> قوله تعالى : ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ) أي يقال للكفار سيروا إلى ما كنتم به تكذبون من العذاب يعني النار فقد شاهدتموها عيانا ( انطلقوا إلى ظل ) أي دخان ( ذي ثلاث شعب ) يعني الدخان الذي يرتفع ثم يتشعب إلى ثلاث شعب وكذلك شأن الدخان العظيم إذا ارتفع تشعب ثم وصف الظل فقال : ( لا ظليل ) أي ليس كالظل الذي يقي حر الشمس ( ولا يغني من اللهب ) أي لا يدفع من لهب جهنم شيئا واللهب ما يعلو على النار إذ اضطرمت من أحمر وأصفر وأخضر وقيل : إن الشعب الثلاث هي الضريع والزقوم والغسلين قاله الضحاك وقيل : اللهب ثم الشرر ثم الدخان لأنها ثلاثة أحوال هي غاية أوصاف النار إذا اضطرمت واشتدت وقيل : عنق يخرج من النار فيتشعب ثلاث شعب فأما النور فيقف على رؤوس المؤمنين وأما الدخان فيقف على رؤوس المنافقين وأما اللهب الصافي فيقف على رؤوس الكافرين وقيل : هو السرادق وهو لسان من نار يحيط بهم ثم يتشعب منه ثلاث شعب فتظللهم حتى يفرغ من حسابهم إلى النار وقيل : هو الظل من يحموم كما قال تعالى : في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم على ما تقدم وفي الحديث : ( إن الشمس تدنو من رؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس ولا لهم أكفان فتلحقهم الشمس وتأخذ بأنفاسهم ومد ذلك اليوم ثم ينجى الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظله فهنالك يقولون : فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم الطور ( ويقال للمكذبين : انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله وعقابه انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب فيكون أولياء الله جل ثناؤه في ظل عرشه أو حيث شاء من الظل إلى أن يفرغ من الحساب ثم يؤمر بكل فريق إلى مستقره من الجنة والنار ثم وصف النار فقال : ( إنها ترمي بشرر كالقصر ) الشرر : واحدته شررة والشرار : واحدته شرارة وهو ما تطاير من النار في كل جهة وأصله من شررت الثوب إذا بسطته للشمس ليجف والقصر البناء العالي وقراءة العامة كالقصر بإسكان الصاد : أي الحصون والمدائن في العظم وهو واحد القصور قاله بن عباس وبن مسعود وهو في معنى الجمع على طريق الجنس وقيل : القصر جمع قصرة ساكنة الصاد مثل جمرة وجمر وتمرة وتمر والقصرة : الواحدة من جزل الحطب الغليظ وفي البخاري عن بن عباس أيضا : ترمي بشرر كالقصر قال كنا نرفع الخشب بقصر ثلاثة أذرع أو أقل فترفعه للشتاء فنسميه القصر وقال سعيد بن جبير والضحاك : هي أصول الشجر والنخل العظام إذا وقع وقطع وقيل : أعناقه وقرأ بن عباس ومجاهد وحميد والسلمي كالقصر بفتح الصاد أراد أعناق النخل والقصرة العنق جمعها قصر وقصرات وقال قتادة : أعناق الإبل قرأ سعيد بن جبير بكسر القاف وفتح الصاد وهي أيضا جمع قصرة مثل بدرة وبدر وقصعة وقصع وحلقة وحلق لحلق الحديد وقال أبو حاتم : ولعله لغة كما قالوا حاجة وحوج وقيل : القصر : الجبل فشبه الشرر بالقصر في مقاديره ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر وهي الإبل السود والعرب تسمى السود من الإبل صفرا قال الشاعر : تلك خيلي منه وتلك ركابي هن صفر أولادها كالزبيب أي هن سود وإنما سميت السود من الإبل صفرا لأنه يشوب سوادها شيء من صفرة كما قيل لبيض الظباء : الأدم لأن بياضها تعلوه كدرة : والشرر إذا تطاير وسقط وفيه بقية من لون النار أشبه شيء بالإبل السود لما يشوبها من صفرة وفي شعر عمران بن حطان الخارجي : دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم بمثل الجمال الصفر نزاعة الشوى وضعف الترمذي هذا القول فقال : وهذا القول محال في اللغة أن يكون شيء يشوبه شيء قليل فنسب كله إلى ذلك الشائب فالعجب لمن قد قال هذا وقد قال الله تعالى : جمالات صفر فلا نعلم شيئا من هذا في اللغة ووجهه عندنا أن النار خلقت من النور فهي نار مضيئة فلما خلق الله جهنم وهي موضع النار حشا ذلك الموضع بتلك النار وبعث إليها سلطانه وغضبه فاسودت من سلطانه وازدادت حدة وصارت أشد سوادا من النار ومن كل شيء سوادا فإذا كان يوم القيامة وجيء بجهنم في الموقف رمت بشررها على أهل الموقف غضبا لغضب الله والشرر هو أسود لأنه من نار سوداء فإذا رمت النار بشررها فإنها ترمي الأعداء به فهن سود من سواد النار لا يصل ذلك إلى الموحدين لأنهم في سرادق الرحمة قد أحاط بهم في الموقف وهو الغمام الذي يأتي فيه الرب تبارك وتعالى ولكن يعاينون ذلك الرمي فإذا عاينوه نزع الله ذلك السلطان والغضب عنه في رأي العين منهم حتى يروها صفراء ليعلم الموحدون أنهم في رحمة الله لا في سلطانه وغضبه وكان بن عباس يقول : الجمالات الصفر : حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الرحال ذكره البخاري وكان يقرؤها جمالات بضم الجيم وكذلك قرأ مجاهد وحميد جمالات بضم الجيم وهي الحبال الغلاط وهي قلوس السفينة أي حبالها وواحد القلوس : قلس وعن بن عباس أيضا على أنها قطع النحاس والمعروف في الحبل الغليظ جمل بتشديد الميم كما تقدم في الأعراف وجمالات بضم الجيم : جمع جمالة بكسر الجيم موحدا كأنه جمع جمل نحو حجر وحجارة وذكر وذكارة وقرأ يعقوب وبن أبي إسحاق وعيسى والجحدري جمالة بضم الجيم موحدا وهي الشيء العظيم المجموع بعضه إلى بعض وقرأ حفص وحمزة والكسائي جمالة وبقية السبعة جمالات قال الفراء : يجوز أن تكون الجمالات جمع جمال كما يقال : رجل ورجال ورجالات وقيل : شبهها بالجمالات لسرعة سيرها وقيل : لمتابعة بعضها بعضا والقصر : واحد القصور وقصر الظلام : اختلاطه ويقال : أتيته قصرا أي عشيا فهو مشترك قال : كأنه م قص را مصابيح راهب بموزن روي بالسليط ذبالها مسألة في هذه الآية دليل على جواز ادخار الحطب والفحم وإن لم يكن من القوت فإنه من مصالح المرء ومغاني مفاقره وذلك مما يقتضي النظر أن يكتسبه في غير وقت حاجته ليكون أرخص وحالة وجوده أمكن كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخر القوت في وقت عموم وجوده من كسبه وماله وكل شيء محمول عليه وقد بين بن عباس هذا بقوله : كنا نعمد إلى الخشبة فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه ونذخره للشتاء وكنا نسميه القصر وهذا أصح ماقيل في ذلك والله أعلم < <
الإمام القرطبي - الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان
أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي · AR
المرسلات : ( 35 ) هذا يوم لا . . . . . > > < > ( المرسلات 35 : 37 ) < > قوله تعالى : ( هذا يوم لاينطقون ) أي لايتكلمون ( ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) أي إن يوم القيامة له مواطن ومواقيت فهذا من المواقيت التي لايتكلمون فيها ولا يؤذن لهم في الاعتذار والتنصل وعن عكرمة عن بن عباس قال : سأله بن الأزرق عن قوله تعالى : هذا يوم لاينطقون ولاتسمع إلا همسا وقد قال تعالى : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون فقال له : إن الله عز وجل يقول : وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون فإن لكل مقدار من هذه الأيام لونا من هذه الألوان وقيل : لاينطقون بحجة نافعة ومن نطق بما لاينفع ولا يفيد فكأنه مانطق قال الحسن : لاينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون وقيل : إن هذا وقت جوابهم اخسئوا فيها ولا تكلمون وقد تقدم وقال أبو عثمان : أسكتتهم رؤية الهيبة وحياء الذنوب وقال الجنيد : أي عذر لمن أعرض عن منعمه وجحده وكفر أياديه ونعمه ويوم بالرفع قراءة العامة على الابتداء والخبر أي تقول الملائكة : هذا يوم لاينطقون ويجوز أن يكون قوله : انطلقوا من قول الملائكة ثم يقول الله لأوليائه : هذايوم لاينطق الكفار ومعنى اليوم الساعة والوقت وروى يحيى بن سلطان عن أبي بكر عن عاصم هذا يوم لاينطقون بالنصب ورويت عن بن هرمز وغيره فجاز أن يكون مبينا لإضافته إلى الفعل وموضعه رفع وهذا مذهب الكوفيين وجاز أن يكون في موضع نصب على أن تكون الإشارة إلى غير اليوم وهذا مذهب البصريين لأنه إنما بني عندهم إذا أضيف إلى مبني والفعل ها هنا معرب وقال الفراء في قوله تعالى : ولا يؤذن لهم فيعتذرون الفاء نسق أي عطف على يؤذن وأجيز ذلك لأن أواخر الكلام بالنون ولو قال : فيعتذروا لم يوافق الآيات وقد قال لا يقضى عليهم فيموتوا فاطر بالنصب وكله صواب ومثله : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه بالنصب والرفع < < المرسلات : ( 38 ) هذا يوم الفصل . . . . . > > < > ( المرسلات 38 : 40 ) < > قوله تعالى في وعيده في هذه السورة : ( هذا يوم الفصل ) أي ويقال لهم هذا اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق فيتبين المحق من المبطل ( جمعناكم والأولين ) قال بن عباس : جمع الذين كذبوا محمدا والذين كذبوا النبيين من قبله رواه عنه الضحاك ( فإن كان لكم كيد ) أي حيلة في الخلاص من الهلاك ( فكيدوني ) أي فآحتالوا لأنفسكم وقاووني ولن تجدوا ذلك وقيل : أي فإن كان لكم كيد أي قدرتم على حرب فكيدوني أي حاربوني كذا روى الضحاك عن بن عباس قال : يريد كنتم في الدنيا تحاربون محمدا صلى الله عليه وسلم وتحاربونني فاليوم حاربوني وقيل : أي إنكم كنتم في الدنيا تعملون بالمعاصي وقد عجزتم الآن عنها وعن الدفع عن أنفسكم وقيل : إنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيكون كقول هود : فكيدوني جميعا ثم لاتنظرون < < المرسلات : ( 41 ) إن المتقين في . . . . . > > < > ( المرسلات 41 : 45 ) <
> قوله تعالى : ( إن المتقين في ظلال وعيون ) أخبر بما يصير إليه المتقون غدا والمراد بالظلال ظلال الأشجار وظلال القصور مكان الظل في الشعب الثلاث وفي سورة يس هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون ( وفواكه مما يشتهون ) أي يتمنون وقراءة العامة ظلال وقرأ الأعرج والزهري وطلحة ظلل جمع ظلة يعني في الجنة أي يتمنون ( كلوا واشربوا ) أي يقال لهم غدا هذا بدل ما يقال للمشركين فإن كان لكم كيد فكيدون فكلوا واشربوا في موضع الحال من ضمير المتقين في الظرف الذي هو في ظلال أي هم مستقرون في ظلال مقولا لهم ذلك ( إنا كذلك نجزي المحسنين ) أي نثيب الذين أحسنوا في تصديقهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وأعمالهم في الدنيا < < المرسلات : ( 46 ) كلوا وتمتعوا قليلا . . . . . > > < > ( المرسلات 46 : 47 ) < > قوله تعالى : ( كلوا وتمتعوا قليلا ) هذا مردود إلى ما تقدم قبل المتقين وهو وعيد وتهديد وهو حال من المكذبين أي الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم : كلوا وتمتعوا قليلا ( إنكم مجرمون ) أي كافرون وقيل : مكتسبون فعلا يضركم في الآخرة من الشرك والمعاصي < < المرسلات : ( 48 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > < > ( المرسلات 48 : 50 ) < > قوله تعالى : ( في وعيده في هذه السورة ) أي إذا قيل لهؤلاء المشركين : اركعوا أي صلوا لا يركعون أي لا يصلون قاله مجاهد وقال مقاتل : نزلت في ثقيف امتنعوا من الصلاة فنزل ذلك فيهم قال مقاتل : قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( أسلموا ( وأمرهم بالصلاة فقالوا : لا ننحني فإنها مسبة علينا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود ( يذكر أن مالكا رحمه الله دخل المسجد بعد صلاة العصر وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر فجلس ولم يركع فقال له صبي : يا شيخ قم فاركع فقام فركع ولم يحاجه بما يراه مذهبا فقيل له في ذلك فقال : خشيت أن أكون من الذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون وقال بن عباس : إنما يقال لهم هذا في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون قتادة هذا في الدنيا بن العربي هذه الآية حجة على وجوب الركوع وإنزاله ركنا في الصلاة وقد انعقد الإجماع عليه وظن قوم أن هذا إنما يكون في القيامة وليست بدار تكليف فيتوجه فيها أمر يكون عليه ويل وعقاب وإنما يدعون إلى السجود كشفا لحال الناس في الدنيا فمن كان لله يسجد يمكن من السجود ومن كان يسجد رثاء لغيره صار ظهره طبقا واحدا وقيل : أي إذا قيل لهم اخضعوا للحق لا يخضعون فهو عام في الصلاة وغيرها وإنما ذكر الصلاة لأنها أصل الشرائع بعد التوحيد وقيل : الأمر بالإيمان لأنها لا تصح من غير إيمان قوله تعالى : ( فبأي حديث بعده يؤمنون ) أي إن لم يصدقوا بالقرآن الذي هو المعجز والدلالة على صدق الرسول عليه السلام فبأي شيء يصدقون وكرر ويل يومئذ للمكذبين لمعنى تكرير التخويف والوعيد وقيل : ليس بتكرار لأنه أراد بكل قول منه غير الذي أراد بالآخر كأنه ذكر شيئا فقال : ويل لمن يكذب بهذا ثم ذكر شيئا آخر فقال : ويل لمن يكذب بهذا ثم ذكر شيئا آخر فقال : ويل لمن يكذب بهذا ثم كذلك إلى آخرها ختمت السورة ولله الحمد سورة عم مكية وتسمى < > تفسير سورة النبأ < > وهي أربعون أو إحدى وأربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم < < النبأ : ( 1 ) عم يتساءلون > > < > ( النبا 1 : 5 ) <
> قوله تعالى : ( عم يتساءلون ) عم لفظ استفهام ولذلك سقطت منها ألف ما ليتميز الخبر عن الاستفهام وكذلك [ فيم ومم ] إذا استفهمت والمعنى عن أي شيء يسأل بعضهم بعضا وقال الزجاج : أصل عم عن ما فأدغمت النون في الميم لأنها تشاركها في الغنة والضمير في يتساءلون لقريش وروى أبو صالح عن بن عباس قال : كانت قريش تجلس لما نزل القرآن فتتحدث فيما بينها فمنهم المصدق ومنهم المكذب به فنزلت عم يتساءلون وقيل : عم بمعنى : فيم يتشدد المشركون ويختصمون قوله تعالى : ( عن النبإالعظيم ) أي يتساءلون عن النبإ العظيم فعن ليس تتعلق بيتساءلون الذي في التلاوة لأنه كان يلزم دخول حرف الاستفهام فيكون عن النبإ العظيم كقولك : كم مالك أثلاثون أم أربعون فوجب لما ذكرناه من امتناع تعلقه بيتساءلون الذي في التلاوة وإنما يتعلق بيتساءلون آخر مضمر وحسن ذلك لتقدم يتساءلون قاله المهدوي وذكر بعض أهل العلم أن الاستفهام في قوله : عن مكرر إلا أنه مضمر كأنه قال عم يتساءلون أعن النبإ العظيم فعلى هذا يكون متصلا بالآية الأولى والنبإ العظيم أي الخبر الكبير ( الذي هم فيه مختلفون ) أي يخالف فيه بعضهم بعضا فيصدق واحد ويكذب آخر فروى أبو صالح عن بن عباس قال : هو القرآن دليله قوله : قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون فالقرآن نبأ وخبر وقصص وهو نبأ عظيم الشأن وروى سعيد عن قتادة قال : هو البعث بعد الموت صار الناس فيه رجلين : مصدق ومكذب وقيل : أمر النبي صلى الله عليه وسلم وروى الضحاك عن بن عباس قال : وذلك أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كثيرة فأخبره الله جل ثناؤه باختلافهم ثم هددهم فقال : ( كلا سيعلمون ) أي سيعلمون عاقبة القرآن أو سيعلمون البعث : أحق هو أم باطل وكلا رد عليهم في إنكارهم البعث أو تكذيبهم القرآن فيوقف عليها ويجوز أن يكون بمعنى حقا أو ألا فيبدأ بها والأظهر أن سؤالهم إنما كان عن البعث قال بعض علمائنا : والذي يدل عليه قوله عز وجل إن يوم الفصل كان ميقاتا النبأ يدل على أنهم كانوا يتساءلون عن البعث ( ثم كلا سيعلمون ) أي حقا ليعلمن صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن ومما ذكره لهم من البعث بعد الموت وقال الضحاك : كلا سيعلمون يعني الكافرين عاقبة تكذيبهم ثم كلا سيعلمون يعني المؤمنين عاقبة تصديقهم وقيل : بالعكس أيضا وقال الحسن : هو وعيد بعد وعيد وقراءة العامة فيهما بالياء على الخبر لقوله تعالى : يتساءلون وقوله : هم فيه مختلفون وقرأ الحسن وأبو العالية ومالك بن دينار بالتاء فيهما < < النبأ : ( 6 ) ألم نجعل الأرض . . . . . > > < > ( النبا 6 : 16 ) <
> قوله تعالى : ( ألم نجعل الأرض مهادا ) : دلهم على قدرته على البعث أي قدرتنا على إيجاد هذه الأمور أعظم من قدرتنا على الإعادة والمهاد : الوطاء والفراش وقد قال تعالى : الذي جعل لكم الأرض فراشا البقرة وقرئ مهدا ومعناه أنها لهم كالمهد للصبي وهو ما يمهد له فينوم عليه ( والجبال أوتادا ) أي لتسكن ولا تتكفأ ولا تميل بأهلها ( وخلقناكم أزواجا ) أي أصنافا : ذكرا وأنثى وقيل : ألوانا وقيل : يدخل في هذا كل زوج من قبيح وحسن وطويل وقصير لتختلف الأحوال فيقع الاعتبار فيشكر الفاضل ويصبر المفضول ( وجعلنا نومكم ) جعلنا معناه صيرنا ولذلك تعدت إلى مفعولين ( سباتا ) المفعول الثاني أي راحة لابدانكم ومنه يوم السبت أي يوم الراحة أي قيل لبني إسرائيل : استريحوا في هذا اليوم فلا تعملوا فيه شيئا وأنكر بن الأنباري هذا وقال : لا يقال للراحة سبات وقيل : أصله التمدد يقال : سبتت المرأة شعرها : إذا حلته وأرسلته فالسبات كالمد ورجل مسبوت الخلق : أي ممدود وإذا أراد الرجل أن يستريح تمدد فسميت الراحة سبتا وقيل : أصله القطع يقال : سبت شعره سبتا : حلقه وكأنه إذا نام انقطع عن الناس وعن الاشتغال فالسبات يشبه الموت إلا أنه لم تفارقه الروح ويقال : سير سبت : أي سهل لين قال الشاعر : ومطوية الأقراب أما نهارها فسبت واما ليلها فذمي ل ( وجعلنا الليل لباسا ) أي تلبسكم ظلمته وتغشاكم قاله الطبري وقال بن جبير والسدي : أي سكنا لكم ( وجعلنا النهار معاشا ) فيه إضمار أي وقت معاش أي متصرفا لطلب المعاش وهو كل ما معاش به من المطعم والمشرب وغير ذلك فمعاشا على هذا اسم زمان ليكون الثاني هو الأول ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى العيش على تقدير حذف المضاف ( وبنينا فوقكم سبعا شدادا ) أي سبع سماوات محكمات أي محكمة الخلق وثيقة البنيان ( وجعلنا سراجا وهاجا ) أي وقادا وهي الشمس وجعل هنا بمعنى خلق لأنها تعدت لمفعول واحد والوهاج الذي له وهج يقال وهج يهج وهجا ووهجا ووهجانا ويقال للجوهر إذا تلالأ توهج وقال بن عباس : وهاجا منيرا متلألئا ( وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ) قال مجاهد وقتادة : والمعصرات الرياح وقاله بن عباس كأنها تعصر السحاب وعن بن عباس أيضا : أنها السحاب وقال سفيان والربيع وأبو العالية والضحاك : أي السحائب التي تنعصر بالماء ولما تمطر بعد كالمرأة المعصر التي قد دنا حيضها ولم تحض قال أبو النجم : تمشي الهوينى مائلا خمارها قد أعصرت أو قد دنا إعصارها وقال آخر : فكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصر وقال آخر : وذي أشر كالأقحوان يزينه ذهاب الصبا والمعصرات الروائح فالرياح تسمى معصرات يقال : أعصرت الريح تعصر إعصارا : إذا أثارت العجاج وهي الإعصار والسحب أيضا تسمى المعصرات لأنها تمطر وقال قتادة أيضا : المعصرات السماء النحاس : هذه الأقوال صحاح يقال للرياح التي تأتي بالمطر معصرات والرياح تلقح السحاب فيكون المطر والمطر ينزل من الريح على هذا ويجوز أن تكون الأقوال واحدة ويكون المعنى وأنزلنا من ذوات الرياح المعصرات ماء ثجاجا وأصح الأقوال أن المعصرات : السحاب كذا المعروف أن الغيث منها ولو كان [ بالمعصرات ] لكان الريح أولى وفي الصحاح : والمعصرات السحائب تعتصر بالمطر وأعصر القوم أي أمطروا ومنه قرأ بعضهم وفيه يعصرون والمعصر : الجارية أول ما أدركت وحاضت يقال : قد أعصرت كأنها دخلت عصر شبابها أو بلغته قال الراجز : جارية بسفوان دارها تمشي الهوينى ساقطا خمارها قد أعصرت أو قد دنا إعصارها والجمع : معاصر ويقال : هي التي قاربت الحيض لأن الإعصار في الجارية كالمراهقة في الغلام سمعته من أبي الغوث الأعرابي قال غيره : والمعصر السحابة التي حان لها أن تمطر يقال أجن الزرع فهو مجن : أي صار إلى أن يجن وكذلك السحاب إذا صار إلى أن يمطر فقد أعصر وقال المبرد : يقال سحاب معصر أي ممسك للماء ويعتصر منه شيء بعد شيء ومنه العصر بالتحريك للملجأ الذي يلجأ إليه والعصرة بالضم أيضا الملجأ وقد مضى هذا المعنى في سورة يوسف والحمد لله وقال أبو زبيد صاديا يستغيث غير مغاث ولقد كان عصرة المنجود ومنه المعصر للجارية التي قد قربت من البلوغ يقال لها معصر لأنها تحبس في البيت فيكون البيت لها عصرا وفي قراءة بن عباس وعكرمة وأنزلنا بالمعصرات والذي في المصاحف من المعصرات قال أبي بن كعب والحسن وبن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان : من المعصرات أي من السماوات ماء ثجاجا صبابا متتابعا عن بن عباس ومجاهد وغيرهما يقال : ثججت دمه فأنا أثجه ثجا وقد ثج الدم يثج ثجوجا وكذلك الماء فهو لازم ومتعد والثجاج في الآية المنصب وقال الزجاج : أي الضباب وهو متعد كأنه يثج : نفسه أي يصب وقال عبيد بن الأبرص : فثج أعلاه ثم ارتج أسفله وضاق ذرعا بحمل الماء منصاح وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الحج المبرور فقال : ( العج والثج ( فالعج : رفع الصوت بالتلبية والثج : إراقة الدماء وذبح الهدايا وقال بن زيد : ثجاجا كثيرا والمعنى واحد قوله تعالى : ( لنخرج به ) أي بذلك الماء ( حبا ) كالحنطة والشعير وغير ذلك ( ونباتا ) من الأب وهو ما تأكله الدواب من الحشيش ( وجنات ) أي بساتين ( ألفافا ) أي ملتفة بعضها ببعض لتشعب أغصانها ولا واحد له كالأوزاع والأخياف وقيل : واحد الألفاف لف بالكسر ولف بالضم ذكره الكسائي قال : جنة لف وعيش مغدق وندامى كلهم بيض زهر وعنه أيضا وأبي عبيدة : لفيف كشريف وأشراف وقيل : هو جمع الجمع حكاه الكسائي يقال : جنة لفاء ونبت لف والجمع لف بضم اللام مثل حمر ثم يجمع اللف ألفافا الزمخشري : ولو قيل جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد لكان وجيها ويقال : شجرة لفاء وشجر لف وامرأة لفاء : أي غليظة الساق مجتمعة اللحم وقيل : التقدير : ونخرج به جنات ألفافا فحذف لدلالة الكلام عليه ثم هذا الالتفاف والانضمام معناه أن الأشجار في البساتين تكون متقاربة فالأغصان من كل شجرة متقاربة لقوتها < <
النبأ : ( 17 ) إن يوم الفصل . . . . . > > < > ( النبا 17 : 20 ) < > قوله تعالى : ( إن يوم الفصل كان ميقاتا ) أي وقتا ومجمعا وميعادا للأولين والآخرين لما وعد الله من الجزاء والثواب وسمي يوم الفصل لأن الله تعالى يفصل فيه بين خلقه قوله تعالى : ( يوم ينفخ في الصور ) أي للبعث ( فتأتون ) أي إلى موضع العرض ( أفواجا ) أي أمما كل أمة مع إمامهم وقيل : زمرا وجماعات الواحد : فوج ونصب يوما بدلا من اليوم الأول وروي من حديث معاذ بن جبل قلت : يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا معاذ بن جبل لقد سألت عن أمر عظيم ( ثم أرسل عينيه باكيا ثم قال : ( يحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا قد ميزهم الله تعالى من جماعات المسلمين وبدل صورهم فمنهم على صورة القردة وبعضهم على صورة الخنازير وبعضهم منكسون : أرجلهم أعلاهم ووجوههم يسحبون عليها وبعضهم عمي يتردون وبعضهم صم بكم لا يعقلون وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم لعابا يتقذرهم أهل الجمع وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم وبعضهم مصلبون على جذوع من النار وبعضهم أشد نتنا من الجيف وبعضهم ملبسون جلابيب سابغة من القطران لاصقة بجلودهم فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس يعني النمام وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت والحرام والمكس وأما المنكسون رؤوسهم ووجوههم فأكلة الربا والعمي : من يجور في الحكم والصم البكم : الذين يعجبون بأعمالهم والذين يمضغون ألسنتهم : فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم فعلهم والمقطعة أيديهم وأرجلهم : فالذين يؤذون الجيران والمصلبون على جذوع النار : فالسعاة بالناس إلى السلطان والذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله من أموالهم والذين يلبسون الجلابيب : فأهل الكبر والفخر والخيلاء ( قوله تعالى : ( وفتحت السماء فكانت أبوابا ) أي لنزول الملائكة كما قال تعالى : ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا الفرقان وقيل : تقطعت فكانت قطعا كالأبواب فانتصاب الأبواب على هذا التأويل بحذف الكاف وقيل : التقدير فكانت ذات أبواب لأنها تصير كلها أبوابا وقيل : أبوابها طرقها وقيل : تنحل وتتناثر حتى تصير فيها أبواب وقيل : إن لكل عبد بابين في السماء : بابا لعمله وبابا لرزقه فإذا قامت القيامة انفتحت الأبواب وفي حديث الإسراء : ( ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل : من أنت قال : جبريل قيل : ومن معك قال : محمد قيل : وقد بعث إليه قال : قد بعث إليه ففتح لنا ( وسيرت الجبال فكانت سرابا ) أي لا شيء كما أن السراب كذلك : يظنه الرائي ماء وليس بماء وقيل : سيرت نسفت من أصولها وقيل : أزيلت عن مواضعها < < النبأ : ( 21 ) إن جهنم كانت . . . . . > > < > ( النبا 21 : 30 ) <
> قوله تعالى : ( إن جهنم كانت مرصادا ) مفعال من الرصد والرصد : كل شيء كان أمامك قاله الحسن : إن على النار رصدا لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليه فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجيء بجواز حبس وعن سفيان رضي الله عنه قال : عليها ثلاث قناطر وقيل : مرصادا ذات أرصاد على النسب أي ترصد من يمر بها وقال مقاتل : محبسا وقيل : طريقا وممرا فلا سبيل إلى الجنة حتى يقطع جهنم وفي الصحاح : والمرصاد : الطريق وذكر القشيري : أن المرصاد المكان الذي يرصد فيه الواحد العدو نحو المضمار : الموضع الذي تضمر فيه الخيل أي هي معدة لهم فالمرصاد بمعنى المحل فالملائكة يرصدون الكفار حتى ينزلوا بجهنم وذكر الماوردي عن أبي سنان أنها بمعنى راصدة تجازيهم بأفعالهم وفي الصحاح : الراصد الشيء : الراقب له تقول : رصده يرصده رصدا ورصدا والترصد : الترقب والمرصد : موضع الرصد الأصمعي : رصدته أرصده : ترقبته وأرصدته : أعددت له والكسائي : مثله قلت : فجهنم معدة مترصدة متفعل من الرصد وهو الترقب أي هي متطلعة لمن يأتي والمرصاد مفعال من أبنية المبالغة كالمعطار والمغيار فكأنه يكثر من جهنم انتظار الكفار ( ) بدل من قوله : مرصادا والمآب : المرجع أي مرجعا يرجعون إليها يقال : آب يئوب أوبة : إذا رجع وقال قتادة : مأوى ومنزلا والمراد بالطاغين من طغى في دينه بالكفر أو في دنياه بالظلم قوله تعالى : ( لابثين فيها أحقابا ) أي ماكثين في النار ما دامت الأحقاب وهي لا تنقطع فكلما مضى حقب جاء حقب والحقب بضمتين : الدهر والأحقاب الدهور والحقبة بالكسر : السنة والجمع حقب قال متمم بن نويرة التميمي : وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا والحقب بالضم والسكون : ثمانون سنة وقيل : أكثر من ذلك وأقل على ما يأتي والجمع : أحقاب والمعنى في الآية لابثين فيها أحقاب الآخرة التي لا نهاية لها فحذف الآخرة لدلالة الكلام عليه إذ في الكلام ذكر الآخرة وهو كما يقال أيام الآخرة أي أيام بعد أيام إلى غير نهاية وإنما كان يدل على التوقيت لو قال خمسة أحقاب أو عشرة أحقاب ونحوه وذكر الأحقاب لأن الحقب كان أبعد شيء عندهم فتكلم بما تذهب إليه أوهامهم ويعرفونها وهي كناية عن التأبيد أي يمكثون فيها أبدا وقيل : ذكر الأحقاب دون الأيام لأن الأحقاب أهول في القلوب وأدل على الخلود والمعنى متقارب وهذا الخلود في حق المشركين ويمكن حمل الآية على العصاة الذين يخرجون من النار بعد أحقاب وقيل : الأحقاب وقت لشربهم الحميم والغساق فإذا انقضت فيكون لهم نوع آخر من العقاب ولهذا قال : لابثين فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا ولابثين أسم فاعل من لبث ويقويه أن المصدر منه اللبث بالإسكان كالشرب وقرأ حمزة والكسائي لبثين بغير ألف وهو أختيار أبي حاتم وأبي عبيد وهما لغتان يقال : رجل لابث ولبث مثل طمع وطامع وفره وفاره ويقال : هو لبث بمكان كذا : أي قد صار اللبث شأنه فشبه بما هو خلقة في الإنسان نحو حذر وفرق لأن باب فعل إنما هو لما يكون خلقه في الشيء في الأغلب وليس كذلك اسم الفاعل من لابث والحقب : ثمانون سنة في قول بن عمر وبن محيصن وأبي هريرة والسنة ثلاثمائة يوم وستون يوما واليوم ألف سنة من أيام الدنيا قاله بن عباس وروى بن عمر هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو هريرة : والسنة ثلاثمائة يوم وستون يوما كل يوم مثل أيام الدنيا وعن بن عمر أيضا : الحقب : أربعون سنة السدي : سبعون سنة وقيل : إنه ألف شهر رواه أبو أمامة مرفوعا بشير بن كعب : ثلاثمائة سنة الحسن : الأحقاب لا يدري أحدكم هي ولكن ذكروا أنها مائة حقب والحقب الواحد منها سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدون وعن أبي أمامة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة ( ذكره المهدوي والأول الماوردي وقال قطرب : هو الدهر الطويل غير المحدود وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( والله لا يخرج من النار من دخلها حتى يكون فيها أحقابا الحقب بضع وثمانون سنة والسنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم ألف سنة مما تعدون فلا يتكلن أحدكم على أن يخرج من النار ( ذكره الثعلبي القرظي : الأحقاب : ثلاثة وأربعون حقبا كل حقب سبعون خريفا كل خريف سبعمائة سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم ألف سنة قلت : هذه أقوال متعارضة والتحديد في الآية للخلود يحتاج إلى توقيف يقطع العذر وليس ذلك بثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما المعنى والله أعلم ما ذكرناه أولا أي لابثين فيها أزمانا ودهورا كلما مضى زمن يعقبه زمن ودهر يعقبه دهر هكذا أبد الآبدين من غير انقطاع وقال بن كيسان : معنى لابثين فيها أحقابا لا غاية لها انتهاء فكأنه قال أبدا وقال بن زيد ومقاتل : إنها منسوخة بقوله تعالى : فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا يعني أن العدد قد انقطع والخلود قد حصل قلت : وهذا بعيد لأنه خبر وقد قال تعالى : ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط على ما تقدم هذا في حق الكفار فأما العصاة الموحدون فصحيح ويكون النسخ بمعنى التخصيص والله أعلم وقيل : المعنى لابثين فيها أحقابا أي في الأرض إذ قد تقدم ذكرها ويكون الضمير في لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا لجهنم وقيل : واحد الأحقاب حقب وحقبة قال : فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها فأنت بما أحدثته بالمجرب وقال الكميت : مر لها بعد حقبة حقب لا يذوقون قوله تعالى : ( لايذوقون فيها ) أي في الأحقاب ( بردا ولا شرابا ) البرد : النوم في قول أبي عبيدة وغيره قال الشاعر : ولو شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا وقاله مجاهد والسدي والكسائي والفضل بن خالد وأبو معاذ النحوي وأنشدوا قول الكندي : بردت مراشفها علي فصدني عنها وعن تقبيلها البرد يعني النوم والعرب تقول : منع البرد البرد يعني : أذهب البرد النوم قلت : وقد جاء الحديث أنه عليه الصلاة والسلام سئل هل في الجنة نوم فقال : ( لا النوم أخو الموت والجنة لا موت فيها ( فكذلك النار وقد قال تعالى : لا يقضى عليهم فيموتوا فاطر وقال بن عباس : البرد : برد الشراب وعنه أيضا : البرد النوم : والشراب الماء وقال الزجاج : أي لا يذوقون فيها برد ريح ولا ظل ولا نوم فجعل البرد برد كل شيء له راحة وهذا برد ينفعهم فأما الزمهرير فهو برد يتأذون به فلا ينفعهم فلهم منه من العذاب ما الله أعلم به وقال الحسن وعطاء وبن زيد : بردا : أي روحا وراحة قال الشاعر : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء أوقات العشي تذوق لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا جملة في موضع الحال من الطاغين أو نعت للأحقاب فالأحقاب ظرف زمان والعامل فيه لابثين أو لبثين على تعدية فعل ( إلا حميما وغساقا ) استثناء منقطع في قول من جعل البرد النوم ومن جعله من البرودة كان بدلا منه والحميم : الماء الحار قاله أبو عبيدة وقال بن زيد : الحميم : دموع أعينهم تجمع في حياض ثم يسقونه قال النحاس : أصل الحميم : الماء الحار ومنه اشتق الحمام ومنه الحمى ومنه وظل من يحموم : إنما يراد به النهاية في الحر والغساق : صديد أهل النار وقيحهم وقيل الزمهرير وقرأ حمزة والكسائي بتشديد السين وقد مضى في ص القول فيه ( جزاءا وفاقا ) أي موافقا لأعمالهم عن بن عباس ومجاهد وغيرهما فالوفاق بمعنى الموافقة كالقتال بمعنى المقاتلة وجزاء نصب على المصدر أي جازيناهم جزاء وافق أعمالهم قاله الفراء والأخفش وقال الفراء أيضا : هو جمع الوفق والوفق واللفق واحد وقال مقاتل : وافق العذاب الذنب فلا ذنب أعظم من الشرك ولا عذاب أعظم من النار وقال الحسن وعكرمة : كانت أعمالهم سيئة فأتاهم الله بما يسوءهم ( إنهم كانوا لا يرجون ) أي لا يخافون ( حسابا ) أي محاسبة على أعمالهم وقيل : معناه لا يرجون ثواب حساب الزجاج : أي إنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث فيرجون حسابهم ( وكذبوا بآياتنا كذابا ) أي بما جاءت به الأنبياء وقيل : بما أنزلنا من الكتب وقراءة العامة كذابا بتشديد الذال وكسر الكاف على كذب أي كذبوا تكذيبا كبيرا قال الفراء : هي لغة يمانية فسيحة يقولون : كذبت به كذابا وخرقت القميص خراقا وكل فعل في وزن [ فعل ] فمصدره فعال مشدد في لغتهم وأنشد بعض الكلابيين : لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي وعن حوج قضاؤها من شفائنا وقرأ علي رضي الله عنه كذابا بالتخفيف وهو مصدر أيضا وقال أبو علي : التخفيف والتشديد جميعا : مصدر المكاذبة كقول الأعشى : فصدقتها وكذبتها والمرء ينفعه كذابه أبو الفتح : جاءا جميعا مصدر كذب وكذب جميعا الزمخشري : كذابا بالتخفيف مصدر كذب بدليل قوله : فصدقتها وكذبتها والمرء ينفعه كذابه وهو مثل قوله : أنبتكم من الأرض نباتا نوح يعني وكذبوا بآياتنا أفكذبوا كذابا أو تنصبه بكذبوا لأنه يتضمن معنى كذبوا لأن كل مكذب بالحق كاذب لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة وقرأ بن عمر كذابا بضم الكاف والتشديد جمع كاذب قاله أبو حاتم ونصبه على الحال الزمخشري وقد يكون الكذاب : بمعنى الواحد البليغ في الكذب يقال : رجل كذاب كقولك حسان وبخال فيجعله صفة لمصدر كذبوا أي تكذيبا كذابا مفرطا كذبه وفي الصحاح : وقوله تعالى : وكذبوا بآياتنا كذابا وهو أحد مصادر المشدد لأن مصدره قد يجيء على [ تفعيل ] مثل التكليم وعلى [ فعال ] كذاب وعلى [ تفعلة ] مثل توصية وعلى [ مفعل ] ومزقناهم كل ممزق ( وكل شيء أحصيناه كتابا ) كل نصب بإضمار فعل يدل عليه أحصيناه أي وأحصينا كل شيء أحصيناه وقرأ أبو السمال وكل شيء بالرفع على الابتداء كتابا نصب على المصدر لأن معنى أحصينا : كتبنا أي كتبناه كتابا ثم قيل : أراد به العلم فإن ما كتب كان أبعد من النسيان وقيل : أي كتبناه في اللوح المحفوظ لتعرفه الملائكة وقيل : أراد ما كتب على العباد من أعمالهم فهذه كتابة صدرت عن الملائكة الموكلين بالعباد بأمر الله تعالى إياهم بالكتابة دليله قوله تعالى : وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين ( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) قال أبو برزة : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أشد آية في القرآن فقال : ( قوله تعالى : فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ( أي كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها وكلما خبت زدناهم سعيرا < <
النبأ : ( 31 ) إن للمتقين مفازا > > < > ( الإسراء 31 : 36 ) <
> قوله تعالى : ( إن للمتقين مفازا ) ذكر جزاء من اتقى مخالفة أمر الله مفازا موضع فوز ونجاة وخلاص مما فيه أهل النار ولذلك قيل للفلاة إذا قل ماؤها : مفازة تفاؤلا بالخلاص منها ( حدائق وأعنابا ) هذا تفسير الفوز وقيل : إن للمتقين مفازا إن للمتقين حدائق جمع حديقة وهي البستان المحوط عليه يقال أحدق به : أي أحاط والأعناب : جمع عنب أي كروم أعناب فحذف ( وكواعب أترابا ) كواعب : جمع كاعب وهي الناهد يقال : كعبت الجارية تكعب كعوبا وكعبت تكعب تكعيبا ونهدت تنهد نهودا وقال الضحاك : ككواعب العذارى ومنه قول قيس بن عاصم : وكم من حصان قد حوينا كريمة ومن كاعب لم تدر ما البؤس معصر والأتراب : الأقران في السن وقد مضى في سورة الواقعة الواحد : ترب ( وكأسا دهاقا ) قال الحسن وقتادة وبن زيد وبن عباس : مترعة مملوءة يقال : أدهقت الكأس : أي ملأتها وكأس دهاق أي ممتلئة قال : ألا فاسقني صرفا سقاني الساقي من مائها بكأسك الدهاق وقال خداش بن زهير : أتانا عامر يبغي قرانا فأترعنا له كأسا دهاقا وقال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وبن عباس أيضا : متتابعة يتبع بعضها بعضا ومنه ادهقت الحجارة ادهاقا وهو شدة تلازمها ودخول بعضها في بعض فالمتتابع كالمتداخل وعن عكرمة أيضا وزيد بن أسلم : صافية قال الشاعر : لأنت إلى الفؤاد أحب قربا من الصادي إلى كأس دهاق وهو جمع دهق وهو خشبتان يغمز بهما الساق والمراد بالكأس الخمر فالتقدير : خمرا ذات دهاق أي عصرت وصفيت قاله القشيري وفي الصحاح : وأدهقت الماء : أي أفرغته إفراغا شديدا : قال أبو عمرو : والدهق بالتحريك : ضرب من العذاب وهو بالفارسية أشكنجه المبرد : والمدهوق : المعذب بجميع العذاب الذي لا فرجة فيه بن الأعرابي : دهقت الشيء كسرته وقطعته وكذلك دهدقته : وأنشد لحجر بن خالد : ندهدق بضع اللحم للباع والندى وبعضهم تغلي بذم مناقعه ودهمقته بزيادة الميم : مثله وقال الأصمعي : الدهمقة : لين الطعام وطيبه ورقته وكذلك كل شيء لين ومنه حديث عمر : لو شئت أن يدهمق لي لفعلت ولكن الله عاب قوما فقال : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها الأحقاف لا يسمعون فيها ) أي في الجنة ( لغوا ولا كذابا ) اللغو : الباطل وهو ما يلغى من الكلام ويطرح ومنه الحديث : ( إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت ( وذلك أن أهل الجنة إذا شربوا لم تتغير عقولهم ولم يتكلموا بلغو بخلاف أهل الدنيا ولا كذابا : تقدم أي لا يكذب بعضهم بعضا ولا يسمعون كذبا وقرأ الكسائي كذابا بالتخفيف من كذبت كذابا أي لا يتكاذبون في الجنة وقيل : هما مصدران للتكذيب وإنما خففها ها هنا لأنها ليست مقيدة بفعل يصير مصدرا له وشدد قوله : وكذبوا بآياتنا كذابا لأن كذبوا يقيد المصدر بالكذاب ( جزاء من ربك ) نصب على المصدر لأن المعنى جزاهم بما تقدم ذكره جزاءه وكذلك ( عطاء ) لأن معنى أعطاهم وجزاهم واحد أي أعطاهم عطاء ( حسابا ) أي كثيرا قاله قتادة يقال : أحسبت فلانا : أي كثرت له العطاء حتى قاله حسبي قال : ونقفي وليد الحي إن كان جائعا ونحسبه إن كان ليس بجائع وقال القتبي : ونرى أصل هذا أن يعطيه حتى يقول حسبي وقال الزجاج : حسابا أي ما يكفيهم وقاله الأخفش يقال : أحسبني كذا : أي كفاني وقال الكلبي : حاسبهم فأعطاهم بالحسنة عشرا مجاهد : حسابا لما عملوا فالحساب بمعنى العد أي بقدر ما وجب له في وعد الرب فإنه وعد للحسنة عشرا ووعد لقوم بسبعمائة ضعف وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا مقدارا كما قال تعالى : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب الزمر وقرأ أبو هاشم عطاء حسابا بفتح الحاء وتشديد السين على وزن فعال أي كفافا قال الأصمعي : تقول العرب : حسبت الرجل بالتشديد : إذا أكرمته وأنشد قول الشاعر : إذا أتاه ضيفه يحسبه وقرأ بن عباس حسانا بالنون < <
النبأ : ( 37 ) رب السماوات والأرض . . . . . > > < > ( النبا 37 : 40 ) <