Qur'an&Sunnahالقرآن

Kurtubî - el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

İmam Kurtubî · AR

قسم V10/P145–V10/P148Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V10/P145–V10/P148)

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ضرب الله مثلا ) نبه تعالى على ضلالة المشركين وهو منتظم بما قبله من ذكر نعم الله عليهم وعدم مثل ذلك من آلهتهم ضرب الله مثلا أي بين شبها ثم ذكر ذلك فقال : ( عبدا مملوكا ) أي كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر من أمره على شيء ورجل حر قد رزق رزقا حسنا فكذلك أنا وهذه الأصنام فالذي هو مثال في هذه الآية هو عبد بهذه الصفة مملوك لا يقدر على شيء من المال ولا من أمر نفسه وإنما هو مسخر بإرادة سيده ولا يلزم من الآية أن العبيد كلهم بهذه الصفة فإن النكرة في الإثبات لا تقتضي الشمول عند أهل اللسان كما تقدم وإنما تفيد واحدا فإذا كانت بعد أمر أو نهي أو مضافة إلى مصدر كانت للعموم الشيوعي كقوله : أعتق رجلا ولا تهن رجلا والمصدر كإعتاق رقبة فأي رجل أعتق فقد خرج عن عهدة الخطاب ويصح منه الاستثناء وقال قتادة : هذا المثل للمؤمن والكافر فذهب قتادة إلى أن العبد المملوك هو الكافر لأنه لا ينتفع في الآخرة بشيء من عبادته وإلى أن معنى ومن رزقناه منا رزقا حسنا المؤمن والأول عليه الجمهور من أهل التأويل قال الأصم : المراد بالعبد المملوك الذي ربما يكون أشد من مولاة أسرا وأنضر وجها وهو لسيده ذليل لا يقدر إلا على ما أذن له فيه فقال الله تعالى ضربا للمثال أي فإذا كان هذا شأنكم وشأن عبيدكم فكيف جعلتم أحجارا مواتا شركاء لله تعالى في خلقه وعبادته وهي لا تعقل ولا تسمع الثانية فهم المسلمون من هذه الآية ومما قبلها نقصان رتبة العبد عن الحر في الملك وأنه لا يملك شيئا وإن ملك قال أهل العراق : الرق ينافي الملك فلا يملك شيئا ألبتة بحال وهو قول الشافعي في الجديد وبه قال الحسن وبن سيرين ومنهم من قال : يملك إلا أنه ناقص الملك لأن لسيده أن ينتزعه منه أي وقت شاء وهو قول مالك ومن اتبعه وبه قال الشافعي في القديم وهو قول أهل الظاهر ولهذا قال أصحابنا : لا تجب عليه عبادة الأموال من زكاة وكفارات ولا من عبادات الأبدان ما يقطعه عن خدمة سيده كالحج والجهاد وغير ذلك وفائدة هذه المسألة أن سيده لو ملكه جارية جاز له أن يطأها بملك اليمين ولو ملكه أربعين من الغنم فحال عليها الحول لم تجب على السيد زكاتها لأنها ملك غيره ولا على العبد لأن ملكه غير مستقر والعراقي يقول : لا يجوز له أن يطأ الجارية والزكاة في النصاب واجبة على السيد كما كانت ودلائل هذه المسألة للفريقين في كتب الخلاف وأدل دليل لنا قوله تعالى : الله الذي خلقكم ثم رزقكم الروم فسوى بين العبد والحر في الرزق والخلق وقال عليه السلام : ( من أعتق عبدا وله مال ( فأضاف المال إليه وكان بن عمر يرى عبده يتسرى في ماله فلا يعيب عليه ذلك وروي عن بن عباس أن عبدا له طلق امرأته طلقتين فأمره أن يرتجعها بملك اليمين فهذا دليل على أنه يملك ما بيده ويفعل فيه ما يفعل المالك في ملكه ما لم ينتزعه سيده والله أعلم الثالثة وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن طلاق العبد بيد سيده وعلى أن بيع الأمة طلاقها معولا على قوله تعالى : لا يقدر على شيء قال : فظاهره يفيد أنه لا يقدر على شيء أصلا لا على الملك ولا على غيره فهو على عمومه إلا أن يدل دليل على خلافه وفيما ذكرناه عن بن عمر وبن عباس ما يدل على التخصيص والله تعالى أعلم الرابعة قال أبو منصور في عقيدته : الرزق ما وقع الاغتذاء به وهذه الآية ترد هذا التخصيص وكذلك قوله تعالى : ومما رزقناهم ينفقون وأنفقوا مما رزقناكم وغير ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( جعل رزقي تحت ظل رمحي ( وقوله : ( أرزاق أمتي في سنابك خيلها وأسنة رماحها ( فالغنيمة كلها رزق وكل ما صح به الانتفاع فهو رزق وهو مراتب : أعلاها ما يغذي وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه الانتفاع في قوله : ( يقول بن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ( وفي معنى اللباس يدخل الركوب وغير ذلك وفي ألسنة المحدثين : السماع رزق يعنون سماع الحديث وهو صحيح الخامسة قوله تعالى : ( ومن رزقناه منا رزقا حسنا ) هو المؤمن يطيع الله في نفسه وماله والكافر ما لم ينفق في الطاعة صار كالعبد الذي لا يملك شيئا ( هل يستوون ) أي لا يستوون ولم يقل يستويان لمكان من لأنه اسم مبهم يصلح للواحد والأثنين والجمع والمذكر والمؤنث وقيل : إن عبدا مملوكا ومن رزقناه أريد بهما الشيوع في الجنس ( الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) أي هو مستحق للحمد دون ما يعبدون من دونه إذ لا نعمة للأصنام عليهم من يد ولا معروف فتحمد عليه إنما الحمد الكامل لله لأنه المنعم الخالق ( بل أكثرهم ) أي اكثر المشركين ( لا يعلمون ) ان الحمد لي وجميع النعمة مني وذكر الأكثر وهو يريد الجميع فهو خاص أريد به التعميم وقيل : أي بل أكثر الخلق لا يعلمون وذلك أن أكثرهم المشركون < <

قسم V10/P148–V10/P149Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V10/P148–V10/P149)

النحل : ( 76 ) وضرب الله مثلا . . . . . > > < > ( النحل 76 ) < > قوله تعالى : ( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم ) هذا مثل آخر ضربه الله تعالى لنفسه وللوثن فالأبكم الذي لا يقدر على شيء هو الوثن والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى قاله قتادة وغيره وقال بن عباس : الأبكم عبد كان لعثمان رضي الله عنه وكان يعرض عليه الإسلام فيأبى ويأمر بالعدل عثمان وعنه أيضا أنه مثل لأبي بكر الصديق ومولى له كافر وقيل : الأبكم أبو جهل والذي يأمر بالعدل عمار بن ياسر العنسي وعنس [ بالنون ] حي من مذحج وكان حليفا لبني مخزوم رهط أبي جهل وكان أبو جهل يعذبه على الإسلام ويعذب أمه سمية وكانت مولاة لأبي جهل وقال لها ذات يوم : إنما آمنت بمحمد لأنك تحبينه لجماله ثم طعنها بالرمح في قبلها فماتت فهي أول شهيد مات في الإسلام رحمها الله من كتاب النقاش وغيره وسيأتي هذا في آية الإكراه مبينا إن شاء الله تعالى وقال عطاء : الأبكم أبي بن خلف كان لا ينطق بخير ( وهو كل على مولاه ) أي قومه لأنه كان يؤذيهم ويؤذي عثمان بن مظعون وقال مقاتل : نزلت في هشام بن عمرو بن الحارث كان كافرا قليل الخير يعادي النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : إن الأبكم الكافر والذي يأمر بالعدل المؤمن جملة بجملة روي عن بن عباس وهو حسن لأنه يعم والأبكم الذي لا نطق له وقيل الذي لا يعقل وقيل الذي لا يسمع ولا يبصر وفي التفسير إن الأبكم ها هنا الوثن بين أنه لا قدرة له ولا أمر وأن غيره ينقله وينحته فهو كل عليه والله الآمر بالعدل الغالب على كل شيء وقيل : المعنى وهو كل على مولاه أي ثقل على وليه وقرابته ووبال على صاحبه وبن عمه وقد يسمى اليتيم كلا لثقله على من يكفله ومنه قول الشاعر : أكول لمال الكل قبل شبابه إذا كان عظم الكل غير شديد والكل أيضا الذي لا ولد له ولا والد والكل العيال والجمع الكلول يقال منه : كل السكين يكل كلا أي غلظت شفرته فلم يقطع ( أينما يوجهه لا يأت بخير ) قرأ الجمهور يوجهه وهو خط المصحف أي اينما يرسله صاحبه لا يأت بخير لأنه لا يعرف ولا يفهم ما يقال له ولا يفهم عنه وقرأ يحيى بن وثاب أينما يوجه على الفعل المجهول وروي عن بن مسعود أيضا توجه على الخطاب ( هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ) أي هل يستوي هذا الأبكم ومن يأمر بالعدل على الصراط المستقيم < < النحل : ( 77 ) ولله غيب السماوات . . . . . > > < > ( النحل 77 ) <

قسم V10/P149–V10/P151Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V10/P149–V10/P151)

> قوله تعالى : ( ولله غيب السماوات والأرض ) تقدم معناه وهذا متصل بقوله إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون أي شرع التحليل والتحريم إنما يحسن ممن يحيط بالعواقب والمصالح وأنتم أيها المشركون لا تحيطون بها فلم تتحكمون ( وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ) وتجازون فيها بأعمالكم والساعة هي الوقت الذي تقوم فيه القيامة سميت ساعة لأنها تفجأ الناس في ساعة فيموت الخلق بصيحة واللمح : النظر بسرعة يقال : لمحه لمحا ولمحانا ووجه التأويل أن الساعة لما كانت آتية ولا بد جعلت من القرب كلمح البصر وقال الزجاج : لم يرد أن الساعة تأتي في لمح البصر وإنما وصف سرعة القدرة على الإتيان بها أي يقول للشيء كن فيكون وقيل : إنما مثل بلمح البصر لأنه يلمح السماء مع ما هي عليه من البعد من الأرض وقيل : هو تمثيل للقرب كما يقول القائل : ما السنة إلا لحظة وشبهه وقيل : المعنى هو عند الله كذلك لا عند المخلوقين دليله قوله : إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا ( أو هو أقرب ) ليس أو للشك بل للتمثيل بأيهما أراد الممثل وقيل : دخلت لشك المخاطب وقيل : أو بمنزلة بل ( إن الله على كل شيء قدير ) تقدم < < النحل : ( 78 ) والله أخرجكم من . . . . . > > < > ( النحل 78 ) < > قوله تعالى : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) ذكر أن من نعمه أن أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا لا علم لكم بشيء وفيه ثلاثة أقاويل : أحدها لا تعلمون شيئا مما أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم الثاني لا تعلمون شيئا مما قضى عليكم من السعادة والشقاء الثالث لا تعلمون شيئا من منافعكم وتم الكلام ثم ابتدأ فقال : ( وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) أي تعلمون بها وتدركون لأن الله جعل ذلك لعباده قبل إخراجهم من البطون وإنما أعطاهم ذلك بعد ما أخرجهم أي وجعل لكم السمع لتسمعوا به الأمر والنهي والأبصار لتبصروا بها آثار صنعه والأفئدة لتصلوا بها إلى معرفته والأفئدة : جمع الفؤاد نحو غراب وأغربة وقد قيل في ضمن قوله وجعل لكم السمع إثبات النطق لأن من لم يسمع لم يتكلم وإذا وجدت حاسة السمع وجد النطق وقرأ الأعمش وبن وثاب وحمزة إمهاتكم هنا وفي النور والزمر والنجم بكسر الهمزة والميم وأما الكسائي فكسر الهمزة وفتح الميم وإنما كان هذا للإتباع الباقون بضم الهمزة وفتح الميم على الأصل وأصل الأمهات : أمات فزيدت الهاء تأكيدا كما زادوا هاء في أهرقت الماء وأصله أرقت وقد تقدم هذا المعنى في الفاتحة ( لعلكم تشكرون ) فيه تأويلان : احدهما تشكرون نعمه الثاني يعني تبصرون آثار صنعته لأن إبصارها يؤدي إلى الشكر < < النحل : ( 79 ) ألم يروا إلى . . . . . > > < > ( النحل 79 ) < > قوله تعالى : ( ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ) قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وبن عامر وحمزة ويعقوب تروا بالتاء على الخطاب واختاره أبو عبيد الباقون بالياء على الخبر ( مسخرات ) مذللات لأمر الله تعالى قاله الكلبي وقيل : مسخرات مذللات لمنافعكم ( في جو السماء ) الجو ما بين السماء والأرض وأضاف الجو إلى السماء لارتفاعه عن الأرض وفي قوله مسخرات دليل على مسخر سخرها ومدبر مكنها من التصرف ( ما يمسكهن إلا الله ) في حال القبض والبسط والاصطفاف بين لهم كيف يعتبرون بها على وحدانيته ( إن في ذلك لآيات ) أي علامات وعبرا ودلالات ( لقوم يؤمنون ) بالله وبما جاءت به رسلهم < < النحل : ( 80 ) والله جعل لكم . . . . . > > < > ( النحل 80 ) <

قسم V10/P151–V10/P158Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V10/P151–V10/P158)

> فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( جعل لكم ) معناه صير وكل ما علاك فأظلك فهو سقف وسماء وكل ما أقلك فهو أرض وكل ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت وهذه الآية فيها تعديد نعم الله تعالى على الناس في البيوت فذكر أولا بيوت المدن وهي التي للإقامة الطويلة وقوله : ( سكنا ) أي تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة وقد تتحرك فيه وتسكن في غيره إلا أن القول خرج على الغالب وعد هذا في جملة النعم فإنه لو شاء خلق العبد مضطربا أبدا كالأفلاك لكان ذلك كما خلق وأراد ولو خلقه ساكنا كالأرض لكان كما خلق وأراد ولكنه أوجده خلقا يتصرف للوجهين ويختلف حاله بين الحالتين وردده كيف وأين والسكن مصدر يوصف به الواحد والجمع ثم ذكر تعالى بيوت النقلة والرحلة وهي : الثانية فقال : ( وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ) أي من الأنطاع والأدم ( بيوتا ) يعني الخيام والقباب يخف عليكم حملها في الأسفار ( يوم ظعنكم ) الظعن : سير البادية في الانتجاع والتحول من موضع إلى موضع ومنه قول عنترة : ظعن الذين فراقهم أتوقع وجرى ببينهم الغراب الأبقع والظعن الهودج أيضا قال : ألا هل هاجك الأظعان إذ بانوا وإذ جادت بوشك البين غربان وقرىء بإسكان العين وفتحها كالشعر والشعر وقيل : يحتمل أن يعم بيوت الأدم وبيوت الشعر وبيوت الصوف لأن هذه من الجلود لكونها ثابتة فيها نحا إلى ذلك بن سلام وهو احتمال حسن ويكون قوله ومن أصوافها ابتداء كلام كأنه قال جعل أثاثا يريد الملابس والوطاء وغير ذلك قال الشاعر : أهاجتك الظعائن يوم بانوا بذي الزي الجميل من الأثاث ويحتمل أن يريد بقوله من جلود الأنعام بيوت الأدم فقط كما قدمناه أولا ويكون قوله ومن أصوافها عطفا على قوله من جلود الأنعام أي جعل بيوتا أيضا قال بن العربي : وهذا أمر انتشر في تلك الديار وعزبت عنه بلادنا فلا تضرب الأخبية عندنا الا من الكتان والصوف وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم قبة من أدم وناهيك من أدم الطائف غلاء في القيمة واعتلاء في الصنعة وحسنا في البشرة ولم يعد ذلك صلى الله عليه وسلم ترفا ولا رآه سرفا لأنه مما امتن الله سبحانه من نعمته وأذن فيه من متاعه وظهرت وجوه منفعته في الاكتنان والاستظلال الذي لا يقدر على الخروج عنه جنس الإنسان ومن غريب ما جرى أني زرت بعض المتزهدين من الغافلين مع بعض المحدثين فدخلنا عليه في خباء كتان فعرض عليه صاحبي المحدث أن يحمله إلى منزله ضيفا وقال : إن هذا موضع يكثر فيه الحر والبيت أرفق بك وأطيب لنفسي فيك فقال : هذا الخباء لنا كثير وكان في صنعنا من الحقير فقلت : ليس كما زعمت فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رئيس الزهاد قبة من أدم طائفي يسافر معها ويستظل بها فبهت ورأيته على منزلة من العي فتركته مع صاحبي وخرجت عنه الثالثة قوله تعالى : ( ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ) أذن الله سبحانه بالانتفاع بصوف الغنم ووبر الإبل وشعر المعز كما أذن في الأعظم وهو ذبحها وأكل لحومها ولم يذكر القطن والكتان لأنه لم يكن في بلاد العرب المخاطبين به وإنما عدد عليهم ما أنعم به عليهم وخوطبوا فيما عرفوا بما فهموا وما قام مقام هذه وناب منابها فيدخل في الاستعمال والنعمة مدخلها وهذا كقوله تعالى : وينزل من السماء من جبال فيها من برد فخاطبهم بالبرد لأنهم كانوا يعرفون نزوله كثيرا عندهم وسكت عن ذكر الثلج لأنه لم يكن في بلادهم وهو مثله في الصفة والمنفعة وقد ذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم معا في التطهير فقال : ( اللهم اغسلني بماء وثلج وبرد ( قال بن عباس : الثلج شيء أبيض ينزل من السماء وما رأيته قط وقيل : إن ترك ذكر القطن والكتان إنما كان إعراضا عن الترف إذ ملبس عباد الله الصالحين إنما هو الصوف وهذا فيه نظر فإنه سبحانه يقول : يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم حسبما تقدم بيانه في الأعراف وقال هنا : وجعل لكم سرابيل فأشار إلى القطن والكتان في لفظة سرابيل والله أعلم و ( أثاثا ) قال الخليل : متاعا منضما بعضه إلى بعض من أث إذا كثر قال : وفرع يزين المتن أسود فاحم أثيث كقنو النخلة المتعثكل بن عباس : أثاثا ثيابا وقد تقدم وتضمنت هذه الآية جواز الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال ولذلك قال أصحابنا : صوف الميتة وشعرها طاهر يجوز الانتفاع به على كل حال ويغسل مخافة أن يكون علق به وسخ وكذلك روت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا بأس بجلد الميتة إذا دبغ وصوفها وشعرها إذا غسل ( لأنه مما لا يحله الموت وسواء كان شعر ما يؤكل لحمه أو لا كشعر بن آدم والخنزير فإنه طاهر كله وبه قال أبو حنيفة ولكنه زاد علينا فقال : القرن والسن والعظم مثل الشعر قال : لأن هذه الأشياء كلها لا روح فيها فلا تنجس بموت الحيوان وقال الحسن البصري والليث بن سعد والأوزاعي : إن الشعور كلها نجسة ولكنها تطهر بالغسل وعن الشافعي ثلاث روايات : الأولى طاهرة لا تنجس بالموت الثانية تنجس الثالثة الفرق بين شعر بن آدم وغيره فشعر بن آدم طاهر وما عداه نجس ودليلنا عموم قوله تعالى : ومن أصوافها الآية فمن علينا بأن جعل لنا الانتفاع بها ولم يخص شعر الميتة من المذكاة فهو عموم إلا أن يمنع منه دليل وأيضا فإن الأصل كونها طاهرة قبل الموت بإجماع فمن زعم أنه انتقل إلى نجاسة فعليه الدليل فإن قيل قوله : حرمت عليكم الميتة وذلك عبارة عن الجملة قلنا : نخصه بما ذكرنا فإنه منصوص عليه في ذكر الصوف وليس في آيتكم ذكره صريحا فكان دليلنا أولى والله أعلم وقد عول الشيخ الإمام أبو إسحاق إمام الشافعية ببغداد على أن الشعر جزء متصل بالحيوان خلقة فهو ينمي بنمائه ويتنجس بموته كسائر الأجزاء وأجيب بأن الماء ليس بدليل على الحياة لأن النبات ينمي وليس بحي وإذا عولوا على النماء المتصل لما على الحيوان عولنا نحن على الإبانة التي تدل على عدم الإحساس الذي يدل على عدم الحياة وأما ما ذكره الحنفيون في العظم والسن والقرن أنه مثل الشعر فالمشهور عندنا أن ذلك نجس كاللحم وقال بن وهب مثل قول أبي حنيفة ولنا قول ثالث هل تلحق أطراف القرون والأظلاف بأصولها أو بالشعر قولان وكذلك الشعري من الريش حكمه حكم الشعر والعظمي منه حكمه حكمه ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تنتفعوا من الميتة بشيء ( وهذا عام فيها وفي كل جزء منها إلا ما قام دليله ومن الدليل القاطع على ذلك قوله تعالى : قال من يحيي العظام وهي رميم وقال تعالى : وانظر إلى العظام كيف ننشزها وقال : فكسونا العظام لحما وقال : أئذا كنا عظاما نخرة النازعات فالأصل هي العظام والروح والحياة فيها كما في اللحم والجلد وفي حديث عبد الله بن عكيم : ( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ( فإن قيل : قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شاة ميمونة : ( ألا انتفعتم بجلدها ( فقالوا : يا رسول الله إنها ميتة فقال : ( إنما حرم أكلها ( والعظم لا يؤكل قلنا : العظم يؤكل وخاصة عظم الجمل الرضيع والجدي والطير وعظم الكبير يشوى ويؤكل وما ذكرناه قبل يدل على وجود الحياة فيه وما كان طاهرا بالحياة ويستباح بالذكاة ينجس بالموت والله أعلم الرابعة قوله تعالى : ( من جلود الأنعام ) عام في جلد الحي والميت فيجوز الانتفاع بجلود الميتة وإن لم تدبغ وبه قال بن شهاب الزهري والليث بن سعد قال الطحاوي : لم نجد عن أحد من الفقهاء جواز بيع جلد الميتة قبل الدباغ إلا عن الليث قال أبو عمر : يعني من الفقهاء أئمة الفتوى بالأمصار بعد التابعين وأما بن شهاب فذلك عنه صحيح وهو قول أباه جمهور أهل العلم وقد روي عنهما خلاف هذا القول والأول أشهر قلت : قد ذكر الدارقطني في سننه حديث يحيى بن أيوب عن يونس وعقيل عن الزهري وحديث بقية عن الزبيدي وحديث محمد بن كثير العبدي وأبي سلمة المنقري عن سليمان بن كثير عن الزهري وقال في آخرها : هذه أسانيد صحاح السادسة اختلف العلماء في جلد الميتة إذا دبغ هل يطهر أم لا فذكر بن عبد الحكم عن مالك ما يشبه مذهب بن شهاب في ذلك وذكره بن خويز منداد في كتابه عن بن عبد الحكم أيضا قال بن خويز منداد : وهو قول الزهري والليث قال : والظاهر من مذهب مالك ما ذكره بن عبد الحكم وهو أن الدباغ لا يطهر جلد الميتة ولكن يبيح الانتفاع به في الأشياء اليابسة ولا يصلى عليه ولا يؤكل فيه وفي المدونة لابن القاسم من اغتصب جلد ميتة غير مدبوغ فأتلفه كان عليه قيمته وحكى أن ذلك قول مالك وذكر أبو الفرج أن مالكا قال : من اغتصب لرجل جلد ميتة غير مدبوغ فلا شيء عليه قال إسماعيل : إلا أن يكون لمجوسي وروى بن وهب وبن عبد الحكم عن مالك جواز بيعه وهذا في جلد كل ميتة إلا الخنزير وحده لأن الذكاة لا تعمل فيه فالدباغ أولى قال أبو عمر : وكل جلد ذكي فجائز استعماله للوضوء وغيره وكان مالك يكره الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ على اختلاف من قوله ومرة قال : إنه لم يكرهه إلا في خاصة نفسه وتكره الصلاة عليه وبيعه وتابعه على ذلك جماعة من أصحابه وأما أكثر المدنيين فعلى إباحة ذلك وإجازته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ( وعلى هذا أكثر أهل الحجاز والعراق من أهل الفقه والحديث وهو اختيار بن وهب السابعة ذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه إلى أنه لا يجوز الانتفاع بجلود الميتة في شيء وإن دبغت لأنها كلحم الميتة والأخبار بالأنتفاع بعد الدباغ ترد قوله واحتج بحديث عبد الله بن عكيم رواه أبو داود قال : قرئ علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض جهينة وأنا غلام شاب : ( ألا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ( وفي رواية : قبل موته بشهر رواه القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن عكيم قال : حدثنا مشيخة لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليهم قال داود بن علي : سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث فضعفه وقال : ليس بشيء إنما يقول حدثني الأشياخ قال أبو عمر : ولو كان ثابتا لاحتمل أن يكون مخالفا للأحاديث المروية عن بن عباس وعائشة وسلمة بن المحبق وغيرهم لأنه جائز أن يكون معنى حديث بن عكيم ( ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ( قبل الدباغ وإذا احتمل ألا يكون مخالفا فليس لنا أن نجعله مخالفا وعلينا أن نستعمل الخبرين ما أمكن وحديث عبد الله بن عكيم وإن كان قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهر كما جاء في الخبر فيمكن أن تكون قصة ميمونة وسماع بن عباس منه ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ( قبل موته بجمعة أو دون جمعة والله أعلم الثامنة المشهور عندنا أن جلد الخنزير لا يدخل في الحديث ولا يتناوله العموم وكذلك الكلب عند الشافعي وعند الأوزاعي وأبي ثور : لا يطهر بالدباغ إلا جلد ما يؤكل لحمه وروى معن بن عيسى عن مالك أنه سئل عن جلد الخنزير إذا دبغ فكرهه قال بن وضاح : وسمعت سحنونا يقول لا بأس به وكذلك قال محمد بن عبد الحكم وداود بن علي وأصحابه لقوله عليه السلام : ( أيما مسك دبغ فقد طهر ( قال أبو عمر : يحتمل أن يكون أراد بهذا القول عموم الجلود المعهود الانتفاع بها فأما الخنزير فلم يدخل في المعنى لأنه غير معهود الانتفاع بجلده إذ لا تعمل فيه الذكاة ودليل آخر وهو ما قاله النضر بن شميل : إن الإهاب جلد البقر والغنم والإبل وما عداه فإنما يقال له : جلد لا إهاب قلت : وجلد الكلب وما لا يؤكل لحمه أيضا غير معهود الانتفاع به فلا يطهر وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( أكل كل ذي ناب من السباع حرام ( فليست الذكاة فيها ذكاة كما أنها ليست في الخنزير ذكاة وروى النسائي عن المقدام بن معد يكرب قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرير والذهب ومياثر النمور التاسعة اختلف الفقهاء في الدباغ التي تطهر به جلود الميتة ما هو فقال أصحاب مالك وهو المشهور من مذهبه : كل شيء دبغ الجلد من ملح أو قرظ أو شب أو غير ذلك فقد جاز الانتفاع به وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه وهو قول داود وللشافعي في هذه المسألة قولان : أحدهما هذا والآخر أنه لا يطهر إلا الشب والقرظ لأنه الدباغ المعهود على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خرج الخطابي والله أعلم ما رواه النسائي عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحصان فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو أخذتم إهابها ( قالوا : إنها ميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يطهرها الماء والقرظ العاشرة قوله تعالى : ( أثاثا ) الأثاث متاع البيت واحدها أثاثه هذا قول أبي زيد الأنصاري وقال الأموي : الأثاث متاع البيت وجمعه آثة وأثث وقال غيرهما : الأثاث جميع أنواع المال ولا واحد له من لفظه وقال الخليل : أصله من الكثرة واجتماع بعض المتاع إلى بعض حتى يكثر ومنه شعر أثيث أي كثير وأث شعر فلان يأث أثا إذا كثر والتف قال امرؤ القيس : وفرع يزين المتن أسود فاحم أثيث كقنوا النخلة المتعثكل وقيل : الأثاث ما يلبس ويفترش وقد تأثثت إذا اتخذت أثاثا وعن بن عباس رضي الله عنه أثاثا مالا وقد تقدم القول في الحين وهو هنا وقت غير معين بحسب كل إنسان إما بموته وإما بفقد تلك الأشياء التي هي أثاث ومن هذه اللفظة قول الشاعر : أهاجتك الظعائن يوم بانوا بذي الزي الجميل من الأثاث < <

قسم V10/P158–V10/P160Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V10/P158–V10/P160)

النحل : ( 81 ) والله جعل لكم . . . . . > > < > ( النحل 81 ) < > فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ظلالا ) الظلال : كل ما يستظل به من البيوت والشجر وقوله ( مما خلق ) يعم جميع الأشخاص المظلة الثانية قوله تعالى : ( أكنانا ) الأكنان : جمع كن وهو الحافظ من المطر والريح وغير ذلك وهي هنا الغيران في الجبال جعلها الله عدة للخلق يأوون إليها ويتحصنون بها ويعتزلون عن الخلق فيها وفي الصحيح أنه عليه السلام كان في أول أمره يتعبد بغار حراء ويمكث فيه الليالي الحديث وفي صحيح البخاري قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا هاربا من قومه فارا بدينه مع صاحبه أبي بكر حتى لحقا بغار في جبل ثور فمكنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما فيه عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث وذكر الحديث انفرد بإخراجه البخاري الثالثة قوله تعالى : ( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ) يعني القمص واحدها سربال ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) يعني الدروع التي تقي الناس في الحرب ومنه قول كعب بن زهير : ش م العراني ن أبط ال لبوسه م من نسج داود في الهيجا سرابيل الرابعة إن قال قائل : كيف قال وجعل لكم من الجبال أكنانا ولم يذكر السهل وقال تقيكم الحر ولم يذكر البرد فالجواب أن القوم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا أصحاب سهل وكانوا أهل حر ولم يكونوا أهل برد فذكر لهم نعمه التي تختص بهم كما خصهم بذكر الصوف وغيره ولم يذكر القطن والكتان ولا الثلج كما تقدم فإنه لم يكن ببلادهم قال معناه عطاء الخرساني وغيره وأيضا : فذكر أحدهما يدل على الآخر ومنه قول الشاعر : وما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني الخامسة قال العلماء : في قوله تعالى : ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) دليل على اتخاذ العباد عدة الجهاد ليستعينوا بها على قتال الأعداء وقد لبسها النبي صلى الله عليه وسلم تقاة الجراحة وإن كان يطلب الشهادة وليس للعبد أن يطلبها بأن يستسلم للحتوف وللطعن بالسنان وللضرب بالسيوف ولكنه يلبس لأمة حرب لتكون له قوة على قتال عدوه ويقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ويفعل الله بعد ما يشاء السادسة قوله تعالى : ( كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ) قرأ بن محيصن وحميد تتم بتاءين نعمته رفعا على أنها الفاعل الباقون يتم بضم الياء على أن الله هو يتمها وتسلمون قراءة بن عباس وعكرمة تسلمون بفتح التاء واللام أي تسلمون من الجراح وإسناده ضعيف رواه عباد بن العوام عن حنظلة عن شهر عن بن عباس الباقون بضم التاء ومعناه تستسلمون وتنقادون إلى معرفة الله وطاعته شكرا على نعمه قال أبو عبيد : والاختيار قراءة العامة لأن ما أنعم الله به علينا من الإسلام أفضل مما أنعم به من السلامة من الجراح < < النحل : ( 82 ) فإن تولوا فإنما . . . . . > > < > ( النحل 82 ) < > قوله تعالى : ( فإن تولوا ) أي أعرضوا عن النظر والاستدلال والإيمان ( فإنما عليك البلاغ ) أي ليس عليك إلا التبليغ وأما الهداية فإلينا < < النحل : ( 83 ) يعرفون نعمة الله . . . . . > > < > ( النحل 83 ) <

قسم V10/P160–V10/P162Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V10/P160–V10/P162)

> قوله تعالى : ( يعرفون نعمة الله ) قال السدي : يعني محمدا صلى الله عليه وسلم أي يعرفون نبوته ( ثم ينكرونها ) ويكذبونه وقال مجاهد : يريد ما عدد الله عليهم في هذه السورة من النعم أي يعرفون أنها من عند الله وينكرونها بقولهم إنهم ورثوا ذلك عن آبائهم وبمثله قال قتادة وقال عون بن عبد الله : هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا ولولا فلان ما أصبت كذا وهم يعرفون النفع والضر من عند الله وقال الكلبي : هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرفهم بهذه النعم كلها عرفوها وقالوا : نعم هي كلها نعم من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا وقيل : يعرفون نعمة الله بتقلبهم فيها وينكرونها بترك الشكر عليها ويحتمل سادسا يعرفونها في الشدة وينكرونها في الرخاء ويحتمل سابعا يعرفونها بأقوالهم وينكرونها بأفعالهم ويحتمل ثامنا يعرفونها بقلوبهم ويجحدونها بألسنتهم نظيرها وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ( وأكثرهم الكافرون ) يعني جميعهم حسبما تقدم < < النحل : ( 84 ) ويوم نبعث من . . . . . > > < > ( النحل 84 ) < > قوله تعالى : ( ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ) نظيره : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وقد تقدم ( ثم لا يؤذنون للذين كفروا ) أي في الاعتذار والكلام كقوله : ولا يؤذن لهم فيعتذرون وذلك حين تطبق عليهم جهنم كما تقدم في أول الحجر ويأتي ( ولا هم يستعتبون يعني يسترضون أي لا يكلفون أن يرضوا ربهم لأن الآخرة ليست بدار تكليف ولا يتركون إلى رجوع الدنيا فيتوبون وأصل الكلمة من العتب وهي الموجدة يقال : عتب عليه يعتب إذا وجد عليه فإذا فاوضه ما عتب عليه فيه قيل عاتبه فإذا رجع إلى مسرتك فقد أعتب والاسم العتبي وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب قاله الهروي وقال النابغة : فإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب < < النحل : ( 85 ) وإذا رأى الذين . . . . . > > < > ( النحل 85 ) < > قوله تعالى : ( وإذا رأى الذين ظلموا ) أي أشركوا ( العذاب ) أي عذاب جهنم بالدخول فيها ( فلا يخفف عنهم ولاهم ينظرون ) أي لا يمهلون إذ لا توبة لهم ثم < < النحل : ( 86 ) وإذا رأى الذين . . . . . > > < > ( النحل 86 : 87 ) < > قوله تعالى : ( وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ) أي أصنامهم وأوثانهم التي عبدوها وذلك أن الله يبعث معبوديهم فيتبعونهم حتى يوردوهم النار وفي صحيح مسلم : ( من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت ( الحديث خرجه من حديث أنس والترمذي من حديث أبي هريرة وفيه : ( فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره فيتبعون ما كانوا يعبدون ( وذكر الحديث ( قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك ) أي الذين جعلناهم لك شركاء ( فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ) أي ألقت إليهم الآلهة القول أي نطقت بتكذيب من عبدها بأنها لم تكن آلهة ولا أمرتهم بعبادتها فينطق الله الأصنام حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار وقيل : المراد بذلك الملائكة الذين عبدوهم ( وألقوا إلى الله يومئذ السلم ) يعني المشركين أي استسلموا لعذابه وخضعوا لعزه وقيل : استسلم العابد والمعبود وانقادوا لحكمه فيهم ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي زال عنهم ما زين لهم الشيطان وما كانوا يؤملون من شفاعة آلهتهم < < النحل : ( 88 ) الذين كفروا وصدوا . . . . . > > < > ( النحل 88 ) <

قسم V10/P162–V10/P164Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V10/P162–V10/P164)

> قوله تعالى : ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق عذابهم ) قال بن مسعود : عقارب أنيابها كالنخل الطوال وحيات مثل أعناق الإبل وأفاعي كأنها البخاتي تضربهم فتلك الزيادة وقيل : المعنى يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار وقيل : المعنى زدنا القادة عذابا فوق السفلة فأحد العذابين على كفرهم والعذاب الآخر على صدهم ( بما كانوا يفسدون ) في الدنيا من الكفر والمعصية < < النحل : ( 89 ) ويوم نبعث في . . . . . > > < > ( النحل 89 ) < > قوله تعالى : ( ويوم نبعث كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم ) وهم الأنبياء شهداء على أممهم يوم القيامة بأنهم قد بلغوا الرسالة ودعوهم إلى الإيمان في كل زمان شهيد وإن لم يكن نبيا وفيهم قولان : أحدهما أنهم أئمة الهدى الذين هم خلفاء الأنبياء الثاني أنهم العلماء الذين حفظ الله بهم شرائع أنبيائه قلت : فعلى هذا لم تكن فترة إلا وفيها من يوحد الله كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ( يبعث أمة وحده ( وسطيح وورقة بن نوفل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ( رأيته ينغمس في أنهار الجنة ( فهؤلاء ومن كان مثلهم حجة على أهل زمانهم وشهيد عليهم والله أعلم وقوله وجئنا بك شهيدا على هؤلاء تقدم في البقرة والنساء قوله تعالى : ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ) نظيره : ما فرطنا في الكتاب من شيء وقد تقدم فلينظر هناك وقال مجاهد : تبيانا للحلال والحرام < < النحل : ( 90 ) إن الله يأمر . . . . . > > < > ( النحل 90 ) <

قسم V10/P164–V10/P168Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V10/P164–V10/P168)

> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) روي عن عثمان بن مظعون أنه قال : لما نزلت هذه الآية قرأتها على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتعجب فقال : يا آل غالب اتبعوه تفلحوا فوالله إن الله أرسله ليأمركم بمكارم الأخلاق وفي حديث إن أبا طالب لما قيل له : إن بن اخيك زعم أن الله أنزل عليه إن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية قال : اتبعوا بن أخي فوالله إنه لا يأمر إلا بمحاسن الأخلاق وقال عكرمة : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على الوليد بن المغيرة إن الله يأمر بالعدل والإحسان إلى آخرها فقال : يا بن أخي أعد فأعاد عليه فقال : والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أصله لمورق وأعلاه لمثمر وما هو بقول بشر وذكر الغزنوي أن عثمان بن مظعون هو القارئ قال عثمان : ما أسلمت ابتداء إلا حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده فاستقر الإيمان في قلبي فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال : يا بن أخي أعد فأعدت فقال : والله إن له لحلاوة وذكر تمام الخبر وقال بن مسعود : هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل ولشر يجتنب وحكى النقاش قال : يقال زكاة العدل الإحسان وزكاة القدرة العفو وزكاة الغنى المعروف وزكاة الجاه كتب الرجل إلى إخوانه الثانية اختلف العلماء في تأويل العدل والإحسان فقال بن عباس : العدل لا إله إلا الله والإحسان أداء الفرائض وقيل : العدل الفرض والإحسان النافلة وقال سفيان بن عيينة : العدل ها هنا استواء السريرة والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية علي بن أبي طالب : العدل الإنصاف والإحسان التفضل قال بن عطية العدل هو كل مفروض من عقائد وشرائع في أداء الأمانات وترك الظلم والإنصاف وإعطاء الحق والإحسان هو فعل كل مندوب إليه فمن الأشياء ما هو كله مندوب إليه ومنها ما هو فرض إلا أن حد الإجزاء منه داخل في العدل والتكميل الزائد على الإجزاء داخل في الإحسان وأما قول بن عباس ففيه نظر لأن أداء الفرائض هي الإسلام حسبما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل وذلك هو العدل وإنما الإحسان التكميلات والمندوب إليه حسبما يقتضيه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل بقوله : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ( فإن صح هذا عن بن عباس فإنما أراد الفرائض مكملة وقال بن العربي : العدل بين العبد وبين ربه إيثار حقه تعالى على حظ نفسه وتقديم رضاه على هواه والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعها مما فيه هلاكها قال الله تعالى : ونهى النفس عن الهوى النازعات وعزوب الأطماع عن الاتباع ولزوم القناعة في كل حال ومعنى وأما العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة وترك الخيانة فيما قل وكثر والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه ولا يكون منك إساءة إلى أحد بقول ولا فعل لا في سر ولا في علن والصبر على ما يصيبك منهم من البلوى وأقل ذلك الإنصاف وترك الأذى قلت : هذا التفصيل في العدل حسن وعدل وأما الإحسان فقد قال علماؤنا : الإحسان مصدر أحسن يحسن إحسانا ويقال على معنيين : أحدهما متعد بنفسه كقولك : أحسنت كذا أي حسنته وكملته وهو منقول بالهمزة من حسن الشيء وثانيهما متعد بحرف جر كقولك : أحسنت إلى فلان أي أوصلت إليه ما ينتفع به قلت : وهو في هذه الآية مراد بالمعنيين معا فإنه تعالى يحب من خلقه إحسان بعضهم إلى بعض حتى أن الطائر في سجنك والسنور في دارك لا ينبغي أن تقصر تعهده بإحسانك وهو تعالى غني عن إحسانهم ومنه الإحسان والنعم والفضل والمنن وهو في حديث جبريل بالمعنى الأول لا بالثاني فإن المعنى الأول راجع إلى إتقان العبادة ومراعاتها بآدائها المصححة والمكملة ومراقبة الحق فيها واستحضار عظمته وجلاله حالة الشروع وحالة الاستمرار وهو المراد بقوله ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ( وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين : أحدهما غالب عليه مشاهدة الحق فكأنه يراه ولعل النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذه الحالة بقوله : ( وجعلت قرة عيني في الصلاة ( وثانيهما لا تنتهي إلى هذا لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه ومشاهد له وإليه الإشارة بقوله تعالى الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين وقوله : إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه الثالثة قوله تعالى : ( وإيتاء ذي القربي ) أي القرابة يقول : يعطيهم المال كما قال وآت ذا القربى حقه يعني صلته وهذا من باب عطف المندوب على الواجب وبه استدل الشافعي في إيجاب إيتاء المكاتب على ما يأتي بيانه وإنما خص ذا القربى لأن حقوقهم أوكد وصلتهم أوجب لتأكيد حق الرحم التي اشتق الله اسمها من اسمه وجعل صلتها من صلته فقال في الصحيح : ( أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ( ولا سيما إذا كانوا فقراء الرابعة قوله تعالى : ( وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) الفحشاء : الفحش وهو كل قبيح من قول أو فعل بن عباس : هو الزنى والمنكر : ما أنكره الشرع بالنهي عنه وهو يعم جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها وقيل هو الشرك والبغي : هو الكبر والظلم والحقد والتعدي وحقيقته تجاوز الحد وهو داخل تحت المنكر لكنه تعالى خصه بالذكر اهتماما به لشدة ضرره وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ذنب أسرع عقوبة من بغي ( وقال عليه السلام : ( الباغي مصروع ( وقد وعد الله من بغي عليه بالنصر وفي بعض الكتب المنزلة : لو بغى جبل على جبل لجعل الباغي منهما دكا الخامسة ترجم الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه فقال : [ باب قوله تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وقوله : إنما بغيكم على أنفسكم ثم بغي عليه لينصرنه الله وترك إثارة الشر على مسلم أو كافر ] ثم ذكر حديث عائشة في سحر لبيد بن الأعصم النبي صلى الله عليه وسلم قال بن بطال : فتأول رضي الله عنه من هذه الآيات ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر كما دل عليه حديث عائشة حيث قال عليه السلام : ( أما الله فقد شفاني وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرا ( ووجه ذلك والله أعلم أنه تأول في قول الله تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان الندب بالإحسان إلى المسيء وترك معاقبته على إساءته فإن قيل : كيف يصح هذا التأويل في آيات البغي قيل : وجه ذلك والله أعلم أنه لما أعلم الله عباده بأن ضرر البغي ينصرف على الباغي بقوله : إنما بغيكم على أنفسكم وضمن تعالى نصرة من بغي عليه كان الأولى بمن بغي عليه شكر الله على ما ضمن من نصره ومقابلة ذلك بالعفو عمن بغى عليه وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم باليهودي الذي سحره وقد كان له الانتقام منه بقوله : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولكن آثر الصفح أخذا بقوله : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور السادسة تضمنت هذه الآية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد تقدم القول فيهما روي أن جماعة رفعت عاملها إلى أبي جعفر المنصور العباسي فحاجها العامل وغلبها بأنهم لم يثبتوا عليه كبير ظلم ولا جوره في شيء فقام فتى من القوم فقال : يا أمير المؤمنين إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإنه عدل ولم يحسن قال : فعجب أبو جعفر من إصابته وعزل العامل < <

قسم V10/P168Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V10/P168)

النحل : ( 91 ) وأوفوا بعهد الله . . . . . > > < > ( النحل 91 ) <

قسم V10/P168–V10/P170Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V10/P168–V10/P170)

> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وأوفوا بعهد الله ) لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة أو مواثقة في أمر موافق للديانة وهذه الآية مضمن قوله إن الله يأمر بالعدل والإحسان لأن المعنى فيها : افعلوا كذا وانتهوا عن كذا فعطف على ذلك التقدير وقد قيل : إنها نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام وقيل : نزلت في التزام الحلف الذي كان في الجاهلية وجاء الإسلام بالوفاء به قاله قتادة ومجاهد وبن زيد والعموم يتناول كل ذلك كما بيناه روى الصحيح عن جبير بن مطعم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ( يعني في نصرة الحق والقيام به والمواساة وهذا كنحو حلف الفضول الذي ذكره بن إسحاق قال : اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان لشرفه ونسبه فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول أي حلف الفضائل والفضول هنا جمع فضل للكثرة كفلس وفلوس روي بن إسحاق عن بن شهاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم لو أدعى به في الإسلام لأجبت ( وقال بن إسحاق : تحامل الوليد بن عتبة على حسين بن علي في مال له لسلطان الوليد فإنه كان أميرا على المدينة فقال له حسين بن علي : أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول قال عبد الله بن الزبير : وأنا أحلف والله لئن دعانا لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعا وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه قال العلماء : فهذا الحلف الذي كان في الجاهلية هو الذي شده الإسلام وخصه النبي عليه الصلاة والسلام من عموم قوله : ( لا حلف في الأسلام ( والحكمة في ذلك أن الشرع جاء بالانتصار من الظالم وأخذ الحق منه وإيصاله إلى المظلوم وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجابا عاما على من قدر من المكلفين وجعل لهم السبيل على الظالمين فقال تعالى : إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم وفي الصحيح : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا ( : يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما قال : ( تأخذ على يديه في رواية : تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره ( وقد تقدم قوله عليه السلام : ( إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ( الثانية قوله تعالى : ( ولاتنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) يقول بعد تشديدها وتغليظها يقال : توكيد وتأكيد ووكد وأكد وهما لغتان الثالثة قوله تعالى : ( وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ) يعني شهيدا ويقال حافظا ويقال ضامنا وإنما قال بعد توكيدها فرقا بين اليمين المؤكدة بالعزم وبين لغو اليمين وقال بن وهب وبن القاسم عن مالك : التوكيد هو حلف الإنسان في الشيء الواحد مرارا يردد فيه الأيمان ثلاثا أو اكثر من ذلك كقوله : والله لا أنقصه من كذا والله لا أنقصه من كذا والله لا أنقصه من كذا قال : فكفارة ذلك واحدة مثل كفارة اليمين وقال يحيى بن سعيد : هي العهود والعهد يمين ولكن الفرق بينهما أن العهد لا يكفر قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته يقال هذه غدرة فلان ( وأما اليمين بالله فقد شرع الله سبحانه فيها الكفارة بخصلة واحدة وحل ما انعقدت عليه اليمين وقال بن عمر : التوكيد هو أن يحلف مرتين فإن حلف واحدة فلا كفارة فيه وقد تقدم في المائدة < <

%0
10 Bölüm

الأسئلة