القدر : ( 4 ) تنزل الملائكة والروح . . . . . > > < > ( القدر 4 ) < > قوله تعالى : ( تنزل الملائكة ) أي تهبط من كل سماء ومن سدرة المنتهى ومسكن جبريل على وسطها فينزلون إلى الأرض ويؤمنون على دعاء الناس إلى وقت طلوع الفجر فذلك قوله تعالى : تنزل الملائكة ( والروح فيها بإذن ربهم ) أي جبريل عليه السلام وحكى القشيري : أن الروح صنف من الملائكة جعلوا حفظة على سائرهم وأن الملائكة لا يرونهم كما لا نرى نحن الملائكة وقال مقاتل : هم أشرف الملائكة وأقربهم من الله تعالى وقيل : إنهم جند من جند الله عز وجل من غير الملائكة رواه مجاهد عن إبن عباس مرفوعا ذكره الماوردي وحكى القشيري : قيل هم صنف من خلق الله يأكلون الطعام ولهم أيد وأرجل وليسوا ملائكة وقيل : الروح خلق عظيم يقوم صفا والملائكة كلهم صفا وقيل : الروح الرحمة ينزل بها جبريل عليه السلام مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها دليله : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أي بالرحمة ( فيها ) أي في ليلة القدر ( بإذن ربهم ) أي بأمره ( من كل أمر ) : أمر بكل أمر قدره الله وقضاه في تلك السنة إلى قابل قاله إبن عباس كقوله تعالى : يحفظونه من أمر الله أي بأمر الله وقراءة العامة تنزل بفتح التاء إلا أن البزي شدد التاء وقرأ طلحة بن مصرف وإبن السميقع بضم التاء على الفعل المجهول وقرأ علي وإبن عباس وعكرمة والكلبي من كل امرئ وروي عن إبن عباس أن معناه : من كل ملك وتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل فيها مع الملائكة فيسلمون على كل امرئ مسلم فمن بمعنى على وعن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله تعالى < < القدر : ( 5 ) سلام هي حتى . . . . . > > < > ( 5 ) <
الإمام القرطبي - الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان
أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي · AR
> قيل : إن تمام الكلام من كل أمر ثم قال سلام روي ذلك عن نافع وغيره أي ليلة القدر سلامة وخير كلها لا شر فيها ( حتى مطلع الفجر ) أي إلى طلوع الفجر قال الضحاك : لا يقدر الله في تلك الليلة إلا السلامة وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا والسلامة وقيل : أي هي سلام أي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة وكذا قال مجاهد : هي ليلة سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ولا أذى وروي مرفوعا وقال الشعبي : هو تسليم الملائكة على أهل المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر يمرون على كل مؤمن ويقولون : السلام عليك أيها المؤمن وقيل : يعني سلام الملائكة بعضهم على بعض فيها وقال قتادة : سلام هي : خير هي حتى مطلع الفجر أي إلى مطلع الفجر وقرأ الكسائي وإبن محيصن مطلع بكسر اللام الباقون بالفتح والفتح والكسر : لغتان في المصدر والفتح الأصل في فعل يفعل نحو المقتل والمخرج والكسر على أنه مما شذ عن قياسه نحو المشرق والمغرب والمنبت والمسكن والمنسك والمحشر والمسقط والمجزر حكى في ذلك كله الفتح والكسر على أن يراد به المصدر لا الأسم وهنا ثلاث مسائل : الأولى في تعيين ليلة القدر وقد أختلف العلماء في ذلك والذي عليه المعظم أنها ليلة سبع وعشرين لحديث زر بن حبيش قال : قلت لأبي بن كعب : إن أخاك عبد الله إبن مسعود يقول : من يقم الحول يصب ليلة القدر فقال : يغفر الله لأبي عبد الرحمن لقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان وأنها ليلة سبع وعشرين ولكنه أراد ألا يتكل الناس ثم حلف لا يستثنى : أنها ليلة سبع وعشرين قال قلت : بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر قال : بالآية التي أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بالعلامة أن الشمس تطلع يومئذ لا شعاع لها قال الترمذي : حديث حسن صحيح وخرجه مسلم وقيل : هي في شهر رمضان دون سائر العام قاله أبو هريرة وغيره وقيل : هي في ليالي السنة كلها فمن علق طلاق أمرأته أو عتق عبده بليلة القدر لم يقع العتق والطلاق إلا بعد مضي سنة من يوم حلف لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك ولم يثبت إختصاصها بوقت فلا ينبغي وقوع الطلاق إلا بمضي حول وكذلك العتق وما كان مثله من يمين أو غيره وقال إبن مسعود : من يقم الحول يصبها فبلغ ذلك إبن عمر فقال : يرحم الله أبا عبد الرحمن أما إنه علم أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان ولكنه أراد ألا يتكل الناس وإلى هذا القول ذهب أبو حنيفة أنها في جميع السنة وقيل عنه : إنها رفعت يعني ليلة القدر وأنها إنما كانت مرة واحدة والصحيح أنها باقية وروي عن إبن مسعود أيضا : أنها إذا كانت في يوم من هذه السنة كانت في العام المقبل في يوم آخر والجمهور على أنها في كل عام من رمضان ثم قيل : إنها الليلة الأولى من الشهر قاله أبو رزين العقيلي وقال الحسن وإبن إسحاق وعبد الله بن الزبير : هي ليلة سبع عشرة من رمضان وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر كأنهم نزعوا بقوله تعالى : وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم ألتقى الجمعان وكان ذلك ليلة سبع عشرة وقيل هي ليلة التاسع عشر والصحيح المشهور : أنها في العشر الأواخر من رمضان وهو قول مالك والشافعي والأوزاعي وأبي ثور وأحمد ثم قال قوم : هي ليلة الحادي والعشرين ومال إليه الشافعي رضي الله عنه لحديث الماء والطين ورواه أبو سعيد الخدري خرجه مالك وغيره وقيل ليلة الثالث والعشرين لما رواه إبن عمر أن رجلا قال : يا رسول الله إني رأيت ليلة القدر في سابعة تبقى فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أرى رؤياكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين فمن أراد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين ( قال معمر : فكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمس طيبا وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إني رأيت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين ( قال عبد الله بن أنيس : فرأيته في صبيحة ليلة ثلاث وعشرين في الماء والطين كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : ليلة خمس وعشرين لحديث أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ألتمسوها في العشر الأواخر في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى ( رواه مسلم قال مالك : يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين والسابعة ليلة ثلاث وعشرين والخامسة ليلة خمس وعشرين وقيل : ليلة سبع وعشرين وقد مضى دليله وهو قول علي رضي الله عنه وعائشة ومعاوية وأبي بن كعب وروى إبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من كان متحريا ليلة القدر فليتحرها ليلة سبع وعشرين ( وقال أبي بن كعب : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ليلة القدر ليلة سبع وعشرين ( وقال أبو بكر الوراق : إن الله تعالى قسم ليالي هذا الشهر شهر رمضان على كلمات هذه السورة فلما بلغ السابعة والعشرين أشار إليها فقال : هي وأيضا فإن ليلة القدر كرر ذكرها ثلاث مرات وهي تسعة أحرف فتجيء سبعا وعشرين وقيل : هي ليلة تسع وعشرين لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليلة القدر التاسعة والعشرون أو السابعة والعشرون وأن الملائكة في تلك الليلة بعدد الحصى ( وقد قيل : إنها في الأشفاع قال الحسن : أرتقبت الشمس ليلة أربع وعشرين عشرين سنة فرأيتها تطلع بيضاء لا شعاع لها يعني من كثرة الأنوار في تلك الليلة وقيل إنها مستورة في جميع السنة ليجتهد المرء في إحياء جميع الليالي وقيل : أخفاها في جميع شهر رمضان ليجتهدوا في العمل والعبادة ليالي شهر رمضان طمعا في إدراكها كما أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات وأسمه الأعظم في أسمائه الحسنى وساعة الإجابة في ساعات الجمعة وساعات الليل وغضبه في المعاصي ورضاه في الطاعات وقيام الساعة في الأوقات والعبد الصالح بين العباد رحمة منه وحكمة الثانية في علاماتها : منها أن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر : ( إن من أماراتها : أنها ليلة سمحة بلجة لا حارة ولا باردة تطلع الشمس صبيحتها ليس لها شعاع ( وقال عبيد بن عمير : كنت ليلة السابع والعشرين في البحر فأخذت من مائه فوجدته عذبا سلسا الثالثة في فضائلها وحسبك بقوله تعالى : ليلة القدر خير من ألف شهر وقوله تعالى : تنزل الملائكة والروح فيها وفي الصحيحين : ( من قام ليلة القدر إيمانا وأحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه ( رواه أبو هريرة وقال إبن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان ليلة القدر تنزل الملائكة الذين هم سكان سدرة المنتهى منهم جبريل ومعهم ألوية ينصب منها لواء على قبري ولواء على بيت المقدس ولواء على المسجد الحرام ولواء على طور سيناء ولا تدع فيها مؤمنا ولا مؤمنة إلا تسلم عليه إلا مدمن الخمر وآكل الخنزير والمتضمخ بالزعفران ( : وفي الحديث : ( إن الشيطان لا يخرج في هذه الليلة حتى يضيء فجرها ولا يستطيع أن يصيب فيها أحدا بخبل ولا شيء من الفساد ولا ينفذ فيها سحر ساحر ( وقال الشعبي : وليلها كيومها ويومها كليلها وقال الفراء لا يقدر الله في ليلة القدر إلا السعادة والنعم ويقدر في غيرها البلايا والنقم وقد تقدم عن الضحاك ومثله لا يقال من جهة الرأي فهو مرفوع والله أعلم وقال سعيد بن المسيب في الموطأ : ] من شهد العشاء من ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها [ ومثله لا يدرك بالرأي وقد روى عبيد الله إبن عامر بن ربيعة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من صلى صلاة المغرب والعشاء الآخرة من ليلة القدر في جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر ( ذكره الثعلبي في تفسيره وقالت عائشة رضي الله عنها : قلت : يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر فما أقول قال : ( قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فأعف عني ( <
> تفسير سورة لم يكن < > وهي مكية في قول يحيى بن سلام ومدنية في قول إبن عباس والجمهور وهي تسع آيات وقد جاء في فضلها حديث لا يصح رويناه عن محمد بن عبد الله الحضرمي قال : قال لي أبو عبد الرحمن بن نمير : أذهب إلى أبي الهيثم الخشاب فأكتب عنه فإنه قد كتب فذهب إليه فقال : حدثنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو يعلم الناس ما في لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب لعطلوا الأهل والمال فتعلموها ( فقال رجل من خزاعة : وما فيها من الأجر يا رسول الله قال : ( لا يقرؤها منافق أبدا ولا عبد في قلبه شك في الله والله إن الملائكة المقربين يقرءونها منذ خلق الله السماوات والأرض ما يفترون من قراءتها وما من عبد يقرؤها إلا بعث الله إليه ملائكة يحفظونه في دينه ودنياه ويدعون له بالمغفرة والرحمة ( قال الحضرمي : فجئت إلى أبي عبد الرحمن بن نمير فألقيت هذا الحديث عليه فقال : هذا قد كفانا مئونته فلا تعد إليه قال إبن العربي : روى إسحاق بن بشر الكاهلي عن مالك إبن أنس عن يحيى بن سعيد عن إبن المسيب : عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو يعلم الناس ما في لم يكن الذين كفروا لعطلوا الأهل والمال ولتعلموها ( حديث باطل وإنما الحديث الصحيح ما روي عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب : ( إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا ( قال : وسماني لك قال ( نعم ( فبكى قلت : خرجه البخاري ومسلم وفيه من الفقه قراءة العالم على المتعلم قال بعضهم : إنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي ليعلم الناس التواضع لئلا يأنف أحد من التعلم والقراءة على من دونه في المنزلة وقيل : لأن أبيا كان أسرع أخذا لألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد بقراءته عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه ويعلم غيره وفيه فضيلة عظيمة لأبي إذ أمر الله رسوله أن يقرأ عليه قال أبو بكر الأنباري : وحدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا عكرمة عن عاصم عن زر بن حبيش قال : في قراءة أبي بن كعب : إبن آدم لو أعطي واديا من مال لألتمس ثانيا ولو أعطى واديين من مال لا لتمس ثالثا ولا يملأ جوف إبن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب قال عكرمة : قرأ علي عاصم لم يكن ثلاثين آية هذا فيها قال أبو بكر : هذا باطل عند أهل العلم لأن قراءتي إبن كثير وأبي عمرو متصلتان بأبي بن كعب لا يقرأ فيهما هذا المذكور في لم يكن مما هو معروف في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه من كلام الرسول عليه السلام لا يحكيه عن رب العالمين في القرآن وما رواه إثنان معهما الإجماع : أثبت مما يحكيه واحد مخالف مذهب الجماعة < > بسم الله الرحمن الرحيم < > < < البينة : ( 1 ) لم يكن الذين . . . . . > > < > ( البينه 1 : 3 ) <
> قوله تعالى : ( لم يكن الذين كفروا ) كذا قراءة العامة وخط المصحف وقرأ إبن مسعود لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين وهذه قراءة على التفسير قال إبن العربي : وهي جائزة في معرض البيان لا في معرض التلاوة فقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الصحيح فطلقوهن لقبل عدتهن وهو تفسير فإن التلاوة : هو ما كان في خط المصحف قوله تعالى : ( من أهل الكتاب ) يعني اليهود والنصارى ( والمشركين ) في موضع جر عطفا على أهل الكتاب قال إبن عباس : أهل الكتاب : اليهود الذين كانوا بيثرب وهم قريظة والنضير وبنو قينقاع والمشركون : الذين كانوا بمكة وحولها والمدينة والذين حولها وهم مشركو قريش ( منفكين ) أي منتهين عن كفرهم مائلين عنه ( حتى تأتيهم ) أي أتتهم البينة أي محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : الإنتهاء بلوغ الغاية أي لم يكونوا ليبلغوا نهاية أعمارهم فيموتوا حتى تأتيهم البينة فالأنفكاك على هذا بمعنى الإنتهاء وقيل : منفكين زائلين أي لم تكن مدتهم لتزول حتى يأتيهم رسول والعرب تقول : ما أنفككت أفعل كذا : أي ما زلت وما أنفك فلان قائما : أي ما زال قائما وأصل الفك : الفتح ومنه فك الكتاب وفك الخلخال وفك السالم قال طرفة : فآليت لا ينفك كشحي بطانة لعضب رقيق الشفرتين مهند وقال ذو الرمة : حراجيج ما تنفك إلا مناخة على الخف أو نرمي بها بلدا قفرا يريد : ما تنفك مناخة فزاد إلا وقيل : منفكين : بارحين أي لم يكونوا ليبرحوا ويفارقوا الدنيا حتى تأتيهم البينة وقال إبن كيسان : أي لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم حتى بعث فلما بعث حسدوه وجحدوه وهو كقوله : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ولهذا قال : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب الآية وعلى هذا فقوله : والمشركين أي ما كانوا يسيئون القول في محمد صلى الله عليه وسلم حتى بعث فإنهم كانوا يسمونه الأمين حتى أتتهم البينة على لسانه وبعث إليهم فحينئذ عادوه وقال بعض اللغويين : منفكين : هالكين من قولهم : أنفك صلا المرأة عند الولادة وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك المعنى : لم يكونوا معذبين ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وقال قوم في المشركين : إنهم من أهل الكتاب فمن اليهود من قال : عزير إبن الله ومن النصارى من قال : عيسى هو الله ومنهم من قال : هو إبنه ومنهم من قال : ثالث ثلاثة وقيل : أهل الكتاب كانوا مؤمنين ثم كفروا بعد أنبيائهم والمشركون ولدوا على الفطرة فكفروا حين بلغوا فلهذا قال : والمشركين وقيل : المشركون وصف أهل الكتاب أيضا لأنهم لم ينتفعوا بكتابهم وتركوا التوحيد فالنصارى مثلثة وعامة اليهود مشبهة والكل شرك وهو كقولك : جاءني العقلاء والظرفاء وأنت تريد أقواما بأعيانهم تصفهم بالأمرين فالمعنى : من أهل الكتاب المشركين وقيل : إن الكفر هنا هو الكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم أي لم يكن الذين كفروا بمحمد من اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب ولم يكن المشركون الذين هم عبدة الأوثان من العرب وغيرهم وهم الذين ليس لهم كتاب منفكين قال القشيري : وفيه بعد لأن الظاهر من قوله : حتى تأتيهم البينة رسول من الله أن هذا الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم فيبعد أن يقال : لم يكن الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم منفكين حتى يأتيهم محمد إلا أن يقال : أراد : لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد وإن كانوا من قبل معظمين له بمنتهين عن هذا الكفر إلى أن يبعث الله محمدا إليهم ويبين لهم الآيات فحينئذ يؤمن قوم وقرأ الأعمش وإبراهيم والمشركون رفعا عطفا على الذين والقراءة الأولى أبين لأن الرفع يصير فيه الصنفان كأنهم من غير أهل الكتاب وفي حرف أبي : فما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون منفكين وفي مصحف إبن مسعود : لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين وقد تقدم ( حتى تأتيهم البينة ) قيل حتى أتتهم والبينة : محمد صلى الله عليه وسلم ( رسول من الله ) أي بعيث من الله جل ثناؤه قال الزجاج : رسول رفع على البدل من البينة وقال الفراء : أي هي رسول من الله أو هو رسول من الله لأن البينة قد تذكر فيقال : بينتي فلان وفي حرف أبي وإبن مسعود رسولا بالنصب على القطع ( يتلو ) أي يقرأ يقال : تلا يتلو تلاوة ( صحفا ) جمع صحيفة وهي ظرف المكتوب ( مطهرة ) قال إبن عباس : من الزور والشك والنفاق والضلالة وقال قتادة : من الباطل وقيل : من الكذب والشبهات والكفر والمعنى واحد أي يقرأ ما تتضمن الصحف من المكتوب ويدل عليه أنه كان يتلو عن ظهر قلبه لا عن كتاب لأنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ ومطهرة : من نعت الصحف وهو كقوله تعالى : في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة فالمطهرة نعت للصحف في الظاهر وهي نعت لما في الصحف من القرآن وقيل : مطهرة أي ينبغي ألا يمسها إلا المطهرون كما قال في سورة الواقعة حسب ما تقدم بيانه وقيل : الصحف المطهرة : هي التي عند الله في أم الكتاب الذي منه نسخ ما أنزل على الأنبياء من الكتب كما قال تعالى : بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ قال الحسن : يعني الصحف المطهرة في السماء ( فيها كتب قيمة ) أي مستقيمة مستوية محكمة من قول العرب : قام يقوم : إذا أستوى وصح وقال بعض أهل العلم : الصحف هي الكتب فكيف قال في صحف فيها كتب فالجواب : أن الكتب هنا : بمعنى الأحكام قال الله عز وجل : كتب الله لأغلبن بمعنى حكم وقال صلى الله عليه وسلم : ( والله لأقضين بينكما بكتاب الله ( ثم قضى بالرجم وليس ذكر الرجم مسطورا في الكتاب فالمعنى لأقضين بينكما بحكم الله تعالى وقال الشاعر : وما الولاء بالبلاء فملتم وما ذاك قال الله إذ هو يكتب وقيل : الكتب القيمة : هي القرآن فجعله كتبا لأنه يشتمل على أنواع من البيان < <
البينة : ( 4 ) وما تفرق الذين . . . . . > > < > ( البينه 4 ) < > قوله تعالى : ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ) أي من اليهود والنصارى خص أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم وإن كانوا مجموعين مع الكافرين لأنهم مظنون بهم علم فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف ( إلا من بعد ما جاءتهم البينة ) أي أتتهم البينة الواضحة والمعني به محمد صلى الله عليه وسلم أي القرآن موافقا لما في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته وذلك أنهم كانوا مجتمعين على نبوته فلما بعث جحدوا نبوته وتفرقوا فمنهم من كفر : بغيا وحسدا ومنهم من آمن كقوله تعالى : وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم وقيل : البينة : البيان الذي في كتبهم أنه نبي مرسل قال العلماء : من أول السورة إلى قوله قيمة : حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين وقوله : وما تفرق : حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحجج < < البينة : ( 5 ) وما أمروا إلا . . . . . > > < > ( البينه 5 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وما أمروا ) أي وما أمر هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل ( إلا ليعبدوا الله ) أي ليوحدوه واللام في ليعبدوا بمعنى أن كقوله : يريد الله ليبين لكم أي أن يبين ويريدون ليطفئوا نور الله وأمرنا لنسلم لرب العالمين وفي حرف عبد الله : وما أمروا إلا أن يعبدوا الله ( مخلصين له الدين ) أي العبادة ومنه قوله تعالى : قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات فإن الإخلاص من عمل القلب وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره الثانية قوله تعالى : ( حنفاء ) أي مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام وكان إبن عباس يقول : حنفاء : على دين إبراهيم عليه السلام وقيل : الحنيف : من أختتن وحج قاله سعيد بن جبير قال أهل اللغة : واصله أنه تحنف إلى الإسلام أي مال إليه الثالثة قوله تعالى : ( ويقيموا الصلاة ) أي بحدودها في أوقاتها ( ويؤتوا الزكاة ) أي يعطوها عند محلها ( وذلك دين القيمة ) أي ذلك الدين الذي أمروا به دين القيمة أي الدين المستقيم وقال الزجاج : أي ذلك دين الملة المستقيمة والقيمة : نعت لموصوف محذوف أو يقال : دين الأمة القيمة بالحق أي القائمة بالحق وفي حرف عبد الله وذلك الدين القيم قال الخليل : القيمة جمع القيم والقيم والقائم : واحد وقال الفراء : أضاف الدين إلى القيمة وهو نعته لإختلاف اللفظين وعنه أيضا : هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه ودخلت الهاء للمدح والمبالغة وقيل : الهاء راجعة إلى الملة أو الشريعة وقال محمد بن الأشعث الطالقاني : القيمة ها هنا : الكتب التي جرى ذكرها والدين مضاف إليها < < البينة : ( 6 ) إن الذين كفروا . . . . . > > < > ( البينه 6 : 7 ) <
> قوله تعالى : ( إن الذين كفروا منأهل الكتاب والمشركين ) المشركين : معطوف على الذين أو يكون مجرورا معطوفا على أهل ( في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية ) قرأ نافع وإبن ذكوان بالهمز على الأصل في الموضعين من قولهم : برأ الله الخلق وهو البارئ الخالق وقال : من قبل أن نبرأها الباقون بغير همز وشد الياء عوضا منه قال الفراء : إن أخذت البرية من البري وهو التراب فأصله غير الهمز تقول منه : براه الله يبروه بروا أي خلقه قال القشيري : ومن قال البرية من البري وهو التراب قال : لا تدخل الملائكة تحت هذه اللفظة وقيل : البرية : من بريت القلم أي قدرته فتدخل فيه الملائكة ولكنه قول ضعيف لأنه يجب منه تخطئة من همز وقوله شر البرية أي شر الخليقة فقيل يحتمل أن يكون على التعميم وقال قوم : أي هم شر البرية الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى : وأني فضلتكم على العالمين أي على عالمي زمانكم ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل هذا من هو شر منهم مثل فرعون وعاقر ناقة صالح وكذا خير البرية : إما على التعميم أو خير برية عصرهم وقد أستدل بقراءة الهمز من فضل بني آدم على الملائكة وقد مضى في سورة البقرة القول فيه وقال أبو هريرة رضي الله عنه : المؤمن أكرم على الله عز وجل من بعض الملائكة الذين عنده < < البينة : ( 8 ) جزاؤهم عند ربهم . . . . . > > < > ( البينه 8 ) < > قوله تعالى : ( جزاؤهم ) أي ثوابهم ( عند ربهم ) أي خالقهم ومالكهم ( جنات ) أي بساتين ( عدن ) أي إقامة والمفسرون يقولون : جنات عدن بطنان الجنة أي وسطها تقول : عدن بالمكان يعدن ] عدنا وعدونا [ : أقام ومعدن الشيء : مركزه ومستقره قال الأعشى : وإن يستضافوا إلى حكمه يضافوا إلى راجح قد عدن ( تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ) لا يظعنون ولا يموتون ( رضيالله عنهم ) أي رضي أعمالهم كذا قال إبن عباس ( ورضوا عنه ) أي رضوا هم بثواب الله عز وجل ( ذلك ) أي الجنة ( لمن خشي ربه ) أي خاف ربه فتناهى عن المعاصي < > تفسير سورة الزلزلة < > مدنية في قول إبن عباس وقتادة ومكية في قول إبن مسعود وعطاء وجابر وهي تسع آيات قال العلماء : وهذه السورة فضلها كثير وتحتوي على عظيم : روى الترمذي عن أنس إبن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ إذا زلزلت عدلت له بنصف القرآن ومن قرا قل يا أيها الكافرون عدلت له بربع القرآن ومن قرأ قل هو الله أحد عدلت له بثلث القرآن ( قال : حديث غريب وفي الباب عن إبن عباس وروي عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ إذا زلزلت أربع مرات كان كمن قرأ القرآن كله ( وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال : لما نزلت إذا زلزلت بكى أبو بكر فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لولا أنكم تخطئون وتذنبون ويغفر الله لكم لخلق أمة يخطئون ويذنبون ويغفر لهم إنه هو الغفور الرحيم < < الزلزلة : ( 1 ) إذا زلزلت الأرض . . . . . > > < > ( 1 ) <
> إذا زلزلت الأرض زلزالها أي حركت من أصلها كذا روى عكرمة عن إبن عباس وكان يقول : في النفخة الأولى يزلزلها وقاله مجاهد لقوله تعالى : يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ثم تزلزل ثانية فتخرج موتاها وهي الأثقال وذكر المصدر للتأكيد ثم أضيف إلى الأرض كقولك : لأعطينك عطيتك أي عطيتي لك وحسن ذلك لموافقة رؤوس الآي بعدها وقراءة العامة بكسر الزاي من الزلزال وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر بفتحها وهو مصدر أيضا كالوسواس والقلقال والجرجار وقيل : الكسر المصدر والفتح الأسم < < الزلزلة : ( 2 ) وأخرجت الأرض أثقالها > > < > ( 2 ) < > قال أبو عبيدة والأخفش : إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها وقال إبن عباس ومجاهد : أثقالها : موتاها تخرجهم في النفخة الثانية ومنه قيل للجن والإنس : الثقلان وقالت الخنساء : أبعد إبن عمرو من آل الشر يد حلت به الأرض أثقالها تقول : لما دفن عمرو صار حلية لأهل القبور من شرفه وسؤدده وذكر بعض أهل العلم قال : كانت العرب تقول : إذا كان الرجل سفاكا للدماء : كان ثقلا على ظهر الأرض فلما مات حطت الأرض عن ظهرها ثقلها وقيل : أثقالها كنوزها ومنه الحديث : ( تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة < < الزلزلة : ( 3 ) وقال الإنسان ما . . . . . > > < > ( الزلزله 3 ) < > قوله تعالى : ( وقال الإنسان ) أي إبن آدم الكافر فروى الضحاك عن إبن عباس قال : هو الأسود بن عبد الأسد وقيل : أراد كل إنسان يشاهد ذلك عند قيام الساعة في النفخة الأولى : من مؤمن وكافر وهذا قول من جعلها في الدنيا من أشراط الساعة لأنهم لا يعلمون جميعا من أشراط الساعة في إبتداء أمرها حتى يتحققوا عمومها فلذلك سأل بعضهم بعضا عنها وعلى قول من قال : إن المراد بالإنسان الكفار خاصة جعلها زلزلة القيامة لأن المؤمن معترف بها فهو لا يسأل عنها والكافر جاحد لها فلذلك يسأل عنها ومعنى ( مالها ) أي ما لها زلزلت وقيل : ما لها أخرجت أثقالها وهي كلمة تعجيب أي لأي شيء زلزلت ويجوز أن يحيي الله الموتى بعد وقوع النفخة الأولى ثم تتحرك الأرض فتخرج الموتى وقد رأوا الزلزلة وإنشقاق الأرض عن الموتى أحياء فيقولون من الهول : مالها < < الزلزلة : ( 4 ) يومئذ تحدث أخبارها > > < > ( الزلزله 4 : 6 ) <
> قوله تعالى : ( يومئذ تحدث أخباترها ) يومئذ منصوب بقوله إذا زلزلت وقيل : بقوله تحدث أخبارها أي تخبر الأرض بما عمل عليها من خير أو شر يومئذ ثم قيل : هو من قول الله تعالى وقيل : من قول الإنسان أي يقول الإنسان ما لها تحدث أخبارها متعجبا وفي الترمذي عن أبي هريرة قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية يومئذ تحدث أخبارها قال : ( أتدرون ما أخبارها قالوا الله ورسوله أعلم قال : فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول عمل يوم كذا كذا وكذا قال : فهذه أخبارها ( قال : هذا حديث حسن صحيح قال الماوردي قوله يومئذ تحدث أخبارها : فيه ثلاثة أقاويل : أحدها تحدث أخبارها بأعمال العباد على ظهرها قاله أبو هريرة ورواه مرفوعا وهو قول من زعم أنها زلزلة القيامة الثاني تحدث أخبارها بما أخرجت من أثقالها قاله يحيى بن سلام وهو قول من زعم أنها زلزلة أشراط الساعة قلت : وفي هذا المعنى حديث رواه إبن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه قال : ( إذا كان أجل العبد بأرض أوثبته الحاجة إليها حتى إذا بلغ أقصى أثره قبضه الله فتقول الأرض يوم القيامة : رب هذا ما أستودعتني ( أخرجه إبن ماجه في سننه وقد تقدم الثالث أنها تحدث بقيام الساعة إذا قال الإنسان ما لها قاله إبن مسعود فتخبر أن أمر الدنيا قد إنقضى وأمر الآخرة قد أتى فيكون ذلك منها جوابا لهم عند سؤالهم ووعيدا للكافر وإنذارا للمؤمن وفي حديثها بأخبارها ثلاثة أقاويل : أحدها أن الله تعالى يقلبها حيوانا ناطقا فتتكلم بذلك الثاني أن الله تعالى يحدث فيها الكلام الثالث أنه يكون منها بيان يقوم مقام الكلام قال الطبري : تبين أخبارها بالرجة والزلزلة وإخراج الموتى ( بأن ربك أوحى لها ) أي إنها تحدث أخبارها بوحي الله لها إي إليها والعرب تضع لام الصفة موضع إلى قال العجاج يصف الأرض : وحى لها القرار فأستقرت وشدها بالراسيات الثبت وهذا قول أبي عبيدة : أوحى لها أي إليها وقيل : أوحى لها أي أمرها قاله مجاهد وقال السدي : أوحى لها أي قال لها وقيل : سخرها وقيل : المعنى يوم تكون الزلزلة وإخراج الأرض أثقالها تحدث الأرض أخبارها ما كان عليها من الطاعات والمعاصي وما عمل على ظهرها من خير وشر وروي ذلك عن الثوري وغيره ( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ) أي فرقا جمع شت قيل : عن موقف الحساب فريق يأخذ جهة اليمين إلى الجنة وفريق آخر يأخذ جهة الشمال إلى النار كما قال تعالى يومئذ يتفرقون يومئذ يصدعون وقيل : يرجعون عن الحساب بعد فراغهم من الحساب ( أشتاتا يعني فرقا فرقا ( ليروا أعمالهم ) يعني ثواب أعمالهم وهذا كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من أحد يوم القيامة إلا ويلوم نفسه فإن كان محسنا فيقول : لم لا أزددت إحسانا وإن كان غير ذلك يقول : لم لا نزعت عن المعاصي ( وهذا عند معاينة الثواب والعقاب وكان إبن عباس يقول : أشتاتا متفرقين على قدر أعمالهم أهل الإيمان على حدة وأهل كل دين على حدة وقيل : هذا الصدور إنما هو عند النشور يصدرون أشتاتا من القبور فيصار بهم إلى موقف الحساب ليروا أعمالهم في كتبهم أؤ ليروا جزاء أعمالهم فكأنهم وردوا القبور فدفنوا فيها ثم صدروا عنها والوارد : الجائي والصادر : المنصرف ( أشتاتا ) أي يبعثون من أقطار الأرض وعلى القول الأول فيه تقديم وتأخير مجازه : تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها ليروا أعمالهم وأعترض قوله يومئذ يصدر الناس أشتاتا متفرقين عن موقف الحساب وقراءة العامة ليروا بضم الياء أي ليريهم الله أعمالهم وقرأ الحسن والزهري وقتادة والأعرج ونصر إبن عاصم وطلحة بفتحها وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم < <
الزلزلة : ( 7 ) فمن يعمل مثقال . . . . . > > < > ( الزلزله 7 : 8 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) كان إبن عباس يقول : من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيرا يره في الدنيا ولا يثاب عليه في الآخرة ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات ويتجاوز عنه وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه ويضاعف له في الآخرة وفي بعض الحديث : ( الذرة لا زنة لها ( وهذا مثل ضربه الله تعالى : أنه لا يغفل من عمل إبن آدم صغيرة ولا كبيرة وهو مثل قوله تعالى إن الله لا يظلم مثقال ذرة وقد تقدم الكلام هناك في الذر وأنه لا وزن له وذكر بعض أهل اللغة أن الذر : أن يضرب الرجل بيده على الأرض فما علق بها من التراب فهو الدر وكذا قال إبن عباس : إذا وضعت يدك على الأرض ورفعتها فكل واحد مما لزق به من التراب ذرة وقال محمد بن كعب القرظي : فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر يرى ثوابه في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وماله وولده وأهله حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر دليله ما رواه العلماء الأثبات من حديث أنس : أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يأكل فأمسك وقال : يا رسول الله وإنا لنرى ما عملنا من خير وشر قال : ( ما رأيت مما تكره فهو مثاقيل ذر الشر ويدخر لكم مثاقيل ذر الخير حتى تعطوه يوم القيامة ( قال أبو إدريس : إن مصداقه في كتاب الله : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وقال مقاتل : نزلت في رجلين وذلك أنه لما نزل ويطعمون الطعام على حبه كان أحدهم يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير كالكذبة والغيبة والنظرة ويقول : إنما أوعد الله النار على الكبائر فنزلت ترغبهم في القليل من الخير أن يعطوه فإنه يوشك أن يكثر ويحدرهم اليسير من الذنب فإنه يوشك أن يكثر وقاله سعيد بن جبير والإثم الصغير في عين صاحبه يوم القيامة أعظم من الجبال وجميع محاسنه أقل في عينه من كل شيء الثانية قراءة العامة يره بفتح الياء فيهما وقرأ الجحدري والسلمي وعيسى بن عمر وأبان عن عاصم : يره بضم الياء أي يريه الله إياه والأولى الإختيار لقوله تعالى : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا الآية وسكن الهاء في قوله يره في الموضعين هشام وكذلك رواه الكسائي عن أبي بكر وابي حيوة والمغيرة وأختلس يعقوب والزهري والجحدري وشيبة وأشبع الباقون وقيل يره أي يرى جزاءه لأن ما عمله قد مضى وعدم فلا يرى وأنشدوا : إن من يعتدي ويكسب إثما وزن مثقال ذرة سيراه ويجازي بفعله الشر شرا وبفعل الجميل أيضا جزاه هكذا قوله تبارك ربي في إذا زلزلت وجل ثناه الثالثة قال إبن مسعود : هذه أحكم آية في القرآن وصدق وقد أتفق العلماء على عموم هذه الآية القائلون بالعموم ومن لم يقل به وروى كعب الأحبار أنه قال : لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره قال الشيخ أبو مدين في قوله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره قال : في الحال قبل المآل وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمى هذه الآية الآية الجامعة الفاذة كما في الصحيح لما سئل عن الحمر وسكت عن البغال والجواب فيهما واحد لأن البغل والحمار لا كر فيهما ولا فر فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما في الخيل من الأجر الدائم والثواب المستمر سأل السائل عن الحمر لأنهم لم يكن عندهم يومئذ بغل ولا دخل الحجاز منها إلا بغلة النبي صلى الله عليه وسلم الدلدل التي أهداها له المقوقس فأفتاه في الحمير بعموم الآية وإن في الحمار مثاقيل ذر كثيرة قاله إبن العربي وفي الموطأ : أن مسكينا أستطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنب فقالت لإنسان : خذ حبة فأعطه إياها فجعل ينظر إليها ويعجب فقالت : أتعجب كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة وروي عن سعد بن أبي وقاص : أنه تصدق بتمرتين فقبض السائل يده فقال للسائل : ويقبل الله منا مثاقيل الذر وفي التمرتين مثاقيل ذر كثيرة وروى المطلب بن حنطب : أن أعرابيا سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها فقال : يا رسول الله أمثقال ذرة قال ( نعم ( فقال الأعرابي : واسوأتاه مرارا : ثم قام وهو يقولها فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان ( وقال الحسن : قدم صعصعة عم الفرزدق على النبي صلى الله عليه وسلم فلما سمع فمن يعمل مثقال ذرة الآيات قال : لا أبالي ألا أسمع من القرآن غيرها حسبي فقد أنتهت الموعظة ذكره الثعلبي ولفظ الماوردي : وروى أن صعصة بن ناجية جد الفرزدق أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستقرئه فقرأ عليه هذه الآية فقال صعصعة : حسبي حسبي إن عملت مثقال ذرة شرا رأيته وروى معمر عن زيد إبن اسلم : أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : علمني مما علمك الله فدفعه إلى رجل يعلمه فعلمه إذا زلزلت حتى إذا بلغ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره قال : حسبي فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( دعوه فإنه قد فقه ( ويحكى أن أعرابيا أخر خيرا يره فقيل : قدمت وأخرت فقال : خذا بطن هرشي أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشي لهن طريق <