أي لا ننتسب إليه / ثم قال تعالى : { وما ينبغى للرحمان أن يتخذ ولدا } أي هو محال ، أما الولادة المعروفة فلا مقال في امتناعها ، وأما التبني فلأن الولد لا بد وأن يكون شبيها بالوالد ولا مشبه لله تعالى ولأن اتخاذ الولد إنما يكون لأغراض لا تصح في الله من سروره به واستعانته به وذكر جميل ، وكل ذلك لا يليق به ، ثم قال : { إن كل من فى السماوات والارض إلا اتى الرحمان عبدا } والمراد أنه ما من معبود لهم في السموات والأرض من الملائكة والناس إلا وهو يأتي / الرحمن أي يأوي إليه ويلتجىء إلى ربوبيته عبدا منقادا مطيعا خاشعا راجيا كما يفعل العبيد ، ومنهم من حمله على يوم القيامة خاصة والأول أولى لأنه لا تخصيص فيه وقوله : { لقد أحصاهم وعدهم عدا } أي كلهم تحت أمره وتدبيره وقهره وقدرته فهو سبحانه ميحط بهم ، ويعلم مجمل أمورهم وتفاصيلها لا يفوته شيء من أحوالهم وكل واحد منهم يأتيه يوم القيامة منفردا ليس معه من هؤلاء المشركين أحد وهم براء منهم . ! 7 < { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودا فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا } > 7 ! < < مريم : ( 96 - 98 ) إن الذين آمنوا . . . . .
فخر الدين الرازي - مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)
فخر الدين محمد بن عمر الرازي · AR
> > اعلم أنه تعالى لما رد على أصناف الكفرة وبالغ في شرح أحوالهم في الدنيا والآخرة ختم السورة بذكر أحوال المؤمنين فقال : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودا } وللمفسرين في قوله : { ودا } قولان : الأول : وهو قول الجمهور أنه تعالى سيحدث لهم في القلوب مودة ويزرعها لهم فيها من غير تودد منهم ولا تعرض للأسباب التي يكتسب الناس بها مودات القلوب من قرابة أو صداقة أو اصطناع معروف أو غير ذلك ، وإنما هو اختراع منه تعالى وابتداء تخصيصا لأوليائه بهذه الكرامة كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة إعظاما لهم وإجلالا لمكانهم ، والسين في سيجعل إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله تعالى ذلك إذا جاء الإسلام ، وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم وينشر من ديوان أعمالهم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية : ( إذا أحب الله عبدا نادى جبريل قد أحببت فلانا فأحبوه فينادي جبريل عليه السلام بذلك في السماء والأرض وإذا أبغض عبدا فمثل ذلك ) . وعن كعب قال : مكتوب في التوراة والإنجيل لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله تعالى ينزلها على أهل السماء ، ثم على أهل الأرض وتصديق ذلك في القرآن قوله : { سيجعل لهم الرحمان ودا } . القول الثاني : وهو اختيار أبي مسلم معنى : { سيجعل لهم الرحمان ودا } أي يهب لهم ما يحبون والود والمحبة سواء ، يقال : آتيت فلانا محبته ، وجعل لهم ما يحبون ، وجعلت له وده ، ومن كلامهم : يود لو كان كذا ، ووددت أن / لو كان كذا أي أحببت ، ومعناه سيعطيهم الرحمن ودهم أي محبوبهم في الجنة . والقول الأول : أولى لأن حمل المحبة على المحبوب مجاز ، ولأنا ذكرنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وفسرها بذلك فكان ذلك أولى ، وقال أبو مسلم : بل القول الثاني أولى لوجوه : أحدها : كيف يصح القول الأول مع علمنا بأن المسلم المتقي يبغضه الكفار وقد يبغضه كثير من المسلمين . وثانيها : أن مثل هذه المحبة قد تحصل للكفار والفساق أكثر فكيف يمكن جعله إنعاما في حق المؤمنين . وثالثها : أن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا أن الله تعالى فعله فكان حمل الآية على إعطاء المنافع الأخروية أولى . ( والجواب ) عن الأول : أن المراد يجعل لهم الرحمن محبة عند الملائكة والأنبياء ، وروى عنه عليه السلام : أنه حكى عن ربه عز وجل أنه قال : ( إذا ذكرني عبدي المؤمن في نفسه ذكرته في نفسي . وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ أطيب منهم وأفضل ) وهذا هو ( الجواب ) عن الكلام الثاني لأن الكافر والفاسق ليس كذلك .
( والجواب ) عن الثالث : أنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية إكرامه في قلوبهم ، أما قوله تعالى : { فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين } فهو كلام مستأنف بين به عظيم موقع هذه السورة لما فيها من التوحيد والنبوة والحشر والنشر والرد على فرق المضلين المبطلين فبين تعالى أنه يسر ذلك بلسانه ليبشر به وينذر ، ولولا أنه تعالى نقل قصصهم إلى اللغة العربية لما تيسر ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم فأما أن القرآن يتضمن تبشير المتقين وإنذار من خرج منهم فبين / لكنه تعالى لما ذكر أنه يبشر به المتقين ذكر في مقابلته من هو في مخالفة التقوى أبلغ وأبلغهم الألد الذي يتمسك بالباطل ويجادل فيه ويتشدد وهو معنى لدا ، ثم إنه تعالى ختم السورة بموعظة بليغة فقال : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } لأنهم إذا تأملوا وعلموا أنه لا بد من زوال الدنيا والانتهاء إلى الموت خافوا ذلك وخافوا أيضا سوء العاقبة في الآخرة فكانوا فيها إلى الحذر من المعاصي أقرب ، ثم أكد تعالى في ذلك فقال : { هل تحس منهم من أحد } لأن الرسول عليه السلام إذا لم يحس منهم برؤية أو إدراك أو وجدان : { ولا يسمع لهم ركزا } وهو الصوت الخفي ، ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون دل ذلك على انقراضهم وفنائهم بالكلية ، والأقرب في قوله : { أهلكنا } أن المراد به الانقراض بالموت وإن كان من المفسرين من حمله على العذاب المعجل في الدنيا ، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي ، وعلى آله وصحبه وسلم .
< > 1 ( سورة طه ) 1 < > وهي مائة وثلاثون وخمس آيات ! 7 < { طه مآ أنزلنا عليك القرءان لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الا رض والسماوات العلى الرحمان على العرش استوى له ما في السماوات وما في الا رض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى الله لاإلاه إلا هو له الا سمآء الحسنى } > 7 < طه : ( 1 - 8 ) طه > > سورة طه اعلم أن قوله { طه } فيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر وقرأ ابن كثير وابن عامر بفتح الطاء وقرأ حمزة والكسائي بكسر الطاء والهاء ، قال الزجاج وقرىء طه بفتح الطاء وسكون الهاء وكلها لغات . قال الزجاج من فتح الطاء والهاء فلأن ما قبل الألف مفتوح ومن كسر الطاء والهاء فأمال الكسرة لأن الحرف مقصور والمقصور يغلب عليه الإمالة إلى الكسرة . المسألة الثانية : للمفسرين فيه قولان : أحدهما : أنه من حروف التهجي والآخر أنه كلمة مفيدة ، أما على القول الأول فقد تقدم الكلام فيه في أول سورة البقرة والذي زادوه ههنا أمور : / أحدها : قال الثعلبي : طا شجرة طوبى والهاء الهاوية فكأنه أقسم بالجنة والنار . وثانيها : يحكى عن جعفر الصادق عليه السلام الطاء طهارة أهل البيت والهاء هدايتهم . وثالثها : يا مطمع الشفاعة للأمة ويا هادي الخلق إلى الملة . ورابعها : قال سعيد بن جبير هو افتتاح اسمه الطيب الطاهر الهادي . وخامسها : الطاء من الطهارة والهاء من الهداية كأنه قيل يا طاهرا من الذنوب ويا هاديا إلى علام الغيوب . وسادسها : الطاء طول القراء والهاء هيبتهم في قلوب الكفار . قال الله تعالى : { سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب } ( آل عمران : 151 ) . وسابعها : الطاء تسعة في الحساب والهاء خمسة تكون أربعة عشر ومعناه يا أيها البدر وقد عرفت فيما تقدم أن أمثال هذه الأقوال لا يجب أن يعتمد عليها . القول الثاني : قول من قال : إنها كلمة مفيدة وعلى هذا القول ذكروا وجهين : أحدهما : معناه يا رجل وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعكرمة والكلبي رضي الله عنهم ثم قال سعيد بن جبير بلسان النبطية وقال قتادة بلسان السريانية وقال عكرمة بلسان الحبشة وقال الكلبي بلغة عك وأنشد الكلبي لشاعرهم : إن السفاهة طه في خلائقكم لا قدس الله أرواح الملاعين وقد تكلم الناس على هذا القول من وجهين : الأول : أنه بمعنى يا رجل في اللغة حمل عليه لكنه لا يجوز إن ثبت على هذا المعنى إلا في لغة العرب إذ القرآن بهذه اللغة نزل فيحتمل أن تكون لغة العرب في هذه اللفظة موافقة لسائر اللغات التي حكيناها ، فأما على غير هذا الوجه فلا يحتمل ولا يصح . الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : إن كان طه في لغة عك بمعنى يا رجل فلعلهم تصرفوا في يا هذا فقلبوا الياء طاء فقالوا : طا واختصروا في هذا واقتصروا على ها فقوله طه بمعنى يا هذا واعترض بعضهم عليه وقالوا : لو كان كذلك لوجب أن يكتب أربعة أحرف طا ها . وثانيهما : أنه عليه السلام كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر أن يطأ الأرض بقدميه معا وكان الأصل طأ فقلبت همزته هاء كما قالوا هياك في إياك وهرقت في أرقت ويجوز أن يكون الأصل من وطىء على ترك الهمزة فيكون أصله طأ يا رجل ثم أثبت الهاء فيها للوقف والوجهان ذكرهما الزجاج ، أما قوله تعالى : { ما أنزلنا عليك الكتاب لتشقى } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : إن جعلت طه تعديدا لأسماء الحروف فهذا ابتداء كلام وإن جعلتها اسما للسورة احتمل أن يكون قوله : { ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى } خبرا عنها وهي في موضع المبتدأ والقرآن ظاهر أوقع موقع المضمر لأنها قرآن وأن يكون جوابا لها وهي قسم . المسألة الثانية : قرىء { ما نزل عليك القرءان لتشقى } . المسألة الثالثة : ذكروا في سبب نزول الآية وجوها : أحدها : قال مقاتل إن أبا جهل والوليد بن المغيرة ومطعم بن عدي والنضر بن الحارث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك فقال عليه السلام : ( بل بعثت رحمة للعالمين ) قالوا : بل أنت تشقى فأنزل الله تعالى / هذه الآية ردا عليهم وتعريفا لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن دين الإسلام هو السلام وهذا القرآن هو السلام إلى نيل كل فوز والسبب في إدراك كل سعادة وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها . وثانيها : أنه عليه السلام صلى بالليل حتى تورمت قدماه فقال له جبريل عليه السلام : ( أبق على نفسك فإن لها عليك حقا ) أي ما أنزلناه لتهلك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة العظيمة وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة ، وروى أيضا أنه عليه السلام : ( كان إذا قام من الليل ربط صدره بحبل حتى لا ينام ) وقال بعضهم كان يقوم على رجل واحدة ، وقال بعضهم كان يسهر طول الليل فأراد بقوله : { لتشقى } ذلك ، قال القاضي هذا بعيد لأنه عليه السلام إن فعل شيئا من ذلك فلا بد وأن يكون قد فعله بأمر الله تعالى ، وإذا فعله بأمره فهو من باب السعادة فلا يجوز أن يقال له : ما أمرناك بذلك . وثالثها : قال بعضهم يحتمل أن يكون المراد لا تشق على نفسك ولا تعذبها بالأسف على كفر هؤلاء فإنا إنما أنزلنا عليك القرآن لتذكر به ، فمن آمن وأصلح فلنفسه ومن كفر فلا يحزنك كفره فما عليك إلا البلاغ وهو كقوله تعالى : { لعلك باخع نفسك } ( الكهف : 6 ) الآية ، { ولا يحزنك قولهم } ( يونس ) 65 ) . ورابعها : أنك لا تلام على كفر قومك كقوله تعالى : { لست عليهم } ( الغاشية : 22 ) ، { حفيظا وما أنت عليهم بوكيل } ( الأنعام : 107 ) أي ليس عليك كفرهم إذا بلغت ولا تؤاخذ بذنبهم . وخامسها : أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة وفي ذلك الوقت كان عليه السلام مقهورا تحت ذل أعدائه فكأنه سبحانه قال له لا تظن أنك تبقى على هذه الحالة أبدا بل يعلو أمرك ويظهر قدرك فإنا ما أنزلنا عليك مثل هذا القرآن لتبقى شقيا فيما بينهم بل تصير معظما مكرما . وأما قوله تعالى : { إلا تذكرة لمن يخشى } ففيه مسائل : المسألة الأولى : في كلمة إلا ههنا قولان ، أحدهما : أنه استثناء منقطع بمعنى لكن . والثاني : التقدير ما أنزلنا عليك القرآن لتحمل متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة كما يقال ما شافهناك بهذا الكلام لتتأذى إلا ليعتبر بك غيرك . المسألة الثانية : إنما خص من يخشى بالتذكرة لأنهم المنتفعون بها وإن كان ذلك عاما في الجميع وهو كقوله : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) وقال سبحانه وتعالى : { تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } ( الفرقان : 1 ) وقال : { لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم فهم غافلون } ( يس : 6 ) وقال : { وتنذر به قوما لدا } ( مريم : 97 ) وقال : { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } .
المسألة الثالثة : وجه كون القرآن تذكرة أنه عليه السلام كان يعظمهم به وببيانه فيدخل تحت قوله لمن يخشى الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه في الخشية والتذكرة بالقرآن كان فوق الكل . وأما قوله تعالى : { تنزيلا ممن خلق الارض والسماوات العلى } ففيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في نصب تنزيلا وجوها . أحدها : تقديره نزل تنزيلا ممن خلق الأرض فنصب تنزيلا بمضمر . وثانيها : أن ينصب بأنزلنا لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة أنزلناه / تذكرة . وثالثها : أن ينصب على المدح والاختصاص . ورابعها : أن ينصب بيخشى مفعولا به أي أنزله الله تعالى : { تذكرة لمن يخشى } تنزيل الله وهو معنى حسن وإعراب بين وقرىء تنزيل بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف . المسألة الثانية : فائدة الانتقال من لفظ التكلم إلى لفظ الغيبة أمور ، أحدها : أن هذه الصفات لا يمكن ذكرها إلا مع الغيبة . وثانيها : أنه قال أولا أنزلنا ففخم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع ثم ثنى بالنسبة إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد فتضاعفت الفخامة من طريقين . وثالثها : يجوز أن يكون أنزلنا حكاية لكلام جبريل عليه السلام والملائكة النازلين معه . المسألة الثالثة : أنه تعالى عظم حال القرآن بأن نسبه إلى أنه تنزيل ممن خلق الأرض وخلق السموات على علوها وإنما قال ذلك لأن تعظيم الله تعالى يظهر بتعظيم خلقه ونعمه وإنما عظم القرآن ترغيبا في تدبره والتأمل في معانيه وحقائقه وذلك معتاد في الشاهد فإنه تعظم الرسالة بتعظيم حال المرسل ليكون المرسل إليه أقرب إلى الامتثال . المسألة الرابعة : يقال سماء عليا وسموات علا وفائدة وصف السموات بالعلا الدلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها أما قوله تعالى : { الرحمان على العرش استوى } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء الرحمن مجرورا صفة لمن خلق والرفع أحسن لأنه إما أن يكون رفعا على المدح والتقدير هو الرحمن وإما أن يكون مبتدأ مشارا بلامه إلى من خلق فإن قيل الجملة التي هي على العرش استوى ما محلها إذا جررت الرحمن أو رفعته على المدح ؟ قلنا : إذا جررت فهو خبر مبتدأ محذوف لا غير وإن رفعت جاز أن يكون كذلك وأن يكون مع الرحمن خبرين للمبتدأ .
المسألة الثانية : المشبهة تعلقت بهذه الآية في أن معبودهم جالس على العرش وهذا باطل بالعقل والنقل من وجوه . أحدها : أنه سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولا مكان ، ولما خلق الخلق لم يحتج إلى مكان بل كان غنيا عنه فهو بالصفة التي لم يزل عليها إلا أن يزعم زاعم أنه لم يزل مع الله عرش . وثانيها : أن الجالس على العرش لا بد وأن يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الحاصل في يسار العرش فيكون في نفسه مؤلفا مركبا وكل ما كان كذلك احتاج إلى المؤلف والمركب وذلك محال . وثالثها : أن الجالس على العرش إما أن يكون متمكنا من الإنتقال والحركة أو لا يمكنه ذلك فإن كان الأول فقد صار محل الحركة والسكون فيكون محدثا لا محالة وإن كان الثاني كان كالمربوط بل كان كالزمن بل أسوأ منه فإن الزمن إذا شاء الحركة في رأسه وحدقته أمكنه ذلك وهو غير ممكن على معبودهم . ورابعها : هو أن معبودهم إما أن يحصل في كل مكان أو في مكان دون مكان فإن حصل في كل مكان لزمهم أن يحصل في مكان النجاسات والقاذورات وذلك لا يقوله عاقل ، وإن حصل في مكان دون مكان افتقر إلى مخصص يخصصه / بذلك المكان فيكون محتاجا وهو على الله محال . وخامسها : أن قوله : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) يتناول نفي المساواة من جميع الوجوه بدليل صحة الاستثناء فإنه يحسن أن يقال ليس كمثله شيء إلا في الجلوس وإلا في المقدار وإلا في اللون وصحة الاستثناء تقتضي دخول جميع هذه الأمور تحته ، فلو كان جالسا لحصل من يماثله في الجلوس فحينئذ يبطل معنى الآية . وسادسها : قوله تعالى : { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } ( الحاقة : 17 ) فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان معبودهم فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخلق هو الذي يحفظ المخلوق أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله . وسابعها : أنه لو جاز أن يكون المستقر في المكان إلها فكيف يعلم أن الشمس والقمر ليس بإله لأن طريقنا إلى نفس إلهية الشمس والقمر أنهما موصوفان بالحركة والسكون وما كان كذلك كان محدثا ولم يكن إلها فإذا أبطلتم هذا الطريق انسد عليكم باب القدح في إلهية الشمس والقمر . وثامنها : أن العالم كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلينا هي تحت بالنسبة إلى ساكني ذلك الجانب الآخر من الأرض وبالعكس ، فلو كان المعبود مختصا بجهة فتلك الجهة وإن كانت فوقا لبعض الناس لكنها تحت لبعض آخرين ، وباتفاق العقلاء لا يجوز أن يقال المبعود تحت جميع الأشياء . وتاسعها : أجمعت الأمة على أن قوله : { قل هو الله أحد } ( الإخلاص : 1 ) من المحكمات لا من المتشابهات فلو كان مختصا بالمكان لكان الجانب الذي منه يلي ما على يمينه غير الجانب الذي منه يلي ما على يساره فيكون مركبا منقسما فلا يكون أحدا في الحقيقة فيبطل قوله : { قل هو الله أحد } .
وعاشرها : أن الخليل عليه السلام قال : { لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) ولو كان المعبود جسما لكان آفلا أبدا غائبا أبدا فكان يندرج تحت قوله : { لا أحب الافلين } فثبت بهذه الدلائل أن الإستقرار على الله تعالى محال وعند هذا للناس فيه قولان ، الأول : أنا لا نشتغل بالتأويل بل نقطع بأن الله تعالى منزه عن المكان والجهة ونترك تأويل الآية وروي الشيخ الغزالي عن بعض أصحاب الإمام أحمد بن حنبل أنه أول ثلاثة من الأخبار : قوله عليه السلام ( الحجر الأسود يمين الله في الأرض ) ، وقوله عليه السلام : ( قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ) وقوله عليه السلام : ( إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن ) واعلم أن هذا القول ضعيف لوجهين : الأول : أنه إن قطع بأن الله تعالى منزه عن المكان والجهة فقد قطع بأن ليس مراد الله تعالى من الإستواء الجلوس وهذا هو التأويل . وإن لم يقطع بتنزيه الله تعالى عن المكان والجهة بل بقي شاكا فيه فهو جاهل بالله تعالى ، اللهم إلا أن يقول أنا قاطع بأنه ليس مراد الله تعالى ما يشعر به ظاهره بل مراده به شيء آخر ولكني لا أعين ذلك المراد خوفا من الخطأ فهذا يكون قريبا ، وهو أيضا ضعيف لأنه تعالى لما خاطبنا بلسان العرب وجب أن لا يريد باللفظ إلا موضوعه في لسان العرب وإذا كان لا معنى للاستواء في اللغة إلا الاستقرار والإستيلاء وقد تعذر حمله على الإستقرار فوجب حمله على الإستيلاء وإلا لزم تعطيل اللفظ وإنه غير جائز . والثاني : وهو دلالة قاطعة على أنه لا بد من المصير إلى التأويل وهو أن / الدلالة العقلية لما قامت على امتناع الاستقرار ودل ظاهر لفظ الاستواء على معنى الاستقرار ، فإما أن نعمل بكل واحد من الدليلين ، وإما أن نتركهما معا ، وإما أن نرجح النقل على العقل ، وإما أن نرجح العقل ونؤول النقل . والأول باطل وإلا لزم أن يكون الشيء الواحد منزها عن المكان وحاصلا في المكان وهو محال . والثاني : أيضا محال لأنه يلزم رفع النقيضين معا وهو باطل . والثالث : باطل لأن العقل أصل النقل فإنه ما لم يثبت بالدلائل العقلية وجود الصانع وعلمه وقدرته وبعثته للرسل لم يثبت النقل فالقدح في العقل يقتضي القدح في العقل والنقل معا ، فلم يبق إلا أن نقطع بصحة العقل ونشتغل بتأويل النقل وهذا برهان قاطع في المقصود إذا ثبت هذا فنقول قال بعض العلماء المراد من الإستواء الإستيلاء قال الشاعر :
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
فإن قيل هذا التأويل غير جائز لوجوه . أحدها : أن الإستيلاء معناه حصول الغلبة بعد العجز وذلك في حق الله تعالى محال . وثانيها : أنه إنما يقال فلان استولى على كذا إذا كان له منازع ينازعه ، وكان المستولى عليه موجودا قبل ذلك ، وهذا في حق الله تعالى محال ، لأن العرش إنما حدث بتخليقه وتكوينه . وثالثها : الاستيلاء حاصل بالنسبة إلى كل المخلوقات فلا يبقى لتخصيص العرش بالذكر فائدة . والجواب : أنا إذا فسرنا الاستيلاء بالاقتدار زالت هذه المطاعن بالكلية ، قال صاحب الكشاف لما كان الاستواء على العرش ، وهو سرير الملك لا يحصل إلامع الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوا : استوى فلان على البلد يريدون ملك ، وإن لم يقعد على السرير البتة ، وإنما عبروا عن حصول الملك بذلك لأنه أصرح وأقوى في الدلالة من أن يقال فلان ملك ونحوه قولك : يد فلان مبسوطة ، ويد فلان مغلولة ، بمعنى أنه جواد وبخيل لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت حتى أن من لم تبسط يده قط بالنوال أو لم يكن له يد رأسا قيل فيه يده مبسوطة لأنه لا فرق عندهم بينه وبين قوله جواد ، ومنه قوله تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم } ( المائدة : 64 ) أي هو بخيل { بل يداه مبسوطتان } ( المائدة : 64 ) أي هو جواد من غير تصور يد ولا غل ولا بسط ، والتفسير بالنعمة والتمحل بالتسمية من ضيق العطن . وأقول : إنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية فإنهم أيضا يقولون المراد من قوله : { فاخلع نعليك } ( طه : 12 ) الاستغراق في خدمة الله تعالى من غير تصور فعل ، وقوله : { قلنا يانار كونى بردا وسلاما على إبراهيم } ( إبراهيم : 69 ) المراد منه تخليص إبراهيم عليه السلام من يد ذلك الظالم من غير أن يكون هناك نار وخطاب البتة ، وكذا القول في كل ما ورد في كتاب الله تعالى ، بل القانون أنه يجب حمل كل لفظ ورد في القرآن على حقيقته إلا إذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه ، وليت من لم يعرف شيئا لم يخض فيه ، فهذا تمام الكلام في هذه الآية ، ومن أراد الاستقصاء في الآيات والأخبار المتشابهات فعليه بكتاب تأسيس التقديس وبالله التوفيق . أما قوله تعالى : { له ما في السماوات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى } فاعلم أنه سبحانه لم شرح ملكه بقوله : { الرحمان على العرش استوى } والملك لا ينتظم إلا بالقدرة والعلم ، لا جرم عقبه بالقدرة ثم بالعلم . أما القدرة فهي هذه الآية والمراد أنه سبحانه مالك لهذه الأقسام الأربعة فهو مالك لما في السموات من ملك ونجم وغيرهما ، ومالك لما في الأرض من المعادن والفلزات ومالك لما بينهما من الهواء . ومالك لما تحت الثرى ، فإن قيل الثرى هو السطح الأخير من العالم فلا يكون تحته شيء فكيف يكون الله مالكا له قلنا : الثرى في اللغة التراب الندي فيحتمل أن يكون تحته شيء وهو إما الثور أو الحوت أو الصخرة أو البحر أو الهواء على اختلاف الروايات ، أما العلم فقوله تعالى : { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى } وفيه قولان ، أحدهما : أن قوله : { وأخفى } بناء المبالغة ، وعلى هذا القول نقول إنه تعالى قسم الأشياء إلى ثلاثة أقسام : الجهر ، والسر . والأخفى . فيحتمل أن يكون المراد من الجهر القول الذي يجهر به ، وقد يسر في النفس وإن ظهر البعض ، وقد يسر ولا يظهر على ما قال بعضهم .
الأسئلة
- ما هو التوحيد، إيمان المسلمين بوحدانية الله؟
- ما هي أركان الإيمان الستة في الإسلام؟
- بماذا يؤمن المسلمون بشأن الأنبياء؟
- ما هي الزكاة، ومن يجب عليه أداؤها؟
- ماذا يعلّم الإسلام عن الطعام الحلال والحرام؟
- ما هو الحديث، وكيف يُحكم على صحّته؟
- ماذا علّم النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق؟
- ما معنى سورة الفاتحة؟