Qur'an&Sunnahالقرآن

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ) · AR

قسم V05/P205–V05/P206Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V05/P205–V05/P206)

فيعيده الله كما كان حتى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله واستثنى فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه فيخرجون على الناس، فيتبعون المياه ويتحصن الناس في حصونهم منهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم فيهلكون وإن دواب الأرض لتسمن وتشكر من لحومهم شكرا" . أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا محمد بن مهران الرازي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن يحيى بن جابر الطائي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه جبير بن نفير عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: "ما شأنكم؟ " قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال ذات غداة فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل فقال: "غير الدجال أخوفني عليكم؟ إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم إنه شاب قطط عينه اليمنى طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله! فاثبتوا" قلنا: يا رسول الله فما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوما يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم" قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال لا اقدروا له قدره قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنوا به ويستجيبوا له فيأمر السماء فتمطر الأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى وأسبغه ضروعا وأمده خواصر ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، قال: فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فيتبعه كنوزها كيعاسيب النخل ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي باب دمشق بين مهرورتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان اللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى إني قد أخرجت 223/ب عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقول: لقد كان بهذه مرة ماء ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة" .

قسم V05/P206–V05/P209Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V05/P206–V05/P209)

وبهذا الإسناد حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا علي بن حجر السعدي حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر والوليد بن مسلم بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بهذا الإسناد نحو ما ذكرنا وزاد بعد قوله: -لقد كان بهذه مرة ماء- ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس فيقولون: لقد قلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما" . وقال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الخشب والشجر، ومن ظفروا به من الناس، ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة ولا بيت المقدس. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل أنبأنا أحمد أنبأنا أبي أنبأنا إبراهيم عن الحجاج بن حجاج عن قتادة عن عبد الله بن أبي عتبة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج" . وفي القصة: أن ذا القرنين دخل الظلمة فلما رجع توفي بشهر زور وذكر بعضهم: أن عمره كان نيفا وثلاثين سنة. {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا } قوله عز وجل {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} قيل: هذا عند فتح السد، يقول: تركنا يأجوج ومأجوج يموج، أي: يدخل بعضهم على بعض كموج الماء ويختلط بعضهم ببعض لكثرتهم. وقيل: هذا عند قيام الساعة، يدخل الخلق بعضهم في بعض ويختلط إنسيهم بجنيهم حيارى. {ونفخ في الصور} لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة {فجمعناهم جمعا} في صعيد واحد. {وعرضنا} أبرزنا {جهنم يومئذ للكافرين عرضا} حتى يشاهدوها عيانا. {الذين كانت أعينهم في غطاء} أي: غشاء و"الغطاء": ما يغطى به الشيء ويستره {عن ذكري} يعني: عن الإيمان والقرآن، وعن الهدى والبيان. وقيل: عن رؤية الدلائل. {وكانوا لا يستطيعون سمعا} أي: سمع القبول والإيمان، لغلبة الشقاوة عليهم. وقيل: لا يعقلون وقيل: كانوا لا يستطيعون أي: لا يقدرون أن يسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يتلوه عليهم لشدة عداوتهم له، كقول الرجل: لا أستطيع أن أسمع من فلان شيئا لعداوته. قوله عز وجل: {أفحسب} أفظن {الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء} أربابا يريد بالعباد: عيسى والملائكة كلا بل هم لهم أعداء ويتبرءون منهم. قال ابن عباس: يعني الشياطين أطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: الأصنام سموا عبادا كما قال: "إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم" (الأعراف-194) وجواب هذا الاستفهام محذوف. قال ابن عباس: يريد إني لأغضب لنفسي، يقول: أفظن الذين كفروا أن يتخذوا غيري أولياء وأني لا أغضب لنفسي ولا أعاقبهم. وقيل: أفظنوا أنهم ينفعهم أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء. {إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا} أي: منزلا قال ابن عباس: هي مثواهم. وقيل: النزل ما يهيأ للضيف يريد هي معدة لهم عندنا كالنزل للضيف. {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} يعني: الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يرجون به فضلا ونوالا فنالوا هلاكا وبوارا كمن يشتري سلعة يرجو عليها ربحا فخسر وخاب سعيه.

قسم V05/P209–V05/P211Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V05/P209–V05/P211)

واختلفوا فيهم: قال ابن عباس وسعد بن أبي وقاص: هم اليهود والنصارى. وقيل: هم الرهبان. {الذين} حبسوا أنفسهم في الصوامع. وقال علي بن أبي طالب: هم أهل حروراء {ضل سعيهم} بطل عملهم واجتهادهم {في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} أي عملا. {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت} بطلت {أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} أي لا نجعل لهم خطرا وقدرا، تقول العرب: "ما لفلان عندي وزن" أي: قدر لخسته. أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا أحمد عن محمد بن يوسف عن محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا سعيد ابن مريم أنبأنا المغيرة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة"، وقال اقرؤوا ما شئتم: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} . قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة فإذا وزنوها لم تزن شيئا فذلك قوله تعالى {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} {ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا } {ذلك} الذي ذكرت من حبوط أعمالهم وخسة أقدارهم ثم ابتدأ فقال: {جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي} يعني القرآن {ورسلي هزوا} أي سخرية ومهزوءا بهم. قوله تعالى {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس} روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" . قال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر . وقال قتادة: "الفردوس": ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها . قال كعب: "الفردوس": هو البستان الذي فيه الأعناب . وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. وقال عكرمة: هي الجنة بلسان الحبش . قال الزجاج: هو بالرومية منقول إلى 224/ألفظ العربية. وقال الضحاك: هي الجنة الملتفة الأشجار. وقيل: هي الروضة المستحسنة. وقيل: هي التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعه فراديس. {نزلا} قيل أي: منزلا. وقيل: ما يهيأ للنازل على معنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس ونعيمها نزلا ومعنى "كانت لهم" أي: في علم الله قبل أن يخلقوا. {خالدين فيها لا يبغون عنها حولا قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } {خالدين فيها لا يبغون} لا يطلبون {عنها حولا} أي تحولا إلى غيرها، قال ابن عباس: لا يريدون أن يتحولوا عنها كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى. قوله عز وجل: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي} قال ابن عباس: قالت اليهود [يا محمد] تزعم أنا قد أوتينا الحكمة وفي كتابك ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ثم تقول: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا؟ فأنزل الله هذه الآية . وقيل: لما نزلت: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"، قالت اليهود: أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فأنزل الله تعالى {قل لو كان البحر مدادا} سمي المداد مدادا لإمداد الكاتب وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء.

قسم V05/P211–V05/P215Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V05/P211–V05/P215)

قال مجاهد: لو كان البحر مدادا للقلم والقلم يكتب {لنفد البحر} أي ماؤه {قبل أن تنفد} قرأ حمزة والكسائي " ينفد " بالياء لتقدم الفعل والباقون بالتاء {كلمات ربي} أي علمه وحكمه {ولو جئنا بمثله مددا} معناه: لو كان الخلائق يكتبون والبحر يمدهم لنفد البحر ولم تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثل ماء البحر في كثرته مددا أو زيادة [و"مددا" منصوب على التمييز] نظيره قوله تعالى: "ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله" (لقمان-27) . قوله عز وجل: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} قال ابن عباس: علم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، فأمره أن يقر فيقول: إني آدمي مثلكم، إلا أني خصصت بالوحي وأكرمني الله به يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد لا شريك له {فمن كان يرجوا لقاء ربه} أي يخاف المصير إليه وقيل: يأمل رؤية ربه فالرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعا، قال الشاعر: ولا كل ما ترجو من الخير كائن ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع فجمع بين المعنيين. {فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} أي: لا يرائي بعمله. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنبأنا أبو نعيم أخبرنا سفيان عن سلمة هو ابن كهيل قال: سمعت جندبا يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به" . وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء" . أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنبأنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا أبي حدثنا شعيب قال: حدثنا الليث عن أبي الهاد عن عمرو عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تبارك وتعالى يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري فأنا منه بريء هو للذي عمله" . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا حفص بن عمر حدثنا همام عن قتادة حدثنا سالم بن أبي الجعد الغطفاني عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال" . وأخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أبو منصور السمعاني حدثنا أبو جعفر الرياني حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا أبو الأسود حدثنا ابن لهيعة عن زياد عن سهل -هو ابن معاذ-عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قدميه إلى رأسه ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء" . سورة مريم مكية، وهي ثمان وتسعون آية بسم الله الرحمن الرحيم {كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا } قوله عز وجل {كهيعص} قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، وضده ابن عامر، وحمزة، وبكسرهما: الكسائي وأبو بكر، والباقون بفتحهما. ويظهر الدال عند الذال من "صاد ذكر" ابن كثير، ونافع، وعاصم [ويعقوب] والباقون بالإدغام . قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو اسم من أسماء الله تعالى. وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن. وقيل: اسم للسورة. وقيل: هو قسم أقسم الله به. ويروى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله {كهيعص} قال: الكاف من كريم وكبير، والهاء من هاد، والياء من رحيم، والعين من عليم، وعظيم، والصاد من صادق.

قسم V05/P215–V05/P219Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V05/P215–V05/P219)

وقال الكلبي: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ببريته، صادق في وعده {ذكر} رفع بالمضمر، أي: هذا الذي نتلوه عليك ذكر {رحمة ربك} [وفيه تقديم وتأخير] معناه: ذكر ربك {عبده زكريا} برحمته. {إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا } {إذ نادى} دعا {ربه} في محرابه {نداء خفيا} دعا سرا من قومه في جوف الليل. {قال رب إني وهن} ضعف ورق {العظم مني} من الكبر. قال قتادة: اشتكى سقوط الأضراس {واشتعل الرأس} أي: ابيض شعر الرأس {شيبا} شمطا {ولم أكن بدعائك رب شقيا} يقول: عودتني الإجابة فيما مضى ولم تخيبني. وقيل: معناه لما دعوتني إلى الإيمان آمنت ولم أشق بترك الإيمان . {وإني خفت الموالي} و"الموالي": بنو العم. قال مجاهد: العصبة. وقال أبو صالح: الكلالة. وقال الكلبي: الورثة {من ورائي} أي: من بعد موتي. قرأ ابن كثير: {من ورائي} بفتح الياء، والآخرون بإسكانها. {وكانت امرأتي عاقرا} لا تلد {فهب لي من لدنك} أعطني من عندك {وليا} ابنا. {يرثني ويرث من آل يعقوب} قرأ أبو عمرو والكسائي: بجزم الثاء فيهما، على جواب الدعاء، وقرأ الآخرون بالرفع على الحال والصفة، أي: وليا وارثا. واختلفوا في هذا الإرث؛ قال الحسن: معناه يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة والحبورة. وقيل: أراد ميراث النبوة والعلم. وقيل: أراد إرث الحبورة، لأن زكريا كان رأس الأحبار . قال الزجاج: والأولى أن يحمل على ميراث غير المال لأنه يبعد أن يشفق زكريا وهو نبي من الأنبياء أن يرثه بنو عمه ماله. والمعنى: أنه خاف تضييع بني عمه دين الله وتغيير أحكامه على ما كان شاهده من بني إسرائيل من تبديل الدين وقتل الأنبياء، فسأل ربه وليا صالحا يأمنه على أمته ويرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين. وهذا معنى قول عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما . {واجعله رب رضيا} أي برا تقيا مرضيا. {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا } قوله عز وجل: {يا زكريا إنا نبشرك} وفيه اختصار، معناه: فاستجاب الله دعاءه فقال: يا زكريا إنا نبشرك، {بغلام} بولد ذكر {اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا} قال قتادة والكلبي: لم يسم أحد قبله يحيى . وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبها ومثلا كما قال الله تعالى: "هل تعلم له سميا" أي مثلا. والمعنى: أنه لم يكن له مثل، لأنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط. وقيل: لم يكن له مثل في أمر النساء، لأنه كان سيدا وحصورا. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي لم تلد العواقر مثله ولدا. وقيل: لم يرد الله به اجتماع الفضائل كلها ليحيى، إنما أراد بعضها، لأن الخليل والكليم كانا قبله، وهما أفضل منه. {قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا } {قال رب أنى} من أين {يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا} أي: وامرأتي عاقر . {وقد بلغت من الكبر عتيا} أي: يبسا، قال قتادة: يريد نحول العظم، يقال: عتا الشيخ يعتو عتيا وعسيا: إذا انتهى سنه وكبر، وشيخ عات وعاس: إذا صار إلى حالة اليبس والجفاف.

قسم V05/P219–V05/P222Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V05/P219–V05/P222)

وقرأ حمزة والكسائي: عتيا وبكيا وصليا وجثيا بكسر أوائلهن، والباقون برفعها، وهما لغتان. {قال كذلك قال ربك هو علي هين} يسير {وقد خلقتك} قرأ حمزة والكسائي " خلقناك " بالنون والألف على التعظيم، {من قبل} أي من قبل يحيى {ولم تك شيئا} {قال رب اجعل لي آية} دلالة على حمل امرأتي {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} أي: صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس. قال مجاهد: أي لا يمنعك من الكلام مرض. وقيل: ثلاث ليال سويا أي متتابعات، والأول أصح . وفي القصة: أنه لم يقدر فيها أن يتكلم مع الناس فإذا أراد ذكر الله تعالى انطلق لسانه . {فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } {يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا } قوله عز وجل: {فخرج على قومه من المحراب} وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلون، إذ خرج عليهم زكريا متغيرا لونه فأنكروه، وقالوا: ما لك يا زكريا؟ {فأوحى إليهم} فأومأ إليهم، قال مجاهد: كتب لهم في الأرض، {أن سبحوا} أي: صلوا لله {بكرة} غدوة {وعشيا} ومعناه: أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشيا فيأمرهم بالصلاة، فلما كان وقت حمل امرأته ومنع الكلام حتى خرج إليهم فأمرهم بالصلاة إشارة. قوله عز وجل: {يا يحيى} قيل: فيه حذف معناه: ووهبنا له يحيى وقلنا له: يا يحيى، {خذ الكتاب} يعني التوراة {بقوة} بجد {وآتيناه الحكم} قال ابن عباس رضي الله عنهما: النبوة {صبيا} وهو ابن ثلاث سنين. وقيل: أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ التوراة وهو صغير. وعن بعض السلف: من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو ممن أوتي الحكم صبيا . {وحنانا من لدنا} رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: تحنن علي هداك المليك فإن لكل مقام مقالا أي: ترحم. {وزكاة} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني بالزكاة الطاعة والإخلاص. وقال قتادة رضي الله عنه: هي العمل الصالح، وهو قول الضحاك. ومعنى الآية: وآتيناه رحمة من عندنا وتحننا على العباد، ليدعوهم إلى طاعة ربهم ويعمل عملا صالحا في إخلاص. وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق الله بها على أبويه. {وكان تقيا} مسلما ومخلصا مطيعا، وكان من تقواه أنه لم يعمل خطيئة ولا هم بها . {وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا } {وبرا بوالديه} أي بارا لطيفا بهما محسنا إليهما. {ولم يكن جبارا عصيا} و"الجبار": المتكبر، وقيل: "الجبار": الذي يضرب ويقتل على الغضب، و"العصي": العاصي. {وسلام عليه} أي: سلامة له، {يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا} قال سفيان بن عيينة: أوحش 6/ب ما يكون الإنسان في هذه الأحوال: يوم ولد فيخرج مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم ير مثله. فخص يحيى بالسلامة في هذه المواطن . قوله عز وجل: {واذكر في الكتاب} في القرآن {مريم إذ انتبذت} تنحت واعتزلت {من أهلها} من قومها {مكانا شرقيا} أي: مكانا في الدار مما يلي المشرق، وكان يوما شاتيا شديد البرد، فجلست في مشرقة تفلي رأسها. وقيل: كانت طهرت من المحيض، فذهبت لتغتسل. قال الحسن: ومن ثم اتخذت النصارى المشرق قبلة . {فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا } {فاتخذت} فضربت {من دونهم حجابا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: سترا. وقيل: جلست وراء جدار. وقال مقاتل: وراء جبل.

قسم V05/P222–V05/P225Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V05/P222–V05/P225)

وقال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها، حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينما هي تغتسل من المحيض قد تجردت، إذ عرض لها جبريل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سوي الخلق، فذلك قوله: {فأرسلنا إليها روحنا} يعني: جبريل عليه السلام {فتمثل لها بشرا سويا} وقيل: المراد من الروح عيسى عليه السلام، جاء في صورة بشر فحملت به والأول أصح فلما رأت مريم جبريل يقصد نحوها نادته من بعيد ف: {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} مؤمنا مطيعا. فإن قيل إنما يستعاذ من الفاجر، فكيف قالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا؟ قيل: هذا كقول القائل: إن كنت مؤمنا فلا تظلمني. أي: ينبغي أن يكون إيمانك مانعا من الظلم وكذلك هاهنا. معناه: وينبغي أن تكون تقواك مانعا لك من الفجور . {قال} لها جبريل: {إنما أنا رسول ربك لأهب لك} قرأ نافع وأهل البصرة: "ليهب لك" بالياء، أي: ليهب لك ربك، وقرأ الآخرون: "لأهب لك" أسند الفعل إلى الرسول، وإن كانت الهبة من الله تعالى، لأنه أرسل به. {غلاما زكيا} ولدا صالحا طاهرا من الذنوب. {قالت} مريم {أنى} من أين {يكون لي غلام ولم يمسسني بشر} لم يقربني زوج {ولم أك بغيا} فاجرة؟ تريد أن الولد يكون من نكاح أو سفاح، ولم يكن هنا واحد منهما. {قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا فحملته فانتبذت به مكانا قصيا } {قال} جبريل: {كذلك} قيل: معناه كما قلت يا مريم ولكن، {قال ربك} وقيل هكذا قال ربك، {هو علي هين} أي: خلق ولد بلا أب، {ولنجعله آية} علامة، {للناس} ودلالة على قدرتنا، {ورحمة منا} ونعمة لمن تبعه على دينه، {وكان} ذلك، {أمرا مقضيا} محكوما مفروغا عنه لا يرد ولا يبدل. قوله عز وجل: {فحملته} قيل: إن جبريل رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبست. وقيل: مد جيب درعها بأصبعه ثم نفخ في الجيب. وقيل: نفخ في كم قميصها. وقيل: في فيها. وقيل: نفخ جبريل عليه السلام نفخا من بعيد فوصل الريح إليها فحملت بعيسى في الحال {فانتبذت به} أي تنحت بالحمل وانفردت، {مكانا قصيا} بعيدا من أهلها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم، فرارا من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج. واختلفوا في مدة حملها ووقت وضعها؛ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان الحمل والولادة في ساعة واحدة. وقيل: كان مدة حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء. وقيل: كان مدة حملها ثمانية أشهر، وكان ذلك آية أخرى لأنه لا يعيش ولد يولد لثمانية أشهر، وولد عيسى لهذه المدة وعاش. وقيل: ولدت لستة أشهر. وقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين وكانت قد حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى . {فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا } {فأجاءها} أي ألجأها وجاء بها، {المخاض} وهو وجع الولادة، {إلى جذع النخلة} وكانت نخلة يابسة في الصحراء، في شدة الشتاء، لم يكن لها سعف. وقيل: التجأت إليها لتستند إليها وتتمسك بها على وجع الولادة، {قالت يا ليتني مت قبل هذا} تمنت الموت استحياء من الناس وخوف الفضيحة، {وكنت نسيا} قرأ حمزة وحفص {نسيا} بفتح النون، [والباقون بكسرها] وهما لغتان، مثل: الوتر والوتر، والجسر والجسر، وهو الشيء المنسي" و"النسي" في اللغة: كل ما ألقي ونسي ولم يذكر لحقارته. {منسيا} أي: متروكا قال قتادة: شيء لا يعرف ولا يذكر. قال عكرمة والضحاك ومجاهد: جيفة ملقاة. وقيل: تعني لم أخلق. {فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا } {فناداها من تحتها} قرأ أبو جعفر ونافع وحمزة والكسائي وحفص: {من تحتها} بكسر الميم والتاء، يعني جبريل عليه السلام، وكانت مريم على أكمة وجبريل وراء الأكمة تحتها فناداها.

قسم V05/P225–V05/P227Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V05/P225–V05/P227)

وقرأ الآخرون بفتح الميم والتاء، وأراد جبريل عليه السلام أيضا، ناداها من سفح الجبل. وقيل: هو عيسى لما خرج من بطن أمه ناداها: {ألا تحزني} وهو قول مجاهد والحسن . والأول قول ابن عباس رضي الله عنهما والسدي وقتادة والضحاك وجماعة: أن المنادي كان جبريل لما سمع كلامها وعرف جزعها ناداها ألا تحزني. {قد جعل ربك تحتك سريا} و"السري": النهر الصغير. وقيل: تحتك أي جعله الله تحت أمرك إن أمرتيه أن يجري جرى، وإن أمرتيه بالإمساك أمسك. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ضرب جبريل عليه السلام -ويقال: ضرب عيسى عليه الصلاة والسلام-برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى . وقيل: كان هناك نهر يابس أجرى الله سبحانه وتعالى فيه الماء وحييت النخلة اليابسة، فأورقت وأثمرت وأرطبت. وقال الحسن: "تحتك سريا" يعني: عيسى وكان والله عبدا سريا، يعني: رفيعا . {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا } {فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } {وهزي إليك} يعني قيل لمريم: حركي {بجذع النخلة} تقول العرب: هزه وهز به، كما يقول: حز رأسه وحز برأسه، وأمدد الحبل وأمدد به، {تساقط عليك} القراءة المعروفة بفتح التاء والقاف وتشديد السين، أي: تتساقط، فأدغمت إحدى التاءين في السين أي: تسقط عليك النخلة رطبا، وخفف حمزة السين وحذف التاء التي أدغمها غيره. وقرأ حفص بضم التاء وكسر القاف خفيف على وزن تفاعل. وتساقط بمعنى أسقط، والتأنيث لأجل النخلة. وقرأ يعقوب: "يساقط" بالياء مشددة ردة إلى الجذع. {رطبا جنيا} مجنيا. وقيل: الجني هو الذي بلغ الغاية، وجاء أوان اجتنائه. قال الربيع بن خثيم: ما للنفساء عندي خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل . قوله سبحانه وتعالى: {فكلي واشربي} أي: فكلي يا مريم من الرطب، واشربي من ماء النهر {وقري عينا} أي: طيبي نفسا. وقيل: قري عينك بولدك عيسى. يقال: أقر الله عينك 7/أأي: صادف فؤادك ما يرضيك، فتقر عينك من النظر إلى غيره. وقيل: أقر الله عينه: يعني أنامها، يقال: قر يقر إذا سكن. وقيل: إن العين إذا بكت من السرور فالدمع بارد، وإذا بكت من الحزن فالدمع يكون حارا، فمن هذا قيل: أقر الله عينه وأسخن الله عينه. {فإما ترين من البشر أحدا} أي: تري، فدخل عليه نون التأكيد فكسرت الياء لالتقاء الساكنين. معناه: فإما ترين من البشر أحدا فيسألك عن ولدك {فقولي إني نذرت للرحمن صوما} أي: صمتا وكذلك كان يقرأ ابن مسعود رضي الله عنه. والصوم في اللغة الإمساك عن الطعام والشراب والكلام . قال السدي: كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام، كما يصوم عن الطعام، فلا يتكلم حتى يمسي. وقيل: إن الله تعالى أمرها أن تقول هذا إشارة. وقيل أمرها أن تقول هذا القدر نطقا، ثم تمسك عن الكلام بعده. {فلن أكلم اليوم إنسيا} يقال: كانت تكلم الملائكة، ولا تكلم الإنس. {فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا } {فأتت به قومها تحمله} قيل: إنها ولدته، ثم حملته في الحال إلى قومها. وقال الكلبي: حمل يوسف النجار مريم وابنها عيسى [عليهما السلام] إلى غار، ومكثت أربعين يوما حتى طهرت من نفاسها ثم حملته مريم عليها السلام إلى قومها. فكلمها عيسى عليه السلام في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين {قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا} عظيما منكرا، قال أبو عبيدة: كل أمر فائق من عجب أو عمل فهو فري.

قسم V05/P227–V05/P230Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V05/P227–V05/P230)

قال النبي صلى الله عليه وسلم في عمر: "فلم أر عبقريا يفري فريه" أي: يعمل عمله. {يا أخت هارون} يريد يا شبيهة هارون، قال قتادة وغيره: كان هارون رجلا صالحا عابدا في بني إسرائيل. روي أنه اتبع جنازته يوم مات أربعون ألفا كلهم يسمى "هارون" من بني إسرائيل سوى سائر الناس [شبهوها به على] معنى إنا ظننا أنك مثله في الصلاح. وليس المراد منه الأخوة في النسب، كما قال الله تعالى: "إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين" (الإسراء:27) أي أشباههم. أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد بن عيسى أخبرنا إبراهيم بن محمد بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا ابن إدريس عن أبيه عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني، فقالوا: إنكم تقرءون: {يا أخت هارون} وموسى قبل عيسى بكذا وكذا! فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال: "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم" . وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها، وكان أمثل رجل في بني إسرائيل. وقال السدي: إنما عنوا به هارون أخا موسى، لأنها كانت من نسله كما يقال للتميمي: يا أخا تميم. وقيل: كان هارون رجلا فاسقا في بني إسرائيل عظيم الفسق فشبهوها به . {ما كان أبوك} عمران {امرأ سوء} قال ابن عباس رضي الله عنهما: زانيا، {وما كانت أمك} حنة {بغيا} أي زانية، فمن أين لك هذا الولد؟ {فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا } {فأشارت} مريم {إليه} أي إلى عيسى عليه السلام: أن كلموه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: لما لم تكن لها حجة أشارت إليه ليكون كلامه حجة لها . وفي القصة: لما أشارت إليه غضب القوم، وقالوا مع ما فعلت تسخرين بنا؟ . {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} أي: من هو في المهد، وهو حجرها. وقيل: هو المهد بعينه، و"كان" بمعنى: هو. وقال أبو عبيدة: "كان" صلة، أي: كيف نكلم صبيا في المهد. وقد يجيء "كان" حشوا في الكلام لا معنى له كقوله "هل كنت إلا بشرا رسولا" (الإسراء:93) أي: هل أنا ؟ قال السدي: فلما سمع عيسى كلامهم ترك الرضاع وأقبل عليهم. وقيل: لما أشارت إليه ترك الثدي واتكأ على يساره، وأقبل عليهم وجعل يشير بيمينه: {قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا } {قال إني عبد الله} وقال وهب: أتاها زكريا عند مناظرتها اليهود، فقال لعيسى: انطق بحجتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك عيسى عليه السلام وهو ابن أربعين يوما -وقال مقاتل: بل هو يوم ولد-: إني عبد الله أقر على نفسه بالعبودية لله عز وجل أول ما تكلم لئلا يتخذ إلها {آتاني الكتاب وجعلني نبيا} قيل: معناه سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا. وقيل: هذا إخبار عما كتب له في اللوح المحفوظ، كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: متى كنت نبيا؟ قال: "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد" . وقال الأكثرون أوتي الإنجيل وهو صغير طفل، وكان يعقل عقل الرجال. وعن الحسن: أنه قال: ألهم التوراة وهو في بطن أمه . {وجعلني مباركا أين ما كنت} أي نفاعا حيث ما توجهت. وقال مجاهد: معلما للخير. وقال عطاء: أدعو إلى الله وإلى توحيده وعبادته. وقيل: مباركا على من تبعني. {وأوصاني بالصلاة والزكاة} أي: أمرني بهما. فإن قيل: لم يكن لعيسى مال فكيف يؤمر بالزكاة؟ قيل: معناه بالزكاة لو كان لي مال وقيل: بالاستكثار من الخير. {ما دمت حيا} {وبرا بوالدتي} أي وجعلني برا بوالدتي، {ولم يجعلني جبارا شقيا} أي عاصيا لربه. قيل: "الشقي": الذي يذنب ولا يتوب. {والسلام علي يوم ولدت} أي: السلامة عند الولادة من طعن الشيطان. {ويوم أموت}

قسم V05/P230–V05/P232Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) (s. V05/P230–V05/P232)

أي عند الموت من الشرك، {ويوم أبعث حيا} من الأهوال. ولما كلمهم عيسى بهذا علموا براءة مريم، ثم سكت عيسى عليه السلام، فلم يتكلم بعد ذلك حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان. {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم } {ذلك عيسى ابن مريم} [قال الزجاج: أي ذلك الذي قال إني عبد الله عيسى ابن مريم] {قول الحق} قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب: {قول الحق} بنصب اللام وهو نصب على المصدر، أي: قال قول الحق، {الذي فيه يمترون} أي: يختلفون، فقائل يقول: هو ابن الله، وقائل يقول: هو الله، وقائل يقول: هو ساحر كذاب. وقرأ الآخرون برفع اللام، يعني: هو قول الحق، أي هذا الكلام هو قول الحق، أضاف القول إلى الحق، كما قال: "حق اليقين"، و"وعد الصدق". وقيل: هو نعت لعيسى ابن مريم، يعني ذلك عيسى ابن مريم كلمة الله الحق هو الله {الذي فيه يمترون} ويشكون ويختلفون ويقولون غير الحق. ثم نفى عن نفسه الولد فقال: {ما كان لله أن يتخذ من ولد} أي: ما كان من صفته اتخاذ الولد. وقيل: اللام منقولة أي ما كان الله ليتخذ من ولد، {سبحانه إذا قضى أمرا} إذا أراد أن يحدث أمرا {فإنما يقول له كن فيكون} {وإن الله ربي وربكم} قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو: {أن الله} بفتح الألف، يرجع إلى قوله: {وأوصاني بالصلاة والزكاة} وبأن الله ربي وربكم، وقرأ أهل الشام والكوفة ويعقوب بكسر الألف على الاستئناف 7/ب {فاعبدوه هذا صراط مستقيم} {فاختلف الأحزاب من بينهم} يعني: النصارى سموا أحزابا لأنهم تحزبوا ثلاث فرق في أمر عيسى: النسطورية والملكانية واليعقوبية. {فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم} يعني يوم القيامة. {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين } {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون } {أسمع بهم وأبصر} أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة حين لا ينفعهم السمع والبصر! أخبر أنهم يسمعون ويبصرون في الآخرة ما لم يسمعوا ولم يبصروا في الدنيا. قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله تعالى لعيسى: "أأنت قلت للناس" الآية (مريم-116) . {يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين} أي: في خطأ بين. قوله عز وجل {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر} فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وذبح الموت. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمرو بن حفص بن غياث أخبرنا أبي أنبأنا الأعمش، أخبرنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد: يا أهل الجنة فيشرفون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي يا أهل النار فيشرفون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون} . ورواه أبو عيسى عن أحمد بن منيع، عن النضر بن إسماعيل عن الأعمش بهذا الإسناد، وزاد: "فلولا أن الله تعالى قضى لأهل الجنة الحياة والبقاء لماتوا فرحا ولولا أن الله تعالى قضى لأهل النار الحياة والبقاء لماتوا ترحا" . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا معاذ بن أسد أخبرنا عبد الله أخبرنا عمر بن محمد بن زيد عن

%0
10 Bölüm

الأسئلة