الوجه الخامس : كأن الإنسان يقول في الطريق : كثرة الأحباب يجرونني إلى طريق والأعداء إلى طريق ثان والشيطان إلى طريق ثالث وكذا القول في الشهوة والغضب والحقد والحسد وكذا القول في التعطيل والتشبيه والجبر والقدر والإرجاء والوعيد والرفض والخروج والعقل ضعيف والعمر قصير والصناعة طويلة والتجربة خطرة والقضاء عسير وقد تحيرت في الكل ؛ فاهدني إلى طريق أخرج منه إلى الجنة والمستقيم : السوي الذي لا غلظ فيه .
Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي · AR
يحكى عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يسير إلى بيت الله فإذا أعرابي على ناقة له فقال : يا شيخ ! إلى أين ؟ فقال إبراهيم : إلى بيت الله قال كأنك مجنون لا أرى لك مركبا ولا زادا والسفر طويل فقال إبراهيم : إن لي مراكب كثيرة ؛ ولكنك لا تراها قال : وما هي ؟ قال : إذا نزلت علي بلية ركبت مركب الصبر وإذا نزل علي نعمة ركبت مركب الشكر وإذا نزل بي القضاء ركبت مركب الرضا وإذا دعتني النفس إلى شيء علمت أن ما بقي من العمر أقل مما مضى فقال الأعرابي : سر بإذن الله ؛ فأنت الراكب وأنا الراجل . الوجه السادس : قال بعضهم : الصراط المستقيم : الإسلام وقال بعضهم : القرآن وهذا لا يصح ؛ لأن قوله صراط الذين أنعمت عليهم بدل من الصراط المستقيم وإذا كان كذلك كان التقدير : اهدنا صراط من أنعمت عليهم من المتقدمين ومن تقدمنا من الأمم ما كان لهم القرآن والإسلام وإذا بطل ذلك ثبت أن المراد اهدنا صراط المحقين المستحقين للجنة وإنما قال الصراط ولم يقل السبيل ولا الطريق وإن كان الكل واحدا ليكون لفظ الصراط مذكرا لصراط جهنم ؛ فيكون الإنسان على مزيد خوف وخشية . القول الثاني في تفسير اهدنا : أي ثبتنا على الهداية التي وهبتها منا ونظيره قوله تعالى : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا [ آل عمران : 8 ] ؛ أي : ثبتنا على الهداية فكم من عالم وقعت له شبهة ضعيفة في خاطره فزاغ وذل وانحرف عن الدين القويم والمنهج المستقيم . < > الفائدة الثانية : < > لقائل أن يقول : لم قال : اهدنا ولم يقل : اهدني ؟ والجواب من وجهين : الأول أن الدعاء كلما كان أعم كان إلى الإجابة أقرب كان بعض العلماء يقول : لتلامذته : إذا قرأتم في خطبة السابق : ورضي الله عنك وعن جماعة المسلمين إن نويتني في قولك رضي الله عنك فحسن وإلا فلا حرج ولكن إياك وأن تنساني في قولك وعن جماعة المسلمين لأن قوله رضي الله عنك تخصيص بالدعاء فيجوز أن لا يقبل وأما قوله وعن جماعة المسلمين فلا بد وأن يكون في المسلمين من يستحق الإجابة وإذا أجاب الله الدعاء في البعض فهو أكرم من أن يرده في الباقي ولهذا السبب فإن السنة إذا أراد أن يذكر دعاء أن يصلي أولا على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو ثم يختم الكلام بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثانيا ؛ لأن الله تعالى يجيب الداعي في صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم ثم إذا أجيب في طرفي دعائه امتنع أن يرد في وسطه . الثاني : قال عليه الصلاة والسلام : ادعوا الله بألسنة ما عصيتموه بها قالوا : يا رسول الله ومن لنا بتلك الألسنة ؟ قال يدعو بعضكم لبعض ؛ لأنك ما عصيت بلسانه وهو ما عصى بلسانك . والثالث : كأنه يقول : أيها العبد ألست قلت في أول السورة الحمد لله وما قلت أحمد الله فذكرت أولا حمد جميع الحامدين فكذلك في وقت الدعاء أشركهم فقل أهدنا . الرابع : كأن العبد يقول : سمعت رسولك يقول : الجماعة رحمة والفرقة عذاب فلما أردت تحميدك ذكرت حمد الجميع فقلت الحمد لله ولما ذكرت العبادة ذكرت عبادة الجميع فقلت إياك نعبد ولما ذكرت الاستعانة ذكرت استعانة الجميع فقلت وإياك نستعين فلا جرم لما طلبت الهداية طلبتها للجميع فقلت اهدنا الصراط المستقيم ولما طلبت الاقتداء بالصالحين طلبت الاقتداء بالجميع فقلت صراط الذين أنعمت عليهم ولما طلبت الفرار من المردودين فررت من الكل فقلت غير المغضوب عليهم ولا الضالين فلما لم أفارق الأنبياء والصالحين في الدنيا فأرجو أن لا أفارقهم في القيامة قال تعالى : ^ { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين - الآية } ^ [ النساء : 69 ] . <
> الفائدة الثالثة : < > اعلم أن أهل الهندسة قالوا الخط المستقيم هو أقصر خط يصل بين نقطتين فالحاصل أن الخط المستقيم أقصر من جميع الخطوط المعوجة فكأن العبد يقول : اهدنا الصراط المستقيم لوجوه : الأول : أنه أقرب الخطوط وأقصرها وأنا عاجز فلا يليق بضعفي إلا الطريق المستقيم . الثاني : أن المستقيم واحد وما عداه معوجة وبعضها يشبه بعضا في الاعوجاج فيشتبه الطريق علي أما المستقيم فلا يشابهه غيره فكان أبعد عن الخوف والآفات وأقرب إلى الأمان . الثالث : الطريق المستقيم يوصل إلى المقصود والمعوج لا يوصل إليه . والرابع : المستقيم لا يتغير والمعوج يتغير فلهذه الأسباب سأل الصراط المستقيم والله أعلم . < > الفصل الثامن < > < > في تفسير قوله صراط الذين أنعمت عليهم وفيه فوائد < > < < الفاتحة : ( 7 ) صراط الذين أنعمت . . . . . > > < > الفائدة الأولى <
> : في حد النعمة وقد اختلف فيها فمنهم من قال إنها عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ومنهم من يقول : المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير قالوا وإنما زدنا هذا القيد لأن النعمة يستحق بها الشكر وإذا كانت قبيحة لا يستحق بها الشكر والحق أن هذا القيد غير معتبر لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله محظورا لأن جهة استحقاق الشكر غير جهة الذنب والعقاب فأي امتناع في اجتماعهما ؟ ألا ترى أن الفاسق يستحق بإنعامه الشكر والذم بمعصية الله فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك . ولنرجع إلى تفسير الحد المذكور فنقول : أما قولنا المنفعة فلأن المضرة المحضة لا تكون نعمة وقولنا المفعولة على جهة الإحسان لأنه لو كان نفعا حقا وقصد الفاعل به نفع نفسه لا نفع المفعول به لا يكون نعمة وذلك كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها . إذا عرفت حد النعمة فيتفرع عليه فروع : الفرع الأول : اعلم أن كل ما يصل إلى الخلق من النفع ودفع الضرر فهو من الله تعالى على ما قال تعالى : وما بكم من نعمة فمن الله [ النحل : 53 ] ثم إن النعمة على ثلاثة أقسام : أحدها : نعمة تفرد الله بإيجادها نحو أن خلق ورزق . وثانيها : نعمة وصلت من جهة غير الله في ظاهر الأمر وفي الحقيقة فهي أيضا إنما وصلت من الله تعالى وذلك لأنه تعالى هو الخالق لتلك النعمة والخالق لذلك المنعم والخالق لداعية الإنعام بتلك النعمة في قلب ذلك المنعم إلا أنه تعالى لما أجرى تلك النعمة على يد ذلك العبد كان ذلك العبد مشكورا ولكن المشكور في الحقيقة هو الله تعالى ولهذا قال : أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير [ لقمان : 14 ] فبدأ بنفسه تنبيها على أن إنعام الخلق لا يتم إلا بإنعام الله وثالثها : نعم وصلت من الله إلينا بسبب طاعتنا وهي أيضا من الله تعالى ؛ لأنه لولا أن الله سبحانه وتعالى وفقنا للطاعات وأعاننا عليها وهدانا إليها وأزاح الأعذار عنا وإلا لما وصلنا إلى شيء منها فظهر بهذا التقرير أن جميع النعم في الحقيقة من الله تعالى . الفرع الثاني : أن أول نعم الله على العبيد هو أن خلقهم أحياء ويدل عليه العقل والنقل أما العقل فهو أن الشيء لا يكون نعمة إلا إذا كان بحيث يمكن الانتفاع به ولا يمكن الانتفاع به إلا عند حصول الحياة فإن الجماد والميت لا يمكنه أن ينتفع بشيء فثبت أن أصل جميع النعم هو الحياة وأما النقل فهو أنه تعالى قال : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم [ البقرة : 28 ] ثم قال عقيبه : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } ^ [ البقرة : 29 ] فبدأ بذكر الحياة وثنى بذكر الأشياء التي ينتفع بها وذلك يدل على أن أصل جميع النعم هو الحياة . الفرع الثالث : اختلفوا في أنه هل لله تعالى نعمة على الكافر أم لا ؟ فقال بعض أصحابنا ليس لله تعالى على الكافر نعمة وقالت المعتزلة : لله على الكافر نعمة دينية ونعمة دنيويه واحتج الأصحاب على صحة قولهم بالقرآن والمعقول : أما القرآن فآيات .
إحداها : قوله تعالى ^ { صراط الذين أنعمت عليهم } ^ وذلك لأنه لو كان لله على الكافر نعمة لكانوا داخلين تحت قوله تعالى : ^ { أنعمت عليهم } ^ ولو كان ذلك لكان قوله : ^ { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم } ^ طلبا لصراط الكفار وذلك باطل فثبت بهذه الآية أنه ليس لله نعمة على الكفار فإن قالوا : إن قوله الصراط يدفع ذلك قلنا : إن قوله : ^ { صراط الذين أنعمت عليهم } ^ بدل من قوله ^ { الصراط المستقيم } ^ فكان التقدير اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم وحينئذ يعود المحذور المذكور . والآية الثانية : قوله تعالى : ^ { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } ^ [ آل عمران : 178 ] وأما المعقول فهو أن نعم الدنيا في مقابلة عذاب الآخرة على الدوام قليلة كالقطرة في البحر ومثل هذا لا يكون نعمة بدليل أن من جعل السم في الحلواء لم يعد النفع الحاصل منه نعمة لأجل أن ذلك النفع حقير في مقابلة ذلك الضرر الكثير فكذا ههنا . وأما الذين قالوا إن لله على الكافر نعما كثيرة فقد احتجوا بآيات : إحداها : قوله تعالى : ^ { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء } ^ [ البقرة 21 - 22 ] فنبه على أنه يجب على الكل طاعة الله لمكان هذه النعم العظيمة . وثانيها قوله : ^ { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ^ [ البقرة : 28 ] ذكر ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم . وثالثها : قوله تعالى : ^ { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } ^ [ البقرة : 40 ] . ورابعها : قوله تعالى : ^ { وقليل من عبادي الشكور } ^ [ سبأ : 13 ] وقول إبليس : ^ { ولا تجد أكثرهم شاكرين } ^ [ الأعراف : 17 ] ولو لم تحصل النعم لم يلزم الشكر ولم يلزم من عدم إقدامهم على الشكر محذور ؛ لأن الشكر لا يمكن إلا عند حصول النعمة . <
> الفائدة الثانية : < > قوله ^ { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم } ^ يدل على إمامة أبي بكر رضي الله عنه ؛ لأنا ذكرنا أن تقدير الآية : اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم والله تعالى قد بين في آية أخرى أن الذين أنعم الله عليهم من هم فقال : ^ { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين - الآية } ^ [ النساء : 69 ] ولا شك أن رأس الصديقين ورئيسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فكان معنى الآية أن الله أمرنا أن نطلب الهداية التي كان عليها أبو بكر الصديق وسائر الصديقين ولو كان أبو بكر ظالما لما جاز الاقتداء به فثبت بما ذكرناه دلالة هذه الآية على إمامة أبي بكر رضي الله عنه . < > الفائدة الثالثة : قوله ^ { أنعمت عليهم } ^ يتناول كل من كان لله عليه نعمة وهذه النعمة إما أن يكون المراد منها نعمة الدنيا أو نعمة الدين ولما بطل الأول ثبت أن المراد منه نعمة الدين فنقول : كل نعمة دينية سوى الإيمان فهي مشروطة بحصول الإيمان وأما النعمة التي هي الإيمان فيمكن حصولها خاليا عن سائر النعم الدينية وهذا يدل على أن المراد من قوله أنعمت عليهم هو نعمة الإيمان فرجع حاصل القول في قوله اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم أنه طلب لنعمة الإيمان وإذا ثبت هذا الأصل فنقول : يتفرع عليه أحكام : الحكم الأول : أنه لما ثبت أن المراد من هذه النعمة نعمة الإيمان ولفظ الآية صريح في أن الله تعالى هو المنعم بهذه النعمة ؛ ثبت أن خالق الإيمان والمعطي للإيمان هو الله تعالى وذلك يدل على فساد قول المعتزلة ولأن الإيمان أعظم النعم فلو كان فاعله هو العبد لكان إنعام العبد أشرف وأعلى من إنعام الله ولو كان كذلك لما حسن من الله أن يذكر إنعامه في معرض التعظيم . الحكم الثاني : يجب أن لا يبقى المؤمن مخلدا في النار لأن قوله : أنعمت عليهم مذكور في معرض التعظيم لهذا الإنعام ولو لم يكن له أثر في دفع العقاب المؤبد لكان قليل الفائدة فما كان يحسن من الله تعالى ذكره في معرض التعظيم . الحكم الثالث : دلت الآية على أنه لا يجب على الله رعاية الصلاح والأصلح في الدين لأنه لو كان الإرشاد واجبا على الله لم يكن ذلك إنعاما ؛ لأن أداء الواجب لا يكون إنعاما وحيث سماه الله تعالى إنعاما علمنا أنه غير واجب . الحكم الرابع : لا يجوز أن يكون المراد بالإنعام هو أن الله تعالى أقدر المكلف عليه وأرشده إليه وأزاح أعذاره وعلله عنه ؛ لأن كل ذلك حاصل في حق الكفار فلما خص الله تعالى بعض المكلفين بهذا الإنعام مع أن هذا الأقدار وإزاحة العلل عام في حق الكل علمنا أن المراد من الإنعام ليس هو الأقدار عليه وإزاحة الموانع عنه . < > الفصل التاسع < > < > في قوله تعالى غير المغضوب عليهم ولا الضالين وفيه فوائد الفائدة الأولى : <
> المشهور أن المغضوب عليهم هم اليهود لقوله تعالى : من لعنه الله وغضب عليه [ المائدة : 60 ] والضالين : هم النصارى لقوله تعالى : قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل [ المائدة : 77 ] وقيل : هذا ضعيف ؛ لأن منكري الصانع والمشركين أخبث دينا من اليهود والنصارى فكان الاحتراز عن دينهم أولى بل الأولى أن يحمل المغضوب عليهم على كل من أخطأ في الأعمال الظاهرة وهم الفساق ويحمل الضالون على كل من أخطأ في الإعتقاد لأن اللفظ عام والتقييد خلاف الأصل ويحتمل أن يقال : المغضوب عليهم هم الكفار والضالون هم المنافقون وذلك لأنه تعالى بدأ بذكر المؤمنين والثناء عليهم في خمس آيات من أول البقرة ثم أتبعه بذكر الكفار وهو قوله : إن الذين كفروا [ البقرة : 6 ] ثم أتبعه بذكر المنافقين وهوقوله : ومن الناس من يقول آمنا [ البقرة : 8 ] فكذا ههنا بدأ بذكر المؤمنين وهو قوله : أنعمت عليهم ثم أتبعه بذكر الكفار وهو قوله : غير المغضوب عليهم ثم أتبعه بذكر المنافقين وهو قوله : ولا الضالين . < > الفائدة الثانية : < > لما حكم الله عليهم بكونهم ضالين امتنع كونهم مؤمنين وإلا لزم انقلاب خبر الله الصدق كذبا وذلك محال والمفضي إلى المحال محال . < > الفائدة الثالثة : < > قوله { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } يدل على أن أحدا من الملائكة والأنبياء عليهم السلام ما أقدم على عمل يخالف قول الذين أنعم الله عليهم ولا على اعتقاد الذين أنعم الله عليهم لأنه لو صدر عنه ذلك لكان قد ضل عن الحق لقوله تعالى : فماذا بعد الحق إلا الضلال [ يونس : 32 ] ولو كانوا ضالين لماجاز الاقتداء بهم ولا الاقتداء بطريقهم ولكانوا خارجين عن قوله : { أنعمت عليهم } ولما كان ذلك باطلا علمنا بهذه الآية عصمة الأنبياء والملائكة عليهم السلام . < > الفائدة الرابعة : < > الغضب تغير يحصل عند غليان دم القلب لشهوة الانتقام واعلم أن هذا على الله تعالى محال لكن ههنا قاعدة كلية وهي أن جميع الأعراض النفسانية - أعني الرحمة والفرح والسرور والغضب والحياء والغيرة والمكر والخداع والتكبر والاستهزاء - لها أوائل ولها غايات ومثاله الغضب فإن أوله غليان دم القلب وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه فلفظ الغضب في حق الله تعالى لا يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب بل على غايته الذي هو إرادة الإضرار وأيضا الحياء له أول وهو انكسار يحصل في النفس وله غرض وهو ترك الفعل فلفظ الحياء في حق الله يحمل على ترك الفعل لا على انكسار النفس وهذه قاعدة شريفة في هذا الباب . < > الفائدة الخامسة : < > قالت المعتزلة : غضب الله عليهم يدل على كونهم فاعلين للقبائح باختيارهم وإلا لكان الغضب عليهم ظلما من الله تعالى وقال أصحابنا : لما ذكر غضب الله عليهم وأتبعه بذكر كونهم ضالين دل ذلك على أن غضب الله عليهم علة لكونهم ضالين وحينئذ تكون صفة الله مؤثرة في صفة العبد أما لو قلنا إن كونهم ضالين يوجب غضب الله عليهم لزم أن تكون صفة العبد مؤثرة في صفة الله تعالى وذلك محال . < > الفائدة السادسة : < > أول السورة مشتمل على الحمد لله والثناء عليه والمدح له وآخرها مشتمل على الذم للمعرضين عن الإيمان به والإقرار بطاعته وذلك يدل على أن مطلع الخيرات وعنوان السعادات هو الإقبال على الله تعالى ومطلع الآفات ورأس المخافات هو الإعراض عن الله تعالى والبعد عن طاعته والاجتناب عن خدمته . < > الفائدة السابعة : <
> دلت هذه الآية على أن المكلفين ثلاث فرق : أهل الطاعة وإليهم الإشارة بقوله : أنعمت عليهم وأهل المعصية وإليهم الإشارة بقوله غير المغضوب عليهم وأهل الجهل في دين الله والكفر وإليهم الإشارة بقوله ولا الضالين . فإن قيل : لم قدم ذكر العصاة على ذكر الكفرة ؟ قلنا : لأن كل واحد يحترز عن الكفر أما قد لا يحترز عن الفسق فكان أهم فلهذا السبب قدم . < > الفائدة الثامنة : < > في الآية سؤال وهو أن غضب الله إنما تولد عن علمه بصدور القبيح والجناية عنه فهذا العلم إما أن يقال إنه قديم أو محدث فإن كان هذا العلم قديما فلم خلقه ولم أخرجه من العدم إلى الوجود مع علمه بأنه لا يستفيد من دخوله في الوجود إلا العذاب الدائم ولأن من كان غضبان على الشيء كيف يعقل إقدامه على إيجاده وعلى تكوينه ؟ وأما إن كان ذلك العلم حادثا كان الباري تعالى محلا للحوادث ولأنه يلزم أن يفتقر إحداث ذلك العلم إلى سبق علم آخر ويتسلسل وهو محال وجوابه يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد . < > الفائدة التاسعة : < > في الآية سؤال آخر وهو أن من أنعم الله عليه امتنع أن يكون مغضوبا عليه وأن يكون من الضالين فلما ذكر قوله أنعمت عليهم فما الفائدة في أن ذكر عقيبه غير المغضوب عليهم ولا الضالين ؟ والجواب : الإيمان إنما يكمل بالرجاء والخوف كما قال عليه السلام : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا فقوله صراط الذين أنعمت عليهم يوجب الرجاء الكامل وقوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين يوجب الخوف الكامل وحينئذ يقوى الإيمان بركنيه وطرفيه وينتهي إلى حد الكمال . < > الفائدة العاشرة : < > في الآية سؤال آخر ما الحكمة في أنه تعالى جعل المقبولين طائفة واحدة وهم الذين أنعم الله عليهم والمردودين فريقين : المغضوب عليهم والضالين ؟ والجواب أن أن الذين كملت نعم الله عليهم هم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به فهؤلاء هم المرادون بقوله أنعمت عليهم فإن اختل قيد العمل فهم الفسقة وهم المغضوب عليهم كما قال تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه [ النساء : 93 ] وإن اختل قيد العلم فهم الضالون لقوله تعالى فماذا بعد الحق إلا الضلال [ يونس : 32 ] وهذا آخر كلامنا في تفسير كل واحدة من آيات هذه السورة على التفصيل والله أعلم . < > القسم الثاني < > < > الكلام في تفسير مجموع هذه السورة وفيه فصول < > < > الفصل الأول < > < > في الأسرار العقلية المستنبطة من هذه السورة <
> اعلم أن عالم الدنيا عالم الكدورة وعالم الآخرة عالم الصفا فالآخرة بالنسبة إلى الدنيا كالأصل بالنسبة إلى الفرع وكالجسم بالنسبة إلى الظل فكل ما في الدنيا فلا بد له في الآخرة من أصل وإلا كان كالسراب الباطل والخيال العاطل وكل ما في الآخرة فلا بد له في الدنيا من مثال وإلا لكان كالشجرة بلا ثمرة ومدلول بلا دليل فعالم الروحانيات عالم الأضواء والأنوار والبهجة والسرور واللذة والحبور ولا شك أن الروحانيات مختلفة بالكمال والنقصان ولا بد وأن يكون منها واحد هو أشرفها وأعلاها وأكملها وأبهاها ويكون ما سواه في طاعته وتحت أمره ونهيه كما قال : ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين [ التكوير : 21 ] وأيضا فلا بد في الدنيا من شخص واحد هو أشرف أشخاص هذا العالم وأكملها وأعلاها وأبهاها ويكون كل ما سواه في هذا العالم تحت طاعته وأمره فالمطاع الأول هو المطاع في عالم الروحانيات والمطاع الثاني هو المطاع في عالم الجسمانيات فذاك مطاع العالم الأعلى وهذا مطاع العالم الأسفل . ولما ذكرنا أن عالم الجسمانيات كالظل لعالم الروحانيات وكالأثر وجب أن يكون بين هذين المطاعين ملاقاة ومقارنة ومجانسة فالمطاع في عالم الأرواح هو المصدر والمطاع في عالم الأجسام هو المظهر والمصدر هو الرسول الملكي والمظهر هو الرسول البشري وبهما يتم أمر السعادات في الآخرة وفي الدنيا . وإذا عرفت هذا فنقول : كمال حال الرسول البشري إنما يظهر في الدعوة إلى الله وهذه الدعوة إنما تتم بأمور سبعة ذكرها الله تعالى في خاتمة سورة البقرة وهي قوله : ^ { والمؤمنون كل آمن بالله - الآية } ^ [ البقرة : 285 ] ويندرج في أحكام الرسل قوله : لا نفرق بين أحد من رسله [ البقرة : 285 ] فهذه الأربعة متعلقة بمعرفة المبدأ وهي معرفة الربوبية ثم ذكر بعدها ما يتعلق بمعرفة العبودية وهو مبني على أمرين : أحدهما المبدأ والثاني : الكمال . فالمبدأ هو قوله تعالى : وقالوا سمعنا وأطعنا [ البقرة : 285 ] لأن هذا المعنى لا بد منه لمن يريد الذهاب إلى الله وأما الكمال فهو التوكل على الله والالتجاء بالكلية إليه وهو قوله : غفرانك ربنا [ البقرة : 285 ] وهو قطع النظر عن الأعمال البشرية والطاعات الإنسانية والالتجاء بالكلية إلى الله تعالى وطلب الرحمة منه وطلب المغفرة ثم إذا تمت معرفة الربوبية بسبب معرفة الأصول الأربعة المذكورة وتمت معرفة العبودية بسبب معرفة هذين الأصلين المذكورين لم يبق بعد ذلك إلا الذهاب إلى حضرة الملك الوهاب والاستعداد للذهاب إلى المعاد وهو المراد من قوله : وإليك المصير [ البقرة : 285 ] ويظهر من هذا أن المراتب ثلاثة : المبدأ والوسط والمعاد . أما المبدأ فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمور أربعة : وهي معرفة الله والملائكة والكتب والرسل وأما الوسط فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمرين سمعنا وأطعنا نصيب عالم الأجساد وغفرانك ربنا نصيب عالم الأرواح وأما النهاية فهي إنما تتم بأمر واحد وهو قوله : وإليك المصير فابتداء الأمر أربعة وفي الوسط صار اثنين وفي النهاية صار واحدا . ولما ثبتت هذه المراتب السبع في المعرفة تفرع عنها سبع مراتب في الدعاء والتضرع : فأولها : قوله : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [ البقرة : 286 ] وضد النسيان هو الذكر كما قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا [ الأحزاب : 41 ] وقوله : واذكر ربك إذا نسيت [ الكهف : 24 ] وقوله تذكروا فإذا هم مبصرون [ الأعراف : 201 ] وقوله : واذكر اسم ربك [ المزمل : 8 ] وهذا الذكر إنما يحصل بقوله بسم الله الله الرحمن الرحيم . وثانيها : قوله : ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا [ البقرة : 286 ] ودفع الإصر - والإصر هو الثقل - يوجب الحمد وذلك إنما يحصل بقوله الحمد لله رب العالمين .
وثالثها : قوله : ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به [ البقرة : 286 ] وذلك إشارة إلى كمال رحمته وذلك هو قوله الرحمن الرحيم . ورابعها : قوله : واعف عنا [ البقرة : 286 ] لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة في يوم الدين وهو قوله مالك يوم الدين . وخامسها : قوله تعالى واغفر لنا [ البقرة : 286 ] لأنا في الدنيا عبدناك واستعنا بك في كل المهمات وهو قوله إياك نعبد وإياك نستعين . وسادسها : قوله : وارحمنا [ البقرة : 286 ] لأنا طلبنا الهداية منك في قولنا اهدنا الصراط المستقيم . وسابعها : قوله : أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين [ البقرة : 286 ] وهو المراد من قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين . فهذه المراتب السبع المذكورة في آخر سورة البقرة ذكرها محمد عليه الصلاة والسلام في عالم الروحانيات عند صعوده إلى المعراج فلما نزل من المعراج فاض أثر المصدر على المظهر فوقع التعبير عنها بسورة الفاتحة فمن قرأها في صلاته صعدت هذه الأنوار من المظهر إلى المصدر كما نزلت هذه الأنوار في عهد محمد عليه الصلاة والسلام من المصدر إلى المظهر فلهذا السبب قال عليه السلام