الحجر : ( 19 ) والأرض مددناها وألقينا . . . . . > > < > ( الحجر 19 : 20 ) < > قوله تعالى : ( والأرض مددناها ) هذا من نعمه أيضا ومما يدل على كمال قدرته قال بن عباس : بسطناها على وجه الماء كما قال : والأرض بعد ذلك دحاها النازعات أي بسطها وقال : والأرض فرشناها فنعم الماهدون الذاريات وهو يرد على من زعم أنها كالكرة وقد تقدم ( وألقينا فيها رواسي ) جبالا ثابتة لئلا تتحرك بأهلها ( وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ) أي مقدر معلوم قاله بن عباس وسعيد بن جبير وإنما قال موزون لأن الوزن يعرف به مقدار الشيء قال الشاعر : قد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه وقال قتادة : موزون يعني مقسوم وقال مجاهد : موزون معدود ويقال : هذا كلام موزون أي منظوم غير منتثر فعلى هذا أي أنبتنا في الأرض ما يوزن من الجواهر والحيوانات والمعادن وقد قال الله عز وجل في الحيوان : وأنبتها نباتا حسنا والمقصود من الإنبات الإنشاء والإيجاد وقيل : ( أنبتنا فيها ) أي في الجبال ( من كل شيء موزون ) من الذهب والفضة والنحاس والرصاص والقزدير حتى الزرنيخ والكحل كل ذلك يوزن وزنا روي معناه عن الحسن وبن زيد وقيل : أنبتنا في الأرض الثمار مما يكال ويوزن وقيل : ما يوزن فيه الأثمان لأنه أجل قدرا وأعم نفعا مما لا ثمن له ( وجعلنا لكم فيها معايش ) يعني المطاعم والمشارب التي يعيشون بها واحدها معيشة [ بسكون الياء ] ومنه قول جرير : تكلفني معيشة آل زيد ومن لي بالمرقق والصناب والأصل معيشة على مفعلة [ بتحريك الياء ] وقد تقدم في الأعراف وقيل : إنها الملابس قاله الحسن وقيل : إنها التصرف في أسباب الرزق مدة الحياة قال الماوردي : وهو الظاهر ( ومن لستم له برازقين ) يريد الدواب والأنعام قاله مجاهد وعنده أيضا هم العبيد والأولاد الذين قال الله فيهم : نحن نرزقهم وإياكم ولفظ من يجوز أن يتناول العبيد والدواب إذا اجتمعوا لأنه إذا اجتمع من يعقل وما لا يعقل غلب من يعقل أي جعلنا لكم فيها معايش وعبيدا وإماء ودواب وأولادا نرزقهم ولا ترزقونهم ف من على هذا التأويل في موضع نصب قال معناه مجاهد وغيره وقيل : أراد به الوحش قال سعيد : قرأ علينا منصور ومن لستم له برازقين قال : الوحش ف من على هذا تكون لما لا يعقل مثل فمنهم من يمشي على بطنه الآية وهي في محل خفض عطفا على الكاف والميم في قوله : لكم وفيه قبح عند البصريين فإنه لا يجوز عندهم عطف الظاهر على المضمر إلا بإعادة حرف الجر مثل مررت به وبزيد ولايجوز مررت به وزيد إلا في الشعر كما قال : فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب وقد مضى هذا المعنى في البقرة وسورة النساء < < الحجر : ( 21 ) وإن من شيء . . . . . > > < > ( الحجر 21 ) <
Kurtubî - el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
İmam Kurtubî · AR
> قوله تعالى : ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ) أي وإن من شيء من أرزاق الخلق ومنافعهم إلا عندنا خزائنه يعني المطر المنزل من السماء لأن به نبات كل شيء قال الحسن : المطر خزائن كل شيء وقيل : الخزائن المفاتيح أي في السماء مفاتيح الأرزاق قاله الكلبي والمعنى واحد ( وما ننزله إلا بقدر معلوم ) أي ولكن لا ننزله إلا على حسب مشيئتنا وعلى حسب حاجة الخلق إليه كما قال : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء وروي عن بن مسعود والحكم بن عيينة وغيرهما أنه ليس عام أكثر مطرا من عام ولكن الله يقسمه كيف شاء فيمطر قوم ويحرم آخرون وربما كان المطر في البحار والقفار والخزائن جمع الخزانة وهو الموضع الذي يستر فيه الإنسان ما له والخزانة أيضا مصدر خزن يخزن وما كان في خزانة الإنسان كان معدا له فكذلك ما يقدر عليه الرب فكأنه معد عنده قاله القشيري وروي جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال : في العرش مثل كل شيء خلقه الله في البر والبحر وهو تأويل قوله تعالى : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه والإنزال بمعنى الإنشاء والإيجاد كقوله : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج وقوله : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد الحديد وقيل : الإنزال بمعنى الإعطاء وسماه إنزالا لأن أحكام الله إنما تنزل من السماء قوله تعالى : < < الحجر : ( 22 ) وأرسلنا الرياح لواقح . . . . . > > < > ( الحجر 22 ) <
> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وأرسلنا الرياح ) قراءة العامة الرياح بالجمع وقرأ حمزة بالتوحيد لأن معنى الريح الجمع أيضا وإن كان لفظها لفظ الواحد كما يقال : جاءت الريح من كل جانب كما يقال : أرض سباسب وثوب أخلاق وكذلك تفعل العرب في كل شيء اتسع وأما وجه قراءة العامة فلأن الله تعالى نعتها ب لواقح وهي جمع ومعنى لواقح حوامل لأنها تحمل الماء والتراب والسحاب والخير والنفع قال الأزهري : وجعل الريح لاقحا لأنها تحمل السحاب أي تقله وتصرفه ثم تمريه فتستدره أي تنزله قال الله تعالى : حتى إذا أقلت سحابا ثقالا أي حملت وناقة لاقح ونوق لواقح إذا حملت الأجنة في بطونها وقيل : لواقح بمعنى ملقحة وهو الأصل ولكنها لا تلقح إلا وهي في نفسها لاقح كأن الرياح لقحت بخير وقيل : ذوات لقح وكل ذلك صحيح أي منها ما يلقح الشجر كقولهم : عيشة راضية أي فيها رضا وليل نائم أي فيه نوم ومنها ما تأتي بالسحاب يقال : لقحت الناقة [ بالكسر ] لقحا ولقاحا [ بالفتح ] فهي لاقح وألقحها الفحل أي ألقى إليها الماء فحملته فالرياح كالفحل للسحاب قال الجوهري : ورياح لواقح ولا يقال ملاقح وهو من النوادر وحكى المهدوي عن أبي عبيدة : لواقح بمعنى ملاقح ذهب إلى أنه جمع ملقحة وملقح ثم حذفت زوائده وقيل : هو جمع لاقحة ولاقح على معنى ذات اللقاح على النسب ويجوز أن يكون معنى لاقح حاملا والعرب تقول للجنوب : لاقح وحامل وللشمال حائل وعقيم وقال عبيد بن عمير : يرسل الله المبشرة فتقم الأرض قما ثم يرسل المثيرة فتثير السحاب ثم يرسل المؤلفة فتؤلفه ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر وقيل : الريح الملاقح التي تحمل الندى فتجمعه في السحاب فإذا اجتمع فيه صار مطرا وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الريح الجنوب من الجنة وهي الريح اللواقح التي ذكرها الله في كتابه وفيها منافع للناس ( وروي عنه عليه السلام أنه قال : ( ما هبت جنوب إلا أنبع الله بها عينا غدقة ( وقال أبو بكر بن عياش : لا تقطر قطرة من السحاب إلا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيها فالصبا تهيجه والدبور تلقحه والجنوب تدره والشمال تفرقه الثانية روي بن وهب وبن القاسم وأشهب وبن عبد الحكم عن مالك واللفظ لأشهب قال مالك : قال الله تعالى : وأرسلنا الرياح لواقح فلقاح القمح عندي أن يحبب ويسنبل ولا أدري ما ييبس في أكمامه ولكن يحبب حتى يكون لو يبس حينئذ لم يكن فساد الأخير فيه ولقاح الشجر كلها أن تثمر ثم يسقط منها ما يسقط ويثبت ما يثبت وليس ذلك بأن تورد قال بن العربي : إنما عول مالك في هذا التفسير على تشبيه لقاح الشجر بلقاح الحمل وأن الولد إذا عقد وخلق ونفخ فيه الروح كان بمنزلة تحبب الثمر وتسنبله لأنه سمي باسم تشترك فيه كل حاملة وهو اللقاح وعليه جاء الحديث ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى يشتد ( قال بن عبد البر : الإبار عند أهل العلم في النخل التلقيح وهو أن يؤخذ شيء من طلع ذكور النخل فيدخل بين ظهراني طلع الإناث ومعنى ذلك في سائر الثمار طلوع الثمرة من التين وغيره حتى تكون الثمرة مرئية منظورا إليها والمعتبر عند مالك وأصحابه فيما يذكر من الثمار التذكير وفيما لا يذكر أن يثبت من نواره ما يثبت ويسقط ما يسقط وحد ذلك في الزرع ظهوره من الأرض قاله مالك وقد روي عنه أن إباره أن يحبب ولم يختلف العلماء أن الحائط إذا انشق طلع إناثه فأخر إباره وقد أبر غيره ممن حاله مثل حاله أن حكمه حكم ما أبر لأنه قد جاء عليه وقت الإبار وثمرته ظاهرة بعد تغيبها في الحب فإن إبر بعض الحائط كان ما لم يؤبر تبعا له كما أن الحائط إذا بدا صلاحه كان سائر الحائط تبعا لذلك الصلاح في جواز بيعه الثالثة روى الأئمة كلهم عن بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع ومن ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع ( قال علماؤنا : إنما لم يدخل الثمر المؤبر مع الأصول في البيع إلا بالشرط لأنه عين موجودة يحاط بها أمن سقوطها غالبا بخلاف التي لم تؤبر إذ ليس سقوطها مأمونا فلم يتحقق لها وجود فلم يجز للبائع اشتراطها ولا استثناؤها لأنها كالجنين وهذا هو المشهور من مذهب مالك وقيل : يجوز استثناؤها وهو قول الشافعي الرابعة لو اشترى النخل وبقي الثمر للبائع جاز لمشتري الأصل شراء الثمرة قبل طيبها على مشهور قول مالك ويرى لها حكم التبعية وأن أفردت بالعقد وعنه في رواية : لا يجوز وبذلك قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأهل الظاهر وفقهاء الحديث وهو الأظهر من أحاديث النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها الخامسة ومما يتعلق بهذا الباب النهي عن بيع الملاقح والملاقح الفحول من الإبل الواحد ملقح والملاقح أيضا الإناث التي في بطونها أولادها الواحدة ملقحة [ بفتح القاف ] والملاقيح ما في بطون النوق من الأجنة الواحدة ملقوحة من قولهم : لقحت كالمحموم من حم والمجنون من جن وفي هذا جاء النهي وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن المجر وهو بيع ما في بطون الإناث ونهى عن المضامين والملاقيح قال أبو عبيد : المضامين ما في البطون وهي الأجنة والملاقيح ما في أصلاب الفحول وهو قول سعيد بن المسيب وغيره وقيل بالعكس : إن المضامين ما في ظهور الجمال والملاقيح ما في بطون الإناث وهو قول بن حبيب وغيره وأي الأمرين كان فعلماء المسلمين مجمعون على أن ذلك لا يجوز وذكر المزني عن بن هشام شاهدا بأن الملاقيح ما في البطون لبعض الأعراب : منيتي ملاقحا في الأبطن تنتج ما تلقح بعد أزمن وذكر الجوهري على ذلك شاهدا قول الراجز : إنا وجدنا طرد الهوامل خيرا من التأنان والمسائل وعدة العام وعام قابل ملقوحة في بطن ناب حامل قوله تعالى : ( وأنزلنا من السماء ) أي من السحاب وكل ما علاك فأظلك يسمى سماء وقيل : من جهة السماء ( ماء ) أي قطرا ( فأسقيناكموه ) أي جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم وقيل : سقى وأسقى بمعنى وقيل بالفرق وقد تقدم ( وما أنتم له بخازنين ) أي ليست خزائنه عندكم أي نحن الخازنون لهذا الماء ننزله إذا شئنا ونمسكه إذا شئنا ومثله وأنزلنا من السماء ماء طهورا وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون وقال سفيان : لستم بمانعين المطر < <
الحجر : ( 23 ) وإنا لنحن نحيي . . . . . > > < > ( الحجر 23 ) < > أي الأرض ومن عليها ولا يبقى شيء سوانا نظيره إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون فملك كل شيء لله تعالى ولكن ملك عباده أملاكا فاذا ماتوا انقطعت الدعاوى فكان الله وارثا من هذا الوجه وقيل : الإحياء في هذه الآية إحياء النطفة في الأرحام فأما البعث فقد ذكره بعد هذا في قوله : وإن ربك هو يحشرهم < < الحجر : ( 24 ) ولقد علمنا المستقدمين . . . . . > > < > ( الحجر 24 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ) فيه ثمان تأويلات : الأول المستقدمين في الخلق إلى اليوم والمستأخرين الذين لم يخلقوا بعد قاله قتادة وعكرمة وغيرهما الثاني المستقدمين الأموات والمستأخرين الأحياء قاله بن عباس والضحاك الثالث المستقدمين من تقدم أمة محمد والمستأخرين أمة محمد صلى الله عليه وسلم قاله مجاهد الرابع المستقدمين في الطاعة والخير والمستأخرين في المعصية والشر قاله الحسن وقتادة أيضا الخامس المستقدمين في صفوف الحرب والمستأخرين فيها قاله سعيد بن المسيب السادس المستقدمين من قتل في الجهاد والمستأخرين من لم يقتل قاله القرظي السابع المستقدمين أول الخلق والمستأخرين آخر الخلق قاله الشعبي الثامن المستقدمين في صفوف الصلاة والمستأخرين فيها بسبب النساء وكل هذا معلوم لله تعالى فإنه عالم بكل موجود ومعدوم وعالم بمن خلق وما هو خالقه إلى يوم القيامة إلا أن القول الثامن هو سبب نزول الآية لما رواه النسائي والترمذي عن أبي الجوزاء عن بن عباس قال : كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطه فأنزل الله عز وجل ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين وروي عن أبي الجوزاء ولم يذكر بن عباس وهو أصح الثانية هذا يدل على فضل أول الوقت في الصلاة وعلى فضل الصف الأول قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ( فإذا جاء الرجل عند الزوال فنزل في الصف الأول مجاور الإمام حاز ثلاث مراتب في الفضل : أول الوقت والصف الأول ومجاورة الإمام فان جاء عند الزوال فنزل في الصف الآخر أو فيما نزل عن الصف الأول فقد حاز فضل أول الوقت وفاته فضل الصف الأول والمجاورة فإن جاء وقت الزوال ونزل في الصف الأول دون ما يلي الإمام فقد حاز فضل أول الوقت وفضل الصف الأول وفاته مجاورة الإمام فإن جاء بعد الزوال ونزل في الصف الأول فقد فاته فضيلة أول الوقت وحاز فضيلة الصف الأول ومجاورة الإمام وهكذا ومجاورة الإمام لا تكون لكل أحد وإنما هي كما قال صلى الله عليه وسلم : ( ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ( الحديث فما يلي الإمام ينبغي أن يكون لمن كانت هذه صفته فإن نزلها غيره أخر وتقدم هو إلى الموضع لأنه حقه بأمر صاحب الشرع كالمحراب هو موضع الإمام تقدم أو تأخر قاله بن العربي قلت : وعليه يحمل قول عمر رضي الله عنه : تأخر يا فلان تقدم يا فلان ثم يتقدم فيكبر وقد روي عن كعب أن الرجل من هذه الأمة ليخر ساجدا فيغفر لمن خلفه وكان كعب يتوخى الصف المؤخر من المسجد رجاء ذلك ويذكر أنه وجده كذلك في التوراة ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول وسيأتي في سورة الصافات زيادة بيان لهذا الباب إن شاء الله تعالى الثالثة وكما تدل هذه الآية على فضل الصف الأول في الصلاة فكذلك تدل على فضل الصف الأول في القتال فإن القيام في نحر العدو وبيع العبد نفسه من الله تعالى لا يوازيه عمل فالتقدم إليه أفضل ولا خلاف فيه ولا خفاء به ولم يكن أحد يتقدم في الحرب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان أشجع الناس قال البراء : كنا والله إذا احمر البأس نتقي به وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي صلى الله عليه وسلم < <
الحجر : ( 25 ) وإن ربك هو . . . . . > > < > ( الحجر 25 ) < > قوله تعالى : ( وإن ربك هو يحشرهم ) أي للحساب والجزاء ( إنه حكيم عليم ) تقدم < < الحجر : ( 26 ) ولقد خلقنا الإنسان . . . . . > > < > ( الحجر 26 ) < > قوله تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان ) يعني آدم عليه السلام ( من صلصال ) أي من طين يابس عن بن عباس وغيره والصلصال : الطين الحر خلط بالرمل فصار يتصلصل إذا جف فإذا طبخ بالنار فهو الفخار عن أبي عبيدة وهو قول أكثر المفسرين وأنشد أهل اللغة : كعدو المصلصل الجوال وقال مجاهد : هو الطين المنتن واختاره الكسائي قال : وهو من قول العرب : صل اللحم وأصل إذا أنتن مطبوخا كان أو نيئا يصل صلولا قال الحطيئة : ذاك فتى يبذل ذا قدره لا يفسد اللحم لديه الصلول وطين صلال ومصلال أي يصوت إذا نقرته كما يصوت الحديد فكان أول ترابا أي متفرق الأجزاء ثم بل فصار طينا ثم ترك حتى أنتن فصار حما مسنونا أي متغيرا ثم يبس فصار صلصالا على قول الجمهور وقد مضى في البقرة بيان هذا والحمأ : الطين الأسود وكذلك الحمأة بالتسكين تقول منه : حمئت البئر حمأ [ بالتسكين ] إذا نزعت حمأتها وحمئت البئر حمأ [ بالتحريك ] كثرت حمأتها وأحمأتها إحماء ألقيت فيها الحمأة عن بن السكيت وقال أبو عبيدة : الحمأة [ بسكون الميم ] مثل الكمأة والجمع حمء مثل تمرة وتمر والحمأ المصدر مثل الهلع والجزع ثم سمي به والمسنون المتغير قال بن عباس : هو التراب المبتل المنتن فجعل صلصالا كالفخار ومثله قول مجاهد وقتادة قالا : المنتن المتغير من قولهم : قد أسن الماء إذا تغير ومنه يتسنه وماء غير آسن محمد ومنه قول أبي قيس بن الأسلت : سقت صداي رضابا غير ذي أسن كالمسك فت على ماء العناقيد وقال الفراء : هو المتغير وأصله من قولهم : سننت الحجر على الحجر إذا حككته به وما يخرج من الحجرين يقال له السنانة والسنين ومنه المسن قال الشاعر : ثم خاصرتها إلى القبة الحمراء تمشي في مرمر مسنون أي محكوك مملس حكى أن يزيد بن معاوية قال لأبيه : ألا ترى عبد الرحمن بن حسان يشبب بابنتك فقال معاوية : وما قال فقال قال : هي زهراء مثل لؤلؤة الغواص ميزت من جوهر مكنون فقال معاوية : صدق فقال يزيد : إنه يقول : وإذا ما نسبتها لم تجدها في سناء من المكارم دون فقال : صدق فقال : أين قوله : ثم خاصرتها البيت فقال معاوية : كذب وقال أبو عبيدة : المسنون المصبوب وهو من قول العرب : سننت الماء وغيره على الوجه إذا صببته والسن الصب وروي علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال : المسنون الرطب وهذا بمعنى المصبوب لأنه لا يكون مصبوبا إلا وهو رطب النحاس : وهذا قول حسن لأنه يقال : سننت الشيء أي صببته قال أبو عمرو بن العلاء : ومنه الأثر المروي عن عمر أنه كان يسن الماء على وجهه ولا يشنه والشن [ بالشين ] تفريق الماء وبالسين المهملة صبه من غير تفريق وقال سيبويه : المسنون المصور أخذ من سنة الوجه وهو صورته وقال ذو الرمة : تريك سنة وجه مفرقة ملساء ليس بها خال ولا ندب وقال الأخفش : المسنون المنصوب القائم من قولهم : وجه مسنون إذا كان فيه طول وقد قيل : إن الصلصال التراب المدقق حكاه المهدوي ومن قال : إن الصلصال هو المنتن فأصله صلال فأبدل من إحدى المين الصاد ومن حمإ مفسر لجنس الصلصال كقولك : أخذت هذا من رجل من العرب < < الحجر : ( 27 ) والجان خلقناه من . . . . . > > <
> ( الحجر 27 ) < > قوله تعالى : ( والجان خلقناه من قبل ) أي من قبل خلق آدم وقال الحسن : يعني إبليس خلقه الله تعالى قبل آدم عليه السلام وسمي جانا لتواريه عن الأعين وفي صحيح مسلم من حديث ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لما صور الله تعالى آدم عليه السلام في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك ( من نار السموم ) قال بن مسعود : نار السموم التي خلق الله منها الجان جزء من سبعين جزءا من نار جهنم وقال بن عباس : السموم الريح الحارة التي تقتل وعنه : أنها نار لا دخان لها والصواعق تكون منها وهي نار تكون بين السماء والحجاب فإذا أحدث الله أمرا أخترقت الحجاب فهوت الصاعقة إلى ما أمرت فالهدة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب وقال الحسن : نار السموم نار دونها حجاب والذي تسمعون من انغطاط السحاب صوتها وعن بن عباس أيضا قال : كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة قال : وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار قلت : هذا فيه نظر فإنه يحتاج إلى سند يقطع العذر إذ مثله لا يقال من جهة الرأي وقد خرج مسلم من حديث عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم فقوله : ( خلقت الملائكة من نور ( يقتضي العموم والله أعلم وقال الجوهري : مارج من نار نار لا دخان لها خلق منها الجان والسموم الريح الحارة تؤنث يقال منه : سم يومنا فهو يوم مسموم والجمع سمائم قال أبو عبيدة : السموم بالنهار وقد تكون بالليل والحرور بالليل وقد تكون بالنهار القشيري : وسميت الريح الحارة سموما لدخولها في مسام البدن < < الحجر : ( 28 ) وإذ قال ربك . . . . . > > < > ( الحجر 28 : 29 ) < > قوله تعالى : ( وإذا قال ربك للملائكة ) تقدم في البقرة ( إني خالق بشرا من صلصال ) من طين ( فإذا سويته ) أي سويت خلقه وصورته ( ونفخت فيه من روحي ) النفخ إجراء الريح في الشيء والروح جسم لطيف أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم وحقيقته إضافة خلق إلى خالق فالروح خلق من خلقه أضافه إلى نفسه تشريفا وتكريما كقوله : ( أرضي وسمائي وبيتي وناقة الله وشهر الله ( ومثله وروح منه وقد تقدم في النساء مبينا وذكرنا في كتاب [ التذكرة ] الأحاديث الواردة التي تدل على أن الروح جسم لطيف وأن النفس والروح اسمان لمسمى واحد وسيأتي ذلك إن شاء الله ومن قال إن الروح هو الحياة قال أراد : فإذا ركبت فيه الحياة ( فقعوا له ساجدين ) أي خروا له ساجدين وهو سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة ولله أن يفضل من يريد ففضل الأنبياء على الملائكة وقد تقدم في البقرة هذا المعنى وقال القفال : كانوا أفضل من آدم وامتحنهم بالسجود له تعريضا لهم للثواب الجزيل وهو مذهب المعتزلة وقيل : أمروا بالسجود لله عند آدم وكان آدم قبلة لهم < < الحجر : ( 30 ) فسجد الملائكة كلهم . . . . . > > < > ( الحجر 30 : 31 ) <
> قوله تعالى : ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) فيه مسألتان : الأولى لا شك أن إبليس كان مأمورا بالسجود لقوله : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك وإنما منعه من ذلك الاستكبار والاستعظام كما تقدم في البقرة بيانه ثم قيل : كان من الملائكة فهو استثناء من الجنس وقال قوم : لم يكن من الملائكة فهو استثناء منقطع وقد مضى في البقرة هذا كله مستوفى وقال بن عباس : الجان أبو الجن وليسوا شياطين والشياطين ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس والجن يموتون ومنهم المؤمن ومنهم الكافر فآدم أبو الإنس والجان أبو الجن وإبليس أبو الشياطين ذكره الماوردي والذي تقدم في البقرة خلاف هذا فتأمله هناك الثانية الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند الشافعي حتى لو قال : لفلان علي دينار إلا ثوبا أو عشرة أثواب إلا قفيز حنطة وما جانس ذلك كان مقبولا ولا يسقط عنه من المبلغ قيمة الثوب والحنطة ويستوي في ذلك المكيلات والموزونات والمقدرات وقال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما : استثناء المكيل من الموزون والموزون من المكيل جائز حتى لو استثنى الدراهم من الحنطة والحنطة من الدراهم قبل فأما إذا استثنى المقومات من المكيلات أو الموزونات والمكيلات من المقومات مثل أن يقول : علي عشرة دنانير إلا ثوبا أو عشرة أثواب إلا دينارا لا يصح الاستثناء ويلزم المقر جميع المبلغ وقال محمد بن الحسن : الاستثناء من غير الجنس لا يصح ويلزم المقر جملة ما أقر به والدليل لقول الشافعي أن لفظ الاستثناء يستعمل في الجنس وغير الجنس قال الله تعالى : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما فاستثنى السلام من جملة اللغو ومثله فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس وإبليس ليس من جملة الملائكة قال الله تعالى : إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه وقال الشاعر : وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس فاستثنى اليعافير وهي ذكور الظباء والعيس وهي الجمال البيض من الأنيس ومثله قول النابغة : < < الحجر : ( 32 ) قال يا إبليس . . . . . > > < > ( الحجر 32 : 35 ) < > قوله تعالى : ( قال ياإبليس ما لك ) أي ما المانع لك ( ألا تكون مع الساجدين ) أي في ألا تكون ( قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون ) بين تكبره وحسده وأنه خير منه إذ هو من نار والنار تأكل الطين كما تقدم في الأعراف بيانه ( قال فأخرج منها ) أي من السماوات أو من جنة عدن أو من جملة الملائكة ( فإنك رجيم ) أي مرجوم بالشهب وقيل : ملعون مشئوم وقد تقدم هذا كله مستوفى في البقرة والأعراف ( وإن عليك اللعة ) أي لعنتي كما في سورة ص < < الحجر : ( 36 ) قال رب فأنظرني . . . . . > > < > ( الحجر 36 : 38 ) < > قوله تعالى : ( قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون ) هذا السؤال من إبليس لم يكن عن ثقته منه بمنزلته عند الله تعالى وأنه أهل أن يجاب له دعاء ولكن سأل تأخير عذابه زيادة في بلائه كفعل الآيس من السلامة وأراد بسؤاله الإنظار إلى يوم يبعثون : ألا يموت لأن يوم البعث لا موت فيه ولابعده قال الله تعالى : ( فإنك من المنظرين ) يعني من المؤجلين ( إلى يوم الوقت المعلوم ) قال بن عباس : أراد به النفخة الأولى أي حين تموت الخلائق وقيل : الوقت المعلوم الذي استأثر الله بعلمه ويجهله إبليس فيموت إبليس ثم يبعث قال الله تعالى : كل من عليها فان وفي كلام الله تعالى قولان : أحدهما كلمه على لسان رسوله الثاني كلمه تغليظا في الوعيد لا على وجه التكرمة والتقريب < <
الحجر : ( 39 ) قال رب بما . . . . . > > < > ( الحجر 39 ) < > قوله تعالى : ( قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ) تقدم معنى الإغواء والزينة في الأعراف وتزيينه هنا يكون بوجهين : إما بفعل المعاصي وإما بشغلهم بزينة الدنيا عن فعل الطاعة ومعنى ( لأغوينهم أجمعين ) أي لأضلنهم عن طريق الهدى وروى بن لهيعة عبد الله عن دراج بن السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن إبليس قال يارب وعزتك وجلالك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم مااستغفروني ( < < الحجر : ( 40 ) إلا عبادك منهم . . . . . > > < > ( الحجر 40 ) < > قرأ أهل المدينة وأهل الكوفة بفتح اللام أي الذين استخلصتهم وأخلصتهم وقرأ الباقون بكسر اللام أي الذين أخلصوا لك العبادة من فساد أو رياء حكى أبو ثمامة أن الحواريين سألوا عيسى عليه السلام عن المخلصين لله فقال : ( الذي يعمل ولايحب أن يحمده الناس ( < < الحجر : ( 41 ) قال هذا صراط . . . . . > > < > ( الحجر 41 ) < > قال عمر بن الخطاب : معناه هذا صراط يستقيم بصاحبه حتى يهجم به على الجنة الحسن : علي بمعنى إلي مجاهد والكسائي : هذا على الوعيد والتهديد كقولك لمن تهدده : طريقك علي ومصيرك إلي وكقوله : إن ربك لبالمرصاد فكان معنى الكلام : هذا طريق مرجعه إلي فأجازي كلا بعمله يعني طريق العبودية وقيل : المعنى علي أن أدل على الصراط المستقيم بالبيان والبرهان وقيل : بالتوفيق والهداية وقرأ بن سيرين وقتادة والحسن وقيس بن بن عباد وأبو رجاء وحميد ويعقوب هذا صراط علي مستقيم برفع علي وتنوينه ومعناه رفيع مستقيم أي رفيع في الدين والحق وقيل : رفيع أن ينال مستقيم أن يمال قوله تعالى : < < الحجر : ( 42 ) إن عبادي ليس . . . . . > > < > ( الحجر 42 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) قال العلماء : يعني على قلوبهم وقال بن عيينة : أي في أن يلقيهم في ذنب يمنعهم عفوي ويضيقه عليهم وهؤلاء الذين هداهم الله واجتباهم واختارهم واصطفاهم قلت : لعل قائلا يقول : قد أخبر الله عن صفة آدم وحواء عليهما السلام بقوله : فأزلهما الشيطان وعن جملة من أصحاب نبيه بقوله : إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا فالجواب ما ذكر وهو أنه ليس له سلطان على قلوبهم ولاموضع إيمانهم ولايلقيهم في ذنب يؤول إلى عدم القبول بل تزيله التوبة وتمحوه الأوبة ولم يكن خروج آدم عقوبة لما تناول على ما تقدم في البقرة بيانه وأما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى القول عنهم في آل عمران ثم إن قوله سبحانه : ليس لك عليهم سلطان يحتمل أن يكون خاصا فيمن حفظه الله ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات والأحوال وقد يكون في تسلطه في تفريج كربة وإزالة غمة كما فعل ببلال إذ أتاه يهديه كما يهدي الصبي حتى نام ونام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس وفزعوا وقالوا : ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( ليس في النوم تفريط ( ففرج عنهم ( إلا من اتبعك من الغاوين ) أي الضالين المشركين أي سلطانه على هؤلاء دليله إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون الثانية وهذه الآية والتي قبلها دليل على جواز استثناء القليل من الكثير والكثير من القليل مثل أن يقول : عشرة إلا درهما أو يقول : عشرة إلا تسعة وقال أحمد بن حنبل : لا يجوز أن يستثني إلا قدر النصف فما دونه وأما استثناء الأكثر من الجملة فلا يصح ودليلنا هذه الآية فإن فيها استثناء الغاوين من العباد والعباد من الغاوين وذلك يدل على أن استثناء الأقل من الجملة واستثناء الأكثر من الجملة جائز قوله تعالى : < <
الحجر : ( 43 ) وإن جهنم لموعدهم . . . . . > > < > ( الحجر 43 : 44 ) <
> قوله تعالى : ( وإن جهنم لموعدهم أجمعين ) يعني إبليس ومن اتبعه ( لها سبعة أبواب ) أي أطباق طبق فوق طبق ( لكل باب ) أي لكل طبقة ( منهم جزء مقسوم ) أي حظ معلوم ذكر بن المبارك قال : أخبرنا إبراهيم أبو هارون الغنوي قال : سمعت حطان بن عبد الله الرقاشي يقول سمعت عليا رضي الله عنه يقول : هل تدرون كيف أبواب جهنم قلنا هي مثل أبوابنا قال لا هي هكذا بعضها فوق بعض زاد الثعلبي : ووضع إحدى يديه على الأخرى وأن الله وضع الجنان على الأرض والنيران بعضها فوق بعض فأسفلها جهنم وفوقها الحطمة وفوقها سقر وفوقها الجحيم وفوقها لظى وفوقها السعير وفوقها الهاوية وكل باب أشد حرا من الذي يليه سبعين مرة قلت : كذا وقع هذا التفسير والذي عليه الأكثر من العلماء أن جهنم أعلى الدركات وهي مختصة بالعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهي التي تخلى من أهلها فتصفق الرياح أبوابها ثم لظى ثم الحطمة ثم سعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية قال الضحاك : في الدرك الأعلى المحمديون وفي الثاني النصارى وفي الثالث اليهود وفي الرابع الصابئون وفي الخامس المجوس وفي السادس مشركو العرب وفي السابع المنافقون وآل فرعون ومن كفر من أهل المائدة قال الله تعالى : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار وقد تقدم في النساء وقال : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وقال : فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين وقسم معاذ بن جبل رضي الله عنه العلماء السوء من هذه الأمة تقسيما على تلك الأبواب ذكرناه في كتاب [ التذكرة ] وروى الترمذي من حديث بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل سيفه على أمتي ( قال : حديث غريب وقال أبي بن كعب : لجهنم سبعة أبواب باب منها للحرورية وقال وهب بن منبه : بين كل بابين مسيرة سبعين سنة كل باب أشد حرا من الذي فوقه بسبعين ضعفا وقد ذكرنا هذا كله في كتاب التذكرة وروى سلام الطويل عن أبي سفيان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم جزء أشركوا بالله وجزء شكوا في الله وجزء غفلوا عن الله وجزء آثروا شهواتهم على الله وجزء شفوا غيظهم بغضب الله وجزء صيروا رغبتهم بحظهم من الله وجزء عتوا على الله ذكره الحليمي أبو عبد الله الحسين بن الحسن في كتاب [ منهاج الدين ] له وقال : فإن كان ثابتا فالمشركون بالله هم الثنوية والشاكون هم الذين لا يدرون أن لهم إلها أو لا إله لهم ويشكون في شريعته أنها من عنده أم لا والغافلون عن الله هم الذين يجحدونه أصلا ولايثبتونه وهم الدهرية والمؤثرون شهواتهم على الله هم المنهمكون في المعاصي لتكذيبهم رسل الله وأمره ونهيه والشافون غيظهم بغضب الله هم القاتلون أنبياء الله وسائر الداعين إليه المعذبون من ينصح لهم أو يذهب غير مذهبهم والمصيرون رغبتهم بحظهم من الله المنكرون بالبعث والحساب فهم يعبدون ما يرغبون فيه لهم جميع حظهم من الله تعالى والعاتون على الله الذين لا يبالون بأن يكون ما هم فيه حقا أو باطلا فلا يتفكرون ولايعتبرون ولايستدلون والله أعلم بما أراد رسوله صلى الله عليه وسلم إن ثبت الحديث ويروى أن سلمان الفارسي رضي الله عنه لما سمع هذه الآية وإن جهنم لموعدهم أجمعين فر ثلاثة أيام من الخوف لا يعقل فجيء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال : يا رسول الله أنزلت هذه الآية وإن جهنم لموعدهم أجمعين فو الذي بعثك بالحق لقد قطعت قلبي فأنزل الله تعالى إن المتقين في جنات وعيون وقال بلال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في مسجد المدينة وحده فمرت به امرأة أعرابية فصلت خلفه ولم يعلم بها فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم فخرت الأعرابية مغشيا عليها وسمع النبي صلى الله عليه وسلم وجبتها فانصرف ودعا بماء فصب على وجهها حتى أفاقت وجلست فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ياهذه مالك ( فقالت : أهذا شيء في كتاب الله المنزل أو تقوله من تلقاء نفسك فقال : ( ياأعرابية بل هو من كتاب الله المنزل ( فقالت : كل عضو من أعضائي يعذب على كل باب منها قال : ( ياأعرابية بل لكل باب منهم جزء مقسوم يعذب أهل كل منها على قدر أعمالهم ( فقالت : والله إني امرأة مسكينة ما لي مال ومالي إلا سبعة أعبد أشهدك يا رسول الله أن كل عبد منهم عن كل باب من أبواب جهنم حر لوجه الله تعالى فأتاه جبريل فقال : ( يا رسول الله بشر الأعرابية أن الله قد حرم عليها أبواب جهنم كلها وفتح لها أبواب الجنة كلها ( < <