> قوله تعالى : ( قد يعلم الله الموقين منكم ) أي المعترضين منكم لأن يصدوا الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مشتق من عاقني عن كذا أي صرفني عنه وعوق على التكثير ( والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ) على لغة أهل الحجاز وغيرهم يقولون : هلموا للجماعة وهلمي للمرأة لأن الأصل : ها التي للتنبيه ضمت إليها لم ثم حذفت الألف استخفافا وبنيت على الفتح ولم يجز فيها الكسر ولا الضم لأنها لا تنصرف ومعنى هلم أقبل وهؤلاء طائفتان أي منكم من يثبط ويعوق والعوق المنع والصرف يقال : عاقه يعوقه عوقا وعوقه واعتاقه بمعنى واحد قال مقاتل : هم عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقون والقائلين لأخوانهم هلم فيهم ثلاثة أقوال : أحدها أنهم المنافقون قالوا للمسلمين : ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس وهو هالك ومن معه فهلم إلينا الثاني أنهم اليهود من بني قريظة قالوا لإخوانهم من المنافقين : هلم إلينا أي تعالوا إلينا وفارقوا محمدا فإنه هالك وإن أبا سفيان إن ظفر لم يبق منكم أحدا والثالث ما حكاه بن زيد : أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف فقال أخوه وكان من أمه وأبيه : هلم إلي قد تبع بك وبصاحبك أي قد أحيط بك وبصاحبك فقال له : كذبت والله لأخبرنه بأمرك وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره فوجده قد نزل عليه جبريل عليه السلام بقوله تعالى : قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ذكره الماوردي والثعلبي أيضا ولفظه : قال بن زيد هذا يوم الأحزاب انطلق رجل من عند النبي صلى الله عليه وسلم فوجد أخاه بين يديه رغيف وشواء ونبيذ فقال له : أنت في هذا ونحن بين الرماح والسيوف فقال : هلم إلى هذا فقد تبع لك ولأصحابك والذي تحلف به لا يستقل بها محمد أبدا فقال : كذبت فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره فوجده قد نزل عليه جبريل بهذه الآية ( ولا يأتون البأس إلا قليلا ) خوفا من الموت وقيل : لا يحضرون القتال إلا رياء وسمعة < < الأحزاب : ( 19 ) أشحة عليكم فإذا . . . . . > > < > ( الاحزاب 19 ) < > قوله تعالى : ( أشحة عليكم ) أي بخلاء عليكم أي بالحفر في الخندق والنفقة في سبيل الله قاله مجاهد وقتادة وقيل : بالقتال معكم وقيل : بالنفقة على فقرائكم ومساكينكم وقيل : أشحة بالغنائم إذا أصابوها قاله السدي وانتصب على الحال قال الزجاج ونصبه عند الفراء من أربع جهات : إحداها أن يكون على الذم ويجوز أن يكون عنده نصبا بمعنى يعوقون أشحة ويجوز أن يكون التقدير : والقائلين أشحة ويجوز عنده ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة أي أنهم يأتونه أشحة على الفقراء بالغنيمة النحاس : ولا يجوز أن يكون العامل فيه المعوقين ولا القائلين لئلا يفرق بين الصلة والموصول بن الأنباري : إلا قليلا غير تام لأن أشحة متعلق بالأول فهو ينتصب من أربعة أوجه : أحدها أن تنصبه على القطع من المعوقين كأنه قال : قد يعلم الله الذين يعوقون عن القتال ويشحون عن الإنفاق على فقراء المسلمين ويجوز أن يكون منصوبا على القطع من القائلين أي وهم أشحة ويجوز أن تنصبه على القطع مما في يأتون كأنه قال : ولا يأتون البأس إلا جبناء بخلاء ويجوز أن تنصب أشحة على الذم فمن هذا الوجه الرابع يحسن أن تقف على قوله : إلا قليلا أشحة عليكم وقف حسن ومثله أشحة على الخير حال من المضمر في سلقوكم وهو العامل فيه ( فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ) وصفهم بالجبن وكذا سبيل الجبان ينظر يمينا وشمالا محددا بصره وربما غشى عليه وفي الخوف وجهان أحدهما من قتال العدو إذا أقبل قاله السدي الثاني الخوف من النبي صلى الله عليه وسلم إذا غلب قاله بن شجرة رأيتهم ينظرون إليك خوفا من القتال على القول الأول ومن النبي صلى الله عليه وسلم على الثاني تدور أعينهم لذهاب عقولهم حتى لا يصح منهم النظر إلى جهة وقيل : لشدة خوفهم حذرا أن يأتيهم القتل من كل جهة ( فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد ) وحكى الفراء صلقوكم بالصاد وخطيب مسلاق ومصلاق إذا كان بليغا وأصل الصلق الصوت ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله الصالقة والحالقة والشاقة ( قال الأعشى فيهم المجد والسماحة والنجدة فيهم والخاطب السلاق قال قتادة : ومعناه بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة يقولون : أعطنا أعطنا فإنا قد شهدنا معكم فعند الغنيمة أشح قوم وأبسطهم لسانا ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم قال النحاس : هذا قول حسن لأن بعده أشحة على الخير وقيل : المعنى بالغوا في مخاصمتكم والإحتجاج عليكم وقال القتبي : المعنى آذوكم بالكلام الشديد السلق : الأذى ومنه قول الشاعر : ولقد سلقنا هوازنا بنواهل حتى انحنينا أشحة على الخير أي على الغنيمة قاله يحيى بن سلام وقيل : على المال أن ينفقوه في سبيل الله قاله السدي أولئك لم يؤمنوا يعني بقلوبهم وإن كان ظاهرهم الإيمان والمنافق كافر على الحقيقة لوصف الله عز وجل لهم بالكفر ( فأهبط الله أعمالهم ) أي لم يثبتهم عليها إذا لم يقصدوا وجه الله تعالى بها ( وكان ذلك على الله يسيرا ) يحتمل وجهين : أحدهما وكان نفاقهم على الله هينا الثاني وكان إحباط عملهم على الله هينا < <
Kurtubî - el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
İmam Kurtubî · AR
الأحزاب : ( 20 ) يحسبون الأحزاب لم . . . . . > > < > ( الاحزاب 20 ) < > قوله تعالى : ( يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ) أي لجبنهم يظنون الأحزاب لم ينصرفوا وكانوا انصرفوا ولكنهم لم يتباعدوا في السير ( وإن يأت الأحزاب ) أي وإن يرجع الأحزاب إليهم للقتال ( يودوا لو أنهم بادون في الأعراب ) تمنوا أن يكونوا مع الأعراب حذرا من القتل وتربصا للدوائر وقرأ طلحة بن مصرف لو أنهم بدى في الأعراب يقال : باد وبدى مثل غاز وغزى ويمد مثل صائم وصوام بدا فلان يبدو إذا خرج إلى البادية وهي البداوة والبداوة بالكسر والفتح وأصل الكلمة من البدو وهو الظهور ( يسألون ) وقرأ يعقوب في رواية رويس يتساءلون عن أنبائكم أي عن أخبار النبي صلى الله عليه وسلم يتحدثون : أما هلك محمد وأصحابه أما غلب أبو سفيان وأحزابه أي يودوا لو أنهم بادون سائلون عن أنبائكم من غير مشاهدة القتال لفرط جبنهم وقيل : أي هم أبدا لجبنهم يسألون عن أخبار المؤمنين وهل أصيبوا وقيل : كان منهم في أطراف المدينة من لم يحضر الخندق جعلوا يسألون عن أخباركم ويتمنون هزيمة المسلمين ( ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا ) أي رميا بالنبل والحجارة على طريق الرياء والسمعة ولو كان ذلك لله لكان قليله كثيرا < < الأحزاب : ( 21 ) لقد كان لكم . . . . . > > < > ( الاحزاب 21 ) < > فيه مسألتان الأولى قوله تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) هذا عتاب للمتخلفين عن القتال أي كان لكم قدوة في النبي صلى الله عليه وسلم حيث بذل نفسه لنصرة دين الله في خروجه إلى الخندق والأسوة القدوة وقرأ عاصم أسوة بضم الهمزة الباقون بالكسر وهما لغتان والجمع فيهما واحد عند الفراء والعلة عنده في الضم على لغة من كسر في الواحدة : الفرق بين ذوات الواو وذوات الياء فيقولون كسوة وكسا ولحية ولحى الجوهري : والأسوة والإسوة بالضم والكسر لغتان والجمع أسى وإسي وروي عقبة بن حسان الهجري عن مالك بن أنس عن نافع عن بن عمر لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة قال : في جوع النبي صلى الله عليه وسلم ذكره الخطيب أبو بكر أحمد وقال : تفرد به عقبة بن حسان عن مالك ولم أكتبه إلا بهذا الإسناد الثانية قوله تعالى : ( أسوة ) الأسوة القدوة والأسوة مايتأسى به أي يتعزى به فيقتدى به في جميع أفعاله ويتعزى به في جميع أحواله فلقد شج وجهه وكسرت رباعيته وقتل عمه حمزة وجاع بطنه ولم يلف إلا صابرا محتسبا وشاكرا راضيا وعن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين خرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه : حديث غريب وقال صلى الله عليه وسلم لما شج : ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ( وقد تقدم ( لمن كان يرجو الله واليوم الآخر قال سعيد بن جبير : المعنى لمن كان يرجو لقاء الله بإيمانه ويصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأفعال وقيل : أي لمن كان يرجو ثواب الله في اليوم الآخر ولا يجوز عند الحذاق من النحويين أن يكتب يرجو إلا بغير ألف إذا كان لواحد لأن العلة التي في الجمع ليست في الواحد ( وذكر الله كثيرا ) خوفا من عقابه ورجاء لثوابه وقيل : إن لمن بدل من قوله : لكم ولا يجيزه البصريون لأن الغائب لايبدل من المخاطب وإنما اللام من لمن متعلقة ب حسنة وأسوة أسم كان ولكم الخبر واختلف فيمن أريد بهذا الخطاب على قولين : أحدهما المنافقون عطفا على ماتقدم من خطابهم الثاني المؤمنون لقوله : لمن كان يرجو الله واليوم الآخر واختلف في هذه الأسوة بالرسول عليه السلام هل هي على الإيجاب أو على الإستحباب على قولين : ) أحدهما على الإيجاب حتى يقوم دليل على الإستحباب الثاني على الاستحباب حتى يقوم دليل على الإيجاب ويحتمل أن يحمل على الإيجاب في أمور الدين وعلى الاستحباب في أمور الدنيا < <
الأحزاب : ( 22 ) ولما رأى المؤمنون . . . . . > > < > ( الاحزاب 22 ) < > قوله تعالى : ( ولما رأى المؤمنون الأحزاب ) ومن العرب من يقول : راء على القلب ( قالوا هذا ما وعدنا الله ) يريد قوله تعالى في سورة البقرة : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم الآية فلما رأوا الأحزاب يوم الخندق قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله قاله قتادة وقول ثان رواه كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ذكرت الأحزاب فقال : ( أخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها يعني على قصور الحيرة ومدائن كسرى فأبشروا بالنصر ( فاستبشر المسلمون وقالوا : الحمد لله موعد صادق إذ وعدنا بالنصر بعد الحصر فطلعت الأحزاب فقال المؤمنون : هذا ما وعدنا الله ورسوله ذكره الماوردي وما وعدنا إن جعلت ما بمعنى الذي فالهاء محذوفة وإن جعلتها مصدرا لم تحتج إلى عائد ( وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) قال الفراء : وما زادهم النظر إلى الأحزاب وقال علي بن سليمان : رأى يدل على الرؤية وتأنيث الرؤية غير حقيقي والمعنى : ما زادهم الرؤية إلا إيمانا بالرب وتسليما للقضاء قاله الحسن ولو قال : ما زادوهم لجاز ولما اشتد الأمر على المسلمين وطال المقام في الخندق قام عليه السلام على التل الذي عليه مسجد الفتح في بعض الليالي وتوقع ما وعده الله من النصر وقال : ( من يذهب ليأتينا بخبرهم وله الجنة ( فلم يجبه أحد وقال ثانيا وثالثا فلم يجبه أحد فنظر إلى جانبه وقال : ( من هذا ( فقال حذيفة فقال : ( ألم تسمع كلامي منذ الليلة ( قال حذيفة : فقلت يا رسول الله منعني أن أجيبك الضر والقر قال : ( انطلق حتى تدخل في القوم فتسمع كلامهم وتأتيني بخبرهم اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتى ترده إلي انطلق ولا تحدث شيئا حتى تأتيني ( فانطلق حذيفة بسلاحه ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده يقول : ( يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرين اكشف همي وغمي وكربي فقد ترى حالي وحال أصحابي ( فنزل جبريل وقال : ( إن الله قد سمع دعوتك وكفاك هول عدوك ( فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وبسط يديه وأرخى عينيه وهو يقول : ( شكرا شكرا كما رحمتني ورحمت أصحابي ( وأخبره جبريل أن الله تعالى مرسل عليهم ريحا فبشر أصحابه بذلك قال حذيفة : فانتهيت إليهم وإذا نيرانهم تتقد فأقبلت ريح شديدة فيها حصباء فما تركت لهم نارا إلا أطفأتها ولا بناء إلا طرحته وجعلوا يتترسون من الحصباء وقام أبو سفيان إلى راحلته وصاح في قريش : النجاء النجاء وفعل كذلك عيينة بن حصن والحارث بن عوف والأقرع بن حابس وتفرقت الأحزاب وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاد إلى المدينة وبه من الشعث ما شاء الله فجاءته فاطمة بغسول فكانت تغسل رأسه فأتاه جبريل فقال : ( وضعت السلاح ولم تضعه أهل السماء مازلت أتبعهم حتى جاوزت بهم الروحاء ثم قال انهض إلى بني قريظة ( وقال أبو سفيان : مازلت أسمع قعقعة السلاح حتى جاوزت الروحاء < < الأحزاب : ( 23 ) من المؤمنين رجال . . . . . > > < > ( الاحزاب 23 : 24 ) <
> قوله تعالى : ( من المؤمنين رجال ) رفع بالإبتداء وصلح الإبتداء بالنكرة لأن صدقوا في موضع النعت ( فمنهم من قضى نحبه ) من في موضع رفع بالإبتداء وكذا ومنهم من ينتظر والخبر في المجرور والنحب : النذر والعهد تقول منه : نحبت أنحب بالضم قال الشاعر : وإذا نحبت كلب على الناس إنهم أحق بتاج الماجد المتكرم وقال آخر : قد نحب المجد علينا نحبا وقال آخر : أنحب فيقضى أم ضلال وباطل وروى البخاري ومسلم والترمذي عن أنس قال : قال عمي أنس بن النضر سميت به ولم يشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر عليه فقال : أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه أما والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد ليرين الله ما أصنع قال : فهاب أن يقول غيرها فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد من العام القابل فاستقبله سعد بن مالك فقال : يا أبا عمرو أين قال : واها لريح الجنة أجدها دون أحد فقاتل حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين ضربة وطعنة ورمية فقالت عمتي الربيع بنت النضر : فما عرفت أخي إلا ببنانه ونزلت هذه الآية رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا لفظ الترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه الآية : منهم طلحة بن عبيد الله ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصيبت يده فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أوجب طلحة الجنة ( وفي الترمذي عنه : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل : سله عمن قضى نحبه من هو وكانوا لا يجترئون على مسألته يوقرونه ويهابونه فسأله الأعرابي فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أين السائل عمن قضى نحبه ( قال الأعرابي : أنا يا رسول الله قال : ( هذا ممن قضى نحبه ( قال : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يونس بن بكير وروى البيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه فوقف عليه ودعا له ثم تلا هذه الآية : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه إلى تبديلا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه ( وقيل : النحب الموت أي مات على ما عاهد عليه عن بن عباس والنحب أيضا الوقت والمدة يقال : قضى فلان نحبه إذا مات وقال ذو الرمة عشية فر الحارثيون بعد ما قضى نحبه في ملتقى الخيل هوبر والنحب أيضا الحاجة والهمة يقول قائلهم : مالي عندهم نحب وليس المراد بالآية والمعنى في هذا الموضع بالنحب النذر كما قدمنا أولا أي منهم من بذل جهده على الوفاء بعهده حتى قتل مثل حمزة وسعد بن معاذ وأنس بن النضر وغيرهم ومنهم من ينتظر الشهادة وما بدلوا عهدهم ونذرهم وقد روي عن بن عباس أنه قرأ فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومنهم من بدل تبديلا قال أبو بكر الأنباري : وهذا الحديث عند أهل العلم مردود لخلافه الإجماع ولأن فيه طعنا على المؤمنين والرجال الذين مدحهم الله وشرفهم بالصدق والوفاء فما يعرف فيهم مغير وما وجد من جماعتهم مبدل وضي الله عنهم ( ليجزي الله الصادقين بصدقهم ) أي أمر الله بالجهاد ليجزي الصادقين في الآخرة بصدقهم ( ويعذب المنافقين ) في الآخرة ( إن شاء ) أي إن شاء أن يعذبهم لم يوفقهم للتوبة وإن لم يشأ أن يعذبهم تاب عليهم قبل الموت ( إن الله كان غفورا رحيما ) < <
الأحزاب : ( 25 ) ورد الله الذين . . . . . > > < > ( الاحزاب 25 ) < > قوله تعالى : ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ) قال محمد بن عمرو يرفعه إلى عائشة : قالت الذين كفروا ها هنا أبو سفيان وعيينة بن بدر رجع أبو سفيان إلى تهامة ورجع عيينة إلى نجد ( وكفى الله المؤمنين القتال ) بأن أرسل عليهم ريحا وجنودا حتى رجعوا ورجعت بنو قريظة إلى صياصيهم فكفى أمر قريظة بالرعب ( وكان الله قويا ) أمره ( عزيزا ) لايغلب < < الأحزاب : ( 26 ) وأنزل الذين ظاهروهم . . . . . > > < > ( الاحزاب 26 : 27 ) < > قوله تعالى : ( وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ) يعني الذين عاونوا الأحزاب : قريشا وغطفان وهم بنو قريظة وقد مضى خبرهم ( من صياصيهم ) أي حصونهم واحدها صيصة قال الشاعر : فأصبحت الثيران صرعى وأصبحت نساء تميم يبتدرن الصياصيا ومنه قيل لشوكة الحائك التي بها يسوي السداة واللحمة : صيصة قال دريد بن الصمة : فجئت إليه والرماح تنوشه كوقع الصياصي في النسيج الممدد ومنه : صيصة الديك التي في رجله وصياصي البقر قرونها لأنها تمتنع بها وربما كانت تركب في الرماح مكان الأسنة ويقال : جذ الله صئصئه أي أصله ( وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون ) وهم الرجال ( وتأسرون فريقا ) وهم النساء والذرية على ماتقدم ( وأورئكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها ) بعد قال يزيد بن رومان وبن زيد ومقاتل : يعني حنين ولم يكونوا نالوها فوعدهم الله إياها وقال قتادة : كنا نتحدث أنها مكة وقال الحسن : هي فارس والروم وقال عكرمة : كل أرض تفتح إلى يوم القيامة ( وكان الله على كل شيء قديرا ) فيه وجهان : أحدهما على ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير قاله محمد بن إسحاق الثاني على ما أراد أن يفتحه من الحصون والقرى قدير قاله النقاش وقيل : وكان الله على كل شيء مما وعدكموه قديرا لاترد قدرته ولا يجوز عليه العجز تعالى ويقال : تأسرون وتأسرون ( بكسر السين وضمها ) حكاه الفراء < < الأحزاب : ( 28 ) يا أيها النبي . . . . . > > < > ( الاحزاب 28 : 29 ) <
> فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يا أيها النبي قل لأزواجك ) قال علماؤنا : هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدم من المنع من إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد تأذى ببعض الزوجات قيل : سألنه شيئا من عرض الدنيا وقيل : زيادة في النفقة وقيل : اذينه بغيرة بعضهن على بعض وقيل : أمر صلى الله عليه وسلم بتلاوة هذه الآية عليهن وتخييرهن بين الدنيا والآخرة وقال الشافعي رحمه الله تعالى : إن من ملك زوجة فليس عليه تخييرها أمر صلى الله عليه وسلم أن يخير نساءه فاخترنه وجملة ذلك أن الله سبحانه خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يكون نبيا ملكا وعرض عليه مفاتيح خزائن الدنيا وبين أن يكون نبيا مسكينا فشاور جبريل فأشار عليه بالمسكنة فاختارها فلما اختارها وهي أعلى المنزلتين أمره الله عز وجل أن يخير زوجاته فربما كان فيهن من يكره المقام معه على الشدة تنزيها له وقيل : إن السبب الذي أوجب التخيير لأجله أن امرأة من أزواجه سألته أن يصوغ لها حلقة من ذهب فصاغ لها حلقة من فضة وطلاها بالذهب وقيل بالزعفران فأبت إلا أن تكون من ذهب فنزلت آية التخيير فخيرهن فقلن اخترنا الله ورسوله وقيل : إن واحدة منهن اختارت الفراق فالله أعلم روى البخاري ومسلم واللفظ لمسلم عن جابر بن عبد الله قال : دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم قال : فأذن لأبي بكر فدخل ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا قال : فقال والله لأقولن شيئا أضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجات عنقها فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( هن حولي كما ترى يسألنني النفقة ( فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول : تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده فقلن : والله لا نسال رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين ثم نزلت عليه هذه الآية : يا أيها النبي قل لأزواجك حتى بلغ للمحسنات منكن أجرا عظيما قال : فبدأ بعائشة فقال : ( يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك ( قالت : وما هو يا رسول الله فتلا عليها الآية قالت : أفيك يا رسول الله أستشير أبوي بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة وأسألك ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت قال : ( لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا ( وروى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي فقال : ( يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك ( قالت : وقد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه قالت ثم قال : ( إن الله يقول : يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا حتى بلغ للمحسنات منكن أجرا عظيما ( فقلت : أفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة وفعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت قال : هذا حديث حسن صحيح قال العلماء : وأما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة أن تشاور أبويها لأنه كان يحبها وكان يخاف أن يحملها فرط الشباب على أن تختار فراقه ويعلم من أبويها أنهما لا يشيران عليها بفراقه الثانية قوله تعالى : ( قل لأزواجك ) كان للنبي صلى الله عليه وسلم أزواج منهن من دخل بها ومنهن من عقد عليها ولم يدخل بها ومنهن من خطبها فلم يتم نكاحه معها فأولهن : خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب وكانت قبله عند أبي هالة واسمه زرارة بن النباش الأسدي وكانت قبله عند عتيق بن عائذ ولدت منه غلاما اسمه عبد مناف وولدت من أبي هالة هند بن أبي هالة وعاش إلى زمن الطاعون فمات فيه ويقال : إن الذي عاش إلى زمن الطاعون هند بن هند وسمعت نادبته تقول حين مات : واهند بن هنداه واربيب رسول الله ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم على خديجة غيرها حتى ماتت وكانت يوم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت أربعين سنة وتوفيت بعد أن مضى من النبوة سبع سنين وقيل : عشر وكان لها حين توفيت خمس وستون سنة وهي أول امرأة آمنت به وجميع أولاده منها غير إبراهيم قال حكيم بن حزام : توفيت خديجة فخرجنا بها من منزلها حتى دفناها بالحجون ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرتها ولم تكن يومئذ سنة الجنازة الصلاة عليها ومنهن : سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامرية أسلمت قديما وبايعت وكانت عند بن عم لها يقال له السكران بن عمرو وأسلم أيضا وهاجرا جميعا إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية فلما قدما مكة مات زوجها وقيل : مات بالحبشة فلما حلت خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها ودخل بها بمكة وهاجر بها إلى المدينة فلما كبرت أراد طلاقها فسألته ألا يفعل وأن يدعها في نسائه وجعلت ليلتها لعائشة حسبما هو مذكور في الصحيح فأمسكها وتوفيت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين ومنهن : عائشة بنت أبي بكر الصديق وكانت مسماة لجبير بن مطعم فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر : يا رسول الله دعني أسلها من جبير سلا رفيقا فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة بسنتين وقيل بثلاث سنين وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع وبقيت عنده تسع سنين ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بنت ثمان عشرة ولم يتزوج بكرا غيرها وماتت سنة تسع وخمسين وقيل ثمان وخمسين ومنهن : حفصة بنت عمر بن الخطاب القرشية العدوية تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلقها فأتاه جبريل فقال : ( إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوامة قوامة ( فراجعها قال الواقدي : وتوفيت في شعبان سنة خمس وأربعين في خلافة معاوية وهي ابنة ستين سنة وقيل : ماتت في خلافة عثمان بالمدينة ومنهن : أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية المخزومية واسم أبي أمية سهيل تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال بقين من شوال سنة أربع زوجها منه ابنها سلمة على الصحيح وكان عمر ابنها صغيرا وتوفيت في سنة تسع وخمسين وقيل : سنة ثنتين وستين والأول أصح وصلى عليها سعيد بن زيد وقيل أبو هريرة وقبرت بالبقيع وهي ابنة أربع وثمانين سنة ومنهن أم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضميري إلى النجاشي ليخطب عليه أم حبيبة فزوجه إياها وذلك سنة سبع من الهجرة وأصدق النجاشي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة وتوفيت سنة أربع وأربعين وقال الدارقطني : كانت أم حبيبة تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة على النصرانية فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم وأمهرها عنه أربعة آلاف وبعث بها إليه مع شرحبيل بن حسنة ومنهن : زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية وكان اسمها برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب وكان اسم أبيها برة فقالت : يا رسول الله بدل اسم أبي فإن البرة حقيرة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو كان أبوك مؤمنا سميناه باسم رجل منا أهل البيت ولكني قد سميته جحشا والجحش من البرة ( ذكر هذا الحديث الدارقطني تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في سنة خمس من الهجرة وتوفيت سنة عشرين وهي بنت ثلاث وخمسين ومنهن : زينب بنت خذيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية كانت تسمى في الجاهلية أم المساكين لإطعامها إياهم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان على رأس واحد وثلاثين شهرا من الهجرة فمكثت عنده ثمانية أشهر وتوفيت في حياته في آخر ربيع الأول على رأس تسعة وثلاثين شهرا ودفنت بالبقيع ومنهن : جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية أصابها في غزوة بني المصطلق فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس فكاتبها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها وتزوجها وذلك في شعبان سنة ست وكان اسمها برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية وتوفيت في ربيع الأول سنة ست وخمسين وقيل : سنة خمسين وهي ابنة خمس وستين ومنهن : صفية بنت حيي بن أخطب الهارونية سباها النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر واصطفاها لنفسه وأسلمت وأعتقها وجعل عتقها صداقها وفي الصحيح : أنها وقعت في سهم دحية الكلبي فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعة أرؤس وماتت في سنة خمسين وقيل : سنة اثنتين وخمسين ودفنت بالبقيع ومنهن : ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة من بني النضير سباها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقها وتزوجها في سنة ست وماتت مرجعه من حجة الوداع فدفنها بالبقيع وقال الواقدي : ماتت سنة ست عشرة وصلى عليها عمر قال أبو الفرج الجوزي : وقد سمعت من يقول : إنه كان يطؤها بملك اليمين ولم يعتقها قلت : ولهذا والله أعلم لم يذكرها أبو القاسم عبد 6 الرحمن السهيلي في عداد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ومنهن : ميمونة بنت الحارث الهلالية تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف على عشرة أميال من مكة وذلك في سنة سبع من الهجرة في عمرة القضية وهي آخر امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدر الله تعالى أنها ماتت في المكان الذي بنى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ودفنت هنالك وذلك في سنة إحدى وستين وقيل : ثلاث وستين وقيل ثمان وستين فهؤلاء المشهورات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهن اللاتي دخل بهن رضي الله عنهن فأما من تزجهن ولم يدخل بهن فمنهن : الكلابية واختلفوا في اسمها فقيل فاطمة وقيل عمرة وقيل العالية قال الزهري : تزوج فاطمة بنت الضحاك الكلابية فاستعاذت منه فطلقها وكانت تقول : أنا الشقية تزوجها في ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة وتوفيت سنة ستين ومنهن : أسماء بنت النعمان بن الجون بن الحارث الكندية وهي الجونية قال قتادة لما دخل عليها دعاها فقالت : تعال أنت فطلقها وقال غيره : هي التي استعاذت منه وفي البخاري قال : تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل فلما أدخلت عليه بسط يده إليها فكأنها كرهت ذلك فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين وفي لفظ آخر قال أبو أسيد : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجونية فلما دخل عليها قال : ( هبي لي نفسك ( فقالت : وهل تهب الملكة نفسها للسوقة فأهوى بيده ليضعها عليها لتسكن فقالت : أعوذ بالله منك فقال : ( قد عذت بمعاذ ( ثم خرج علينا فقال : ( يا أبا أسيد أكسها رازقيين وألحقها بأهلها ( ومنهن : قتيلة بنت قيس أخت الأشعث بن قيس زوجها إياه الأشعث ثم انصرف إلى حضرموت فحملها إليه فبلغه وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فردها إلى بلاده فارتد وارتدت معه ثم تزوجها عكرمة بن أبي جهل فوجد من ذلك أبو بكر وجدا شديدا فقال له عمر : إنها والله ماهي من أزواجه ماخيرها ولاحجبها ولقد برأها الله منه بالإرتداد وكان عروة ينكر أن يكون تزوجها ومنهن : أم شريك الأزدية واسمها غزية بنت جابر بن حكيم وكانت قبله عند أبي بكر بن أبي سلمى فطلقها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدخل بها وهي التي وهبت نفسها وقيل : إن التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم ومنهن : خولة بنت الهذيل بن هبيرة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلكت قبل أن تصل إليه ومنهن : شراف بنت خليفة أخت دحية تزوجها ولم يدخل بها ومنهن : ليلى بنت الخطيم أخت قيس تزوجها وكانت غيورا فاستقالته فأقالها ومنهن : عمرة بنت معاوية الكندية تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم قال الشعبي : تزوج امرأة من كندة فجيء بها بعد ما مات ومنهن : ابنة جندب بن ضمرة الجندعية قال بعضهم : تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكر بعضهم وجود ذلك ومنهن : الغفارية قال بعضهم : تزوج امرأة من غفار فأمرها فنزعت ثيابها فرأى بياضا فقال : ( الحقي بأهلك ( ويقال : إنما رأى البياض بالكلابية فهؤلاء اللاتي عقد عليهن ولم يدخل بهن صلى الله عليه وسلم فأما من خطبهن فلم يتم نكاحه معهن ومن وهبت له نفسها : فمنهن : أم هانئ بنت أبي طالب واسمها فاختة خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إني امرأة مصبية واعتذرت إليه فعذرها ومنهن : ضباعة بنت عامر ومنهن : صفية بنت بشامة بن نضلة خطبها النبي صلى الله عليه وسلم وكان أصابها سباء فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن شئت أنا وإن شئت زوجك ( قالت : زوجي فأرسلها فلعنتها بنو تميم قاله بن عباس ومنهن : أم شريك وقد تقدم ذكرها ومنهن : ليلى بنت الخطيم وقد تقدم ذكرها ومنهن : خولة بنت حكيم بن أمية وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فأرجأها فتزوجها عثمان بن مظعون ومنهن : جمرة بنت الحارث بن عوف المري خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبوها : إن بها سوءا ولم يكن بها فرجع إليها أبوها وقد برصت وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر ومنهن : سودة القرشية خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مصبية فقالت : أخاف أن يضغو صبيتي عند رأسك فحمدها ودعا لها ومنهن : امرأة لم يذكر اسمها قال مجاهد : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت : أستأمر أبي فلقيت أباها فأذن لها فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( قد التحفنا لحافا غيرك ( فهؤلاء جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وكان له من السراري سريتان : مارية القبطية وريحانة في قول قتادة وقال غيره : كان له أربع : مارية وريحانة وأخرى جميلة أصابها في السبي وجارية وهبتها له زينب بنت جحش الثالثة قوله تعالى : ( إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ) إن شرط وجوابه فتعالين فعلق التخيير على شرط وهذا يدل على أن التخيير والطلاق المعلقين على شرط صحيحان فينفذان ويمضيان خلافا للجهال المبتدعة الذين يزعمون أن الرجل إذا قال لزوجته : أنت طالق إن دخلت الدار أنه لا يقع الطلاق إن دخلت الدار لأن الطلاق الشرعي هو المنجز في الحال لا غير الرابعة قوله تعالى : ( فتعالين ) هو جواب الشرط وهو فعل جماعة النساء من قولك تعالى وهو دعاء إلى الإقبال إليه يقال : تعال بمعنى أقبل وضع لمن له جلالة ورفعة ثم صار في الإستعمال لكل داع إلى الإقبال وأما في هذا الموضع فهو على أصله فإن الداعي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أمتعكن ) قد تقدم الكلام في المتعة في البقرة وقريء أمتعكن بضم العين وكذا وأسرحكن بضم الحاء على الإستئناف والسراح الجميل : هو أن يكون طلاقا للسنة من غير ضرار ولا منع واجب لها الخامسة اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه على قولين : الأول أنه خيرهن بإذن الله تعالى في البقاء على الزوجية أو الطلاق فاخترن البقاء قالته عائشة ومجاهد وعكرمة والشعبي وبن شهاب وربيعة ومنهم من قال : إنما خيرهن بين الدنيا فيفارقهن وبين الآخرة فيمسكهن لتكون لهن المنزلة العليا كما كانت لزوجهن ولم يخيرهن في الطلاق ذكره الحسن وقتادة ومن الصحابة علي فيما رواه عنه أحمد بن حنبل أنه قال : لم يخير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه إلا بين الدنيا والآخرة قلت : القول الأول أصح لقول عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن الرجل يخير امرأته فقالت : قد خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكان طلاقا في رواية : فاخترناه فلم يعده طلاقا ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التخيير المأمور بين البقاء والطلاق لذلك قال : ( يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ( الحديث ومعلوم أنه لم يرد الإستئمار في اختيار الدنيا وزينتها على الآخرة فثبت أن الإستئمار إنما وقع في الفرقة أو النكاح والله أعلم السادسة اختلف العلماء في المخيرة إذا اختارت زوجها فقال جمهور العلماء من السلف وغيرهم وأئمة الفتوى : إنه لا يلزمه طلاق لا واحدة ولا أكثر هذا قول عمر بن الخطاب وعلي وبن مسعود وزيد بن ثابت وبن عباس وعائشة ومن التابعين عطاء ومسروق وسليمان بن يسار وربيعة وبن شهاب وروي عن علي وزيد أيضا : إن اختارت زوجها فواحدة بائنة وهو قول الحسن البصري والليث وحكاه الخطابي والنقاش عن مالك وتعلقوا بأن قوله : اختاري كناية عن إيقاع الطلاق فإذا أضافه إليها وقعت طلقة كقوله : أنت بائن والصحيح الأول لقول عائشة : خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه فلم يعده علينا طلاقا أخرجه الصحيحان قال بن المنذر وحديث عائشة دل على أن المخيرة إذا اختارت زوجها لم يكن ذلك طلاقا ويدل على أن اختيارها نفسها يوجب الطلاق ويدل على معنى ثالث وهو أن المخيرة إذا اختارت نفسها أنها تطليقة يملك زوجها رجعتها إذ غير جائز أن يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما أمره الله وروي هذا عن عمر وبن مسعود وبن عباس وبه قال بن أبي ليلى والثوري والشافعي وروي عن علي أنها إذا اختارت نفسها أنها واحدة بائنة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ورواه بن خويز منداد عن مالك وروي عن زيد بن ثابت أنها إذا اختارت نفسها أنها ثلاث وهو قول الحسن البصري وبه قال مالك والليث لأن الملك إنما يكون بذلك وروي عن علي رضي الله عنه أنها إذا اختارت نفسها فليس بشيء وروي عنه أنها إذا اختارت زوجها فواحدة رجعية ذهب جماعة من المدنيين وغيرهم إلى أن التمليك والتخيير سواء والقضاء ما قضت فيهما جميعا وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة قال بن شعبان وقد اختاره كثير من أصحابنا وهو قول جماعة من أهل المدينة قال أبو عمر وعلى هذا القول أكثر الفقهاء والمشهور من مذهب مالك الفرق بينهما وذلك أن التمليك عند مالك وهو قول الرجل لامرأته قد ملكتك أي قد ملكتك ما جعل الله لي من الطلاق واحدة أو اأثنتين أو ثلاثا فلما جاز أن يملكها بعض ذلك دون بعض وادعى ذلك كان القول قوله مع يمينه إذا ناكرها وقالت طائفة من أهل المدينة له المناكرة في التمليك وفي التخيير سواء في المدخول بها والأول قول مالك في المشهور وروى بن خويز منداد عن مالك أن للزوج أن يناكر المخيرة في الثلاث وتكون طلقة بائنة كما قال أبو حنيفة وبه قال أبو الجهم قال سحنون وعليه أكثر أصحابنا وتحصيل مذهب مالك أن المخيرة إذا اختارت نفسها وهي مدخول بها فهو الطلاق كله وإن أنكر زوجها فلا نكرة له وإن اختارت واحدة فليس بشيء وإنما الخيار البتات إما أخذته وإما تركته لأن معنى التخيير التسريح قال الله تعالى في آية التخيير فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا فمعنى التسريح البتات قال الله تعالى الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان البقرة والتسريح بإحسان هو الطلقة الثالثة روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم ومن جهة المعنى أن قول اختاريني أو اختاري نفسك يقتضي ألا يكون له عليها سبيل إذا اختارت نفسها ولا يملك منها شيئا إذ قد جعل إليها أن تخرج ما يملكه منها أو تقيم معه إذا اختارته فإذا اختارت البعض من الطلاق لم تعمل بمقتضى اللفظ وكانت بمنزل من خير بين شيئين فاختار غيرهما وأما التي لم يدخل بها فله مناكرتها في التخيير والتمليك إذا زادت على واحدة لأنها تبين في الحال واختلفت الرواية عن مالك متى يكون لها الخيار فقال مرة لها الخيار ما دامت في المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدل على الإعراض فإن لم تختر ولم تقض شيئا حتى افترقا من مجلسهما بطل ما كان من ذلك إليها وعلى هذا أكثر الفقهاء وقال مرة لها الخيار أبدا ما لم يعلم أنها تركت وذلك يعلم بأن تمكنه من نفسها بوطء أو مباشرة فعلى هذا إن منعت نفسها ولم تختر شيئا كان له رفعها على الحاكم لتوقع أو تسقط فإن أبت أسقط الحاكم تمليكها وعلى القول الأول إذا أخذت في غير ذلك من حديث أو عمل أو مشي أو ما ليس في التخيير بشيء كما ذكرنا سقط تخييرها واحتج بعض أصحابنا لهذا القول بقوله تعالى فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره النساء وأيضا فإن الزوج أطلق لها القول ليعرف الخيار منها فصار كالعقد بينهما فإن قبلته وإلا سقط كالذي يقول قد وهبت لك أو بايعتك فإن قبل وإلا كان الملك باقيا بحاله هذا قول الثوري والكوفيين والأوزاعي والليث والشافعي وأبي ثور وهو اختيار بن القاسم ووجه الرواية الثانية أن ذلك قد صار في يدها ملكته على زوجها بتمليكه إياها فلما ملكت ذلك وجب أن يبقى في يدها كبقائه في يد زوجها قلت وهذا هو الصحيح لقوله عليه السلام لعائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك رواه الصحيح وخرجه البخاري وصححه الترمذي وقد تقدم في أول الباب وهو حجة لمن قال إنه إذا خير الرجل امرأته أو ملكها أن لها أن تقضي في ذلك وإن افترقا من مجلسهما روي هذا عن الحسن والزهري وقال مالك في إحدى روايتيه قال أبو عبيد والذي عندنا في هذا الباب اتباع السنة في عائشة في هذا الحديث حين جعل لها التخيير إلى أن تستأمر أبويها ولم يجعل قيامها من مجلسها خروجا من الأم قال المروزي هذا أصح الأقاويل عندي وقاله بن المنذر والطحاوي اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه على قولين الأول أنه خيرهن بإذن الله تعالى في البقاء على الزوجية أو الطلاق فاخترن البقاء قالته عائشة ومجاهد وعكرمة والشعبي وبن شهاب وربيعة ومنهن من قال إنما خيرهن بين الدنيا فيفارقهن وبين الآخرة فيمسكهن لتكون لهن المنزلة العليا كما كانت لزوجهن ولم يخيرهن في الطلاق ذكره الحسن وقتادة ومن الصحابة علي فيما رواه عنه أحمد بن حنبل أنه قال لم يخير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه إلا بين الدنيا والآخرة قلت القول الأول أصح لقول عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن الرجل يخير امرأته فقالت قد خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكان طلاقا في رواية فاخترناه فلم يعده طلاقا ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التخيير المأمور بين البقاء والطلاق لذلك قال يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك الحديث ومعلوم أنه لم يرد الاستئمار في اختيار الدنيا وزينتها على الآخرة فثبت أن الاستئمار إنما وقع في الفرقة أو النكاح والله أعلم اختلف العلماء في المخيرة إذا اختارت زوجها فقال جمهور العلماء من السلف وغيرهم وأئمة الفتوى إنه لا يلزمه طلاق لا واحدة ولا أكثر هذا قول عمر بن الخطاب وعلي وبن مسعود وزيد بن ثابت وبن عباس وعائشة ومن التابعين عطاء ومسروق وسليمان بن يسار وربيعة وبن شهاب وروي عن علي وزيد أيضا إن اختارت زوجها فواحدة بائنة وهو قول الحسن البصري والليث وحكاه الخطابي والنقاش عن مالك وتعلقوا بأن قوله اختاري كناية عن إيقاع الطلاق فإذا أضافه إليها وقعت طلقة كقوله أنت بائن والصحيح الأول لقول عائشة خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه فلم يعده علينا طلاقا أخرجه الصحيحان قال بن المنذر : وحديث عائشة يدل على أن المخيرة إذا اختارت زوجها لم يكن ذلك طلاقا ويدل على أن اختيارها نفسها يوجب الطلاق ويدل على معنى ثالث وهو أن المخيرة إذا اختارت نفسها أنها تطليقة يملك زوجها رجعتها إذ غير جائز أن يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما أمره الله وروي هذا عن عمر وبن مسعود وبن عباس وبه قال بن أبي ليلى والثوري والشافعي وروي عن علي أنها إذا اختارت نفسها أنها واحدة بائنة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ورواه بن خويز منداد عن مالك وروي عن زيد بن ثابت أنها إذا اختارت نفسها أنها ثلاث وهو قول الحسن البصري وبه قال مالك والليث لأن الملك إنما يكون بذلك وروي عن علي رضي الله عنه أنها إذا اختارت نفسها فليس بشيء وروي عنه أنها إذا اختارت زوجها فواحدة رجعية السابعة ذهب جماعة من المدنيين وغيرهم إلى أن التمليك والتخيير سواء والقضاء ماقضت فيهما جميعا وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة قال بن شعبان : وقد اختاره كثير من أصحابنا وهو قول جماعة من أهل المدينة قال أبو عمر : وعلى هذا القول أكثر الفقهاء والمشهور من مذهب مالك الفرق بينهما وذلك أن التمليك عند مالك هو قول الرجل لإمرأته : قد ملكتك أي قد ملكتك ما جعل الله لي من الطلاق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا فلما جاز أن يملكها بعض ذلك دون بعض وادعى ذلك كان القول قوله مع يمينه إذا ناكرها وقالت طائفة من أهل المدينة : له المناكرة في التمليك وفي التخيير سواء في المدخول بها والأول قول مالك في المشهور وروى بن خويز منداد عن مالك أن للزوج أن يناكر المخيرة في الثلاث وتكون طلقة 4 بائنة كما قال أبو حنيفة وبه قال أبو الجهم قال سحنون : وعليه أكثر أصحابنا وتحصيل مذهب مالك : أن المخيرة إذا اختارت نفسها وهي مدخول بها فهو الطلاق كله وإن أنكر زوجها فلا نكرة له وإن اختارت واحدة فليس بشيء وإنما الخيار البتات إما أخذته وإما تركته لأن معنى التخيير التسريح قال الله تعالى في آية التخيير : ( فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا ) فمعنى التسريح البتات قال الله تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان والتسريح بإحسان هو الطلقة الثالثة روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم ومن جهة المعنى أن قوله : اختاريني أو اختاري نفسك يقتضي ألا يكون له عليها سبيل إذا اختارت نفسها ولا يملك منها شيئا إذ قد جعل إليها أن تخرج ما يملكه منها أو تقيم معه إذا اختارته فإذا اختارت البعض من الطلاق لم تعمل بمقتضى اللفظ وكانت بمنزل من خير بين شيئين فاختار غيرهما وأما التي لم يدخل بها فله مناكرتها في التخيير والتمليك إذا زادت على واحدة لأنها تبين في الحال الثامنة اختلفت الرواية عن مالك متى يكون لها الخيار فقال مرة : لها الخيار ما دامت في المجلس قبل القيام أو الإشتغال بما يدل على الإعراض فإن لم تختر ولم تقض شيئا حتى افترقا من مجلسهما بطل ما كان من ذلك إليها وعلى هذا أكثر الفقهاء وقال مرة : لها الخيار أبدا ما لم يعلم أنها تركت وذلك يعلم بأن تمكنه من نفسها بوطء أو مباشرة فعلى هذا إن منعت نفسها ولم تختر شيئا كان له رفعها إلى الحاكم لتوقع أو تسقط فإن أبت أسقط الحاكم تمليكها وعلى القول الأول إذا أخذت في غير ذلك من حديث أو عمل أو مشي أو ما ليس في التخيير بشيء كما ذكرنا سقط تخييرها واحتج بعض أصحابنا لهذا القول بقوله تعالى : فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره وأيضا فإن الزوج أطلق لها القول ليعرف الخيار منها فصار كالعقد بينهما فإن قبلته وإلا سقط كالذي يقول : قد وهبت لك أو بايعتك فإن قبل وإلا كان الملك باقيا بحاله هذا قول الثوري والكوفيين والأوزاعي والليث والشافعي وأبي ثور وهو اختيار بن القاسم ووجه الرواية الثانية أن ذلك قد صار في يدها وملكته على زوجها بتمليكه إياها فلما ملكت ذلك وجب أن يبقى في يدها كبقائه في يد زوجها قلت : وهذا هو الصحيح لقوله عليه السلام لعائشة : ( إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك ( رواه الصحيح وخرجه البخاري وصححه الترمذي وقد تقدم في أول الباب وهو حجة لمن قال : إنه إذا خير الرجل امرأته أو ملكها أن لها أن تقضي في ذلك وأن افترقا من مجلسهما روي هذا عن الحسن والزهري وقاله مالك في إحدى روايتيه قال أبو عبيد : والذي عندنا في هذا الباب اتباع السنة في عائشة في هذا الحديث حين جعل لها التخيير إلى أن تستأمر أبويها ولم يجعل قيامها من مجلسها خروجا من الأمر قال المروزي : هذا أصح الأقاويل عندي وقاله بن المنذر والطحاوي < <
الأحزاب : ( 30 ) يا نساء النبي . . . . . > > < > ( الاحزاب 30 : 31 ) <
> قوله تعالى : ( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قال العلماء : لما اختار نساء النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم شكرهن الله على ذلك فقال تكرمة لهن : لايحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج الآية وبين حكمهن عن غيرهن فقال : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا وجعل ثواب طاعتهن وعقاب معصيتهن أكثر مما لغيرهن فقال : يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة منبينة يضاعف لها العذاب ضعفين فأخبر تعالى أن من جاء من نساء النبي صلى الله عليه وسلم بفاحشة والله عاصم رسوله عليه السلام من ذلك كما مر في حديث الإفك يضاعف لها العذاب ضعفين لشرف منزلتهن وفضل درجتهن وتقدمهن على سائر النساء أجمع وكذلك بينت الشريعة في غير ما موضع حسبما تقدم بيانه غير مرة أنه كلما تضاعفت الحرمات فهتكت تضاعفت العقوبات ولذلك ضوعف حد الحر على العبد والثيب على البكر وقيل : لما كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في مهبط الوحي وفي منزل أوامر الله ونواهيه قوي الأمر عليهن ولزمهن بسبب مكانتهن أكثر مما يلزم غيرهن فضوعف لهن الأجر والعذاب وقيل إنما ذلك لعظم الضرر في جرائمهن بإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت العقوبة على قدر عظم الجريمة في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال تعالى : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة واختار هذا القول الكيا الطبري الثانية قال قوم : لو قدر الزنى من واحدة منهن وقد أعاذهن الله من ذلك لكانت تحد حدين لعظم قدرها كما يزاد حد الحرة على الأمة والعذاب بمعنى الحد قال الله تعالى : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين وعلى هذا فمعنى الضعفين معنى المثلين أو المرتين وقال أبو عبيدة : ضعف الشيء شيئان حتى يكون ثلاثة وقاله أبو عمرو فيما حكى الطبري عنه فيضاف إليه عذابان مثله فيكون ثلاثة أعذبة وضعفه الطبري وكذلك هو غير صحيح وإن كان له باللفظ تعلق الإحتمال وكون الأجر مرتين مما يفسد هذا القول لأن العذاب في الفاحشة بإزاء الأجر في الطاعة قاله بن عطية وقال النحاس : فرق أبو عمرو بين يضاعف ويضعف قال : يضاعف للمرار الكثيرة ويضعف مرتين وقرأ يضعف لهذا وقال أبو عبيدة : يضاعف لها العذاب يجعل ثلاثة أعذبة قال النحاس : التفريق الذي جاء به أبو عمرو وأبو عبيدة لا يعرفه أحد من أهل اللغة علمته والمعنى في يضاعف ويضعف واحد أي يجعل ضعفين كما تقول : إن دفعت إلى درهما دفعت إليك ضعفيه أي مثليه يعني درهمين ويدل على هذا نؤتها أجرها مرتين ولا يكون العذاب أكثر من الأجر وقال في موضع آخر آتهم ضعفين من العذاب أي مثلين وروى معمر عن قتادة يضاعف لها العذاب ضعفين قال : عذاب الدنيا وعذاب الآخرة قال القشيري أبو نصر : الظاهر أنه أراد بالضعفين المثلين لأنه قال : نؤتها أجرها مرتين فأما في الوصايا لو أوصى لإنسان بضعفي نصيب ولده فهو وصية بأن يعطي مثل نصيبه ثلاث مرات فإن الوصايا تجري على العرف فيما بين الناس وكلام الله يرد تفسره إلى كلام العرب والضعف في كلام العرب المثل إلى ما زاد وليس بمقصور على مثلين يقال : هذا ضعف هذا أي مثله وهذا ضعفاه أي مثلاه فالضعف في الأصل زيادة غير محصورة قال الله تعالى : فأولئك لهم جزاء الضعف ولم يرد مثلا ولا مثلين كل هذا قول الأزهري وقد تقدم في النور الإختلاف في حد من قذف واحدة منهن والحمد لله الثالثة قال أبو رافع : كان عمر رضي الله عنه كثيرا ما يقرأ سورة يوسف وسورة الأحزاب في الصبح وكان إذا بلغ يانساء النبي رفع بها صوته فقيل له في ذلك فقال : ( أذكرهن العهد ( قرأ الجمهور : من يأت بالياء وكذلك من يقنت حملا على لفظ من والقنوت الطاعة وقد تقدم وقرأ يعقوب : من تأت وتقنت بالتاء من فوق حملا على المعنى وقال قوم : الفاحشة إذا وردت معرفة فهي الزنى واللواط وإذا وردت منكرة فهي سائر المعاصي وإذا وردت منعوتة فهي عقوق الزوج وفساد عشرته وقالت فرقة : بل قوله فاحشة مبينة تعم جميع المعاصي وكذلك الفاحشة كيف وردت وقرأ بن كثير مبينة بفتح الياء وقرأ نافع وأبو عمرو بكسرها وقرأت فرقة : يضاعف بكسر العين على إسناد الفعل إلى الله تعالى وقرأ أبو عمرو فيما روى خارجة نضاعف بالنون المضمومة ونصب العذاب وهذه قراءة بن محيصن وهذه مفاعلة من واحد كطارقت النعل وعاقبت اللص وقرأ نافع وحمزة والكسائي يضاعف بالياء وفتح العين العذاب رفعا وهي قراءة الحسن وبن كثير وعيسى وقرأ بن كثير وبن عامر نضعف بالنون وكسر العين المشددة العذاب نصبا قال مقاتل : هذا التضعيف في العذاب إنما هو في الآخرة لأن إيتاء الأجر مرتين أيضا في الآخرة وهذا حسن لأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لا يأتين بفاحشة توجب حدا وقد قال بن عباس : ما بغت امرأة نبي قط وإنما خانت في الإيمان والطاعة وقال بعض المفسرين : العذاب الذي توعدن به ضعفين هو عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فكذلك الأجر قال بن عطية : وهذا ضعيف اللهم إلا أن يكون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا ترفع عنهن حدود الدنيا عذاب الآخرة على ما هي حال الناس عليه بحكم حديث عبادة بن الصامت وهذا أمر لم يرو في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولا حفظ تقرره وأهل التفسير على أن الرزق الكريم الجنة ذكره النحاس < <
الأحزاب : ( 32 ) يا نساء النبي . . . . . > > < > ( الاحزاب 32 ) < > قوله تعالى : ( يانساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ) يعني في الفضل والشرف وقال : كأحد ولم يقل كواحدة لأن أحدا نفي من المذكر والمؤنث والواحد والجماعة وقد يقال على ما ليس بآدمي يقال : ليس فيها أحد لا شاة ولا بعير وإنما خصص النساء بالذكر لأن فيمن تقدم آسية ومريم وقد أشار إلى هذا قتادة وقد تقدم في آل عمران الإختلاف في التفضيل بينهن فتأمله هناك ثم قال : إن اتقيتن أي خفتن الله فبين أن الفضيلة إنما تتم لهن بشرط التقوى لما منحهن الله من صحبة الرسول وعظيم المحل منه ونزول القرآن في حقهن قوله تعالى : ( فلا تخضعن بالقول ) في موضع جزم بالنهي إلا أنه مبني كما بني الماضي هذا مذهب سيبويه أي لا تلن القول أمرهن الله أن يكون قولهن جزلا وكلامهن فصلا ولا يكون على وجه يظهر في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين كما كانت الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه مثل كلام المريبات والمومسات فنهاهن عن مثل هذا قوله تعالى : ( فيطمع ) بالنصب على جواب النهي ( الذي في قلبه مرض ) أي شك ونفاق عن قتادة والسدي وقيل : تشوف لفجور وهو الفسق والغزل قاله عكرمة وهذا أصوب وليس للنفاق مدخل في هذه الآية وحكى أبو حاتم أن الأعرج قرأ فيطمع بفتح الياء وكسر الميم النحاس : أحسب هذا غلطا وأن يكون قرأ فيطمع بفتح الميم وكسر العين بعطفه على تخضعن فهذا وجه جيد حسن ويجوز فيطمع بمعنى فيطمع الخضوع أو القول قوله تعالى : ( وقلن قولا معروفا ) قال بن عباس : أمرهن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمرأة تندب إذا خاطبت الأجانب وكذا المحرمات عليها بالمصاهرة إلى الغلظة في القول من غير رفع صوت فإن المرأة مأمورة بخفض الكلام وعلى الجملة فالقول المعروف : هو الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا النفوس < < الأحزاب : ( 33 ) وقرن في بيوتكن . . . . . > > < > ( الاحزاب 33 ) <
> قوله تعالى : ( وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وقرن ) قرأ الجمهور وقرن بكسر القاف وقرأ عاصم ونافع بفتحها فأما القراءة الأولى فتحتمل وجهين : أحدهما أن يكون من الوقار تقول : وقر يقر وقارا أي سكن والأمر قر وللنساء قرن مثل عدن وزن والوجه الثاني وهو قول المبرد أن يكون من القرار تقول : قررت بالمكان ( بفتح الراء ) أقرأ والأصل أقررن بكسر الراء فحذفت الراء الأولى تخفيفا كما قالوا في ظللت : ظلت ومسست : مست ونقلوا حركتها إلى القاف واستغنى عن ألف الوصل لتحرك القاف قال أبو علي : بل على أن أبدلت الراء ياء كراهة التضعيف كما أبدلت في قيراط ودينار ويصير للياء حركة الحرف المبدل منه فالتقدير : إقيرن ثم تلقى حركة الياء على القاف كراهة تحرك الياء بالكسر فتسقط الياء لاجتماع الساكنين وتسقط همزة الوصل لتحرك ما بعدها فيصير قرن وأما قراءة أهل المدينة وعاصم فعلى لغة العرب : قررت في المكان إذا أقمت فيه ( بكسر الراء ) أقر ( بفتح القاف ) من باب حمد يحمد وهي لغة أهل الحجاز ذكرها أبو عبيد في الغريب المصنف عن الكسائي وهو من أجل مشايخه وذكرها الزجاج وغيره والأصل إقررن حذفت الراء الأولى لثقل التضعيف وألقيت حركتها على القاف فتقول : قرن قال الفراء : هو كما تقول : أحست صاحبك أي هل أحسست وقال أبو عثمان المازني : قررت به عينا ( بالكسر لا غير ) من قرة العين ولا يجوز قررت في المكان ( بالكسر ) وإنما هو قررت ( بفتح الراء ) وما أنكره من هذا لا يقدح في القراءة إذا ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيستدل بما ثبت عنه من القراءة على صحة اللغة وذهب أبو حاتم أيضا أن قرن لا مذهب له في كلام العرب قال النحاس : وأما قول أبي حاتم : لا مذهب له فقد خولف فيه وفيه مذهبان : أحدهما ما حكاه الكسائي والآخر ما سمعت علي بن سليمان يقول قال : وهو من قررت به عينا أقر والمعنى : واقررن به عينا في بيوتكن وهو وجه حسن إلا أن الحديث يدل على أنه من الأول كما روي أن عمارا قال لعائشة رضي الله عنها : إن الله قد أمرك أن تقري في منزلك فقالت : يا أبا اليقظان ما زلت قوالا بالحق فقال : الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك وقرأ بن أبي عبلة واقررن بألف وصل وراءين الأولى مكسورة الثانية معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والإنكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة على ما تقدم في غير موضع فأمر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم بملازمة بيوتهن وخاطبهن بذلك تشريفا لهن ونهاهن عن التبرج وأعلم أنه فعل الجاهلية الأولى فقال : ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) وقد تقدم معنى التبرج في النور وحقيقته إظهار ما ستره أحسن وهو مأخوذ من السعة يقال : في أسنانه برج إذا كانت متفرقة قاله المبرد واختلف الناس في الجاهلية الأولى فقيل : هي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم عليه السلام كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال وقال الحكم بن عيينة : ما بين آدم ونوح وهي ثمانمائة سنة وحكيت لهم سير ذميمة وقال بن عباس : ما بين نوح وإدريس الكلبي : ما بين نوج وإبراهيم قيل : إن المرأة كانت تلبس الدرع من اللؤلؤ غير مخيط الجانبين وتلبس الثياب الرقاق ولا تواري بدنها وقالت فرقة : ما بين موسى وعيسى الشعبي : ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم أبو العالية : هي زمان داود وسليمان كان فيه للمرأة قميص من الدر غير مخيط الجانبين وقال أبو العباس المبرد : والجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية الجهلاء قال : وكان النساء في الجاهلية الجهلاء يظهرن ما يقبح إظهاره حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخلها فينفرد خلها بما فوق الإزار إلى الأعلى وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى الأسفل وربما سأل أحدهما صاحبه البدل وقال مجاهد : كان النساء يتمشين بين الرجال فذلك التبرج قال بن عطية : والذي يظهر عندي أنه أشار للجاهلية التي لحقنها فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة لأنهم كانوا لا غيرة عندهم وكان أمر النساء دون حجاب وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كن عليه وليس المعنى أن ثم جاهلية أخرى وقد أوقع اسم الجاهلية على تلك المدة التي قبل الإسلام فقالوا : جاهلي في الشعراء وقال بن عباس في البخاري : سمعت أبي في الجاهلية يقول إلى غير هذا قلت : وهذا قول حسن ويعترض بأن العرب كانت أهل قشف وضنك في الغالب وأن التنعم وإظهار الزينة إنما جرى في ألأزمان السابقة وهي المراد بالجاهلية الأولى وأن المقصود من الآية مخالفة من قبلهن من المشية على تغنيج وتكسير وإظهار المحاسن للرجال إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعا وذلك يشمل الأقوال كلها ويعمها فيلزمن البيوت فإن مست الحاجة إلى الخروج فليكن على تبذل وتستر تام والله الموفق الثالثة ذكر الثعلبي وغيره : أن عائشة رضي الله عنها كانت إذا قرأت هذه الآية تبكي حتى تبل خمارها وذكر أن سودة قيل لها : لم لا تحجين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك فقالت : قد حججت واعتمرت وأمرني الله أن أقر في بيتي قال الراوي : فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها رضوان الله عليها قال بن العربي : لقد دخلت نيفا على ألف قرية فما رأيت نساء أصون عيالا ولا أعف نساء من نساء نابلس التي رمي بها الخليل صلى الله عليه وسلم بالنار فإني أقمت فيها فما رأيت امرأة في طريق نهارا إلا يوم الجمعة فإنهن يخرجن إليها حتى يمتلئ المسجد منهن فإذا قضيت الصلاة وانقلبن إلى منازلهن لم تقع عيني على واحدة منهن إلى الجمعة الأخرى وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهن حتى استشهدن فيه الرابعة قال بن عطية : بكاء عائشة رضي الله عنها إنما كان بسبب سفرها أيام الجمل وحينئذ قال لها عمار : إن الله قد أمرك أن تقري في بيتك قال بن العربي : تعلق الرافضة لعنهم الله بهذه الآية على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذ قالوا : إنها خالفت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجت تقود الجيوش وتباشر الحروب وتقتحم مأزق الطعن والضرب فيما لم يفرض عليها ولا يجوز لها قالوا : ولقد حصر عثمان فلما رأت ذلك أمرت برواحلها فقربت لتخرج إلى مكة فقال لها مروان : أقيمي هنا يا أم المؤمنين وردي هؤلاء الرعاع فإن الإصلاح بين الناس خير من حجك قال بن العربي قال علماؤنا رحمة الله عليهم : إن عائشة رضي الله عنها نذرت الحج قبل الفتنة فلم تر التخلف عن نذرها ولو خرجت في تلك الثائرة لكان ذلك صوابا لها وأما خروجها إلى حرب الجمل فما خرجت لحرب ولكن تعلق الناس بها وشكوا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة وتهارج الناس ورجوا بركتها وطمعوا في الإستحياء منها إذا وقفت إلى الخلق وظنت هي ذلك فخرجت مقتدية بالله في قوله : لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس وقوله : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما والأمر بالإصلاح مخاطب به جميع الناس من ذكر وأنثى حر أو عبد فلم يرد الله تعالى بسابق قضائه ونافذ حكمه أن يقع إصلاح ولكن جرت مطاعنات وجراحات حتى كاد يفنى الفريقان فعمد بعضهم إلى الجمل فعرقبه فلما سقط الجمل لجنبه أدرك محمد بن أبي بكر عائشة رضي الله تعالى عنها فاحتملها إلى البصرة وخرجت في ثلاثين امرأة قرنهن علي بها حتى أوصلوها إلى المدينة برة تقية مجتهدة مصيبة مثابة فيما تأولت مأجورة فيما فعلت إذ كل مجتهد في الأحكام مصيب وقد تقدم في النحل اسم هذا الجمل وبه يعرف ذلك اليوم قوله تعالى : وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ) أي فيما أمر ونهى ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) قال الزجاج : قيل يراد به نساء النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : يراد به نساؤه وأهله الذين هم أهل بيته على ما يأتي بيانه بعد وأهل البيت نصب على المدح قال : وإن شئت على البدل قال : ويجوز الرفع والخفض قال النحاس : إن خفض على أنه بدل من الكاف والميم لم يجز عند أبي العباس محمد بن يزيد قال لا يبدل من المخاطبة ولا من المخاطب لأنهما لا يحتاجان إلى تبيين ( ويطهركم تطهيرا ) مصدر فيه معنى التوكيد < <