يوسف : ( 19 ) وجاءت سيارة فأرسلوا . . . . . > > < > ( يوسف 19 ) <
Kurtubî - el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
İmam Kurtubî · AR
> قوله تعالى : ( وجاءت سيارة ) أي رفقة مارة يسيرون من الشام إلى مصر فأخطئوا الطريق وهاموا حتى نزلوا قريبا من الجب وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران إنما هو للرعاة والمجتاز وكان ماؤه ملحا فعذب حين ألقي فيه يوسف ( فأرسلوا واردهم ) فذكر على المعنى ولو قال : فأرسلت واردها لكان على اللفظ مثل وجاءت والوارد الذي يرد الماء يستقي للقوم وكان اسمه فيما ذكر المفسرون مالك بن دعر من العرب العاربة ( فأدلى دلوه ) أي أرسله يقال : أدلى دلوه إذا أرسلها ليملأها ودلاها أي أخرجها : عن الأصمعي وغيره ودلا من ذات الواو يدلوا دلوا أي جذب وأخرج وكذلك أدلى إذا أرسل فلما ثقل ردوه إلى الياء لأنها أخف من الواو قاله الكوفيون وقال الخليل وسيبويه : لما جاوز ثلاثة أحرف رجع إلى الياء اتباعا للمستقبل وجمع دلو في أقل العدد أدل فإذا كثرت قلت : دلي ودلي فقلبت الواو ياء إلا أن الجمع بابه التغيير وليفرق بين الواحد والجمع ودلاء أيضا فتعلق يوسف بالحبل فلما خرج إذا غلام كالقمر ليلة البدر أحسن ما يكون من الغلمان قال صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء من صحيح مسلم : ( فإذا أنا بيوسف إذا هو قد أعطي شطر الحسن ( وقال كعب الأحبار : كان يوسف حسن الوجه جعد الشعر ضخم العينين مستوى الخلق أبيض اللون غليظ الساعدين والعضدين خميص البطن صغير السرة إذا ابتسم رأيت النور من ضواحكه وإذا تكلم رأيت في كلامه شعاع الشمس من ثناياه لا يستطيع أحد وصفه وكان حسنه كضوء النهار عند الليل وكان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه الله ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية وقيل : إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة وكانت قد إعطيت سدس الحسن فلما رآه مالك بن دعر قال : يا بشراي هذا غلام هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة إلا بن أبي إسحاق فإنه قرأ يا بشري هذا غلام فقلب الألف ياء لأن هذه الياء يكسر ما قبلها فلما لم يجز كسر الألف كان قلبها عوضا وقرأ أهل الكوفة يا بشرى غير مضاف وفي معناه قولان : أحدهما اسم الغلام والثاني معناه يا أيتها البشرى هذا حينك وأوانك قال قتادة والسدي : لما أدلى المدلي دلوه تعلق بها يوسف فقال : يا بشرى هذا غلام قال قتادة : بشر أصحابه بأنه وجد عبدا وقال السدي : نادى رجلا اسمه بشرى قال النحاس : قول قتادة أولى لأنه لم يأت في القرآن تسمية أحد إلا يسيرا وإنما يأتي بالكناية كما قال عز وجل : ويوم يعض الظالم على يديه وهو عقبة بن أبي معيط وبعده ياليتني لم اتخذ فلانا خليلا وهو أمية بن خلف قاله النحاس والمعنى في نداء البشرى : التبشير لمن حضر وهو أوكد من قولك تبشرت كما تقول : يا عجباه أي يا عجب هذا من أيامك ومن آياتك فاحضر وهذا مذهب سيبويه وكذا قال السهيلي وقيل : هو كما تقول : واسروراه وأن البشرى مصدر من الاستبشار : وهذا أصح لأنه لو كان اسما علما لم يكن مضافا إلى ضمير المتكلم وعلى هذا يكون بشراي في موضع نصب لأنه نداء مضاف ومعنى النداء ها هنا التنبيه أي انتبهوا لفرحتي وسروري وعلى قول السدي يكون في موضع رفع كما تقول : يا زيد هذا غلام ويجوز أن يكون محله نصبا كقولك : يا رجلا وقوله : يا حسرة على العباد يس ولكنه لم ينون بشرى لأنه لا ينصرف ( وأسروه بضاعة ) الهاء كناية عن يوسف عليه السلام فأما الواو فكناية عن إخوته وقيل : عن التجار الذين اشتروه وقيل : عن الوارد وأصحابه بضاعة نصب على الحال قال مجاهد : أسره مالك بن دعر وأصحابه من التجار الذين معهم في الرفقة وقالوا لهم : هو بضاعة استبضعناها بعض أهل الشام أو أهل هذا الماء إلى مصر وإنما قالوا هذا خيفة الشركة وقال بن عباس : أسره إخوة يوسف بضاعة لما استخرج من الجب وذلك أنهم جاؤوا فقالوا : بئس ما صنعتم هذا عبد لنا أبق وقالوا ليوسف بالعبرانية : إما أن تقر لنا بالعبودية فنبيعك من هؤلاء وإما أن نأخذك فنقتلك فقال : أنا أقر لكم بالعبودية فأقر لهم فباعوه منهم وقيل : إن يهوذا وصى أخاه يوسف بلسانهم أن اعترف لإخوتك بالعبودية فإني أخشى إن لم تفعل قتلوك فلعل الله أن يجعل لك مخرجا وتنجو من القتل فكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته فقال مالك : والله ما هذه سمة العبيد قالوا : هو تربى في حجورنا وتخلق بأخلاقنا وتأدب بآدابنا فقال : ما تقول يا غلام قال : صدقوا تربيت في حجورهم وتخلقت بأخلاقهم فقال مالك : إن بعتموه مني اشتريته منكم فباعوه منه فذلك : < <
يوسف : ( 20 ) وشروه بثمن بخس . . . . . > > < > ( يوسف 20 ) <
> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وشروه ) يقال : شريت بمعنى اشتريت وشريت بمعنى بعت لغة قال الشاعر : وشريت بردا ليتني من بعد برد كنت هامه أي بعت وقال آخر : فلما شراها فاضت العين عبرة وفي الصدر حزاز من اللوم حامز ( بثمن بخس ) أي نقص وهو هنا مصدر وضع موضع الاسم أي باعوه بثمن مبخوس أي منقوص ولم يكن قصد إخوته ما يستفيدونه من ثمنه وإنما كان قصدهم ما يستفيدونه من خلو وجه أبيهم عنه وقيل : إن يهوذا رأى من بعيد أن يوسف أخرج من الجب فأخبر إخوته فجاؤوا وباعوه من الواردة وقيل : لا بل عادوا بعد ثلاث إلى البئر يتعرفون الخبر فرأوا أثر السيارة فاتبعوهم وقالوا : هذا عبدنا أبق منا فباعوه منهم وقال قتادة : بخس ظلم وقال الضحاك ومقاتل والسدي وبن عطاء : بخس حرام وقال بن العربي : ولا وجه له وإنما الإشارة فيه إلى أنه لم يستوف ثمنه بالقيمة لأن إخوته إن كانوا باعوه فلم يكن قصدهم ما يستفيدونه من ثمنه وإنما كان قصدهم ما يستفيدون من خلو وجه أبيهم عنه وإن كان الذين باعوه الواردة فإنهم أخفوه مقتطعا أو قالوا لأصحابهم : أرسل معنا بضاعة فرأوا أنهم لم يعطوا عنه ثمنا وأن ما أخذوا فيه ربح كله قلت : قوله وإنما الإشارة فيه إلى أنه لم يستوف ثمنه بالقيمة يدل على أنهم لو أخذوا القيمة فيه كاملة كان ذلك جائزا وليس كذلك فدل على صحة ما قاله السدي وغيره لأنهم أوقعوا البيع على نفس لا يجوز بيعها فلذلك كان لا يحل لهم ثمنه وقال عكرمة والشعبي : قليل وقال بن حيان : زيف وعن بن عباس وبن مسعود باعوه بعشرين درهما أخذ كل واحد من إخوته درهمين وكانوا عشرة وقاله قتادة والسدي وقال أبو العالية ومقاتل : اثنين وعشرين درهما وكانوا أحد عشر أخذ كل واحد درهمين وقاله مجاهد وقال عكرمة : أربعين درهما وما روي عن الصحابة أولى وبخس من نعت ثمن دراهم على البدل والتفسير له ويقال : دراهيم على أنه جمع درهام وقد يكون اسما للجمع عند سيبويه ويكون أيضا عنده على أنه مد الكسرة فصارت ياء وليس هذا مثل مد المقصور لأن مد المقصور لا يجوز عند البصريين في شعر ولا غيره وأنشد النحويون : تنفي يداها الحصى في كل هاجرة نفي الدراهيم تنقاد الصياريف ( معدودة ) نعت وهذا يدل على أن الأثمان كانت تجري عندهم عدا لا وزنا بوزن وقيل : هو عبارة عن قلة الثمن لأنها دراهم لم تبلغ أن توزن لقلتها وذلك أنهم كانوا لا يزنون ما كان دون الأوقية وهي أربعون درهما الثانية قال القاضي بن العربي : وأصل النقدين الوزن قال صلى الله عليه وسلم : ( لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة إلا وزنا بوزن من زاد أو ازداد فقد أربى ( والزنة لا فائدة فيها إلا المقدار فأما عينها فلا منفعة فيه ولكن جرى فيها العد تخفيفا عن الخلق لكثرة المعاملة فيشق الوزن حتى لو ضرب مثاقيل أو دراهم لجاز بيع بعضها ببعض عدا إذا لم يكن بها نقصان ولا رجحان فإن نقصت عاد الأمر إلى الوزن ولأجل ذلك كان كسرها أو قرضها من الفساد في الأرض حسب ماتقدم الثالثة واختلف العلماء في الدراهم والدنانير هل تتعين أم لا وقد اختلفت الرواية في ذلك عن مالك : فذهب أشهب إلى أن ذلك لا يتعين وهو الظاهر من قول مالك وبه قال أبو حنيفة وذهب بن القاسم إلى أنها تتعين وحكى عن الكرخي وبه قال الشافعي وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا لا تتعين فإذا قال : بعتك هذه الدنانير بهذه الدراهم تعلقت الدنانير بذمة صاحبها والدراهم بذمة صاحبها ولو تعينت ثم تلفت لم يتعلق بذمتهما شيء وبطل العقد كبيع الأعيان من العروض وغيرها الرابعة روي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قضى في اللقيط أنه حر وقرأ : وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وقد مضى القول فيه الخامسة قوله تعالى : ( وكانوا فيه من الزاهدين ) قيل : المراد إخوته وقيل : السيارة وقيل : الواردة وعلى أي تقدير فلم يكن عندهم غبيطا لا عند الإخوة لأن المقصد زواله عن أبيه لا ماله ولا عند السيارة لقول الأخوة إنه عبد أبق منا والزهد قلة الرغبة ولا عند الواردة لأنهم خافوا اشتراك أصحابهم معهم ورأوا أن القليل من ثمنه في الانفراد أولى السادسة في هذه الآية دليل واضح على جواز شراء الشيء الخطير بالثمن اليسير ويكون البيع لازما ولهذا قال مالك : لو باع درة ذات خطر عظيم بدرهم ثم قال لم أعلم أنها درة وحسبتها مخشلبة لزمه البيع ولم يلتفت إلى قوله وقيل : وكانوا فيه من الزاهدين أي في حسنه لأن الله تعالى وإن أعطى يوسف شطر الحسن صرف عنه دواعي نفوس القوم إليه إكراما له وقيل : وكانوا فيه من الزاهدين لم يعلموا منزلته عند الله تعالى وحكى سيبويه والكسائي : زهدت وزهدت بكسر الهاء وفتحها < <
يوسف : ( 21 ) وقال الذي اشتراه . . . . . > > < > ( يوسف 21 ) <
> قوله تعالى : ( وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه ) قيل : الاشتراء هنا بمعنى الاستبدال إذ لم يكن ذلك عقدا مثل : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى وقيل : إنهم ظنوه في ظاهر الحال اشتراء فجرى هذا اللفظ على ظاهر الظن قال الضحاك : هذا الذي اشتراه ملك مصر ولقبه العزيز السهيلي : واسمه قطفير وقال بن إسحاق : إطفير بن رويحب اشتراه لامرأته راعيل ذكره الماوردي وقيل : كان اسمها زليخاء وكان الله ألقى محبة يوسف على قلب العزيز فأوصى به أهله ذكره القشيري وقد ذكر القولين في اسمها الثعلبي وغيره وقال بن عباس : إنما اشتراه قطفير وزير ملك مصر وهو الريان بن الوليد وقيل : الوليد بن الريان وهو رجل من العمالقة وقيل : هو فرعون موسى لقول موسى : ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات وأنه عاش أربعمائة سنة وقيل : فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف على ما يأتي في غافر بيانه وكان هذا العزيز الذي اشترى يوسف على خزائن الملك واشترى يوسف من مالك بن دعر بعشرين دينارا وزاده حلة ونعلين وقيل : اشتراه من أهل الرفقة وقيل : تزايدوا في ثمنه فبلغ أضعاف وزنه مسكا وعنبرا وحريرا وورقا وذهبا ولآلىء وجواهر لا يعلم قيمتها إلا الله فابتاعه قطفير من مالك بهذا الثمن قاله وهب بن منبه وقال وهب أيضا وغيره : ولما اشترى مالك بن دعر يوسف من إخوته كتب بينهم وبينه كتابا : هذا ما اشترى مالك بن دعر من بني يعقوب وهم فلان وفلان مملوكا لهم بعشرين درهما وقد شرطوا له أنه آبق وأنه لا ينقلب به إلا مقيدا مسلسلا وأعطاهم على ذلك عهد الله قال : فودعهم يوسف عند ذلك وجعل يقول : حفظكم الله وإن ضيعتموني نصركم الله وإن خذلتموني رحمكم الله وإن لم ترحموني قالوا : فألقت الأغنام ما في بطونها دما عبيطا لشدة هذا التوديع وحملوه على قتب بغير غطاء ولا وطاء مقيدا مكبلا مسلسلا فمر على مقبرة آل كنعان فرأى قبر أمه وقد كان وكل به أسود يحرسه فغفل الأسود فألقى يوسف نفسه على قبر أمه فجعل يتمرغ ويعتنق القبر ويضطرب ويقول : يا أماه ارفعي رأسك تري ولدك مكبلا مقيدا مسلسلا مغلولا فرقوا بيني وبين والدي فاسألي الله أن يجمع بيننا في مستقر رحمته إنه أرحم الراحمين فتفقده الأسود على البعير فلم يره فقفا أثره فإذا هو ببياض على قبر فتأمله فإذا هو إياه فركضه برجله في التراب ومرغه وضربه ضربا وجيعا فقال له : لا تفعل والله ما هربت ولا أبقت وإنما مررت بقبر أمي فأحببت أن أودعها ولن أرجع إلى ما تكرهون فقال الأسود : والله إنك لعبد سوء تدعو أباك مرة وأمك أخرى فهلا كان هذا عند مواليك فرفع يديه إلى السماء وقال : اللهم إن كانت لي عندك خطيئة أخلقت بها وجهي فأسألك بحق آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن تغفر لي وترحمني فضجت الملائكة في السماء ونزل جبريل فقال له : يا يوسف غض صوتك فلقد أبكيت ملائكة السماء أفتريد أن أقلب الأرض فأجعل عاليها سافلها قال : تثبت يا جبريل فإن الله حليم لا يعجل فضرب الأرض بجناحه فأظلمت وارتفع الغبار وكسفت الشمس وبقيت القافلة لا يعرف بعضها بعضا فقال رئيس القافلة : من أحدث منكم حدثا فإني أسافر منذ كيت وكيت ما أصابني قط مثل هذا فقال الأسود : أنا لطمت ذلك الغلام العبراني فرفع يده إلى السماء وتكلم بكلام لا أعرفه ولا أشك أنه دعا علينا فقال له : ما أردت إلا هلاكنا ايتنا به فأتاه به فقال له : يا غلام لقد لطمك فجاءنا ما رأيت فإن كنت تقتص فاقتص ممن شئت وإن كنت تعفو فهو الظن بك قال : قد عفوت رجاء أن يعفو الله عني فانجلت الغبرة وظهرت الشمس وأضاء مشارق الأرض ومغاربها وجعل التاجر يزوره بالغداة والعشي ويكرمه حتى وصل إلى مصر فاغتسل في نيلها وأذهب الله عنه كآبة السفر ورد عليه جماله ودخل به البلد نهارا فسطع نوره على الجدران وأوقفوه للبيع فاشتراه قطفير وزير الملك قاله بن عباس على ما تقدم وقيل : إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه ثم مات الملك ويوسف يومئذ على خزائن الأرض فملك بعده قابوس وكان كافرا فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى ( أكرمي مثواه ) أي منزله ومقامه بطيب المطعم واللباس الحسن وهو مأخوذ من ثوى بالمكان أي أقام به وقد تقدم في آل عمران وغيره ( عسى أن ينفعنا ) أي يكفينا بعض المهمات إذا بلغ ( أو نتخذه ولدا ) قال بن عباس : كان حصورا لا يولد له وكذا قال بن إسحاق : كان قطفير لا يأتي النساء ولا يولد له فإن قيل : كيف قال أو نتخذه ولدا وهو ملكه والولدية مع العبدية تتناقض قيل له : يعتقه ثم يتخذه ولدا بالتبني وكان التبني في الأمم معلوما عندهم وكذلك كان في أول الإسلام على ما يأتي بيانه في الأحزاب إن شاء الله تعالى وقال عبد الله بن مسعود : أحسن الناس فراسة ثلاثة العزيز حين تفرس في يوسف فقال : عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وبنت شعيب حين قالت لأبيها في موسى استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين وأبو بكر حين استخلف عمر قال بن العربي : عجبا للمفسرين في اتفاقهم على جلب هذا الخبر والفراسة هي علم غريب على ما يأتي بيانه في سورة الحجر وليس كذلك فيما نقلوه لأن الصديق إنما ولى عمر بالتجربة في الأعمال والمواظبة على الصحبة وطولها والاطلاع على ما شاهد منه من العلم والمنة وليس ذلك من طريق الفراسة وأما بنت شعيب فكانت معها العلامة البينة على ما يأتي بيانه في القصص وأما أمر العزيز فيمكن أن يجعل فراسة لأنه لم يكن معه علامة ظاهرة والله أعلم قوله تعالى : ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ) الكاف في موضع نصب أي وكما أنقذناه من إخوته ومن الجب فكذلك مكنا له أي عطفنا عليه قلب الملك الذي اشتراه حتى تمكن من الأمر والنهي في البلد الذي الملك مستول عليه ( ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) أي فعلنا ذلك تصديقا لقول يعقوب : ويعلمك من تأويل الأحاديث وقيل : المعنى مكناه لنوحي إليه بكلام منا ونعلمه تأويله وتفسيره وتأويل الرؤيا وتم الكلام ( والله غالب على أمره ) الهاء راجعة إلى الله تعالى أي لا يغلب الله شيء بل هو الغالب على أمر نفسه فيما يريده أن يقول له : كن فيكون وقيل : ترجع إلى يوسف أي الله غالب على أمر يوسف يدبره ويحوطه ولا يكله إلى غيره حتى لا يصل إليه كيد كائد ( ولكن أكثر الناس لايعلمون ) أي لا يطلعون على غيبه وقيل : المراد بالأكثر الجميع لأن أحدا لا يعلم الغيب وقيل : هو مجرى على ظاهره إذ قد يطلع من يريد على بعض غيبه وقيل : المعنى ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الله غالب على أمره وهم المشركون ومن لا يؤمن بالقدر وقالت الحكماء في هذه الآية : والله غالب على أمره حيث أمره يعقوب ألا يقص رؤياه على إخوته فغلب أمر الله حتى قص ثم أراد إخوته قتله فغلب أمر الله حتى صار ملكا وسجدوا بين يديه ثم أراد الإخوة أن يخلو لهم وجه أبيهم فغلب أمر الله حتى ضاق عليهم قلب أبيهموافتكره بعد سبعين سنة أو ثمانين سنة فقال : ياأسفا على يوسف ثم تدبروا أن يكونوا من بعده قوما صالحين أي نائبين فغلب أمر الله حتى نسوا الذنب وأصروا عليه حتى أقروا بين يدي يوسف في آخر الأمر بعد سبعين سنة وقالوا لأبيهم : إنا كنا خاطئين ثم أرادوا أن يخدعوا أباهم بالبكاء والقميص فغلب أمر الله فلم ينخدع وقال : بل سولت لكم أنفسكم أمرا ثم احتالوا في أن تزول محبته من قلب أبيهم فغلب أمر الله فازدادت المحبة والشوق في قلبه ثم دبرت امرأة العزيز أنها إن ابتدرته بالكلام غلبته فغلب أمر الله حتى قال العزيز : استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ثم دبر يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي فغلب أمر الله فنسي الساقي ولبث يوسف في السجن بضع سنين < <
يوسف : ( 22 ) ولما بلغ أشده . . . . . > > < > ( يوسف 22 ) < > قوله تعالى : ( ولما بلغ أشده ) أشده عند سيبويه جمع واحده شدة وقال الكسائي : واحده شد كما قال الشاعر : عهدي به شد النهار كأنما خضب اللبان ورأسه بالعظلم وزعم أبو عبيد أنه لا واحد له من لفظه عند العرب ومعناه استكمال القوة ثم يكون النقصان بعد وقال مجاهد وقتادة : الأشد ثلاث وثلاثون سنة وقال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس : الأشد بلوغ الحلم وقد مضى ما للعلماء في هذا في النساء والأنعام مستوفى ( آتيناه حكما وعلما ) قيل : جعلناه المستولي على الحكم فكان يحكم في سلطان الملك أي وآتيناه علما بالحكم وقال مجاهد : العقل والفهم والنبوة وقيل : الحكم النبوة والعلم علم الدين وقيل : علم الرؤيا ومن قال : أوتي النبوة صبيا قال : لما بلغ أشده زدناه فهما وعلما ( وكذلك نجزي المحسنين ) يعني المؤمنين وقيل : الصابرين على النوائب كما صبر يوسف قاله الضحاك وقال الطبري : هذا وإن كان مخرجه ظاهرا على كل محسن فالمراد به محمد صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى : كما فعلت هذا بيوسف بعد أن قاسى ما قاسى ثم أعطيته ما أعطيته كذلك أنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة وأمكن لك في الأرض < < يوسف : ( 23 ) وراودته التي هو . . . . . > > < > ( يوسف 23 : 24 ) <
> قوله تعالى : ( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ) وهي امرأة العزيز طلبت منه أن يواقعها وأصل المراودة الإرادة والطلب برفق ولين والرود والرياد طلب الكلأ وقيل : هي من رويد يقال : فلان يمشي رويدا أي برفق فالمراودة الرفق في الطلب يقال في الرجل : راودها عن نفسها وفي المرأة راودته عن نفسه والرود التأني يقال : أرودني أمهلني ( وغلقت الأبواب ) غلق للكثير ولا يقال : غلق الباب وأغلق يقع للكثير والقليل كما قال الفرزدق في أبي عمرو بن العلاء : ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها حتى أتيت أبا عمرو بن عمار يقال : إنها كانت سبعة أبواب غلقتها ثم دعته إلى نفسها ( وقالت هيت لك ) أي هلم وأقبل وتعال ولا مصدر له ولا تصريف قال النحاس : فيها سبع قراءات فمن أجل ما فيها وأصحه إسنادا ما رواه الأعمش عن أبي وائل قال : سمعت عبد الله بن مسعود يقرأ هيت لك قال فقلت : إن قوما يقرءونها هيت لك فقال : إنما أقرأ كما علمت قال أبو جعفر : وبعضهم يقول عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يبعد ذلك لأن قوله : إنما أقرأ كما علمت يدل على أنه مرفوع وهذه القراءة بفتح التاء والهاء هي الصحيحة من قراءة بن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وعكرمة وبها قرأ أبو عمرو بن العلاء وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي قال عبد الله بن مسعود : لا تقطعوا في القرآن فإنما هو مثل قول أحدكم : هلم وتعال وقرأ بن أبي إسحاق النحوي قالت هيت لك بفتح الهاء وكسر التاء وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وبن كثير هيت لك بفتح الهاء وضم التاء قال طرفة : ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة هيت فهذه ثلاث قراءات الهاء فيهن مفتوحة وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وقالت هيت لك بكسر الهاء وفتح التاء وقرأ يحيى بن وثاب وقالت هيت لك بكسر الهاء وبعدها ياء ساكنة والتاء مضمومة وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبن عباس ومجاهد وعكرمة : وقالت هئت لك بكسر الهاء وبعدها همزة ساكنة والتاء مضمومة وعن بن عامر وأهل الشام : وقالت هئت بكسر الهاء وبالهمزة وبفتح التاء قال أبو جعفر : هئت لك بفتح التاء لالتقاء الساكنين لأنه صوت نحو مه وصه يجب ألا يعرب والفتح خفيف لأن قبل التاء ياء مثل أين وكيف ومن كسر التاء فإنما كسرها لأن الأصل الكسر لأن الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر ومن ضم فلأن فيه معنى الغاية أي قالت : دعائي لك فلما حذفت الإضافة بني على الضم مثل حيث وبعد وقراءة اهل المدينة فيها قولان : أحدهما أن يكون الفتح لالتقاء الساكنين كما مر والآخر أن يكون فعلا من هاء يهيئ مثل جاء يجيء فيكون المعنى في هئت أي حسنت هيئتك ويكون لك من كلام آخر كما تقول : لك أعني ومن همز وضم التاء فهو فعل بمعنى تهيأت لك وكذلك من قرأ هيت لك وأنكر أبو عمرو هذه القراءة قال أبو عبيدة معمر بن المثنى : سئل أبو عمرو عن قراءة من قرأ بكسر الهاء وضم التاء مهموزا فقال أبو عمرو : باطل جعلها من تهيأت اذهب فاستعرض العرب حتى تنتهي إلى اليمن هل تعرف أحدا يقول هذا وقال الكسائي أيضا : لم تحك هئت عن العرب قال عكرمة : هئت لك أي تهيأت لك وتزينت وتحسنت وهي قراءة غير مرضية لأنها لم تسمع في العربية قال النحاس : وهي جيدة عند البصريين لأنه يقال : هاء الرجل يهاء ويهيئ هيأة فهاء يهيئ مثل جاء يجيء وهئت مثل جئت وكسر الهاء في هيت لغة لقوم يؤثرون كسر الهاء على فتحها قال الزجاج : أجود القراءات هيت بفتح الهاء والتاء قال طرفة : ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة هيت بفتح الهاء والتاء وقال الشاعر في علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أبلغ أمير المؤمن ين أخا العراق إذا أتيتا إن العراق وأهله سلم إليك فهيت هيتا قال بن عباس والحسن : هيت كلمة بالسريانية تدعوه إلى نفسها وقال السدي : معناها بالقبطية هلم لك قال أبو عبيد : كان الكسائي يقول : هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز معناه تعال قال أبو عبيد : فسألت شيخا عالما من حوران فذكر أنها لغتهم وبه قال عكرمة وقال مجاهد وغيره : هي لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها وهي كلمة حث وإقبال على الأشياء قال الجوهري : يقال هوت به وهيت به إذا صاح به ودعاه قال : قد رابني أن الكرى أسكتا لو كان معنيا بها لهيتا أي صاح وقال آخر : يحدو بها كل فتى هيات قوله تعالى : ( قال معاذ الله ) أي أعوذ بالله وأستجير به مما دعوتني إليه وهو مصدر أي أعوذ بالله معاذا فيحذف المفعول وينتصب المصدر بالفعل المحذوف ويضاف المصدر إلى اسم الله كما يضاف المصدر إلى المفعول كما تقول : مررت بزيد مرور عمرو أي كمروري بعمرو ( إنه ربي ) يعني زوجها أي هو سيدي أكرمني فلا أخونه قاله مجاهد وبن إسحاق والسدي وقال الزجاج : أي إن الله ربي تولاني بلطفه فلا أركب ماحرمه ( إنه لا يفلح الظالمون ) وفي الخبر أنها قالت له : يا يوسف ما أحسن صورة وجهك قال : في الرحم صورني ربي قالت : يا يوسف ما أحسن شعرك قال : هو أول شيء يبلى مني في قبري قالت : يا يوسف ما أحسن عينيك قال : بهما أنظر إلى ربي قالت : يا يوسف ارفع بصرك فانظر في وجهي قال : إني أخاف العمى في آخرتي قالت يا يوسف أدنو منك وتتباعد مني قال أريد بذلك القرب من ربي قالت يا يوسف القيطون فرشته لك فادخل معي قال : القيطون لا يسترني من ربي قالت : يا يوسف فراش الحرير قد فرشته لك قم فاقض حاجتي قال : إذا يذهب من الجنة نصيبي إلى غير ذلك من كلامها وهو يراجعها إلى أن هم بها وقد ذكر بعضهم ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة حتى نبأه الله فألقى عليه هيبة النبوة فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه واختلف العلماء في همه ولا خلاف أن همها كان المعصية وأما يوسف فهم بها ( لولا أن رأى برهان ربه ) ولكن لما رأى البرهان ما هم وهذا لوجوب العصمة للأنبياء قال الله تعالى : ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ) فإذا في الكلام تقديم وتأخير أي لولا أن رأى برهان ربه هم بها قال أبو حاتم : كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله : ولقد همت به وهم بها الآية قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير كأنه أراد ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها وقال أحمد بن يحيى : أي همت زليخاء بالمعصية وكانت مصرة وهم يوسف ولم يواقع ما هم به فبين الهمتين فرق ذكر هذين القولين الهروي في كتابه قال جميل : هممت بهم من بثينة لو بدا شفيت غليلات الهوى من فؤاديا آخر : هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله فهذا كله حديث نفس من غير عزم وقيل : هم بها تمنى زوجيتها وقيل : هم بها أي بضربها ودفعها عن نفسه والبرهان كفه عن الضرب إذ لو ضربها لأوهم أنه قصدها بالحرام فامتنعت فضربها وقيل : إن هم يوسف كان معصية وأنه جلس منها مجلس الرجل من امرأته وإلى هذا القول ذهب معظم المفسرين وعامتهم فيما ذكر القشيري أبو نصر وبن الأنباري والنحاس والماوردي وغيرهم قال بن عباس : حل الهميان وجلس منها مجلس الخاتن وعنه : استلقت على قفاها وقعد بين رجليها ينزع ثيابه وقال سعيد بن جبير : أطلق تكة سراويله وقال مجاهد : حل السراويل حتى بلغ الأليتين وجلس منها مجلس الرجل من امرأته قال بن عباس : ولما قال : ذلك ليعلم أني لم اخنه بالغيب قال له جبريل : ولا حين هممت بها يا يوسف فقال عند ذلك : وما أبريء نفسي قالوا : والانكفاف في مثل هذه الحالة دال على الإخلاص وأعظم للثواب قلت : وهذا كان سبب ثناء الله تعالى على ذي الكفل حسب ما يأتي بيانه في ص إن شاء الله تعالى وجواب لولا على هذا محذوف أي لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به ومثله كلا لو تعلمون علم اليقين التكاثر وجوابه لم تتنافسوا قال بن عطية : روي هذا القول عن بن عباس وجماعة من السلف وقالوا : الحكمة في ذلك أن يكون مثلا للمذنبين ليروا أن توبتهم ترجع إلى عفو الله تعالى كما رجعت ممن هو خير منهم ولم يوبقه القرب من الذنب وهذا كله على أن هم يوسف بلغ فيما روت هذه الفرقة إلى أن جلس بين رجلي زليخاء وأخذ في حل ثيابه وتكته ونحو ذلك وهي قد استلقت له حكاه الطبري وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : وبن عباس ومن دونه لا يختلفون في أنه هم بها وهم أعلم بالله وبتأويل كتابه وأشد تعظيما للأنبياء من أن يتكلموا فيهم بغير علم وقال الحسن : إن الله عز وجل لم يذكر معاصي الأنبياء ليعيرهم بها ولكنه ذكرها لكيلا تيأسوا من التوبة قال الغزنوي : مع أن زلة الأنبياء حكما : زيادة الوجل وشدة الحياء بالخجل والتخلي عن عجب العمل والتلذذ بنعمة العفو بعد الأمل وكونهم أئمة رجاء أهل الزلل قال القشيري أبو نصر : وقال قوم جرى من يوسف هم وكان ذلك الهم حركة طبع من غير تصميم للعقد على الفعل وما كان من هذا القبيل لا يؤخذ به العبد وقد يخطر بقلب المرء وهو صائم شرب الماء البارد وتناول الطعام اللذيذ فإذا لم يأكل ولم يشرب ولم يصمم عزمه على الأكل والشرب لا يؤاخذ بما هجس في النفس والبرهان صرفه عن هذا الهم حتى لم يصر عزما مصمما قلت : هذا قول حسن وممن قال به الحسن قال بن عطية : الذي أقول به في هذه الآية إن كون يوسف نبيا في وقت هذه النازلة لم يصح ولا تظاهرت به رواية وإذا كان كذلك فهو مؤمن قد أوتي حكما وعلما ويجوز عليه الهم الذي هو إرادة الشيء دون مواقعته وأن يستصحب الخاطر الرديء على ما في ذلك من الخطيئة وإن فرضناه نبيا في ذلك الوقت فلا يجوز عليه عندي إلا الهم الذي هو خاطر ولا يصح عليه شيء مما ذكر من حل تكته ونحوه لأن العصمة مع النبوة وما روي من أنه قيل له : تكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء فإنما معناه العدة بالنبوة فيما بعد قلت : ما ذكره من هذا التفصيل صحيح لكن قوله تعالى : وأوحينا إليه يدل على أنه كان نبيا على ما ذكرناه وهو قول جماعة من العلماء وإذا كان نبيا فلم يبق إلا أن يكون الهم الذي هم به ما يخطر في النفس ولا يثبت في الصدر وهو الذي رفع الله فيه المؤاخذة عن الخلق إذ لا قدرة للمكلف على دفعه ويكون قوله : وما أبرئ نفسي إن كان من قول يوسف أي من هذا الهم أو يكون ذلك منه على طريق التواضع والاعتراف لمخالفة النفس لما زكى به قبل وبريء وقد أخبر الله تعالى عن حال يوسف من حين بلوغه فقال : ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما على ما تقدم بيانه وخبر الله تعالى صدق ووصفه صحيح وكلامه حق فقد عمل يوسف بما علمه الله من تحريم الزنى ومقدماته وخيانة السيد والجار والأجنبي في أهله فما تعرض لامرأة العزيز ولا أجاب إلى المراودة بل أدبر عنها وفر منها حكمة خص بها وعملا بمقتضى ما علمه الله وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جراي ( وقال عليه السلام مخبرا عن ربه : ( إذا هم عبدي بسيئة فلم يعملها كتبت حسنة ( فإن كان ما يهم به العبد من السيئة يكتب له بتركها حسنة فلا ذنب وفي الصحيح : ( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به ( وقد تقدم قال بن العربي : كان بمدينة السلام إمام من أئمة الصوفية وأي إمام يعرف بابن عطاء تكلم يوما على يوسف وأخباره حتى ذكر تبرئته مما نسب إليه من مكروه فقام رجل من آخر مجلسه وهو مشحون بالخليقة من كل طائفة فقال : يا شيخ يا سيدنا فإذا يوسف هم وما تم قال : نعم لأن العناية من ثم فانظر إلى حلاوة العالم والمتعلم وانظر إلى فطنة العامي في سؤاله وجواب العالم في اختصاره واستيفائه ولذلك قال علماء الصوفية : إن فائدة قوله : ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما إنما أعطاه ذلك إبان غلبة الشهوة لتكون له سببا للعصمة قلت : وإذا تقررت عصمته وبراءته بثناء الله تعالى عليه فلا يصح ما قال مصعب بن عثمان : إن سليمان بن يسار كان من أحسن الناس وجها فاشتاقته امرأة فسامته نفسها فامتنع عليها وذكرها فقالت : إن لم تفعل لأشهرنك فخرج وتركها فرأى في منامه يوسف الصديق عليه السلام جالسا فقال : أنت يوسف فقال : أنا يوسف الذي هممت وأنت سليمان الذي لم تهم فإن هذا يقتضي أن تكون درجة الولاية أرفع من درجة النبوة وهو محال ولو قدرنا يوسف غير نبي فدرجته الولاية فيكون محفوظا كهو ولو غلقت على سليمان الأبواب وروجع في المقال والخطاب والكلام والجواب مع طول الصحبة لخيف عليه الفتنة وعظيم المحنة والله أعلم قوله تعالى : ( لولا أن رأى برهان ربه ) أن في موضع رفع أي لولا رؤية برهان ربه والجواب محذوف لعلم السامع أي لكان ما كان وهذا البرهان غير مذكور في القرآن فروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن زليخاء قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب فقال : ما تصنعين قالت : أستحي من إلهي هذا أن يراني في هذه الصورة فقال يوسف : أنا أولى أن أستحي من الله وهذا أحسن ما قيل فيه لأن فيه إقامة الدليل وقيل : رأى مكتوبا في سقف البيت ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا وقال بن عباس : بدت كف مكتوب عليها وإن عليكم لحافظين الانفطار وقال قوم : تذكر عهد الله وميثاقه وقيل : نودي يا يوسف أنت مكتوب في ديوان الأنبياء وتعمل عمل السفهاء وقيل : رأى صورة يعقوب على الجدران عاضا على أنملته يتوعده فسكن وخرجت شهوته من أنامله قاله قتادة ومجاهد والحسن والضحاك وأبو صالح وسعيد بن جبير وروى الأعمش عن مجاهد قال : حل سراويله فتمثل له يعقوب وقال له يا يوسف فولى هاربا وروى سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير قال : مثل له يعقوب فضرب صدره فخرجت شهوته من أنامله قال مجاهد : فولد لكل واحد من أولاد يعقوب اثنا عشر ذكرا إلا يوسف لم يولد له إلا غلامان ونقص بتلك الشهوة ولده وقيل غير هذا وبالجملة : فذلك البرهان آية من آيات الله أراها الله يوسف حتى قوي إيمانه وامتنع عن المعصية قوله تعالى : ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) الكاف من كذلك يجوز أن تكون رفعا بأن يكون خبر ابتداء محذوف التقدير : البراهين كذلك ويكون نعتا لمصدر محذوف أي أريناه البراهين رؤية كذلك والسوء الشهوة والفحشاء المباشرة وقيل : السوء الثناء القبيح والفحشاء الزنى وقيل : السوء خيانة صاحبه والفحشاء ركوب الفاحشة وقيل : السوء عقوبة الملك العزيز وقرأ بن كثير وأبو عمرو وبن عامر المخلصين بكسر اللام وتأويلها الذين أخلصوا طاعة الله وقرأ الباقون بفتح اللام وتأويلها : الذين أخلصهم الله لرسالته وقد كان يوسف صلى الله عليه وسلم بهاتين الصفتين لأنه كان مخلصا في طاعة الله تعالى مستخلصا لرسالة الله تعالى < <
يوسف : ( 25 ) واستبقا الباب وقدت . . . . . > > < > ( يوسف 25 ) < > قوله تعالى : ( واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر ) فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( واستبقا الباب ) قالت العلماء : وهذا من اختصار القرآن المعجز الذي يجتمع فيه المعاني وذلك أنه لما رأى برهان ربه هرب منها فتعاديا هي لترده إلى نفسها وهو ليهرب عنها فأدركته قبل أن يخرج وقدت قميصه من دبر أي من خلفه قبضت في أعلى قميصه فتخرق القميص عند طوقه ونزل التخريق إلى أسفل القميص والاستباق طلب السبق إلى الشيء ومنه السباق والقد القطع وأكثر ما يستعمل فيما كان طولا قال النابغة : تقد السلوقي المضاعف نسجه وتوقد بالصفاح نار الحباحب والقط بالطاء يستعمل فيما كان عرضا وقال المفضل بن حرب : قرأت في مصحف فلما رأى قميصه عط من دبر أي شق قال يعقوب : العط الشق في الجلد الصحيح والثوب الصحيح وحذفت الألف من استبقا في اللفظ لسكونها وسكون اللام بعدها كما يقال : جاءني عبد الله في التثنية ومن العرب من يقول : جاءني عبدا الله بإثبات الألف بغير همز يجمع بين ساكنين لأن الثاني مدغم والأول حرف مد ولين ومنهم من يقول : عبدا الله بإثبات الألف والهمز كما تقول في الوقف الثانية في الآية دليل على القياس والاعتبار والعمل بالعرف والعادة لما ذكر من قد القميص مقبلا ومدبرا وهذا أمر انفرد به المالكية في كتبهم وذلك أن القميص إذا جبذ من خلف تمزق من تلك الجهة وإذا جبذ من قدام تمزق من تلك الجهة وهذا هو الأغلب قوله تعالى : ( وألفيا سيدها لدى الباب ) أي وجدا العزيز عند الباب وعنى بالسيد الزوج والقبط يسمون الزوج سيدا يقال : ألفاه وصادفه ووارطه ووالطه ولاطه كله بمعنى واحد فلما رأت زوجها طلبت وجها للحيلة وكادت ف ( قالت ماجزاء من أراد بأهلك سوءا ) أي زنى ( إلا أن يسجن أو عذاب أليم ) تقول : يضرب ضربا وجيعا وما جزاء ابتداء وخبره : أن يسجن أو عذاب عطف على موضع أن يسجن لأن المعنى : إلا السجن ويجوز أو عذابا أليما بمعنى : أو يعذب عذابا أليما قاله الكسائي < < يوسف : ( 26 ) قال هي راودتني . . . . . > > < > ( يوسف 26 : 29 ) <
> قوله تعالى : ( قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قال العلماء : لما برأت نفسها ولم تكن صادقة في حبه لأن من شأن المحب إيثار المحبوب قال : هي راودتني عن نفسي نطق يوسف بالحق في مقابلة بهتها وكذبها عليه قال نوف الشامي وغيره : كأن يوسف عليه السلام لم يبن عن كشف القضية فلما بغت به غضب فقال الحق الثانية ( وشهد شاهد من أهلها ) لأنهما لما تعارضا في القول احتاج الملك إلى شاهد ليعلم الصادق من الكاذب فشهد شاهد من أهلها أي حكم حاكم من أهلها لأنه حكم منه وليس بشهادة وقد اختلف في هذا الشاهد على أقوال أربعة : الأول أنه طفل في المهد تكلم قال السهيلي : وهو الصحيح للحديث الوارد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله : ( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة ( وذكر فيهم شاهد يوسف وقال القشيري أبو نصر : قيل فيه : كان صبيا في المهد في الدار وهو بن خالتها وروى سعيد بن جبير عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( تكلم أربعة وهم صغار ( فذكر منهم شاهد يوسف فهذا قول الثاني أن الشاهد قد القميص رواه بن أبي نجيح عن مجاهد وهو مجاز صحيح من جهة اللغة فإن لسان الحال أبلغ من لسان المقال وقد تضيف العرب الكلام إلى الجمادات وتخبر عنها بما هي عليه من الصفات وذلك كثير في أشعارها وكلامها ومن أحلاه قول بعضهم : قال الحائط للوتد لم تشقني قال له : سل من يدقني إلا أن قول الله تعالى بعد من أهلها يبطل أن يكون القميص الثالث أنه خلق من خلق الله تعالى ليس بإنسي ولا بجني قاله مجاهد أيضا وهذا يرده قوله تعالى : من أهلها الرابع أنه رجل حكيم ذو عقل كان الوزير يستشيره في أموره وكان من جملة أهل المرأة وكان مع زوجها فقال : قد سمعت الاستبدار والجلبة من وراء الباب وشق القميص فلا يدري أيكما كان قدام صاحبه فإن كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة وإن كان من خلفه فهو صادق فنظروا إلى القميص فإذا هو مشقوق من خلف هذا قول الحسن وعكرمة وقتادة والضحاك ومجاهد أيضا والسدي قال السدي : كان بن عمها وروي عن بن عباس وهو الصحيح في الباب والله أعلم وروي عن بن عباس رواه عنه إسرائيل عن سماك عن عكرمة قال : كان رجلا ذا لحية وقال سفيان عن جابر عن بن أبي مليكة عن بن عباس أنه قال : كان من خاصة الملك وقال عكرمة : لم يكن بصبي ولكن كان رجلا حكيما وروى سفيان عن منصور عن مجاهد قال : كان رجلا قال أبو جعفر النحاس : والأشبه بالمعنى والله أعلم أن يكون رجلا عاقلا حكيما شاوره الملك فجاء بهذه الدلالة ولو كان طفلا لكانت شهادته ليوسف صلى الله عليه وسلم تغني عن أن يأتي بدليل من العادة لأن كلام الطفل آية معجزة فكانت أوضح من الاستدلال بالعادة وليس هذا بمخالف للحديث ( تكلم أربعة وهم صغار ( منهم صاحب يوسف يكون المعنى صغيرا ليس بشيخ وفي هذا دليل آخر وهو : أن بن عباس رضي الله عنهما روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تواترت الرواية عنه أن صاحب يوسف ليس بصبي قلت : قد روي عن بن عباس وأبي هريرة وبن جبير وهلال بن يساف والضحاك أنه كان صبيا في المهد إلا أنه لو كان صبيا تكلم لكان الدليل نفس كلامه دون أن يحتاج إلى استدلال بالقميص وكان يكون ذلك ( خرق عادة ونوع معجزة والله أعلم وسيأتي من تكلم في المهد من الصبيان في سورة البروج إن شاء الله الثالثة إذا تنزلنا على أن يكون الشاهد طفلا صغيرا فلا يكون فيه دلالة على العمل بالأمارات كما ذكرنا وإذا كان رجلا فيصح أن يكون حجة بالحكم بالعلامة في اللقطة وكثير من المواضع حتى قال مالك في اللصوص إذا وجدت معهم أمتعة فجاء قوم فادعوها وليست لهم بينة فإن السلطان يتلوم لهم في ذلك فإن لم يأت غيرهم دفعها إليهم وقال محمد في متاع البيت إذا اختلفت فيه المرأة والرجل : إن ما كان للرجال فهو للرجل وما كان للنساء فهو للمرأة وما كان للرجل وللمرأة فهو للرجل وكان شريح وإياس بن معاوية يعملان على العلامات في الحكومات وأصل ذلك هذه الآية والله أعلم قوله تعالى : ( إن كان قميصه قد من قبل ) كان موضع جزم بالشرط وفيه من النحو ما يشكل لأن حروف الشرط ترد الماضي إلى المستقبل وليس هذا في كان فقال المبرد محمد بن يزيد : هذا لقوة كان وأنه يعبر بها عن جميع الأفعال وقال الزجاج : المعنى إن يكن أي إن يعلم والعلم لم يقع وكذا الكون لأنه يؤدي عن العلم قد من قبل فخبر عن كان بالفعل الماضي كما قال زهير : وكان طوى كشحا على مستكنة فلا هو أبداها ولم يتقدم وقرأ يحيى بن يعمر وبن أبي إسحاق من قبل بضم القاف والباء واللام وكذا دبر قال الزجاج : يجعلهما غايتين كقبل وبعد كأنه قال : من قبله ومن دبره فلما حذف المضاف إليه وهو مراد صار المضاف غاية نفسه بعد أن كان المضاف إليه غاية له ويجوز من قبل ومن دبر بفتح الراء واللام تشبيها بما لا ينصرف لأنه معرفة ومزال عن بابه وروى محبوب عن أبي عمرو من قبل ومن دبر مخففان مجروران قوله تعالى : ( فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن ) قيل : قال لها ذلك العزيز عند قولها : ما جزاء من أراد بأهلك سوءا وقيل : قاله لها الشاهد والكيد : المكر والحيلة وقد تقدم في الأنفال ( إن كيدكن عظيم ) وإنما قال عظيم لعظم فتنهن واحتيالهن في التخلص من ورطتهن وقال مقاتل عن يحيى بن أبي كثير عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان لأن الله تعالى يقول : إن كيد الشيطان كان ضعيفا وقال : إن كيدكن عظيم ( قوله تعالى : ( يوسف أعرض عن هذا ) القائل هذا هو الشاهد ويوسف نداء مفرد أي يا يوسف فحذف أعرض عن هذا أي لا تذكره لأحد واكتمه ثم أقبل عليها فقال : وأنت ( استغفري لذنبك ) يقول : استغفري زوجك من ذنبك لا يعاقبك ( إنك كنت من الخاطئين ) ولم يقل من الخاطئات لأنه قصد الإخبار عن المذكر والمؤنث فغلب المذكر والمعنى : من الناس الخاطئين أو من القوم الخاطئين مثل : إنها كانت من قوم كافرين النمل وكانت من القانتين التحريم وقيل : إن القائل ليوسف أعرض ولها استغفري زوجها الملك وفيه قولان : أحدهما أنه لم يكن غيورا فلذلك كان ساكنا وعدم الغيرة في كثير من أهل مصر موجود الثاني أن الله تعالى سلبه الغيرة وكان فيه لطف بيوسف حتى كفي بادرته وعفا عنها < <