمن در أم من ياقوت أم من ذهب؟ فنزلت صاعقة من السماء فأحرقته . وسئل الحسن عن قوله عز وجل: {ويرسل الصواعق} الآية، قال: كان رجل من طواغيت العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم نفرا يدعونه إلى الله ورسوله. فقال لهم: أخبروني عن رب محمد هذا الذي تدعونني إليه مم هو؟ من ذهب أو فضة أو حديد أو نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته فانصرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ما رأينا رجلا أكفر قلبا ولا أعتى على الله منه؟ فقال: ارجعوا إليه، فرجعواإليه فجعل لا يزيدهم على مثل مقالته الأولى، وقال: أجيب محمدا إلى رب لا أراه ولا أعرفه. فانصرفوا وقالوا: يا رسول الله ما زادنا على مقالته الأولى وأخبث. فقال: ارجعوا إليه، فرجعوا، فبينما هم عنده ينازعونه ويدعونه، وهو يقول هذه المقالة إذ ارتفعت سحابة، فكانت فوق رؤوسهم، فرعدت وبرقت، ورمت بصاعقة، فاحترق الكافر، وهم جلوس، فجاؤوا يسعون ليخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقبلهم قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا لهم: احترق صاحبكم. فقالوا: من أين علمتم فقالوا: أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم: {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله} . {وهو شديد المحال} قال علي رضي الله عنه: شديد الأخذ . وقال ابن عباس: شديد الحول . وقال الحسن: شديد الحقد . وقال مجاهد: شديد القوة . وقال 189/ب أبو عبيدة: شديد العقوبة. وقيل: شديد المكر. والمحال والمماحلة: المماكرة والمغالبة. {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } . {له دعوة الحق} أي: لله دعوة الصدق. قال علي رضي الله عنه: دعوة الحق التوحيد . وقال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله . وقيل: الدعاء بالإخلاص، والدعاء الخالص لا يكون إلا لله عز وجل . {والذين يدعون من دونه} أي: يعبدون الأصنام من دون الله تعالى. {لا يستجيبون لهم بشيء} أي: لا يجيبونهم بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضر، {إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه} أي: إلا كباسط كفيه ليقبض على الماء [والقابض على الماء] لا يكون في يده شيء، ولا يبلغ إلى فيه منه شيء، كذلك الذي يدعو الأصنام، وهي لا تضر ولا تنفع، لا يكون بيده شيء. وقيل: معناه كالرجل العطشان الذي يرى الماء من بعيد، فهو يشير بكفه إلى الماء، ويدعوه بلسانه، فلا يأتيه أبدا، هذا معنى قول مجاهد.
Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ) · AR
ومثله عن علي وعطاء: كالعطشان الجالس على شفير البئر، يمد يده إلى البئر فلا يبلغ قعر البئر إلى الماء، ولا يرتفع إليه الماء، فلا ينفعه بسط الكف إلى الماء ودعاؤه له، ولا هو يبلغ فاه، كذلك الذين يدعون الأصنام لا ينفعهم دعاؤها، وهي لا تقدر على شيء. وعن ابن عباس: كالعطشان إذا بسط كفيه في الماء لا ينفعه ذلك ما لم يغرف بهما الماء، ولا يبلغ الماء فاه ما دام باسطا كفيه. وهو مثل ضربه لخيبة الكفار . {وما دعاء الكافرين} أصنامهم، {إلا في ضلال} يضل عنهم إذا احتاجوا إليه، كما قال: {وضل عنهم ما كانوا يفترون} (الأنعام -24 وغيرها) . وقال الضحاك عن ابن عباس: وما دعاء الكافرين ربهم إلا في ضلال لأن أصواتهم محجوبة عن الله تعالى. {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال } . قوله عز وجل: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا} يعني: الملائكة والمؤمنين، {وكرها} يعني: المنافقين والكافرين الذين أكرهوا على السجود بالسيف. {وظلالهم} يعني: ظلال الساجدين طوعا وكرها تسجد لله عز وجل طوعا. قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره. {بالغدو والآصال} يعني إذا سجد بالغدو أو العشي يسجد معه ظله. و"الآصال": جمع "الأصل"، و"الأصل" جمع "الأصيل"، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس. وقيل: ظلالهم أي: أشخاصهم، بالغدو والآصال: بالبكر والعشايا. وقيل: سجود الظل تذليله لما أريد له. {قل من رب السموات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار } . قوله تعالى: {قل من رب السموات والأرض} أي: خالقهما ومدبرهما [فسيقولون الله] لأنهم يقرون بأن الله خالقهم وخالق السموات والأرض، فإذا أجابوك فقل أنت أيضا يا محمد: "الله". وروي أنه لما قال هذا للمشركين عطفوا عليه فقالوا: أجب أنت، فأمره الله عز وجل فقال: {قل الله} . ثم قال الله لهم إلزاما للحجة: {قل أفاتخذتم من دونه أولياء} معناه: إنكم مع إقراركم بأن الله خالق السموات والأرض اتخذتم من دونه أولياء فعبدتموها من دون الله، يعني: الأصنام، وهم {لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا} فكيف يملكون لكم؟ ثم ضرب لهم مثلا فقال: {قل هل يستوي الأعمى والبصير} كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن، {أم هل تستوي} قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر " يستوي " بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء لأنه لا حائل بين الاسم والفعل المؤنث. {الظلمات والنور} أي: كما لا يستوي الظلمات والنور لا يستوي الكفر والإيمان. {أم جعلوا} أي: جعلوا، {شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم} أي: اشتبه ما خلقوه بما خلقه الله تعالى فلا يدرون ما خلق الله وما خلق آلهتهم. {قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار} ثم ضرب الله تعالى مثلين للحق والباطل، فقال عز وجل: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال } . {أنزل} يعني: الله عز وجل، {من السماء ماء} يعني: المطر، {فسالت} من ذلك الماء، {أودية بقدرها} أي: في الصغر والكبر، {فاحتمل السيل} الذي حدث من ذلك الماء، {زبدا رابيا} الزبد: الخبث الذي يظهر على وجه الماء، وكذلك على وجه القدر، "رابيا" أي عاليا مرتفعا فوق الماء، فالماء الصافي الباقي هو الحق، والذاهب الزائل الذي يتعلق بالأشجار وجوانب الأودية هو الباطل. وقيل: قوله "أنزل من السماء ماء": هذا مثل للقرآن، والأودية مثل للقلوب، يريد: ينزل القرآن، فتحمل منه القلوب على قدر اليقين والعقل والشك والجهل. فهذا أحد المثلين. والمثل الآخر: قوله عز وجل: {ومما يوقدون عليه في النار} .
قرأ حمزة والكسائي وحفص {يوقدون} بالياء لقوله تعالى: {ما ينفع الناس} ولا مخاطبة هاهنا. وقرأ الآخرون بالتاء " ومما توقدون " أي: ومن الذي توقدون عليه في النار. والإيقاد: جعل النار تحت الشيء ليذوب. {ابتغاء حلية} أي: لطلب زينة، وأراد الذهب والفضة؛ لأن الحلية تطلب منهما، {أو متاع} أي: طلب متاع وهو ما ينتفع به، وذلك مثل الحديد، والنحاس، والرصاص، والصفر تذاب فيتخذ منها الأواني وغيرها مما ينتفع بها، {زبد مثله} . {كذلك يضرب الله الحق والباطل} أي: إذا أذيب فله أيضا زبد مثل زبد الماء، فالباقي الصافي من هذه الجواهر مثل الحق، والزبد الذي لا ينتفع به مثل الباطل. {فأما الزبد} الذي علا السيل والفلز، {فيذهب جفاء} أي: ضائعا باطلا والجفاء ما رمى به الوادي من الزبد، والقدر إلى جنباته. يقال: جفا الوادي وأجفأ: إذا ألقى غثاءه، وأجفأت القدر وجفأت: إذا غلت وألقت زبدها، فإذا سكنت لم يبق فيها شيء. معناه: إن الباطل وإن علا في وقت فإنه يضمحل. وقيل: "جفاء" أي: متفرقا. يقال: جفأت الريح الغيم إذا فرقته وذهبت به. {وأما ما ينفع الناس} يعني: الماء والفلز من الذهب والفضة والصفر والنحاس، {فيمكث في الأرض} أي: يبقى ولا يذهب. {كذلك يضرب الله الأمثال} جعل الله تعالى هذا مثلا للحق والباطل، أي: أن الباطل كالزبد يذهب ويضيع، والحق كالماء والفلز يبقى في القلوب. وقيل: هذا تسلية للمؤمنين، يعني: أن أمر المشركين كالزبد يرى في الصورة شيئا وليس له حقيقة، وأمر المؤمنين كالماء المستقر في مكانه له البقاء والثبات. {للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد } . {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب } . قوله تعالى: {للذين استجابوا لربهم} أجابوا لربهم فأطاعوه، {الحسنى} الجنة، {والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به} أي: لبذلوا ذلك يوم القيامة افتداء من النار، {أولئك لهم سوء الحساب} قال إبراهيم النخعي: سوء الحساب: أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر له من شيء 190/أ {ومأواهم} في الآخرة {جهنم وبئس المهاد} الفراش، أي: بئس ما مهد لهم. قوله تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق} فيؤمن به ويعمل بما فيه، {كمن هو أعمى} عنه لا يعلمه ولا يعمل به. قيل: نزلت في حمزة وأبي جهل. وقيل: في عمار وأبي جهل . فالأول حمزة أو عمار، والثاني أبو جهل، وهو الأعمى. أي: لا يستوي من يبصر الحق ويتبعه ومن لا يبصره ولا يتبعه. {إنما يتذكر} يتعظ، {أولو الألباب} ذوو العقول. {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب } . {الذين يوفون بعهد الله} بما أمرهم الله تعالى به وفرضه عليهم فلا يخالفونه، {ولا ينقضون الميثاق} وقيل: أراد العهد الذي أخذه على ذرية آدم عليه السلام حين أخرجهم من صلبه. {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} قيل: أراد به الإيمان بجميع الكتب والرسل ولا يفرقون بينهما. والأكثرون على أنه أراد به صلة الرحم . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة أن عبد الرحمن بن عوف عاد أبا الدرداء فقال -يعني عبد الرحمن-: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فيما يحكي عن ربه عز وجل: "أنا الله، وأنا الرحمن، وهي الرحم، شققت لها من اسمي اسما، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته" .
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، حدثني حميد بن زنجويه، حدثنا ابن أبي أويس ، قال: حدثني سليمان بن بلال عن معاوية بن أبي مزرد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الله الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقوي الرحمن، فقال: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذلك لك"، ثم قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم "} (محمد -22) . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، أنبأنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا كثير بن عبد الله اليشكري، حدثنا الحسن بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة تحت العرش يوم القيامة: القرآن يحاج العباد، له ظهر وبطن، والأمانة، والرحم تنادي ألا من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا شعبة، عن عيينة بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي يحدث عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم" . أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الزيادي، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة قاطع" . أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، حدثنا أحمد بن إسحاق الصيدلاني، أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد بن نصر، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا عمرو بن عثمان قال سمعت موسى بن طلحة يذكر عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أن أعرابيا عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له فقال: أخبرني بما يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال صلى الله عليه وسلم: "تعبد الله، لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا أبو يعلى وأبو نعيم قالا حدثنا قطر، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها" [رواه محمد بن إسماعيل عن محمد بن كثير عن سفيان عن قطر وقال: إذا قطعت رحمه وصلها] . قوله تعالى: {ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} . {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار } . {والذين صبروا} على طاعة الله، وقال ابن عباس: على أمر الله عز وجل. وقال عطاء: على المصائب والنوائب. وقيل: عن الشهوات. وقيل: عن المعاصي. {ابتغاء وجه ربهم} طلب تعظيمه أن يخالفوه. {وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية} يعني يؤدون الزكاة.
{ويدرءون بالحسنة السيئة} روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يدفعون بالصالح من العمل السيئ من العمل، وهو معنى قوله: {إن الحسنات يذهبن السيئات} (هود -114) . وجاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها، السر بالسر والعلانية بالعلانية" . أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث، أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبد الله بن محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب، حدثنا أبو الخير، أنه سمع عقبة بن عامر رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته، ثم عمل حسنة، فانفكت عنه حلقة، ثم عمل أخرى فانفكت أخرى، حتى يخرج إلى الأرض" . وقال ابن كيسان: معنى الآية: يدفعون الذنب بالتوبة. وقيل: لا يكافئون الشر بالشر، ولكن يدفعون الشر بالخير. وقال القتيبي: معناه: إذا سفه عليهم حلموا، فالسفه: السيئة، والحلم: الحسنة. وقال قتادة: ردوا عليهم معروفا، نظيره قوله تعالى: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} (الفرقان -63) . وقال الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا. قال عبد الله بن المبارك: هذه ثمان خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنة. {أولئك لهم عقبى الدار} يعني الجنة، أي: عاقبتهم دار الثواب. ثم بين ذلك فقال: {جنات عدن} . {جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } . {جنات عدن} بساتين إقامة، 190/ب {يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب} قيل: من أبواب الجنة. وقيل: من أبواب القصور. {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار } . {سلام عليكم} أي: يقولون سلام عليكم. وقيل: يقولون: سلمكم الله من الآفات التي كنتم تخافون منها. قال مقاتل: يدخلون عليهم في مقدار يوم وليلة من أيام الدنيا ثلاث كرات، معهم الهدايا والتحف من الله عز وجل، يقولون سلام عليكم، {بما صبرتم فنعم عقبى الدار} . أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن بقية بن الوليد، حدثني أرطاة بن المنذر قال: سمعت رجلا من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج يقول: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن ليكون متكئا على أريكته إذا أدخل الجنة، وعنده سماطان من خدم، وعند طرف السماطين باب مبوب . فيقبل ملك من ملائكة الله يستأذن، فيقوم أقصى الخدم إلى الباب، فإذا هو بالملك يستأذن، فيقول للذي يليه: ملك يستأذن ويقول الذي يليه للذي يليه ملك يستأذن كذلك حتى يبلغ المؤمن، فيقول: ائذنوا له، [فيقول أقربهم إلى المؤمن] : ائذنوا له، [ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا له] كذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له فيدخل، فيسلم ثم ينصرف . {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} هذا في الكفار. {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} أي: يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض. وقيل: يقطعون الرحم . {ويفسدون في الأرض} أي: يعملون بالمعاصي، {أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار} يعني: النار، وقيل: سوء المنقلب لأن منقلب الناس دورهم. {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } .
قوله عز وجل: {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أي: يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء. {وفرحوا بالحياة الدنيا} يعني: مشركي مكة أشروا وبطروا، والفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى، وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا حرام. {وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} أي: قليل ذاهب. قال الكلبي: كمثل السكرجة والقصعة والقدح والقدر ينتفع بها [ثم تذهب] . {ويقول الذين كفروا} من أهل مكة، {لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} [أي: يهدي إليه من يشاء بالإنابة. وقيل: يرشد إلى دينه من يرجع إليه بقلبه] . {الذين آمنوا} في محل النصب، بدل من قوله: "من أناب"، {وتطمئن} تسكن، {قلوبهم بذكر الله} قال مقاتل: بالقرآن، والسكون يكون باليقين، والاضطراب يكون بالشك، {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} تسكن قلوب المؤمنين ويستقر فيها اليقين. قال ابن عباس: هذا في الحلف، يقول: إذا حلف المسلم بالله على شيء تسكن قلوب المؤمنين إليه . فإن قيل: أليس قد قال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} (الأنفال -2) فكيف تكون الطمأنينة والوجل في حالة واحدة؟ قيل: الوجل عند ذكر الوعيد والعقاب، والطمأنينة عند ذكر الوعد والثواب، فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه، وتطمئن إذا ذكرت فضل الله وثوابه وكرمه. {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب } . {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ابتداء، {طوبى لهم} خبره. واختلفوا في تفسير {طوبى} . روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: فرح لهم وقرة عين. وقال عكرمة: نعم مالهم. وقال قتادة: حسنى لهم. وقال معمر عن قتادة: هذه كلمة عربية، يقول الرجل للرجل: طوبى لك، أي: أصبت خيرا. وقال إبراهيم: خير لهم وكرامة. وقال الفراء: [أصله من الطيب، والواو فيه لضمة الطاء، وفيه لغتان، تقول العرب: طوباك وطوبى لك أي: لهم الطيب] . {وحسن مآب} أي: حسن المنقلب. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: طوبى اسم الجنة بالحبشية. قال الربيع: هو البستان بلغة الهند. وروي عن أبي أمامة وأبي هريرة وأبي الدرداء قالوا: [طوبى شجرة في الجنة تظل الجنان كلها. وقال عبيد بن عمير] : هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كل دار وغرفة غصن منها لم يخلق الله لونا ولا زهرة إلا وفيها منها إلا السواد، ولم يخلق الله تعالى فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها. تنبع من أصلها عينان: الكافور والسلسبيل. قال مقاتل: كل ورقة منها تظل أمة عليها ملك يسبح الله عز وجل بأنواع التسبيح . وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما طوبى؟ قال: "شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" . وعن معاوية بن قرة عن أبيه يرفعه: "طوبى شجرة غرسها الله تعالى بيده، ونفخ فيها من روحه، تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة" . أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زياد مولى بني مخزوم، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة [لا يقطعها] اقرؤوا إن شئتم: {وظل ممدود} (الواقعة -30) فبلغ ذلك كعبا فقال: صدق والذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام والقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، لو أن رجلا ركب حقة أو جذعة ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما، إن الله تعالى غرسها بيده ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة، ما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة .
وبهذا الإسناد عن عبد الله بن المبارك عن معمر عن الأشعث بن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يقول الله عز وجل لها: تفتقي لعبدي عما شئت فتنفتق له عن فرس بسرجه ولجامه وهيئته كما شاء، يفتق له عن الراحلة برحلها وزمامها [وهيئتها] كما شاء وعن الثياب . {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب } . قوله عز وجل {كذلك أرسلناك في أمة} كما أرسلنا الأنبياء إلى الأمم أرسلناك إلى هذه الأمة، {قد خلت} مضت، {من قبلها أمم لتتلو} لتقرأ، {عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن} . قال قتادة، ومقاتل، وابن جريج: الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن سهيل بن عمرو لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم 191/ألعلي رضي الله عنه: اكتب " بسم الله الرحمن الرحيم "، قالوا: لا نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة -يعنون مسيلمة الكذاب-اكتب كما كنت تكتب: "باسمك اللهم"، فهذا معنى قوله: {وهم يكفرون بالرحمن} . والمعروف أن الآية مكية، وسبب نزولها: أن أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الحجر يدعو يا الله يا رحمن، فرجع إلى المشركين فقال: إن محمدا يدعو إلهين؛ يدعو الله، ويدعو إلها آخر يسمى الرحمن، ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } (الإسراء -110) . وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: اسجدوا للرحمن، قالوا: وما الرحمن ؟ قال الله تعالى: {قل} لهم يا محمد إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته، {هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت} اعتمدت {وإليه متاب} أي: توبتي ومرجعي. {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد } . قوله عز وجل: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} الآية. نزلت في نفر من مشركي مكة؛ منهم أبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية؛ جلسوا خلف الكعبة وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاهم، فقال له عبد الله بن أبي أمية: إن سرك أن نتبعك فسير جبال مكة بالقرآن فأذهبها عنا حتى تنفسح، فإنها أرض ضيقة لمزارعنا، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا، لنغرس فيها الأشجار ونزرع، ونتخذ البساتين، فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود عليه السلام حيث سخر له الجبال تسبح معه، أو سخر لنا الريح فنركبها إلى الشام لميرتنا وحوائجنا ونرجع في يومنا، فقد سخرت الريح لسليمان كما زعمت، ولست بأهون على ربك من سليمان، وأحي لنا جدك قصيا أو من شئت من آبائنا وموتانا لنسأله عن أمرك أحق ما تقول أم باطل؟ فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولست بأهون على الله منه فأنزل الله عز وجل: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} فأذهبت عن وجه الأرض، {أو قطعت به الأرض} أي: شققت فجعلت أنهارا وعيونا {أو كلم به الموتى} واختلفوا في جواب "لو": فقال قوم جوابه محذوف، اكتفى بمعرفة السامعين مراده وتقديره: لكان هذا القرآن، كقول الشاعر: . فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا أراد: لرددناه، وهذا معنى قول قتادة قال: لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم.
وقال آخرون: جواب لو مقدم. وتقدير الكلام: وهم يكفرون بالرحمن "ولو أن قرآنا سيرت به الجبال" كأنه قال: لو سيرت به الجبال "أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى" لكفروا بالرحمن ولم يؤمنوا، لما سبق من علمنا فيهم، كما قال: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا} (الأنعام -111) ثم قال: {بل لله الأمر جميعا} أي: في هذه الأشياء إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل. {أفلم ييئس الذين آمنوا} قال أكثر المفسرين: معناه أفلم يعلم. قال الكلبي: هي لغة النخع . وقيل: لغة هوازن، يدل عليه قراءة ابن عباس: "أفلم يتبين الذين آمنوا" . وأنكر الفراء أن يكون ذلك بمعنى العلم، وزعم أنه لم يسمع أحدا من العرب يقول: يئست، بمعنى: علمت، ولكن معنى العلم فيه مضمر . وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا هذا من المشركين طمعوا في أن يفعل الله ما سألوا فيؤمنوا فنزل: {أفلم ييئس الذين آمنوا} يعني: الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من إيمان هؤلاء، أي لم ييئسوا علما، وكل من علم شيئا يئس من خلافه، يقول: ألم ييئسهم العلم: {أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا} . {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا} من كفرهم وأعمالهم الخبيثة {قارعة} أي: نازلة وداهية تقرعهم من أنواع البلاء، أحيانا بالجدب، وأحيانا بالسلب، وأحيانا بالقتل والأسر. وقال ابن عباس: أراد بالقارعة: السرايا التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثهم إليهم. {أو تحل} يعني: السرية والقارعة، {قريبا من دارهم} وقيل: أو تحل: أي تنزل أنت يا محمد بنفسك قريبا من ديارهم، {حتى يأتي وعد الله} قيل: يوم القيامة. وقيل: الفتح والنصر وظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه. {إن الله لا يخلف الميعاد} وكان الكفار يسألون هذه الأشياء على سبيل الاستهزاء فأنزل الله تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولقد استهزئ برسل من قبلك} {ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد } . {ولقد استهزئ برسل من قبلك} كما استهزؤوا بك، {فأمليت للذين كفروا} أمهلتهم وأطلت لهم المدة، ومنه "الملوان"، وهما: الليل والنهار، {ثم أخذتهم} عاقبتهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار، {فكيف كان عقاب} أي: عقابي لهم. {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} أي: حافظها، ورازقها، وعالم بها، ومجازيها بما عملت. وجوابه محذوف، تقديره: كمن ليس بقائم بل عاجز عن نفسه. {وجعلوا لله شركاء قل سموهم} بينوا أسماءهم. وقيل: صفوهم ثم انظروا: هل هي أهل لأن تعبد؟ {أم تنبئونه} أي: تخبرون الله تعالى: {بما لا يعلم في الأرض} فإنه لا يعلم لنفسه شريكا ولا في الأرض إلها غيره، {أم بظاهر} يعني: أم تتعلقون بظاهر، {من القول} مسموع، وهو في الحقيقة باطل لا أصل له. وقيل: بباطل من القول: قال الشاعر: وعيرني الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها أي: زائل . {بل زين للذين كفروا مكرهم} كيدهم. وقال مجاهد: شركهم وكذبهم على الله. {وصدوا عن السبيل} أي: صرفوا عن الدين. قرأ أهل الكوفة ويعقوب {وصدوا} وفي حم المؤمن {وصد} بضم الصاد فيهما، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله تعالى: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} (الحج -25) ، وقوله {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} (النحل -88 وغيرها) . {ومن يضلل الله} بخذلانه إياه، {فما له من هاد} . {لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق } .
{مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب } . {لهم عذاب في الحياة الدنيا} بالقتل والأسر، {ولعذاب الآخرة أشق} أشد، {وما لهم من الله من واق} مانع يمنعهم من العذاب. قوله عز وجل: {مثل الجنة التي وعد المتقون} أي: صفة الجنة، كقوله تعالى: {ولله المثل الأعلى} (النحل -60) أي: الصفة العليا، {تجري من تحتها الأنهار} أي: صفة الجنة التي وعد المتقون أن الأنهار تجري من تحتها. وقيل: "مثل" صلة مجازها "الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار". {أكلها دائم} أي: لا ينقطع ثمرها ونعيمها، {وظلها} أي: ظلها ظليل، لا يزول، وهو رد على الجهمية حيث قالوا إن نعيم الجنة يفنى . {تلك عقبى} أي: عاقبة {الذين اتقوا} يعني: الجنة، {وعقبى الكافرين النار} . قوله عز وجل: {والذين آتيناهم الكتاب} يعني: القرآن، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {يفرحون بما أنزل إليك} من القرآن، {ومن الأحزاب} يعني: الكفار الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم اليهود والنصارى، {من ينكر بعضه} هذا قول مجاهد وقتادة . وقال الآخرون: كان ذكر الرحمن قليلا في القرآن في الابتداء فلما أسلم 191/ب عبد الله بن سلام وأصحابه ساءهم قلة ذكره في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كرر الله ذكره في القرآن فرحوا به فأنزل الله سبحانه وتعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه} يعني: مشركي مكة حين كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الصلح: بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، فأنزل الله عز وجل {وهم بذكر الرحمن هم كافرون} (الأنبياء -36) {وهم يكفرون بالرحمن} (الرعد -30) . وإنما قال "بعضه" لأنهم كانوا لا ينكرون ذكر الله وينكرون ذكر الرحمن. {قل} يا محمد، {إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب} أي: مرجعي. {وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب } . {وكذلك أنزلناه حكما عربيا} يقول: كما أنزلنا إليك الكتاب يا محمد، فأنكره الأحزاب، كذلك أنزلنا الحكم والدين عربيا. نسب إلى العرب لأنه نزل بلغتهم فكذب به الأحزاب. وقيل: نظم الآية: كما أنزلت الكتب على الرسل بلغاتهم، فكذلك أنزلنا عليك الكتاب حكما عربيا. {ولئن اتبعت أهواءهم} في الملة. وقيل: في القبلة، {بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق} يعني: من ناصر ولا حافظ. قوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك} روي أن اليهود، -وقيل: إن المشركين-قالوا: إن هذا الرجل ليست له همة إلا في النساء فأنزل الله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} وما جعلناهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون. {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} هذا جواب عبد الله بن أبي أمية. ثم قال: {لكل أجل كتاب} يقول: لكل أمر قضاه الله كتاب قد كتبه فيه ووقت يقع فيه. وقيل: لكل آجل أجله الله كتاب أثبت فيه. وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: أي، لكل كتاب أجل ومدة، أي: الكتب المنزلة لكل واحد منها وقت ينزل فيه. {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } . {يمحو الله ما يشاء ويثبت} قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وعاصم ويعقوب " ويثبت " بالتخفيف وقرأ الآخرون بالتشديد. واختلفوا في معنى الآية: فقال سعيد بن جبير، وقتادة: يمحو الله ما يشاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه .
وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة . وروينا عن حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين، أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص" . وعن عمر وابن مسعود -رضي الله عنهما-أنهما قالا يمحو السعادة والشقاوة أيضا، ويمحو الرزق والأجل ويثبت ما يشاء. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت علي الشقاوة فامحني، وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. ومثله عن ابن مسعود. وفي بعض الآثار: أن الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه فترد إلى ثلاثة أيام، والرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيمد إلى ثلاثين سنة. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، حدثني زيادة بن محمد الأنصاري، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ينزل الله عز وجل في آخر ثلاث ساعات يبقين من الليل، فينظر في الساعة الأولى منهن في أم الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت" . وقيل: معنى الآية: إن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم، فيمحو الله من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قوله: أكلت، شربت، دخلت، خرجت، ونحوها من كلام هو صادق فيه، ويثبت ما فيه ثواب وعقاب، هذا قول الضحاك والكلبي. وقال الكلبي: يكتب القول كله، حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب. وقال عطية عن ابن عباس: هو الرجل يعمل بطاعة الله عز وجل ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو، والذي يثبت: الرجل يعمل بطاعة الله، فيموت وهو في طاعة الله عز وجل فهو الذي يثبت. وقال الحسن: {يمحو الله ما يشاء} أي من جاء أجله يذهب به ويثبت من لم يجئ أجله إلى أجله. وعن سعيد بن جبير قال: {يمحو الله ما يشاء} من ذنوب العباد فيغفرها ويثبت ما يشاء فلا يغفرها. وقال عكرمة: {يمحو الله ما يشاء} من الذنوب بالتوبة، ويثبت بدل الذنوب حسنات، كما قال الله تعالى: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} (الفرقان -70) . وقال السدي: {يمحو الله ما يشاء} يعني القمر {ويثبت} يعني الشمس، بيانه قوله تعالى: {فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} (الإسراء -12) . وقال الربيع: هذا في الأرواح يقبضها الله عند النوم، فمن أراد موته محاه فأمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه، بيانه قوله عز وجل: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} الآية (الزمر -42) . {وعنده أم الكتاب} أي: أصل الكتاب، وهو اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير. وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب، يمحو منه ما يشاء ويثبت، وأم الكتاب الذي لا يغير منه شيء. وعن عطاء عن ابن عباس قال: إن لله تعالى لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام، من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت، لله في كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} وسأل ابن عباس كعبا عن أم الكتاب؟ فقال: علم الله، ما هو خالق، وما خلقه عاملون . {وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب } .