يونس : ( 17 ) فمن أظلم ممن . . . . . > > < > ( يونس 17 ) < > هذا استفهام بمعنى الجحد أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب وبدل كلامه وأضاف شيئا إليه مما لم ينزله وكذلك لا أحد أظلم منكم إذا أنكرتم القرآن وافتريتم على الله الكذب وقلتم ليس هذا كلامه وهذا مما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم وقيل : هو من قول الله ابتداء وقيل : المفتري المشرك والمكذب بالآيات أهل الكتاب ( إنه لا يفلح المجرمون ) < < يونس : ( 18 ) ويعبدون من دون . . . . . > > < > ( يونس 18 ) < > قوله تعالى : ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ) يريد الأصنام ( ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) وهذه غاية الجهالة منهم حيث ينتظرون الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال وقيل : شفعاؤنا أي تشفع لنا عند الله في إصلاح معائشنا في الدنيا ( قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ) قراءة العامة تنبئون بالتشديد وقرأ أبو السمال العدوي أتنبئون الله مخففا من أنبأ ينبئ وقراءة العامة من نبأ ينبئ تنبئة وهما بمعنى واحد جمعهما قوله تعالى : من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير التحريم أي أتخبرون الله أن له شريكا في ملكه أو شفيعا بغير إذنه والله لا يعلم لنفسه شريكا في السماوات ولا في الأرض لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه نظيره قوله : أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض الرعد ثم نزه نفسه وقدسها عن الشرك فقال : ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) أي هو أعظم من أن يكون له شريك وقيل : المعنى أي يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يميز ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فيكذبون وهل يتهيأ لكم أن تنبؤه بما لا يعلم سبحانه وتعالى عما يشركون وقرأ حمزة والكسائي تشركون بالتاء وهو اختيار أبي عبيد الباقون بالياء < < يونس : ( 19 ) وما كان الناس . . . . . > > < > ( يونس 19 ) < > تقدم في البقرة معناه فلا معنى للأعادة وقال الزجاج : هم العرب كانوا على الشرك وقيل : كل مولود يولد على الفطرة فاختلفوا عند البلوغ ( ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ) إشارة إلى القضاء والقدر أي لولا ما سبق في حكمه أنه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة لقضي بينهم في الدنيا فأدخل المؤمنين الجنة بأعمالهم والكافرين النار بكفرهم ولكنه سبق من الله الأجل مع علمه بصنيعهم فجعل موعدهم القيامة قاله الحسن وقال أبو ورق : لقضي بينهم لأقام عليهم الساعة وقيل : لفرغ من هلاكهم وقال الكلبي : الكلمة أن الله أخر هذه الأمة فلا يهلكهم بالعذاب في الدنيا إلى يوم القيامة فلولا هذا التأخير لقضي بينهم بنزول العذاب أو بإقامة الساعة والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في تأخير العذاب عمن كفر به وقيل : الكلمة السابقة أنه لا يأخذ أحدا إلا بحجة وهو إرسال الرسل كما قال : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقيل : الكلمة قوله : ( سبقت رحمتي غضبي ( ولولا ذلك لما أخر العصاة إلى التوبة وقرأ عيسى لقضي بالفتح < < يونس : ( 20 ) ويقولون لولا أنزل . . . . . > > < > ( يونس 20 ) <
Kurtubî - el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
İmam Kurtubî · AR
> يريد أهل مكة أي هلا أنزل عليه آية أي معجزة غير هذه المعجزة فيجعل لنا الجبال ذهبا ويكون له بيت من زخرف ويحيي لنا من مات من آبائنا وقال الضحاك : عصا كعصا موسى ( فقل إنما الغيب لله ) أي قل يا محمد إن نزول الآية غيب ( فانتظروا ) أي تربصوا ( إني معكم من المنتظرين ) لنزولها وقيل : انتظروا قضاء الله بيننا بإظهار المحق على المبطل < < يونس : ( 21 ) وإذا أذقنا الناس . . . . . > > < > ( يونس 21 ) < > يريد كفار مكة ( رحمة من بعد ضراء مستهم ) قيل : رخاء بعد شدة وخصب بعد جدب ( إذا لهم مكر في آياتنا ) أي استهزاء وتكذيب وجواب قوله : وإذا أذقنا : إذا لهم على قول الخليل وسيبويه ( قل الله أسرع ) ابتداء وخبر ( مكرا ) على البيان أي أعجل عقوبة على جزاء مكرهم أي ان ما يأتيهم من العذاب أسرع في إهلاكهم مما أتوه من المكر ( إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ) يعني بالرسل الحفظة وقراءة العامة تمكرون بالتاء خطابا وقرأ يعقوب في رواية رويس وأبو عمرو في رواية هارون العتكي يمكرون بالياء لقوله : إذا لهم مكر في آياتنا قيل : قال أبو سفيان قحطنا بدعائك فإن سقيتنا صدقناك فسقوا باستسقائه صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنوا فهذا مكرهم < < يونس : ( 22 ) هو الذي يسيركم . . . . . > > < > ( يونس 22 : 23 ) <
> قوله تعالى : ( هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) أي يحملكم في البر على الدواب وفي البحر على الفلك وقال الكلبي : يحفظكم في السير والآية تتضمن تعديد النعم فيما هي الحال بسبيله من ركوب الناس الدواب والبحر وقد مضى الكلام في ركوب البحر في البقرة ( يسيركم ) قراءة العامة بن عامر ينشركم بالنون والشين أي يبثكم ويفرقكم والفلك يقع على الواحد والجمع ويذكر ويؤنث وقد تقدم القول فيه وقوله وجربن بهم ) خروج من الخطاب إلى الغيبة وهو في القرآن وأشعار العرب كثير قال النابغة : يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأمد قال بن الأنباري : وجائز في اللغة أن يرجع من خطاب الغيبة إلى لفظ المواجهة بالخطاب قال الله تعالى : وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا الإنسان فأبدل الكاف من الهاء قوله تعالى : ( بريح طيبة وفرحوا بها ) تقدم الكلام فيها في البقرة ( جاءتها ريح عاصف ) الضمير في جاءتها للسفينة وقيل للريح الطيبة والعاصف الشديدة يقال : عصفت الريح وأعصفت فهي عاصف ومعصف ومعصفة أي شديدة قال الشاعر : حتى إذا أعصفت ريح مزعزعة فيها قطار ورعد صوته زجل وقال عاصف بالتذكير لأن لفظ الريح مذكر وهي القاصف أيضا والطيبة غير عاصف ولا بطيئة ( وجاءهم الموج من كل مكان ) والموج ما ارتفع من الماء ( وظنوا ) أي أيقنوا ( أنهم أحيط بهم ) أي احاط بهم البلاء يقال لمن وقع في بلية : قد أحيط به كأن البلاء قد أحاط به وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بموضع فقد هلك أهله ( دعوا الله مخلصين له الدين ) أي دعوه وحده وتركوا ما كانوا يعبدون وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا لانقطاع الأسباب ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب على ما يأتي بيانه في النمل إن شاء الله تعالى وقال بعض المفسرين : إنهم قالوا في دعائهم أهيا شراهيا أي يا حي يا قيوم وهي لغة العجم مسألة هذه الآية تدل على ركوب البحر مطلقا ومن السنة حديث أبي هريرة وفيه : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء الحديث وحديث أنس في قصة أم حرام يدل على جواز ركوبه في الغزو وقد مضى هذا المعنى في البقرة مستوفي والحمد لله وقد تقدم في آخر الأعراف حكم راكب البحر في حال ارتجاجه وغليانه هل حكمه حكم الصحيح أو المريض المحجور عليه فتأمله هناك قوله تعالى : ( لئن أنجيتنا من هذه ) أي من هذه الشدائد والأهوال وقال الكلبي : من هذه الريح ( لنكونن من الشاكرين ) أي من العاملين بطاعتك على نعمة الخلاص ( فلما أنجاهم ) أي خلصهم وأنقذهم ( إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ) أي يعملون في الأرض بالفساد وبالمعاصي والبغي : الفساد والشرك من بغى الجرح إذا فسد وأصله الطلب أي يطلبون الاستعلاء بالفساد بغير الحق أي بالتكذيب ومنه بغت المرأة طلبت غير زوجها قوله تعالى : ( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ) أي وباله عائد عليكم وتم الكلام ثم ابتدأ فقال : ( متاع الحياة الدنيا ) أي هو متاع الحياة الدنيا ولا بقاء له قال النحاس : بغيكم رفع بالابتداء وخبره متاع الحياة الدنيا وعلى أنفسكم مفعول معنى فعل البغي ويجوز أن يكون خبره على أنفسكم وتضمر مبتدأ أي ذلك متاع الحياة الدنيا أو هو متاع الحياة الدنيا وبين المعنيين حرف لطيف إذا رفعت متاعا على أنه خبر بغيكم فالمعنى إنما بغى بعضكم على بعض مثل : فسلموا على أنفسكم النور وكذا لقد جاءكم رسول من أنفسكم وإذا كان الخبر على أنفسكم فالمعنى إنما فسادكم راجع عليكم مثل وإن أسأتم فلها وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال : أراد أن البغي متاع الحياة الدنيا أي عقوبته تعجل لصاحبه في الدنيا كما يقال : البغي مصرعة وقرأ بن أبي إسحاق متاع بالنصب على أنه مصدر أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا أو بنزع الخافض أي لمتاع أو مصدر بمعنى المفعول على الحال أي متمتعين أو هو نصب على الظرف أي في متاع الحياة الدنيا ومتعلق الظرف والجار والحال معنى الفعل في البغي وعلى أنفسكم مفعول ذلك المعنى < <
يونس : ( 24 ) إنما مثل الحياة . . . . . > > < > ( يونس 24 ) < > قوله تعالى : ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ) معنى الآية التشبيه والتمثيل أي صفة الحياة الدنيا في فنائها وزوالها وقلة خطرها والملاذ بها كماء أي مثل ماء فالكاف في موضع رفع وسيأتي لهذا التشبيه مزيد بيان في الكهف إن شاء الله تعالى أنزلناه من السماء نعت ل ماء ( فاختلط ) روي عن نافع أنه وقف على فاختلط أي فاختلط الماء بالأرض ثم ابتداء أي بالماء نبات الأرض فأخرجت ألوانا من النبات فنبات على هذا ابتداء وعلى مذهب من لم يقف على فاختلط مرفوع بإختلط أي اختلط النبات بالمطر أي شرب منه فتندى وحسن واخضر والإختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض قوله تعالى : ( مما يأكل الناس ) من الحبوب والثمار والبقول ( والأنعام ) من الكلإ والتبن والشعير ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ) أي حسنها وزينتها والزخرف كمال حسن الشيء ومنه قيل للذهب : زخرف ( وازينت ) أي بالحبوب والثمار والأزهار والأصل تزينت أدغمت التاء في الزاي وجيء بألف الوصل لأن الحرف المدغم مقام حرفين الأول منهما ساكن والساكن لا يمكن الابتداء به وقرأ بن مسعود وأبي بن كعب وتزينت على الأصل وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية وأزينت أي أتت بالزينة عليها أي الغلة والزرع وجاء بالفعل على أصله ولو أعله لقال وازانت وقال عوف بن أبي جميلة الأعرابي : قرأ أشياخنا وازيانت وزنه اسوادت وفي رواية المقدمي وازاينت والأصل فيه تزاينت وزنه تقاعست ثم أدغم وقرأ الشعبي وقتادة وأزينت مثل أفعلت وقرأ عثمان النهدي وازينت مثل افعلت وعنه أيضا وازيانت مثل أفعالت وروي عنه ازيأنت بالهمزة ثلاث قراءات قوله تعالى : ( وظن أهلها ) أي أيقن ( أنهم قادرون عليها ) أي على حصادها والانتفاع بها أخبر عن الأرض والمعنى النبات إذ كان مفهوما وهو منها وقيل : رد إلى الغلة وقيل : إلى الزينة ( أتاها أمرنا ) أي عذابنا أو أمرنا بهلاكها ( ليلا أو نهارا ) ظرفان ( فجعلناها حصيدا ) مفعولان أي محصودة مقطوعة لا شيء فيها وقال حصيدا ولم يؤنث لأنه فعيل بمعنى مفعول قال أبو عبيد : الحصيد المستأصل ( كأن لم تغن بالأمس ) أي لم تكن عامرة من غني إذا أقام فيه وعمره والمغاني في اللغة : المنازل التي يعمرها الناس وقال قتادة : كأن لم تنعم قال لبيد : وغنيت سبتا قبل مجرى داحس لو كان للنفس اللجوج خلود وقراءة العامة تغن بالتاء لتأنيث الأرض وقرأ قتادة يغن بالياء يذهب به إلى الزخرف يعني فكما يهلك هذا الزرع هكذا كذلك الدنيا ( نفصل الآيات ) أي نبينها ( لقوم يتفكرون ) في آيات الله < < يونس : ( 25 ) والله يدعو إلى . . . . . > > < > ( يونس 25 ) <
> قوله تعالى : ( والله يدعو إلى دار السلام ) لما ذكر وصف هذه الدار وهي دار الدنيا وصف الآخرة فقال : إن الله لا يدعوكم إلى جمع الدنيا بل يدعوكم إلى الطاعة لتصيروا إلى دار السلام أي إلى الجنة قال قتادة والحسن : السلام هو الله وداره الجنة وسميت الجنة دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات ومن أسمائه سبحانه السلام وقد بيناه في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ) ويأتي في سورة الحشر إن شاء الله وقيل : المعنى والله يدعو إلى دار السلامة والسلام والسلامة بمعنى كالرضاع والرضاعة قاله الزجاج قال الشاعر : تحيي بالسلامة أم بكر وهل لك بعد قومك من سلام وقيل : أراد والله يدعو إلى دار التحية لأن أهلها ينالون من الله التحية والسلام وكذلك من الملائكة قال الحسن : إن السلام لا ينقطع عن أهل الجنة وهو تحيتهم كما قال : وتحيتهم فيها سلام وقال يحيى بن معاذ : يا بن آدم دعاك الله إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه فإن أجبته من دنياك دخلتها وإن أجبته من قبرك منعتها وقال بن عباس : الجنان سبع : دار الجلال ودار السلام وجنة عدن وجنة المأوى وجنة الخلد وجنة الفردوس وجنة النعيم قوله تعالى : ( ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) عم بالدعوة إظهارا لحجته وخص بالهداية استغناء عن خلقه والصراط المستقيم قيل : كتاب الله رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الصراط المستقيم كتاب الله تعالى ( وقيل الإسلام رواه النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : الحق قاله قتادة ومجاهد وقيل : رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وروى جابر بن عبد الله قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال ( رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه اضرب له مثلا فقال له اسمع سمعت أذناك واعقل عقل قلبك وإنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد الرسول فمن أجابك دخل في الإسلام ومن دخل في الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل مما فيها ( ثم تلا يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ثم تلا قتادة ومجاهد : والله يدعوا إلى دار السلام وهذه الآية بينة الحجة في الرد على القدرية لأنهم قالوا : هدى الله الخلق كلهم إلى صراط مستقيم والله قال : ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فردوا على الله نصوص القرآن < < يونس : ( 26 ) للذين أحسنوا الحسنى . . . . . > > < > ( يونس 26 ) <
> قوله تعالى : ( للذين احسنوا الحسنى وزيادة ) روي من حديث أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى وزيادة قال : ( للذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى وهي الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم ( وهو قول أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب في رواية وحذيفة وعبادة بن الصامت وكعب بن عجرة وأبي موسى وصهيب وبن عباس في رواية وهو قول جماعة من التابعين وهو الصحيح في الباب وروى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله تبارك وتعالى تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل وفي رواية ثم تلا ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ( وخرجه النسائي أيضا عن صهيب قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال : ( إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم موعدا عند الله يريد أن ينجزكموه قالوا ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر ولا أقر لأعينهم ( وخرجه بن المبارك في دقائقه عن أبي موسى الأشعري موقوفا وقد ذكرناه في كتاب التذكرة وذكرنا هناك معنى كشف الحجاب والحمد لله وخرج الترمذي الحكيم أبو عبد الله رحمه الله : حدثنا علي بن حجر حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزيادتين في كتاب الله في قوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال : ( النظر إلى وجه الرحمن ( وعن قوله : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون الصافات قال ( عشرون ألفا ( وقد قيل : إن الزيادة أن تضاعف الحسنة عشر حسنات إلى أكثر من ذلك روي عن بن عباس وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة آلاف باب وقال مجاهد : الحسنى حسنة مثل حسنة والزيادة مغفرة من الله ورضوان وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الحسنى الجنة والزيادة ما أعطاهم الله في الدنيا من فضله لا يحاسبهم به يوم القيامة وقال عبد الرحمن بن سابط : الحسنى البشرى والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم قال الله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة القيامة وقال يزيد بن شجرة : الزيادة أن تمر السحابة بأهل الجنة فتمطرهم من كل النوادر التي لم يروها وتقول : يا أهل الجنة ما تريدون أن أمطركم فلا يريدون شيئا إلا أمطرتهم إياه وقيل : الزيادة أنه ما يمر عليهم مقدار يوم من أيام الدنيا إلا حتى يطيف بمنزل أحدهم سبعون ألف ملك مع كل ملك هدايا من عند الله ليست مع صاحبه ما رأوا مثل تلك الهدايا قط فسبحان الواسع العليم الغني الحميد العلي الكبير العزيز القدير البر الرحيم المدبر الحكيم اللطيف الكريم الذي لا تتناهى مقدوراته وقيل : أحسنوا أي معاملة الناس الحسنى : شفاعتهم والزيادة : إذن الله تعالى فيها وقبوله قوله تعالى : ( ولا يرهق ) قيل : معناه يلحق ومنه قيل : غلام مراهق إذا لحق بالرجال وقيل : يعلو وقيل : يغشى والمعنى متقارب ( قتر ) غبار ( ولا ذلة ) أي مذلة كما يلحق أهل النار أي لا يلحقهم غبار في محشرهم إلى الله ولا تغشاهم ذلة وأنشد أبو عبيدة للفرزدق : متوج برداء الملك يتبعه موج ترى فوقه الرايات والقترا وقرأ الحسن قتر بإسكان التاء والقتر والقترة والقترة بمعنى واحد قاله النحاس وواحد القتر قترة ومنه قوله تعالى : ترهقها قترة عبس أي تعلوها غبرة وقيل : قتر : كآبة وكسوف بن عباس : القتر سواد الوجوه بن بحر : دخان النار ومنه قتار القدر وقال بن أبي ليلى : هو بعد نظرهم إلى ربهم عز وجل قلت : هذا فيه نظر فإن الله عز وجل يقول : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون إلى قوله لا يحزنهم الفزع الأكبر الأنبياء وقال في غير آية : ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقال : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا فصلت الآية وهذا عام فلا يتغير بفضل الله في موطن من المواطن لا قبل النظر ولا بعده وجه المحسن بسواد من كآبة ولا حزن ولا يعلوه شيء من دخان جهنم ولا غيره وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون < <
يونس : ( 27 ) والذين كسبوا السيئات . . . . . > > < > ( يونس 27 ) < > قوله تعالى : ( والذين كسبوا السيئات ) أي عملوا المعاصي وقيل : الشرك ( جزاء سيئة بمثلها ) جزاء مرفوع بالابتداء وخبره بمثلها قال بن كيسان : الباء زائدة والمعنى جزاء سيئة مثلها وقيل : الباء مع ما بعدها الخبر وهي متعلقة بمحذوف قامت مقامه والمعنى : جزاء سيئة كائن بمثلها كقولك : إنما أنا بك أي إنما أنا كائن بك ويجوز أن تتعلق بجزاء التقدير : جزاء سيئة بمثلها كائن فحذف خبر المبتدأ ويجوز أن يكون جزاء مرفوعا على تقدير فلهم جزاء سيئة فيكون مثل قوله : فعدة من أيام أخر أي فعليه عدة وشبهه والباء على هذا التقدير تتعلق بمحذوف كأنه قال لهم جزاء سيئة ثابت بمثلها أو تكون مؤكدة أو زائدة ومعنى هذه المثلية أن ذلك الجزاء مما يعد مماثلا لذنوبهم أي هم غير مظلومين وفعل الرب جلت قدرته وتعالى شأنه غير معلل بعلة ( وترهقهم ذلة ) أي يغشاهم هوان وخزي ( ما لهم من الله ) أي من عذاب الله ( من عاصم ) أي مانع يمنعهم منه ( كأنما أغشيت ) أي ألبست ( وجوههم قطعا ) جمع قطعة وعلى هذا يكون ( مظلما ) حال من الليل أي أغشيت وجوههم قطعا من الليل في حال ظلمته وقرأ الكسائي وبن كثير قطعا بإسكان الطاء ف مظلما على هذا نعت ويجوز أن يكون حالا من الليل والقطع اسم ما قطع فسقط وقال بن السكيت : القطع طائفة من الليل وسيأتي في هود إن شاء الله تعالى < < يونس : ( 28 ) ويوم نحشرهم جميعا . . . . . > > < > ( يونس 28 ) < > قوله تعالى : ( ويوم نحشرهم ) أي نجمعهم والحشر الجمع ( جميعا ) حال ( ثم نقول للذين أشركوا ) أي اتخذوا مع الله شريكا ( مكانكم ) أي الزموا واثبتوا مكانكم وقفوا مواضعكم ( أنتم وشركاؤكم ) وهذا وعيد ( فزيلنا بينهم ) أي فرقنا وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا يقال : زيلته فتزيل أي فرقته فتفرق وهو فعلت لأنك تقول في مصدره تزييلا ولو كان فيعلت لقلت زيلة والمزايلة المفارقة يقال : زايله الله مزايلة وزيالا إذا فارقه والتزايل التباين قال الفراء : وقرأ بعضهم فزايلنا بينهم يقال : لا أزايل فلانا أي لا أفارقه فإن قلت : لا أزاوله فهو بمعنى آخر معناه لا أخاتله ( وقال شركاؤهم ) عني بالشركاء الملائكة وقيل : الشياطين وقيل : الأصنام فينطقها الله تعالى فتكون بينهم هذه المحاورة وذلك أنهم ادعوا على الشياطين الذين أطاعوهم والأصنام التي عبدوها أنهم أمروهم بعبادتهم ويقولون ما عبدناكم حتى أمرتمونا قال مجاهد : ينطق الله الأوثان فتقول ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون وما أمرناكم بعبادتنا وإن حمل الشركاء على الشياطين فالمعنى أنهم يقولون ذلك دهشا أو يقولون كذبا واحتيالا للخلاص وقد يجري مثل هذا غدا وإن صارت المعارف ضرورية < < يونس : ( 29 ) فكفى بالله شهيدا . . . . . > > < > ( يونس 29 ) < > قوله تعالى : ( فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم ) شهيدا مفعول أي كفى الله شهيدا أو تمييز أي اكتف به شهيدا بيننا وبينكم إن كنا امرناكم بهذا أو رضيناه منكم ( إن كنا ) أي ما كنا ( عن عبادتكم لغافلين ) إلا غافلين لا نسمع ولا نبصر ولا نعقل لأنا كنا جمادا لا روح فينا < < يونس : ( 30 ) هنالك تبلو كل . . . . . > > < > ( يونس 30 ) <
> قوله تعالى : ( هنالك ) في موضع نصب على الظرف ( تبلو ) أي في ذلك الوقت تبلو أي تذوق وقال الكلبي : تعلم مجاهد : تختبر ( كل نفس ما أسلفت ) أي جزاء ما عملت وقدمت وقيل : تسلم أي تسلم ما عليها من الحقوق إلى أربابها بغير اختيارها وقرأ حمزة والكسائي تتلو أي تقرأ كل نفس كتابها الذي كتب عليها وقيل : تتلو تتبع أي تتبع كل نفس ما قدمت في الدنيا قاله السدي ومنه قول الشاعر : إن المريب يتبع المريبا كما رأيت الذيب يتلو الذيبا قوله تعالى : ( وردوا إلى الله مولاهم الحق ) بالخفض على البدل أو الصفة ويجوز نصب الحق من ثلاث جهات يكون التقدير : وردوا حقا ثم جيء بالألف واللام ويجوز أن يكون التقدير : مولاهم حقا لا ما يعبدون من دونه والوجه الثالث أن يكون مدحا أي أعني الحق ويجوز أن يرفع الحق ويكون المعنى مولاهم الحق على الابتداء والخبر والقطع مما قبل لا ما يشركون من دونه ووصف نفسه سبحانه بالحق لأن الحق منه كما وصف نفسه بالعدل لأن العدل منه أي كل عدل وحق فمن قبله وقال بن عباس : مولاهم بالحق أي الذي يجازيهم بالحق ( وضل عنهم ) أي بطل ( ما كانوا يفترون ) يفترون في موضع رفع وهو بمعنى المصدر أي افتراؤهم فإن قيل : كيف قال وردوا إلى الله مولاهم الحق وقد أخبر بأن الكافرين لا مولى لهم قيل : ليس بمولاهم في النصرة والمعونة وهو مولى لهم في الرزق وإدرار النعم < < يونس : ( 31 ) قل من يرزقكم . . . . . > > < > ( يونس 31 ) < > المراد بمساق هذا الكلام الرد على المشركين وتقرير الحجة عليهم فمن اعترف منهم فالحجة ظاهرة عليهم ومن لم يعترف فيقرر عليه أن هذه السماوات والأرض لا بد لهما من خالق ولا يتمارى في هذا عاقل وهذا قريب من مرتبة الضرورة ( من السماء ) أي بالمطر ( والأرض ) بالنبات ( أمن يملك السمع والأبصار ) أي من جعلهما وخلقهما لكم ( ومن يخرج الحي من الميت ) أي النبات من الأرض والإنسان من النطفة والسنبلة من الحبة والطير من البيضة والمؤمن من الكافر ( ومن يدبر الأمر ) أي يقدره ويقضيه ( فسيقولون الله ) لأنهم كانوا يعتقدون أن الخالق هو الله أو فسيقولون هو الله إن فكروا وأنصفوا ( فقل ) لهم يا محمد ( أفلا تتقون ) أي أفلا تخافون عقابه ونقمته في الدنيا والآخرة < < يونس : ( 32 ) فذلكم الله ربكم . . . . . > > < > ( يونس 32 ) <
> قوله تعالى : ( فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال ) فيه ثماني مسائل : الأولى قوله تعالى : فذلكم الله ربكم الحق أي هذا الذي يفعل هذه الأشياء هو ربكم الحق لا ما أشركتم معه فماذا بعد الحق ذا صلة أي ما بعد عبادة الإله الحق إذا تركت عبادته إلا الضلال وقال بعض المتقدمين : ظاهر هذه الآية يدل على أن ما بعد الله هو الضلال لأن أولها فذلكم الله ربكم الحق وآخرها فماذا بعد الحق إلا الضلال فهذا في الإيمان والكفر ليس في الأعمال وقال بعضهم : إن الكفر تغطية الحق وكل ما كان غير الحق جرى هذا المجرى فالحرام ضلال والمباح هدى فإن الله هو المبيح والمحرم والصحيح الأول لأن قبل قل من يرزقكم من السماء والأرض ثم قال : فذلكم الله ربكم الحق أي هذا الذي رزقكم وهذا كله فعله هو ربكم الحق أي الذي تحق له الألوهية ويستوجب العبادة وإذا كان ذلك فتشريك غيره ضلال وغير حق الثانية قال علماؤنا : حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى وكذلك هو الأمر في نظائرها وهي مسائل الأصول التي الحق فيها في طرف واحد لأن الكلام فيها إنما هو في تعديد وجود ذات كيف هي وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وقوله عليه السلام : ( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات ( والكلام في الفروع إنما هو في أحكام طارئة على وجود ذات متقررة لا يختلف فيها وإنما يختلف في الأحكام المتعلقة بها الثالثة ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال : ( اللهم لك الحمد ( الحديث وفيه ( أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق والساعة حق والنبيون حق ومحمد حق ( الحديث فقوله : ( أنت الحق ( أي الواجب الوجود وأصله من حق الشيء أي ثبت ووجب وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة إذ وجوده لنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم ويجوز عليه لحاق العدم ووجوده من موجده لا من نفسه وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل وإليه الإشارة بقوله تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون القصص الرابعة مقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعا كما في هذه الآية وكذلك أيضا مقابلة الحق بالباطل عرف لغة وشرعا قال الله تعالى : ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل لقمان والضلال حقيقته الذهاب عن الحق أخذ من ضلال الطريق وهو العدول عن سمته قال بن عرفة : الضلالة عند العرب سلوك غير سبيل القصد يقال : ضل عن الطريق وأضل الشيء إذا أضاعه وخص في الشرع بالعبارة في العدول عن السداد في الإعتقاد دون الأعمال ومن غريب أمره أنه يعبر به عن عدم المعرفة بالحق سبحانه إذا قابله غفلة ولم يقترن بعدمه جهل أو شك وعليه حمل العلماء قوله تعالى : ووجدك ضالا فهدى الضحى أي غافلا في أحد التأويلات يحققه قوله تعالى : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان الشورى الخامسة روى عبد الله بن عبد الحكم وأشهب عن مالك في قوله تعالى : فماذا بعد الحق إلا الضلال قال : اللعب بالشطرنج والنرد من الضلال وروى يونس عن بن وهب أنه سئل عن الرجل يلعب في بيته مع امرأته بأربع عشرة فقال مالك : ما يعجبني وليس من شأن المؤمنين يقول الله تعالى : فماذا بعد الحق إلا الضلال وروى يونس عن أشهب قال : سئل يعني مالكا عن اللعب بالشطرنج فقال : لا خير فيه وليس بشيء وهو من الباطل واللعب كله من الباطل وإنه لينبغي لذي العقل أن تنهاه اللحية والشيب عن الباطل وقال الزهري لما سئل عن الشطرنج : هي من الباطل ولا أحبها السادسة اختلف العلماء في جواز اللعب بالشطرنج وغيره إذا لم يكن على وجه القمار فتحصيل مذهب مالك وجمهور الفقهاء في الشطرنج أن من لم يقامر بها ولعب مع أهله في بيته مستترا به مرة في الشهر أو العام لا يطلع عليه ولا يعلم به أنه معفو عنه غير محرم عليه ولا مكروه له وأنه إن تخلع به واشتهر فيه سقطت مروءته وعدالته وردت شهادته وأما الشافعي فلا تسقط في مذهب أصحابه شهادة اللاعب بالنرد والشطرنج إذا كان عدلا في جميع أصحابه ولم يظهر منه سفه ولا ريبة ولا كبيرة إلا أن يلعب به قمارا فإن لعب بها قمارا وكان بذلك معروفا سقطت عدالته وسفه نفسه لأكله المال بالباطل وقال أبو حنيفة : يكره اللعب بالشطرنج والنرد والأربعة عشر وكل اللهو فإن لم تظهر من اللاعب بها كبيرة وكانت محاسنه أكثر من مساويه قبلت شهادته عندهم قال بن العربي : قالت الشافعية إن الشطرنج يخالف النرد لأن فيه إكداد الفهم واستعمال القريحة والنرد قمار غرر لا يعلم ما يخرج له فيه كالاستقسام بالأزلام السابعة قال علماؤنا : النرد قطع مملوءة من خشب البقس ومن عظم الفيل وكذا هو الشطرنج إذ هو أخوه غذي بلبانه والنرد هو الذي يعرف بالباطل ويعرف بالكعاب ويعرف في الجاهلية أيضا بالأرن ويعرف أيضا بالنردشير وفي صحيح مسلم عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه ( قال علماؤنا : ومعنى هذا أي هو كمن غمس يده في لحم الخنزير يهيئه لأن يأكله وهذا الفعل في الخنزير حرام لا يجوز يبينه قوله صلى الله عليه وسلم : ( من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ( رواه مالك وغيره من حديث أبي موسى الأشعري وهو حديث صحيح وهو يحرم اللعب بالنرد جملة واحدة وكذلك الشطرنج لم يستثن وقتا من وقت ولا حالا من حال وأخبر أن فاعل ذلك عاص لله ورسوله إلا أنه يحتمل أن يكون المراد باللعب بالنرد المنهي عنه أن يكون على وجه القمار لما روي من إجازة اللعب بالشطرنج عن التابعين على غير قمار وحمل ذلك على العموم قمارا وغير قمار أولى وأحوط إن شاء الله قال أبو عبد الله الحليمي في كتاب منهاج الدين : ومما جاء في الشطرنج حديث يروي فيه كما يروي في النرد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من لعب بالشطرنج فقد عصى الله ورسوله ( وعن علي رضي الله عنه أنه مر على مجلس من مجالس بني تميم وهم يلعبون بالشطرنج فوقف عليهم فقال : ( أما والله لغير هذا خلقتم أما والله لولا أن تكون سنة لضربت به وجوهكم ( وعنه رضي الله عنه أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال : ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون لأن يمس أحدكم جمرا حتى يطفأ خير من أن يمسها وسئل بن عمر عن الشطرنج فقال : هي شر من النرد وقال أبو موسى الأشعري : لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ وسئل أبو جعفر عن الشطرنج فقال : دعونا من هذه المجوسية وفي حديث طويل عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( وأن من لعب بالنرد والشطرنج والجوز والكعاب مقته الله ومن جلس إلى من يلعب بالنرد والشطرنج لينظر إليهم محيت عنه حسناته كلها وصار ممن مقته الله ( وهذه الآثار كلها تدل على تحريم اللعب بها بلا قمار والله أعلم وقد ذكرنا في المائدة بيان تحريمها وأنها كالخمر في التحريم لاقترانها به والله أعلم قال بن العربي في قبسه : وقد جوزه الشافعي وانتهى حال بعضهم إلى أن يقول : هو مندوب إليه حتى اتخذوه في المدرسة فإذا أعيا الطالب من القراءة لعب به في المسجد وأسندوا إلى قوم من الصحابة والتابعين أنهم لعبوا بها وما كان ذلك قط وتالله ما مستها يد تقي ويقولون : إنها تشحذ الذهن إنها تشحذ الذهن والعيان يكذبهم ما تبحر فيها قط رجل له ذهن سمعت الإمام أبا الفضل عطاء المقدسي يقول بالمسجد الأقصى في المناظرة : إنها تعلم الحرب فقال له الطرطوشي : بل تفسد تدبير الحرب لأن الحرب المقصود منها الملك واغتياله وفي الشطرنج تقول : شاه إياك : الملك نحه عن طريقي فاستضحك الحاضرين وتارة شدد فيها مالك وحرمها وقال فيها : فماذا بعد الحق إلا الضلال وتارة استهان بالقليل منها والأهون والقول الأول أصح والله أعلم فإن قال قائل : روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن الشطرنج فقال : وما الشطرنج فقيل له : إن امرأة كان لها بن وكان ملكا فأصيب في حرب دون أصحابه فقالت : كيف يكون هذا أرونيه عيانا فعمل لها الشطرنج فلما رأته تسلت بذلك ووصفوا الشطرنج لعمر رضي الله عنه فقال : لا بأس بما كان من آلة الحرب قيل له : هذا لا حجة فيه لأنه لم يقل لا بأس بالشطرنج وإنما قال لا بأس بما كان من آلة الحرب وإنما قال هذا لأنه شبه عليه أن اللعب بالشطرنج مما يستعان به على معرفة أسباب الحرب فلما قيل له ذلك ولم يحط به علمه قال لا بأس بما كان من آلة الحرب إن كان كما تقولون فلا بأس به وكذلك من روى عنه من الصحابة أنه لم ينه عنه فإن ذلك محمول منه على أنه ظن أن ذلك ليس يتلهى به وإنما يراد به التسبب إلى علم القتال والمضاربة فيه أو على أن الخبر المسند لم يبلغهم قال الحليمي : وإذا صح الخبر فلا حجة لأحد معه وإنما الحجة فيه على الكافة الثامنة ذكر بن وهب بإسناده أن عبد الله بن عمر مر بغلمان يلعبون بالكجة وهي حفر فيها حصى يلعبون بها قال : فسدها بن عمر ونهاهم عنها وذكر الهروي في باب ( الكاف مع الجيم ) في حديث بن عباس : في كل شيء قمار حتى في لعب الصبيان بالكجة قال بن الأعرابي : هو أن يأخذ الصبي خرقة فيدورها كأنها كرة ثم يتقامرون بها وكج إذا لعب بالكجة قوله تعالى : ( فأنى تصرفون ) أي كيف تصرفون عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق ولا يحيي ولا يميت < <
يونس : ( 33 ) كذلك حقت كلمة . . . . . > > < > ( يونس 33 ) < > قوله تعالى : ( كذلك حقت كلمة ربك ) أي حكمه وقضاؤه وعلمه السابق ( على الذين فسقوا ) أي خرجوا عن الطاعة وكفروا وكذبوا ( أنهم لا يؤمنون ) أي لا يصدقون وفي هذا أوفى دليل على القدرية وقرأ نافع وبن عامر هنا وفي آخرها كذلك حقت كلمات ربك وفي سورة غافر بالجمع في الثلاثة الباقون بالإفراد وأن في موضع نصب أي بأنهم أو لأنهم قال الزجاج : ويجوز أن تكون في موضع رفع على البدل من كلمات قال الفراء : يجوز إنهم بالكسر على الاستئناف < < يونس : ( 34 ) قل هل من . . . . . > > < > ( يونس 34 ) < > قوله تعالى : ( قل هل من شركائكم ) أي آلهتكم ومعبوداتكم ( من يبدأ الخلق ثم يعيده ) أي قل لهم يا محمد ذلك على جهة التوبيخ والتقرير فإن أجابوك وإلا ف ( قل الله يبدأ الخلق ثم يعبده ) وليس غيره يفعل ذلك ( فأنى تؤفكون ) أي فكيف تنقلبون وتنصرفون عن الحق إلى الباطل < < يونس : ( 35 ) قل هل من . . . . . > > < > ( يونس 35 ) < > قوله تعالى : ( قل هل من شركائكم من يهد إلى الحق ) يقال : هداه للطريق وإلى الطريق بمعنى واحد وقد تقدم أي هل من شركائكم من يرشد إلى دين الإسلام فإذا قالوا لا ولا بد منه ف ( قل ) لهم ( الله يهدي للحق ) ثم قل لهم موبخا ومقررا ( أفمن يهدي ) أي يرشد ( إلى الحق ) وهو الله سبحانه وتعالى ( أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى ) يريد الأصنام التي لا تهدي أحدا ولا تمشي إلا أن تحمل ولا تنتقل عن مكانها إلا أن تنقل قال الشاعر : للفتى عقل يعيش به حيث تهدي ساقه قدمه وقيل : المراد الرؤساء والمضلون الذين لا يرشدون أنفسهم إلى هدى إلا أن يرشدوا وفي يهدي قراءات ست : الأولى قرأ أهل المدينة إلا ورشا يهدي بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال فجمعوا في قراءتهم بين ساكنين كما فعلوا في قوله : لا تعدوا وفي قوله : يخصمون قال النحاس : والجمع بين الساكنين لا يقدر أحد أن ينطق به قال محمد بن يزيد : لا بد لمن رام مثل هذا أن يحرك حركة خفيفة إلى الكسر وسيبويه يسمي هذا اختلاس الحركة الثانية قرأ أبو عمرو وقالون في رواية بين الفتح والإسكان على مذهبه في الإخفاء والإختلاس الثالثة قرأ بن عامر وبن كثير وورش وبن محيصن يهدي بفتح الياء والهاء وتشديد الدال قال النحاس : هذه القراءة بينة في العربية والأصل فيها يهتدي أدغمت التاء في الدال وقلبت حركتها على الهاء الرابعة قرأ حفص ويعقوب والأعمش عن أبي بكر مثل قراءة بن كثير إلا أنهم كسروا الهاء قالوا : لأن الجزم إذا اضطر إلى حركته حرك إلى الكسر قال أبو حاتم : هي لغة سفلى مضر الخامسة قرأ أبو بكر عن عاصم يهدي بكسر الياء والهاء وتشديد الدال كل ذلك لإتباع الكسر كما تقدم في البقرة في يخطف وقيل : هي لغة من قرأ نستعين ولن تمسنا النار ونحوه وسيبويه لا يجيز يهدي ويجيز تهدي ونهدي وإهدي قال : لأن الكسرة في الياء تثقل السادسة قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى بن وثاب والأعمش يهدي بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال من هدى يهدي قال النحاس : وهذه القراءة لها وجهان في العربية وإن كانت بعيدة وأحد الوجهين أن الكسائي والفراء قالا : يهدي بمعنى يهتدي قال أبو العباس : لا يعرف هذا ولكن التقدير أمن لا يهدي غيره تم الكلام ثم قال : إلا أن يهدي استأنف من الأول أي لكنه يحتاج أن يهدي فهو استثناء منقطع كما تقول : فلان لا يسمع غيره إلا أن يسمع أي لكنه يحتاج أن يسمع وقال أبو إسحاق : ( فما لكم ) كلام تام والمعنى : فأي شيء لكم في عبادة الأوثان ثم قيل لهم : ( كيف تحكمون ) أي لأنفسكم وتقضون بهذا الباطل الصراح تعبدون آلهة لا تغني عن أنفسها شيئا إلا أن يفعل بها والله يفعل ما يشاء فتتركون عبادته فموضع كيف نصب ب تحكمون < <