قال الثعلبي : سمعت أبا القاسم بن حبيب قال : سمعت أبا بكر القفال قال : سمعت أبا بكر بن دريد يقول : الأم في كلام العرب الراية التي ينصبها العسكر قال قيس بن الحطيم : - نصبنا أمنا حتى ابذعروا وصاروا بعد ألفتهم سلالا فسميت هذه السورة بأم القرآن لأن مفزع أهل الإيمان إلى هذه السورة كما أن مفزع العسكر إلى الراية والعرب تسمي الأرض أما ؛ لأن معاد الخلق إليها في حياتهم ومماتهم ولأنه يقال : أم فلان فلانا إذا قصده . الاسم الرابع : من أسماء هذه السورة السبع المثاني قال الله تعالى : ^ { ولقد آتيناك سبعاص من المثاني } ^ وفي سبب تسميتها بالمثاني وجوه : الأول : أنها مثنى : نصفها ثناء العبد للرب ونصفها عطاء الرب للعبد . الثاني : سميت مثاني لأنها تثنى في كل ركعة من الصلاة . الثالث : سميت مثاني لأنها مستثناة من سائر الكتب قال عليه الصلاة والسلام صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثل هذه السورة وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم . الرابع : سميت مثاني لأنها سبع آيات كل آية تعدل قراءتها قراءة سبع من القرآن فمن قرأ الفاتحة أعطاه الله ثواب من قرأ كل القرآن . الخامس : آياتها سبع وأبواب النيران سبعة فمن فتح لسانه بقراءتها غلقت عنه الأبواب السبعة والدليل عليه ما روي أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد كنت أخشى العذاب على أمتك فلما نزلت الفاتحة أمنت قال : لم يا جبريل ؟ قال : لأن الله تعالى قال : وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم [ الحجر : 43 ] وآياتها سبع فمن قراها صارت كل آية طبقا على باب من أبواب جهنم فتمر أمتك عليها منها سالمين . السادس : سميت مثاني لأنها تقرأ في الصلاة ثم إنها تثنى بسورة أخرى . السابع : سميت مثاني لأنها أثنية على الله تعالى ومدائح له . الثامن : سميت مثاني لأن الله أنزلها مرتين واعلم أنا قد بالغنا في تفسير قوله تعالى : سبعا من المثاني في سورة الحجر . الاسم الخامس : الوافية كان سفيان بن عيينة يسميها بهذا الاسم قال الثعلبي : وتفسيرها أنها لا تقبل التنصيف ألا ترى أن كل سورة من القرآن لو قرىء نصفها في ركعة والنصف الثاني في ركعة أخرى لجاز وهذا التنصيف غير جائز في هذه السورة . الاسم السادس : الكافية : سميت بذلك لأنها تكفي عن غيرها وأما غيرها فلا يكفي عنها روي محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أم القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها عوضا عنها . الاسم السابع : الأساس وفيه وجوه : - الأول : أنها أول سورة من القرآن فهي كالأساس . الثاني : أنها مشتملة على أشرف المطالب كما بيناه وذلك هو الأساس . الثالث : أن أشرف العبادات بعد الإيمان هو الصلاة وهذه السورة مشتملة على كل ما لا بد منه في الإيمان والصلاة لا تتم إلا بها . الاسم الثامن : الشفاء عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فاتحة الكتاب شفاء من كل سم . ومر بعض الصحابة برجل مصروع فقرأ هذه السورة في أذنه فبرىء فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هي أم القرآن وهي شفاء من كل داء . وأقول : الأمراض منها روحانية ومنها جسمانية والدليل عليه أنه تعالى سمى الكفر مرضا فقال تعالى : في قلوبهم مرض [ البقرة : 10 ] وهذه السورة مشتملة على معرفة الأصول والفروع والمكاشفات فهي في الحقيقة سبب لحصول الشفاء في هذه المقامات الثلاثة . الاسم التاسع : الصلاة قال عليه الصلاة والسلام
Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي · AR
: يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين . والمراد هذه السورة . الاسم العاشر : السؤال روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكى عن رب العزة سبحانه وتعالى أنه قال : من شغله ذكري عن سؤالي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين . وقد فعل الخليل عليه السلام ذلك حيث قال الذي خلقني فهو يهدين [ الشعراء : 78 ] إلى أن قال : رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين [ الشعراء : 83 ] ففي هذه السورة أيضا وقعت البداءة بالثناء عليه سبحانه وتعالى وهو قوله : ^ { الحمد لله - إلى قوله - مالك يوم الدين } ^ ثم ذكر العبودية وهو قوله : إياك نعبد وإياك نستعين ثم وقع الختم على طلب الهداية وهو قوله تعالى : اهدنا الصراط المستقيم وهذا يدل على أن أكمل المطالب هو الهداية في الدين وهو أيضا يدل على أن جنة المعرفة خير من جنة النعيم لأنه تعالى ختم الكلام هنا على قوله اهدنا ولم يقل ارزقنا الجنة . الاسم الحادي عشر : سورة الشكر وذلك لأنها ثناء على الله بالفضل والكرم والإحسان . الاسم الثاني عشر : سورة الدعاء لاشتمالها على قوله : اهدنا الصراط المستقيم فهذا تمام الكلام في شرح هذه الأسماء والله أعلم . < > الباب الثاني < > < > في فضائل هذه السورة وفيه مسائل < > المسألة الأولى : ذكروا في كيفية نزول هذه السورة ثلاثة أقوال : الأول : أنها مكية روى الثعلبي بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش ثم قال الثعلبي : وعليه أكثر العلماء وروى أيضا بإسناده عن عمرو بن شرحبيل أنه قال : أول ما نزل من القرآن الحمد لله رب العالمين وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسر إلى خديجة فقال لقد : خشيت أن يكون خالطني شيء فقالت : وما ذاك ؟ قال : إني إذا خلوت سمعت النداء بإقرأ ثم ذهب إلى ورقة بن نوفل وسأله عن تلك الواقعة فقال له ورقة : إذا أتاك النداء فاثبت له فأتاه جبريل عليه السلام وقال له : قل : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وبإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بسم الله الرحمن الرحيم فقالت قريش : دق الله فاك . والقول الثاني : أنها نزلت بالمدينة روى الثعلبي بإسناده عن مجاهد أنه قال : فاتحة الكتاب أنزلت بالمدينة قال الحسين بن الفضل : لكل عالم هفوة وهذه هفوة مجاهد ؛ لأن العلماء على خلافه ويدل عليه وجهان : الأول : أن سورة الحجر مكية بالاتفاق ومنها : قوله تعالى : ولقد آتيناك سبعا من المثاني وهي : فاتحة الكتاب وهذا يدل على أنه تعالى آتاه هذه السورة فيما تقدم الثاني : أنه يبعد أن يقال : إنه أقام بمكة بضع عشرة سنة بلا فاتحة الكتاب . القول الثالث : قال بعض العلماء : هذه السورة نزلت بمكة مرة وبالمدينة مرة أخرى فهي مكية مدنية ؛ ولهذا السبب سماها الله بالمثاني ؛ لأنه ثنى إنزالها وإنما كان كذلك مبالغة في تشريفها . المسألة الثانية : في بيان فضلها
عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : فاتحة الكتاب شفاء من السم وعن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا فيقرأ صبي من صبيانهم في المكتب الحمد لله رب العالمين فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بسببه العذاب أربعين سنة وعن الحسين قال : أنزل الله تعالى مائة وأربعة كتب من السماء فأودع علوم المائة في الأربعة وهي التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ثم أودع علوم هذه الأربعة في الفرقان ثم أودع علوم الفرقان في المفصل ثم أودع علوم المفصل في الفاتحة فمن علم تفسير الفاتحة كان كمن علم تفسير جميع كتب الله المنزلة ومن قرأها فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان . قلت : والسبب فيه أن المقصود من جميع الكتب الإلهية علم الأصول والفروع والمكاشفات وقد بينا أن هذه السورة مشتملة على تمام الكلام في هذه العلوم الثلاثة فلما كانت هذه المطالب العالية الشريفة حاصلة فيها لا جرم كانت كالمشتملة على جميع المطالب الإلهية . المسألة الثالثة : قالوا : هذه السورة لم يحصل فيها سبعة من الحروف وهي الثاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء والسبب فيه أن هذه الحروف السبعة مشعرة بالعذاب فالثاء تدل على الويل والثبور قال تعالى : لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا [ الفرقان : 14 ] والجيم أول حروف اسم جهنم قال تعالى : وإن جهنم لموعدهم أجمعين [ الحجر : 43 ] وقال تعالى : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس [ الأعراف : 179 ] وأسقط الخاء لأنه يشعر بالخزي قال تعالى : يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه التحريم : 8 ] وقال تعالى : إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين [ النحل : 27 ] وأسقط الزاي والشين لأنهما أول حروف الزفير والشهيق قال تعالى : ^ { لهم فيها زفير وشهيق } ^ [ هود : 106 ] وأيضا الزاي تدل على الزقوم قال تعالى : إن شجرة الزقوم طعام الأثيم [ الدخان : 43 ] والشين تدل على الشقاوة قال تعالى : ^ { فأما الذين شقوا ففي النار } ^ [ هود : 106 ] وأسقط الظاء لقوله : ^ { انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب } ^ [ المرسلات : 30 ] وأيضا يدل على لظى قال تعالى : ^ { كلا إنها لظى نزاعة للشوى } ^ [ المعارج : 15 ] وأسقط الفاء ؛ لأنه يدل على الفراق قال تعالى : ^ { يومئذ يتفرقون } ^ [ الروم : 14 ] وأيضا قال : ^ { لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى } ^ [ طه : 61 ] . فإن قالوا : لا حرف من الحروف إلا وهو مذكور في شيء يوجب نوعا من العذاب فلا يبقى لما ذكرتم فائدة فنقول : الفائدة فيه أنه تعالى قال في صفة جهنم : ^ { لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم } ^ [ الحجر : 44 ] والله تعالى أسقط سبعة من الحروف من هذه السورة وهي أوائل ألفاظ دالة على العذاب تنبيها على أن من قرأ هذه السورة وآمن بها وعرف حقائقها صار آمنا من الدركات السبع في جهنم والله أعلم . < > الباب الثالث < > < > في الأسرار العقلية المستنبطة من هذه السورة وفيه مسائل <
> المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال : ^ { الحمد لله } فكأن سائلا يقول : الحمد لله منبئ عن أمرين : أحدهما : وجود الإله والثاني : كونه مستحقا للحمد فما الدليل على وجود الإله وما الدليل على أنه مستحق للحمد ولما توجه هذان السؤالان لا جرم ذكر الله تعالى ما يجري مجرى الجواب عن هذين السؤالين فأجاب عن السؤال الأول بقوله رب العالمين وأجاب عن السؤال الثاني بقوله الرحمن الرحيم مالك يوم الدين أما تقرير الجواب الأول ففيه مسائل : المسألة الأولى : إن علمنا بوجود الشيء إما أن يكون ضروريا أو نظريا لا جائز أن يقال العلم بوجود الإله ضروري لأنا نعلم بالضرورة أنا لا نعرف وجود الإله بالضرورة فبقي أن يكون العلم نظريا والعلم النظري لا يمكن تحصيله إلا بالدليل ولا دليل على وجود الإله إلا أن هذا العالم المحسوس بما فيه من السموات والأرضين والجبال والبحار والمعادن والنبات والحيوان محتاج إلى مدبر يدبره وموجود يوجده ومرب يربيه ومبق يبقيه فكان قوله : { رب العالمين } إشارة إلى الدليل الدال على وجود الإله القادر الحكيم . ثم فيه لطائف : اللطيفة الأولى : أن العالمين إشارة إلى كل ما سوى الله فقوله : { رب العالمين } إشارة إلى أن كل ما سواه فهو مفتقر إليه محتاج في وجوده إلى إيجاده وفي بقائه إلى إبقائه فكان هذا إشارة إلى أن كل جزء لا يتجزأ وكل جوهر فرد وكل واحد من آحاد الأعراض فهو برهان باهر ودليل قاطع على وجود الإله الحكيم القادر كما قال تعالى : ^ { وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } ^ [ الإسراء : 44 ] . اللطيفة الثانية : أنه تعالى لم يقل الحمد لله خالق العالمين بل قال : الحمد لله رب العالمين والسبب فيه أن الناس أطبقوا على أن الحوادث مفتقرة إلى الموجد والمحدث حال حدوثها لكنهم اختلفوا في أنها حال بقائها هل تبقى محتاجة إلى المبقي أم لا ؟ فقال قوم : الشيء حال بقائه يستغني عن السبب والمربي هو القائم بإبقاء الشيء وإصلاح حاله حال بقائه فقوله : رب العالمين تنبيه على أن جميع العالمين مفتقرة إليه في حال بقائها والمقصود أن افتقارها إلى الموجد في حال حدوثها أمر متفق عليه أما افتقارها إلى المبقي والمربي حال بقائها هو الذي وقع فيه الخلاف فخصه سبحانه بالذكر تنبيها على أن كل ما سوى الله ؛ فإنه لا يستغني عنه لا في حال حدوثه ولا في حال بقائه . اللطيفة الثالثة : أن هذه السورة مسماة بأم القرآن فوجب كونها كالأصل والمعدن وأن يكون غيرها كالجداول المتشعبة منه فقوله : رب العالمين تنبيه على أن كل موجود سواه ؛ فإنه دليل على إلهيته . ثم إنه تعالى افتتح سورا أربعة بعد هذه السورة بقوله : الحمد لله فأولها : سورة الأنعام وهو قوله : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور [ الأنعام : 1 ] واعلم أن المذكور ههنا قسم من أقسام قوله : رب العالمين ؛ لأن لفظ العالم يتناول كل ما سوى الله والسموات والأرض والنور والظلمة قسم من أقسام ما سوى الله فالمذكور في أول سورة الأنعام كأنه قسم من أقسام ما هو مذكور في أول سورة الفاتحة وأيضا فالمذكور في أول سورة الأنعام أنه خلق ا لسماوات والأرض ؛ والمذكور في أول سورة الفاتحة كونه ربا للعالمين وقد بينا أنه متى ثبت أن العالم محتاج حال بقائه إلى إبقاء الله كان القول باحتياجه حال حدوثه إلى المحدث أولى أما لا يلزم من احتياجه إلى المحدث حال حدوثه احتياجه إلى المبقي حال بقائه فثبت بهذين الوجهين أن المذكور في أول سورة الأنعام يجري مجرى قسم من أقسام ما هو مذكور في أول سورة الفاتحة .
وثانيها : سورة الكهف وهو قوله : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب والمقصود منه تربية الأرواح بالمعارف فإن الكتاب الذي أنزله على عبده سبب لحصول المكاشفات والمشاهدات فكان هذا إشارة إلى التربية الروحانية فقط وقوله في أول سورة الفاتحة : رب العالمين إشارة إلى التربية العامة في حق كل العالمين ويدخل فيه التربية الروحانية للملائكة والإنس والجن والشياطين والتربية الجسمانية الحاصلة في السماوات والأرضين فكان المذكور في أول سورة الكهف نوعا من أنواع ما ذكره في أول الفاتحة . وثالثها : سورة سبأ وهو قوله : الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض [ سبأ : 1 ] فبين في أول سورة الأنعام أن السماوات والأرض له وبين في أول سورة سبأ أن الأشياء الحاصلة في السماوات والأرض له وهذا أيضا قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله : الحمد لله رب العالمين . ورابعها : قوله : الحمد لله فاطر السماوات والأرض [ فاطر : 1 ] والمذكور في أول سورة الأنعام كونه خالقا لها والخلق هو التقدير والمذكور في هذه السورة كونه فاطرا لها ومحدثا لذواتها وهذا غير الأول إلا أنه أيضا قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله : الحمد لله رب العالمين . ثم إنه تعالى لما ذكر في سورة الأنعام كونه خالقا للسموات والأرض ذكر كونه جاعلا للظلمات والنور أما في سورة الملائكة ؛ فلما ذكر كونه فاطر السماوات والأرض ذكر كونه جاعلا الملائكة رسلا ففي سورة الأنعام ذكر بعد تخليق السماوات والأرض جعل الأنوار والظلمات وذكر في سورة الملائكة بعد كونه فاطر السماوات والأرض جعل الروحانيات وهذه أسرار عجيبة ولطائف عالية ؛ إلا أنها بأسرها تجري مجرى الأنواع الداخلة تحت البحر الأعظم المذكور في قوله : الحمد لله رب العالمين ؛ فهذا هو التنبيه على أن قوله : رب العالمين يجري مجرى ذكر الدليل على وجود الإله القديم . المسألة الثانية : أن هذه الكلمة كما دلت على وجود الإله ؛ فهي أيضا مشتملة على الدلالة على كونه متعاليا في ذاته عن المكان والحيز والجهة ؛ لأنا بينا أن لفظ العالمين يتناول كل موجود سوى الله ومن جملة ما سوى الله المكان والزمان فالمكان عبارة عن الفضاء والحيز والفراغ الممتد والزمان عبارة عن المدة التي يحصل بسببها القبلية والبعدية فقوله : رب العالمين يدل على كونه ربا للمكان والزمان وخالقا لهما وموجدا لهما ثم من المعلوم أن الخالق لا بد وأن يكون سابقا وجوده على وجود المخلوق ومتى كان الأمر كذلك كانت ذاته موجودة قبل حصول الفضاء والفراغ والحيز متعالية عن الجهة والحيز فلو حصلت ذاته بعد حصول الفضاء في جزء من أجزاء الفضاء لانقلبت حقيقة ذاته وذلك محال فقوله : رب العالمين يدل على تنزيه ذاته عن المكان والجهة بهذا الاعتبار . المسألة الثالثة : هذه اللفظة تدل على أن ذاته منزهة عن الحلول في المحل كما تقول النصارى والحلولية ؛ لأنه لما كان ربا للعالمين كان خالقا لكل ما سواه والخالق سابق على المخلوق فكانت ذاته موجودة قبل كل محل فكانت ذاته غنية عن كل محل فبعد وجود المحل امتنع احتياجه إلى المحل . المسألة الرابعة : هذه الآية تدل على أن إله العالم ليس موجبا بالذات بل هو فاعل مختار والدليل على أن الموجب بالذات لا يستحق على شيء من أفعاله الحمد والثناء والتعظيم ألا ترى أن الإنسان إذا انتفع بسخونة النار أو ببرودة الجمد فإنه لا يحمد النار ولا الجمد لما أن تأثير النار في التسخين وتأثير الجمد في التبريد ليس بالقدرة والاختيار بل بالطبع فلما حكم بكونه مستحقا للحمد والثناء ثبت أنه فاعل بالاختيار وإنما عرفنا كونه فاعلا مختارا ؛ لأنه لو كان موجبا لدامت الآثار والمعلولات بدوام المؤثر الموجب ولامتنع وقوع التغير فيها وحيث شاهدنا حصول التغيرات علمنا أن المؤثر فيها قادر بالاختيار لا موجب بالذات ولما كان الأمر كذلك لا جرم ثبت كونه مستحقا للحمد .
المسألة الخامسة : لما خلق الله العالم مطابقا لمصالح العباد موافقا لمنافعهم كان الإحكام والإتقان ظاهرين في العالم الأعلى والعالم الأسفل وفاعل الفعل المحكم المتقن يجب أن يكون عالما فثبت بما ذكرنا أن قوله الحمد لله يدل على وجود الإله ويدل على كونه منزها عن الحيز والمكان ويدل على كونه منزها عن الحلول في المحل ويدل على كونه في نهاية القدرة ويدل على كونه في نهاية العلم ويدل على كونه في نهاية الحكمة . وأما السؤال الثاني - وهو قوله : هب أنه ثبت القول بوجود الإله القادر فلم قلتم إنه يستحق الحمد والثناء ؟ والجواب هو قوله الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وتقرير هذا الجواب أن العبد لا يخلو حاله في الدنيا عن أمرين : إما أن يكون في السلامة والسعادة وإما أن يكون في الألم والفقر والمكاره فإن كان في السلامة والكرامة فأسباب تلك السلامة وتلك الكرامة لم تحصل إلا بخلق الله وتكوينه وإيجاده فكان رحمانا رحيما وإن كان في المكاره والآفات فتلك المكاره والآفات إما أن تكون من العباد أو من الله فإن كانت من العباد فالله سبحانه وتعالى وعد بأنه ينتصف للمظلومين في يوم الدين وإن كانت من الله فالله تعالى وعد بالثواب الجزيل والفضل الكثير على كل ما أنزله بعباده في الدنيا من المكروهات والمخافات وإذا كان الأمر كذلك ثبت أنه لا بد وأن يكون مستحقا للحمد الذي لا نهاية له والثناء الذي لا غاية له فظهر بالبيان الذي ذكرناه أن قوله : الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين مرتب ترتيبا لا يمكن في العقل وجود كلام أكمل وأفضل منه . واعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في الصفات المعتبرة في الربوبية أردفه بالكلام المعتبر في العبودية واعلم أن الإنسان مركب من جسد ومن روح والمقصود من الجسد أن يكون آلة للروح في اكتساب الأشياء النافعة للروح فلا جرم كان أفضل أحوال الجسد أن يكون آتيا بأعمال تعين الروح على اكتساب السعادات الروحانية الباقية وتلك الأعمال هي أن يكون الجسد آتيا بأعمال تدل على تعظيم المعبود وخدمته وتلك الأعمال هي العبادة فأحسن أحوال العبد في هذه الدنيا أن يكون مواظبا على العبادات وهذه أول درجات سعادة الإنسان وهو المراد بقوله : { إياك نعبد } فإذا واظب على هذه الدرجة مدة فعند هذا يظهر له شيء من أنوار عالم الغيب وهو أنه وحده لا يستقل بالإتيان بهذه العبادة والطاعات بل ما لم يحصل له توفيق الله تعالى وإعانته وعصمته فإنه لا يمكنه الإتيان بشيء من العبادات والطاعات وهذا المقام هو الدرجة الوسطى في الكمالات وهو المراد من قوله : وإياك نستعين ثم إذا تجاوز عن هذا المقام لاح له أن الهداية لا تحصل إلا من الله وأنوار المكاشفات والتجلي لا تحصل إلا بهداية الله وهو المراد من قوله : اهدنا الصراط المستقيم وفيه لطائف . اللطيفة الأولى : أن المنهج الحق في الاعتقادات وفي الأعمال هو الصراط المستقيم أما في الاعتقادات فبيانه من وجوه : ( الأول ) : أن من توغل في التنزيه وقع في التعطيل ونفي الصفات ومن توغل في الإثبات وقع في التشبيه وإثبات الجسمية والمكان فهما طرفان معوجان والصراط المستقيم الإقرار الخالي عن التشبيه والتعطيل ( والثاني ) : أن من قال فعل العبد كله منه فقد وقع في القدر ومن قال لا فعل للعبد فقد وقع في الجبر وهما طرفان معوجان والصراط المستقيم إثبات الفعل للعبد مع الإقرار بان الكل بقضاء الله وأما في الأعمال فنقول : من بالغ في الأعمال الشهوانية وقع في الفجور ومن بالغ في تركها وقع في الجمود والصراط المستقيم هو الوسط وهو العفة وأيضا من بالغ في الأعمال الغضبية وقع في التهور ومن بالغ في تركها وقع في الجبن والصراط المستقيم هو الوسط وهو الشجاعة .
اللطيفة الثانية : أن ذلك الصراط المستقيم وصفه بصفتين أولاهما إيجابية والأخرى سلبية أما الإيجابية فكون ذلك الصراط صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأما السلبية فهي أن تكون بخلاف صراط الذين فسدت قواهم العملية بارتكاب الشهوات حتى استوجبوا غضب الله عليهم وبخلاف صراط الذين فسدت قواهم النظرية حتى ضلوا عن العقائد الحقية والمعارف اليقينية . اللطيفة الثالثة : قال بعضهم : إنه لما قال اهدنا الصراط المستقيم لم يقتصر عليه بل قال : صراط الذين أنعمت عليهم وهذا يدل على أن المريد لا سبيل له إلى الوصول إلى مقامات الهداية والمكاشفة إلا إذا اقتدى بشيخ يهديه إلى سواء السبيل ويجنبه عن مواقع الأغاليط والأضاليل وذلك لأن النقص غالب على أكثر الخلق وعقولهم غير وافيه بإدراك الحق وتمييز الصواب عن الغلط فلا بد من كامل يقتدي به الناقص حتى يتقوى عقل ذلك الناقص بنور عقل ذلك الكامل ؛ فحينئذ يصل إلى مدارج السعادات ومعارج الكمالات . وقد ظهر بما ذكرنا أن هذه السورة وافية ببيان ما يجب معرفته من عهد الربوبية وعهد العبودية المذكورين في قوله تعالى وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم [ البقرة : 40 ] . المسألة الثانية : في تقرير مشرع آخر من لطائف هذه السورة : اعلم أن أحوال هذا العالم ممزوجة بالخير والشر والمحبوب والمكروه وهذه المعاني ظاهرة لا شك فيها إلا أن نقول : الشر وإن كان كثيرا إلا أن الخير أكثر والمرض وإن كان كثيرا إلا أن الصحة أكثر منه والجوع وإن كان كثيرا إلا أن الشبع أكثر منه وإذا كان الأمر كذلك فكل عاقل اعتبر أحوال نفسه فإنه يجدها دائما في التغيرات والانتقال من حال إلى حال ثم إنه يجد الغالب في تلك التغيرات هو السلامة والكرامة والراحة والبهجة أما الأحوال المكروهة فهي وإن كانت كثيرة إلا أنها أقل من أحوال اللذة والبهجة والراحة إذا عرفت هذا فنقول إن تلك التغيرات لأجل أنها تقتضي حدوث أمر بعد عدمه تدل على وجود الإله القادر ولأجل أن الغالب فيها الراحة والخير تدل على أن ذلك الإله رحيم محسن كريم أما دلالة التغيرات على وجود الإله فلأن الفطرة السليمة تشهد بأن كل شيء وجد بعد العدم فإنه لا بد له من سبب ولذلك فإنا إذا سمعنا أن بيتا حدث بعد أن لم يكن فإن صريح العقل شاهد بأنه لا بد من فاعل تولى بناء ذلك البيت ولو أن إنسانا شككنا فيه لم نتشكك فإنه لا بد وأن يكون فاعل تلك الأحوال المتغيرة قادرا إذ لو كان موجبا بالذات لدام الأثر بدوامه فحدوث الأثر بعد عدمه يدل على وجود مؤثر قادر وأما دلالة تلك التغيرات على كون المؤثر رحيما محسنا ؛ فلأنا بينا أن الغالب في تلك التغيرات هو الراحة والخير والبهجة والسلامة ومن كان غالب أفعاله راحة وخيرا وكرامة وسلامة كان رحيما محسنا ومن كان كذلك كان مستحقا للحمد ولما كانت هذه الأحوال معلومة لكل أحد وحاضرة في عقل كل أحد عاقل كان موجب حمد الله وثنائه حاضرا في عقل كل أحد ؛ فلهذا السبب علمهم كيفية الحمد فقال ( الحمد لله ) ولما نبه على هذا المقام نبه على مقام آخر أعلى وأعظم من الأول وكأنه قيل : لا ينبغي أن تعتقد أن الإله الذي اشتغلت بحمده هو إلهك فقط بل هو إله كل العالمين وذلك لأنك إنما حكمت بافتقار نفسك إلى الإله لما حصل فيك من الفقر والحاجة والحدوث والإمكان وهذه المعاني قائمة في كل العالمين فإنها محل الحركات والسكنات وأنواع التغيرات فتكون علة احتياجك إلى الإله المدبر قائمة فيها وإذا حصل الاشتراك في العلة وجب أن يحصل الاشتراك في المعلول فهذا يقتضي كونه ربا للعالمين وإلها للسموات والأرضين ومدبرا لكل الخلائق أجمعين ولما تقرر هذا المعنى ظهر أن الموجود الذي يقدر على خلق هذه العوالم على عظمتها ويقدر على خلق العرش والكرسي والسموات والكواكب لا بد وأن يكون قادرا على إهلاكها ولا بد وأن يكون غنيا عنها فهذا القادر القاهر الغني يكون في غاية العظمة والجلال وحينئذ يقع في قلب العبد أني مع نهاية ذلتي وحقارتي كيف يمكنني أن أتقرب إليه وبأي طريق أتوسل إليه فعند هذا ذكر الله ما يجري مجرى العلاج الموافق لهذا المرض فكأنه قال : أيها العبد الضعيف أنا وإن كنت عظيم القدرة والهيبة والإلهية إلا أني مع ذلك عظيم الرحمة فأنا الرحمن الرحيم وأنا مالك يوم الدين فما دمت في هذه الحياة الدنيا لا أخليك عن أقسام رحمتي وأنواع نعمتي وإذا مت فأنا مالك يوم الدين لا أضيع عملا من أعمالك فإن أتيتني بالخير قابلت الخير الواحد بما لا نهاية له من الخيرات وإن أتيتني بالمعصية قابلتها بالصفح والإحسان والمغفرة .
ثم لما قرر أمر الربوبية بهذا الطريق أمره بثلاثة أشياء : أولها : مقام الشريعة وهو أن يواظب على الأعمال الظاهرة وهو قوله إياك نعبد وثانيها : مقام الطريقة وهو أن يحاول السفر من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فيرى عالم الشهادة كالمسخر لعالم الغيب فيعلم أنه لا يتيسر له شيء من الأعمال الظاهرة إلا بمدد يصل إليه من عالم الغيب وهو قوله وإياك نستعين وثالثها : أنه يشاهد عالم الشهادة معزولا بالكلية ويكون الأمر كله لله وحينئذ يقول : اهدنا الصراط المستقيم . ثم إن ههنا دقيقة وهي أن الروح الواحد يكون أضعف قوة من الأرواح الكثيرة المجتمعة على تحصيل مطلوب واحد فحينئذ علم العبد أن روحه وحده لا يكفي في طلب هذا المقصود فعند هذا أدخل روحه في زمرة الأرواح المقدسة المطهرة المتوجهة إلى طلب المكاشفات الروحانية والأنوار الربانية حتى إذا اتصل بها وانخرط في سلكها صار الطلب أقوى والاستعداد أتم فحينئذ يفوز في تلك الجمعية بما لا يقدر على الفوز به حال الوحدة فلهذا قال : صراط الذين أنعمت عليهم . ثم لما بين أن الاتصال بالأرواح المطهرة يوجب مزيد القوة والاستعداد ؛ بين أيضا أن الاتصال بالأرواح الخبيثة يوجب الخيبة والخسران والخذلان والحرمان فلهذا قال : غير المغضوب عليهم وهم الفساق : ولا الضالين وهم الكفار . ولما تمت هذه الدرجات الثلاث وكملت هذه المقامات الثلاثة أعني الشريعة المدلول عليها بقوله إياك نعبد والطريقة المدلول عليها بقوله وإياك نستعين والحقيقة المدلول عليها بقوله اهدنا الصراط المستقيم - ثم لما حصل الاستسعاد بالاتصال بأرباب الصفاء والاستكمال بسبب المباعدة عن أرباب الجفاء والشقاء فعند هذا كملت المعارج البشرية والكمالات الإنسانية . المسألة الثالثة : في تقرير مشرع آخر من لطائف هذه السورة : اعلم أن الإنسان خلق محتاجا إلى جر الخيرات واللذات ودفع المكروهات والمخافات ثم إن هذا العالم عالم الأسباب فلا يمكنه تحصيل الخيرات واللذات إلا بواسطة أسباب معينة ولا يمكنه دفع الآفات والمخافات إلا بواسطة أسباب معينة ولما كان جلب النفع ودفع الضرر محبوبا بالذات وكان استقراء أحوال هذا العلم يدل على أنه لا يمكن تحصيل الخير ولا دفع الشر إلا بتلك الأسباب المعينة ثم تقرر في العقول أن ما لا يمكن الوصول إلى المحبوب إلا بواسطته فهو محبوب - صار هذا المعنى سببا لوقوع الحب الشديد لهذه الأسباب الظاهرة وإذا علم أنه لا يمكنه الوصول إلى الخيرات واللذات إلا بواسطة خدمة الأمير والوزير والأعوان والأنصار بقي الإنسان متعلق القلب بهذه الأشياء شديد الحب لها عظيم الميل والرغبة إليها ثم قد ثبت في العلوم الحكمية أن كثرة الأفعال سبب لحدوث الملكات الراسخة وثبت أيضا أن حب التشبه غالب على طباع الخلق . أما الأول فكل من واظب على صناعة من الصنائع وحرفة من الحرف مدة مديدة صارت تلك الحرفة والصناعة ملكة راسخة قوية وكلما كانت المواظبة عليها أكثر كانت الملكة أقوى وأرسخ وأما الثاني فهو أن الإنسان إذا جالس الفساق مال طبعة إلى الفسق وما ذاك إلا لأن الأرواح جبلت على حب المحاكاة وإذا عرفت هذا فنقول : إنا بينا أن استقراء حال الدنيا يوجب تعلق القلب بهذه الأسباب الظاهرة التي بها يمكن التوسل إلى جر المنافع ودفع المضار وبينا أنه كلما كانت مواظبة الإنسان عليها أكثر كان استحكام هذا الميل والطلب في قلبه أقوى وأثبت وأيضا فأكثر أهل الدنيا موصوفون بهذه الصفة مواظبون على هذه الحالة . وبينا أن النفوس مجبولة على حب المحاكاة وذلك أيضا يوجب استحكام هذه الحالة . فقد ظهر بالبينات التي ذكرناها أن الأسباب الموجبة لحب الدنيا والمرغبة في التعلق بأسبابها كثيرة قوية شديدة جدا ثم نقول : إنه إذا اتفق للإنسان هداية إلهية تهديه إلى سواء السبيل وقع في قلبه أن يتأمل في هذه الأسباب تأملا شافيا وافيا فيقول : هذا الأمير المستولي على هذا العالم استولى على الدنيا بفرط قوته وكمال حكمته أم لا ؟
الأول باطل لأن ذلك الأمير ربما كان أكثر الناس عجزا وأقلهم عقلا فعند هذا يظهر له أن تلك الإمارة والرياسة ما حصلت له بقوته وما هيئت له بسبب حكمته وإنما حصلت تلك الإمارة والرياسة لأجل قسمة قسام وقضاء حكيم علام لا دافع لحكمه ولا مرد لقضائه ثم ينضم إلى هذا النوع من الاعتبار أنواع أخرى من الاعتبارات تعاضدها وتقويها فعند حصول هذه المكاشفة ينقطع قلبه عن الأسباب الظاهرة وينتقل منها إلى الرجوع في كل المهمات والمطلوبات إلى مسبب الأسباب ومفتح الأبواب ثم إذا توالت هذه الاعتبارات وتواترت هذه المكاشفات صار الإنسان بحيث كلما وصل إليه نفع وخير قال هو النافع وكلما وصل إليه شر ومكروه قال هو الضار وعند هذا لا يحمد أحدا على فعل إلا الله ولا يتوجه قلبه في طلب أمر من الأمور إلا إلى الله فيصير الحمد كله لله والثناء كله لله فعند هذا يقول العبد الحمد لله . واعلم أن الاستقراء المذكور يدل العبد على أن أحوال هذا العالم لا تنتظم إلا بتقدير الله ثم يترقى من العالم الصغير إلى العالم الكبير فيعلم أنه لا تنتظم حالة من أحوال العالم الأكبر إلا بتقدير الله وذلك هو قوله : رب العالمين ثم إن العبد يتأمل في أحوال العالم الأعلى فيشاهد أن أحوال العالمين منظومة على الوصف الأتقن والترتيب الأقوم والكمال الأعلى والمنهج الأسنى فيرى الذرات ناطقة بالإقرار بكمال رحمته وفضله وإحسانه فعند ذلك يقول : الرحمن الرحيم فعند هذا يظهر للعبد أن جميع مصالحة في الدنيا إنما تهيأت برحمة الله وفضله وإحسانه ثم يبقى العبد متعلق القلب بسبب أنه كيف يكون حاله بعد الموت فكأنه يقال : مالك يوم الدين ليس إلا الذي عرفته بأنه الرحمن الرحيم فحينئذ ينشرح صدر العبد وينفسح قلبه ويعلم أن المتكفل بإصلاح مهماته في الدنيا والآخرة ليس إلا الله وحينئذ ينقطع التفاته عما سوى الله ولا يبقى متعلق القلب بغير الله ثم إن العبد حين كان متعلق القلب بالأمير والوزير كان مشغولا بخدمتهما وبعد الفراغ من تلك الخدمة كان يستعين في تحصيل المهمات بهما وكان يطلب الخير منهما فعند زوال ذلك التعلق يعلم أنه لما كان مشتغلا بخدمة الأمير والوزير فلأن يشتغل بخدمة المعبود كان أولى فعند هذا يقول : إياك نعبد والمعنى إني كنت قبل هذا أستعين بغيرك وأما الآن فلا أستعين بأحد سواك ولما كان يطلب المال والجاه اللذين هما على شفا حفرة الانقراض والانقضاء من الأمير والوزير فلأن يطلب الهداية والمعرفة من رب السماء والأرض أولى فيقول : اهدنا الصراط المستقيم ثم إن أهل الدنيا فريقان : أحدهما : الذين لا يعبدون أحدا إلا الله ولا يستعينون إلا بالله ولا يطلبون الأغراض والمقاصد إلا من الله والفرقة الثانية : الذين يخدمون الخلق ويستعينون بهم ويطلبون الخير منهم فلا جرم العبد يقول : إلهي اجعلني في زمرة الفرقة الأولى وهم الذين أنعمت عليهم بهذه الأنوار الربانية والجلايا النورانية ولا تجعلني في زمرة الفرقة الثانية وهم المغضوب عليهم والضالون فإن متابعة هذه الفرقة لا تفيد إلا الخسار والهلاك كما قال إبراهيم عليه السلام
: لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ؟ ! والله أعلم . < > الباب الرابع < > < > في المسائل الفقهية المستنبطة من هذه السورة < > المسألة الأولى : أجمع الأكثرون على أن القراءة واجبة في الصلاة وعن الأصم والحسن بن صالح أنها لا تجب . لنا أن كل دليل نذكره في بيان أن قراءة الفاتحة واجبة ؛ فهو يدل على أن أصل القراءة واجب ونزيد ههنا وجوها : الأول : قوله تعالى : ^ { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق اليل وقرءان الفجر } ^ [ الإسراء : 78 ] والمراد بالقرآن : القراءة والتقدير : أقم قراءة الفجر وظاهر الأمر للوجوب . الثاني : عن أبي الدرداء : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أفي الصلاة قراءة ؟ فقال : نعم فقال السائل : وجبت فأقر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل على قوله : وجبت . الثالث : عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : أيقرأ في الصلاة ؟ فقال - عليه الصلاة والسلام - : أتكون صلاة بغير قراءة ! وهذان الخبران نقلتهما من تعليق الشيخ أبي حامد الإسفرايني . حجة الأصم قوله - عليه الصلاة والسلام - : صلوا كما رأيتموني أصلي جعل الصلاة من الأشياء المرئية والقراءة ليست بمرئية فوجب كونها خارجة عن الصلاة والجواب : أن الرؤية إذا كانت متعدية إلى مفعولين كانت بمعنى العلم . المسألة الثانية : قال الشافعي - رحمه الله - : قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة فإن ترك منها حرفا واحدا وهو يحسنها لم تصح صلاته وبه قال الأكثرون وقال أبو حنيفة : لا تجب قراءة الفاتحة . لنا وجوه : الأول : أنه - عليه الصلاة والسلام - واظب طول عمره على قراءة الفاتحة في الصلاة ؛ فوجب أن يجب علينا ذلك ؛ لقوله تعالى : واتبعوه [ الأعراف : 158 ] ؛ ولقوله : فليحذر الذين يخالفون عن أمره [ النور : 63 ] ؛ ولقوله تعالى : فاتبعوني يحببكم الله [ آل عمران : 31 ] ويا للعجب من أبي حنيفة ! أنه تمسك في وجوب مسح الناصية بخبر واحد وذلك ما رواه المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه في أنه - عليه الصلاة والسلام - مسح على الناصية فجعل ذلك القدر من المسح شرطا لصحة الصلاة وههنا نقل أهل العلم نقلا متواترا أنه - عليه الصلاة والسلام - واظب طول عمره على قراءة الفاتحة ثم قال : إن صحة الصلاة غير موقوفة عليها وهذا من العجائب . الحجة الثانية : قوله تعالى : أقيموا الصلاة [ البقرة : 43 ] والصلاة لفظة مفردة محلاة بالألف واللام فيكون المراد منها المعهود السابق وليس عند المسلمين معهود سابق من لفظ الصلاة إلا الأعمال التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي بها : وإذا كان كذلك كان قوله : أقيموا الصلاة جاريا مجرى قوله : أقيموا الصلاة التي كان يأتي بها الرسول والتي أتى بها الرسول - عليه الصلاة والسلام - هي الصلاة المشتملة على الفاتحة فيكون قوله : أقيموا الصلاة أمرا بقراءة الفاتحة وظاهر الأمر الوجوب ثم إن هذه اللفظة تكررت في القرآن أكثر من مائة مرة ؛ فكان ذلك دليلا قاطعا على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة . الحجة الثالثة : أن الخلفاء الراشدين واظبوا على قراءتها طول عمرهم ويدل عليه أيضا ما روي في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين وإذا ثبت هذا وجب أن يجب علينا ذلك ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ؛ ولقوله - عليه الصلاة والسلام -