البقرة : ( 239 ) فإن خفتم فرجالا . . . . . > > < > ( البقره 239 ) <
Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي · AR
> فيه تسع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فإن خفتم ) من الخوف الذي هو الفزع ( فرجالا ) أي فصلوا رجالا ( أو ركبانا ) معطوف عليه والرجال جمع راجل أو رجل من قولهم : رجل الإنسان برجل رجلا إذا عدم المركوب ومشى على قدميه فهو رجل وراجل ورجل ( بضم الجيم ) وهي لغة أهل الحجاز يقولون : مشى فلان إلى بيت الله حافيا رجلا حكاه الطبري وغيره ورجلان ورجيل ورجل ويجمع على رجال ورجلى ورجال ورجالة ورجالى ورجلان ورجلة ورجلة ( بفتح الجيم ) وأرجلة وأراجل وأراجيل والرجل الذي هو اسم الجنس يجمع أيضا على رجال الثانية لما أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة لحال قنوت وهو الوقار والسكينة وهدوء الجوارح وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطمأنينة ذكر حالة الخوف الطارئة أحيانا وبين أن هذه العبادة لا تسقط عن العبد في حال ورخص لعبيده في الصلاة رجالا على الأقدام وركبانا على الخيل والإبل ونحوها أيماء وإشارة بالرأس حيثما توجه هذا قول العلماء وهذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو من عدو يتبعه أو سيل يحمله وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه الآية الثالثة هذه الرخصة في ضمنها إجماع العلماء أن يكون الإنسان حيثما توجه من السموت ويتقلب ويتصرف بحسب نظره في نجاة نفسه الرابعة واختلف في الخوف الذي تجوز فيه الصلاة رجالا وركبانا فقال الشافعي : هو إطلال العدو عليهم فيتراءون معا والمسلمون في غير حصن حتى ينالهم السلاح من الرمي أو أكثر من أن يقرب العدو فيه منهم من الطعن والضرب أو يأتي من يصدق خبره فيخبره بأن العدو قريب منه ومسيرهم جادين إليه فإن لم يكن واحد من هذين المعنيين فلا يجوز له أن يصلي صلاة الخوف فإن صلوا بالخبر صلاة الخوف ثم ذهب العدو لم يعيدوا وقيل : يعيدون وهو قول أبي حنيفة قال أبو عمر : فالحال التي يجوز منها للخائف أن يصلي راجلا أو راكبا مستقبل القبلة أو غير مستقبلها هي حال شدة الخوف والحال التي وردت الآثار فيها هي غير هذه وهي صلاة الخوف بالإمام وانقسام الناس وليس حكمها في هذه الآية وهذا يأتي بيانه في سورة النساء إن شاء الله تعالى وفرق مالك بين خوف العدو المقاتل وبين خوف السبع ونحوه من جمل صائل أو سيل أو ما الأغلب من شأنه الهلاك فإنه استحب من غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء الخامسة قال أبو حنيفة : إن القتال يفسد الصلاة وحديث بن عمر يرد عليه وظاهر الآية أقوى دليل عليه وسيأتي هذا في النساء إن شاء الله تعالى قال الشافعي : لما رخص تبارك وتعالى في جواز ترك بعض الشروط دل ذلك على أن القتال في الصلاة لا يفسدها والله أعلم السادسة لا نقصان في عدد الركعات في الخوف عن صلاة المسافر عند مالك والشافعي وجماعة من العلماء وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما : يصلي ركعة إيماء روى مسلم عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن بن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة قال بن عبد البر : أنفرد به بكير بن الأخنس وليس بحجة فيما ينفرد به والصلاة أولى ما أحتيط فيه ومن صلى ركعتين في خوفه وسفره خرج من الاختلاف إلى اليقين وقال الضحاك بن مزاحم : يصلي صاحب خوف الموت في المسايفة وغيرها ركعة فإن لم يقدر فليكبر تكبيرتين وقال إسحاق بن راهويه : فإن لم يقدر إلا على تكبيرة واحدة أجزأت عنه ذكره بن المنذر وقوله تعالى : ( فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ) أي ارجعوا إلى ما أمرتم به من اتمام الأركان وقال مجاهد : أمنتم خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة ورد الطبري على هذا القول وقالت فرقة : أمنتم زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة السابعة واختلف العلماء من هذا الباب في بناء الخائف إذا أمن فقال مالك : إن صلى ركعة آمنا ثم خاف ركب وبنى وكذلك إن صلى ركعة راكبا وهو خائف ثم أمن نزل وبنى وهو أحد قولي الشافعي وبه قال المزني وقال أبو حنيفة : إذا افتتح الصلاة امنا ثم خاف استقبل ولم يبن فإن صلى خائفا ثم أمن بنى وقال الشافعي : يبني النازل ولا يبني الراكب وقال أبو يوسف : لا يبنى في شيء من هذا كله الثامنة قوله تعالى : ( فاذكروا الله ) قيل : معناه اشكروه على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء ولم تفتكم صلاة من الصلوات وهو الذي لم تكونوا تعلمونه فالكاف في قوله كما بمعنى الشكر تقول : افعل بي كما فعلت بك كذا مكافأة وشكرا وما في قوله ما لم مفعولة ب علمكم التاسعة قال علماؤنا رحمة الله عليهم : الصلاة أصلها الدعاء وحالة الخوف اولى بالدعاء فلهذا لم تسقط الصلاة بالخوف فإذا لم تسقط الصلاة بالخوف فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه فأمر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة على الصلوات في كل حال من صحة أو مرض وحضر أو سفر وقدرة أو عجز وخوف أو أمن لا تسقط عن المكلف بحال ولا يتطرق إلى فرضيتها اختلال وسيأتي بيان حكم المريض في آخر آل عمران إن شاء الله تعالى والمقصود من هذا أن تفعل الصلاة كيفما أمكن ولا تسقط بحال حتى لو لم يتفق فعلها إلا بالإشارة بالعين لزم فعلها وبهذا تميزت عن سائر العبادات كلها تسقط بالأعذار ويترخص فيها بالرخص قال بن العربي : ولهذا قال علماؤنا : وهي مسألة عظمى إن تارك الصلاة يقتل لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحال وقالوا فيها : إحدى دعائم الاسلام لا تجوز النيابة عنها ببدن ولا مال فيقتل تاركها أصله الشهادتان وسيأتي ما للعلماء في تارك الصلاة في براءة إن شاء الله تعالى < <
البقرة : ( 240 ) والذين يتوفون منكم . . . . . > > < > ( البقره 240 ) <
> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ) ذهب جماعة من المفسرين في تأويل هذه الآية أن المتوفي عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفي عنها حولا وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها ثم نسخ الحول بألاربعة ألاشهر والعشر ونسخت النفقة بالربع والثمن في سورة النساء قاله بن عباس وقتادة والضحاك وبن زيد والربيع وفي السكنى خلاف للعلماء روى البخاري عن بن الزبير قال : قلت لعثمان هذه الآية التي في البقرة : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا إلى قوله غير إخراج قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها قال : يابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه وقال الطبري عن مجاهد : إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها والعدة كانت قد ثبتت اربعة أشهر وعشرا ثم جعل الله لهن وصية منه سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله عز وجل : ( غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم ) قال بن عطية : وهذا كله قد زال حكمه بالنسخ المتفق عليه إلا ما قو له الطبري مجاهدا رحمهما الله تعالى وفي ذلك نظر على الطبري وقال القاضي عياض : والإجماع منعقد على أن الحول منسوخ وأن عدتها أربعة أشهر وعشر قال غيره : معنى قوله وصية أي من الله تعالى تجب على النساء بعد وفاة الزوج بلزوم البيوت سنة ثم نسخ قلت : ما ذكره الطبري عن مجاهد صحيح ثابت خرج البخاري قال : حدثنا إسحاق قال حدثنا روح قال حدثنا شبل عن بن أبي نجيح عن مجاهد والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا قال : كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجبة فأنزل الله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا إلى قوله من معروف قال : جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله تعالى : غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم إلا أن القول الأول أظهر لقوله عليه السلام : ( إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة عند رأس الحول ( الحديث وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم عن حالة المتوفي عنهن أزواجهن قبل ورود الشرع فلما جاء الإسلام أمرهن الله تعالى بملازمة البيوت حولا ثم نسخ بالأربعة الأشهر والعشر هذا مع وضوحه في السنة الثابتة المنقولة باخبار الآحاد إجماع من علماء المسلمين لا خلاف فيه قاله أبو عمر قال : وكذلك سائر الآية فقوله عز وجل : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج منسوخ كله عند جمهور العلماء ثم نسخ الوصية بالسكنى للزوجات في الحول إلا رواية شاذة مهجورة جاءت عن بن أبي نجيح عن مجاهد لم يتابع عليها ولا قال بها فيما زاد على الأربعة الأشهر والعشر أحد من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فيما علمت وقد روى بن جريج عن مجاهد مثل ما عليه الناس فانعقد الإجماع وارتفع الخلاف وبالله التوفيق الثانية قوله تعالى : ( وصية ) قرأ نافع وبن كثير والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وصية بالرفع على الإبتداء وخبره ( لأزواجهم ) ويحتمل أن يكون المعنى عليهم وصية ويكون قوله لأزواجهم صفة قال الطبري : قال بعض النحاة : المعنى كتبت عليهم وصية ويكون قوله لأزواجهم صفة قال : وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود وقرأ أبو عمرو وحمزة وبن عامر وصية بالنصب وذلك حمل على الفعل أي فليوصوا وصية ثم الميت لايوصي ولكنه أراد إذا قربوا من الوفاة ولأزواجهم على هذه القراءة أيضا صفة وقيل : المعنى أوصى الله وصية متاعا أي متعوهن متاعا : أو جعل الله لهن ذلك متاعا لدلالة الكلام عليه ويجوز أن يكون نصبا على الحال أو بالمصدر الذي هو الوصية كقوله : أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما والمتاع ها هنا نفقة سنتها الثالثة قوله تعالى : ( غير إخراج ) معناه ليس لأولياء الميت ووارثي المنزل إخراجها وغير نصب على المصدر عند الأخفش كأنه قال لا إخراجا وقيل : نصب لأنه صفة المتاع وقيل : نصب على الحال من الموصين أي متعوهن غير مخرجات وقيل : بنزع الخافض أي من غير إخراج الرابعة قوله تعالى : ( فإن خرجن ) الآية معناه باختيارهن قبل الحول ( ولا جناح عليكم ) أي لا حرج على أحد ولي أو حاكم أو غيره لأنه لايجب عليها المقام في بيت زوجها حولا وقيل : أي لا جناح في قطع النفقة عنهن أو لا جناح عليهن في التشوف إلى الأزواج إذ قد انقطعت عنهن مراقبتكم أيها الورثة ثم عليها ألا تتزوج قبل انقضاء العدة بالحول أو لا جناح في تزويجهن بعد انقضاء العدة لأنه قال : من معروف وهو ما يوافق الشرع ( والله عزيز ) صفة تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحد في هذه النازلة فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج ( حكيم ) أي محكم لما يريد من أمور عباده < <
البقرة : ( 241 ) وللمطلقات متاع بالمعروف . . . . . > > < > ( 241 : 242 ) < > اختلف الناس في هذه الآية فقال أبو ثور : هي محكمة والمتعة لكل مطلقة وكذلك قال الزهري ( قال الزهري ) حتى للأمة يطلقها زوجها وكذلك قال سعيد بن جبير : لكل مطلقة متعة وهو أحد قولي الشافعي لهذه الآية وقال مالك : لكل مطلقة اثنتين أو واحدة بنى بها أم لا سمى لها صداقا أم لا المتعة إلا المطلقة قبل البناء وقد سمى لها صداقا فحسبها نصفه ولو لم يكن سمى لها كان لها المتعة أقل من صداق المثل أو أكثر وليس لهذه المتعة حد حكاه عنه بن القاسم وقال بن القاسم في إرخاء الستور من المدونة قال : جعل الله تعالى المتعة لكل مطلقة بهذه الآية ثم استثنى في الآية الأخرى التي قد فرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة وزعم بن زيد أنها نسختها قال بن عطية : ففر بن القاسم من لفظ النسخ إلى لفظ الإستثناء والاستثناء لا يتجه في هذا الموضع بل هو نسخ محض كما قال زيد بن أسلم وإذا التزم بن القاسم أن قوله : وللمطلقات يعم كل مطلقة لزمه القول بالنسخ ولا بد وقال عطاء بن أبي رباح وغيره : هذه الآية في الثيبات اللواتي قد جومعن إذ تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن فهذا قول بأن التي قد فرض لها قبل المسيس لم تدخل قط في العموم فهذا يجيء على أن قوله تعالى : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن مخصصة لهذا الصنف من النساء ومتى قيل : إن هذا العموم يتناولها فذلك نسخ لا تخصيص وقال الشافعي في القول الآخر : إنه لا متعة إلا للتي طلقت قبل الدخول وليس ثم المسيس ولا فرض لأن من استحقت شيئا من المهر لم تحتج في حقها إلى المتعة وقول الله عز وجل في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم : فتعالين أمتعكن محمول على أنه تطوع من النبي صلى الله عليه وسلم لا وجوب له وقوله : فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن محمول على غير المفروضة أيضا قال الشافعي : والمفروض لها المهر إذا طلقت قبل المسيس لا متعة لها لأنها أخذت نصف المهر من غير جريان وطء والمدخول بها إذا طلقت فلها المتعة لأن المهر يقع في مقابلة الوطء والمتعة بسبب الإبتذال بالعقد وأوجب الشافعي المتعة للمختلعة والمبارئة وقال أصحاب مالك : كيف يكون للمفتدية متعة وهي تعطي فكيف تأخذ متاعا ( لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة أو مفتدية أو مبارئة أو مصالحة أو ملاعنة أو معتقة تختار الفراق دخل بها أم لا سمي لها صداقا أم لا وقد مضى هذا مبينا < < البقرة : ( 243 ) ألم تر إلى . . . . . > > < > ( البقره 243 ) <
> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ألم تر ) هذه رؤية القلب بمعنى ألم تعلم والمعنى عند سيبويه تنبه إلى أمر الذين ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ألم تر بجزم الراء وحذفت الهمزة حذفا من غير إلقاء حركة لأن الأصل الم ترء وقصة هؤلاء أنهم قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء وكانوا بقرية يقال لها داوردان فخرجوا منها هاربين فنزلوا واديا فأماتهم الله تعالى قال بن عباس : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون وقالوا : نأتي أرضا ليس بها موت فأماتهم الله تعالى فمر بهم نبي فدعا الله تعالى فأحياهم وقيل : إنهم ماتوا ثمانية أيام وقيل : سبعة والله أعلم قال الحسن : أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة لهم ثم بعثهم إلى بقية آجالهم وقيل : إنما فعل ذلك بهم معجزة لنبي من أنبيائهم قيل : كان اسمه شمعون وحكى النقاش أنهم فروا من الحمى وقيل : إنهم فروا من الجهاد ولما أمرهم الله به على لسان حزقيل النبي عليه السلام فخافوا الموت بالقتل في الجهاد فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله البقرة قاله الضحاك قال بن عطية : وهذا القصص كله لين الأسانيد وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم ليروا هم وكل من خلف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى لا بيد غيره فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد هذا قول الطبري وهو ظاهر رصف الآية قوله تعالى : ( وهم ألوف ) قال الجمهور : هي جمع ألف قال بعضهم : كانوا ستمائة الف وقيل : كانوا ثمانين ألفا بن عباس : أربعين الفا أبو مالك : ثلاثين ألفا السدي : سبعة وثلاثين ألفا وقيل : سبعين ألفا قاله عطاء بن أبي رباح وعن بن عباس أيضا أربعين الفا وثمانية آلاف رواه عنه بن جريج وعنه أيضا ثمانية آلاف وعنه أيضا أربعة آلاف وقيل : ثلاثة آلاف والصحيح أنهم زادوا على عشرة آلاف لقوله تعالى : وهم ألوف وهو جمع الكثرة ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف وقال بن زيد في لفظة الوف : إنما معناها وهم مؤتلفون أي لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم إنما كانوا مؤتلفين فخالفت هذه الفرقة فخرجت فرارا من الموت وابتغاء الحياة بزعمهم فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم فألوف على هذا جمع آلف مثل جالس وجلوس قال بن العربي : أماتهم الله تعالى ( مدة ) عقوبة لهم ثم أحياهم وميتة العقوبة بعدها حياة وميتة الأجل لا حياة بعدها قال مجاهد : إنهم لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرفون ( أنهم كانوا موتى ) ولكن سحنة الموت على وجوههم ولا يلبس أحد منهم ثوبا إلا عاد كفنا دسما حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم بن جريج عن بن عباس : وبقيت الرائحة على ذلك السبط من بني إسرائيل إلى اليوم وروي أنهم كانوا بواسط العراق ويقال أنهم أحيوا بعد أن أنتنوا فتلك الرائحة موجودة في نسلهم إلى اليوم الثانية قوله تعالى : ( حذر الموت ) أي لحذر الموت فهو نصب لأنه مفعول له وموتوا ) أمر تكوين ولا يبعد أن يقال : نودوا وقيل لهم : موتوا وقد حكي أن ملكين صاحا بهم : موتوا فماتوا فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين موتوا والله اعلم الثالثة أصح هذه ألاقوال ( وأبينها ) وأشهرها أنهم خرجوا فرارا من الوباء رواه سعيد بن جبير عن بن عباس قال : خرجوا فرارا من الطاعون فماتوا فدعا الله نبي من الأنبياء أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم الله وقال عمرو بن دينار في هذه الآية : وقع الطاعون في قريتهم فخرج أناس وبقي أناس ومن خرج أكثر ممن بقي قال : فنجا الذين خرجوا ومات الذين أقاموا فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلا قليلا فأماتهم الله ودوابهم ثم أحياهم فرجعوا إلى بلادهم وقد توالدت ذريتهم وقال الحسن : خرجوا حذارا من الطاعون فأماتهم الله ودوابهم في ساعة واحدة وهم أربعون ألفا قلت : وعلى هذا تترتب الأحكام في هذه الآية فروى الأئمة واللفظ للبخاري من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الوجع فقال : ( رجز أو عذاب عذب به بعض الأمم ثم بقي منه بقية فيذهب المرة ويأتي الأخرى فمن سمع به بأرض فلا يقدمن عليه ومن كان بأرض وقع بها فلا يخرج فرارا منه ( وأخرجه أبو عيسى الترمذي فقال : حدثنا قتيبة أنبأنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عامر بن سعد عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الطاعون فقال : ( بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها ( قال : حديث حسن صحيح وبمقتضى هذه الأحاديث عمل عمر والصحابة رضوان الله عليهم لما رجعوا من سرغ حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف بالحديث على ما هو مشهور في الموطأ وغيره وقد كره قوم الفرار من الوباء والأرض السقيمة روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : الفرار من الوباء كالفرار من الزحف وقصة عمر في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة معروفة وفيها : أنه رجع وقال الطبري : في حديث سعد دلالة على أن على المرء توقي المكاره قبل نزولها وتجنب الأشياء المخوفة قبل هجومها وأن عليه الصبر وترك الجزع بعد نزولها وذلك أنه عليه السلام نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع فيها ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فرارا منه فكذلك الواجب أن يكون حكم كل متق من الأمور غوائلها سبيله في ذلك سبيل الطاعون وهذا المعنى نظير قوله عليه السلام : ( لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا ( قلت : وهذا هو الصحيح في الباب وهو مقتضى قول الرسول عليه السلام وعليه عمل أصحابه البررة الكرام ( رضي الله عنهم ) وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجا عليه لما قال له : أفرارا من قدر الله ( فقال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله المعنى : أي لا محيص للإنسان عما قدره الله له وعليه لكن أمرنا الله تعالى بالتحرز من المخاوف ( والمهلكات ) وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات ثم قال له : أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ( عز وجل ) فرجع عمر من موضعه ذلك إلى المدينة قال الكيا الطبري : ولا نعلم خلافا أن الكفار أو قطاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة لا طاقة لأهلها بالقاصدين فلهم أن يتنحوا من بين أيديهم وإن كانت ألآجال المقدرة لا تزيد ولا تنقص وقد قيل : إنما نهي عن الفرار منه لأن الكائن بالموضع الذي الوباء فيه لعله قد أخذ بحظ منه لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام فلا فائدة لفراره بل يضيف إلى ما أصابه من مبادئ الوباء مشقات السفر فتتضاعف الآلام ويكثر الضرر فيهلكون بكل طريق ويطرحون في كل فجوة ومضيق ولذلك يقال : ما فر أحد من الوباء فسلم حكاه بن المدائني ويكفي في ذلك موعظة قوله تعالى : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ولعله إن فر ونجا يقول : إنما نجوت من أجل خروجي عنه فيسوء اعتقاده وبالجملة فالفرار منه ممنوع لما ذكرناه ولما فيه من تخلية البلاد : ولا تخلو من مستضعفين يصعب عليهم الخروج منها ولا يتأتى لهم ذلك ويتأذون بخلو البلاد من المياسير الذين كانوا أركانا للبلاد ومعونة للمستضعفين وإذا كان الوباء بأرض فلا يقدم عليه أحد أخذا بالحزم والحذر والتحرز من مواضع الضرر ودفعا للأوهام المشوشة لنفس الإنسان وفي الدخول عليه الهلاك وذلك لا يجوز في حكم الله تعالى فإن صيانة النفس عن المكروه واجبة وقد يخاف عليه من سوء الإعتقاد بأن يقول : لولا دخولي في هذا المكان لما نزل بي مكروه فهذه فائدة النهي عن دخول أرض بها الطاعون أو الخروج منها والله أعلم وقد قال بن مسعود : الطاعون فتنة على المقيم والفار فأما الفار فيقول : فبفراري نجوت وأما المقيم فيقول : أقمت فمت وإلى نحو هذا أشار مالك حين سئل عن كراهة النظر إلى المجذوم فقال : ما سمعت فيه بكراهة وما أرى ما جاء من النهي عن ذلك إلا خيفة أن يفزعه أو يخيفه شيء يقع في نفسه قال النبي صلى الله عليه وسلم في الوباء : ( إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ( وسئل أيضا عن البلدة يقع فيها الموت وأمراض فهل يكره الخروج منها فقال : ما أرى بأسا خرج أو أقام الرابعة في قوله عليه السلام : ( إذا وقع الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ( دليل على أنه يجوز الخروج من بلدة الطاعون على غير سبيل الفرار منه إذا اعتقد أن ما اصابه لم يكن ليخطئه وكذلك حكم الداخل إذا أيقن أن دخولها لايجلب إليه قدرا لم يكن الله قدره له فباح له الدخول إليه والخروج منه على هذا الحد الذي ذكرناه والله أعلم الخامسة في فضل الصبر على الطاعون وبيانه الطاعون وزنه فاعول من الطعن غير أنه لما عدل به عن أصله وضع دالا على الموت العام بالوباء قاله الجوهري ويروى من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( فناء أمتي بالطعن والطاعون ( قالت : الطعن قد عرفناه فما الطاعون قال : ( غدة كغدة البعير تخرج من المراق والآباط ( قال العلماء : وهذا الوباء قد يرسله الله نقمة وعقوبة على من يشاء من العصاة من عبيده وكفرتهم وقد يرسله شهادة ورحمة للصالحين كما قال معاذ في طاعون عمواس : إنه شهادة ورحمة لكم ودعوة نبيكم اللهم اعط معاذا وأهله نصيبهم من رحمتك فطعن في كفه رضي الله عنه قال أبو قلابة : قد عرفت الشهادة والرحمة ولم أعرف ما دعوة نبيكم فسألت عنها فقيل : دعا عليه السلام أن يجعل فناء أمته بالطعن والطاعون حين دعا ألا يجعل بأس أمته بينهم فمنعها فدعا بهذا ويروى من حديث جابر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف ( وفي البخاري عن يحيى بن يعمر عن عائشة أنها أخبرته أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم : ( أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد ( وهذا تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام : ( الطاعون شهادة والمطعون شهيد ( أي الصابر عليه المحتسب أجره على الله العالم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله عليه ولذلك تمنى معاذ أن يموت فيه لعلمه أن من مات فهو شهيد وأما من جزع من الطاعون وكرهه وفر منه فليس بداخل في معنى الحديث والله أعلم السادسة قال أبو عمر : لم يبلغني أن أحدا من حملة العلم فر من الطاعون إلا ما ذكره بن المدائني أن علي بن زيد بن جدعان هرب من الطاعون إلى السيالة فكان يجمع كل جمعة ويرجع فكان إذا جمع صاحوا به : فر من الطاعون ( فمات بالسيالة قال : وهرب عمرو بن عبيد ورباط بن محمد إلى الرباطية فقال إبراهيم بن علي الفقيمي في ذلك : ولما استفز الموت كل مكذب صبرت ولم يصبر رباط ولا عمرو وذكر أبو حاتم عن الأصمعي قال : هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارا له ومضى بأهله نحو سفوان فسمع حاديا يحدو خلفه : لن يسبق الله على حمار ولا على ذي منعة طيار أو يأتي الحتف على مقدار قد يصبح الله أمام الساري وذكر المدائني قال : وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان فخرج هاربا منه فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها سكر فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك بن مروان فقال له عبد العزيز : ما اسمك فقال له : طالب بن مدرك فقال : أوه ما أراني راجعا إلى الفسطاط ( فمات في تلك القرية < <
البقرة : ( 244 ) وقاتلوا في سبيل . . . . . > > < > ( 244 ) < > هذا خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال في سبيل الله في قول الجمهور وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا وسبل الله كثيرة فهي عامة في كل سبيل قال الله تعالى : قل هذه سبيلي قال مالك : سبل الله كثيرة وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أو لها وأعظمها دين الإسلام لا خلاف في هذا وقيل : الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل روي عن بن عباس والضحاك والواو على هذا في قوله وقاتلوا عاطفة على الأمر المتقدم وفي الكلام متروك تقديره : وقال لهم قاتلوا وعلى القول الأول عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم ولا حاجة إلى إضمار في الكلام قال النحاس : وقاتلوا أمر من الله تعالى للمؤمنين ألا تهربوا كما هرب هؤلاء ( وأعلموا أن الله سميع عليم ) أي يسمع قولكم إن قلتم مثل ما قال هؤلاء ويعلم مرادكم به وقال الطبري : لا وجه لقول من قال : إن الأمر بالقتال للذين أحيوا والله أعلم < < البقرة : ( 245 ) من ذا الذي . . . . . > > < > ( 245 ) <
> فيه أحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) لما أمر الله تعالى بالجهاد والقتال على الحق إذ ليس شيء من الشريعة إلا ويجوز القتال عليه وعنه وأعظمها دين الإسلام كما قال مالك حرض على الإنفاق في ذلك فدخل في هذا الخبر المقاتل في سبيل الله فإنه يقرض به رجاء الثواب كما فعل عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة ومن رفع بالإبتداء وذا خبره والذي نعت لذا وإن شئت بدل ولما نزلت هذه الآية بادر أبو الدحداح إلى التصدق بماله ابتغاء ثواب ربه أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام المحدث القاضي أبو عامر يحيى بن عامر بن أحمد بن منيع الأشعري نسبا ومذهبا بقرطبة أعادها الله في ربيع الآخر عام ثمانية وعشرين وستمائة قراءة مني عليه قال : أخبرنا أبي إجازة قال : قرأت على أبي بكر عبد العزيز بن خلف بن مدين الأزدي عن أبي عبد الله بن سعدون سماعا عليه قال : حدثنا أبو الحسن علي بن مهران قال : حدثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيوة النيسابوري سنة ست وستين وثلاثمائة قال : أنبأنا عمي أبو زكريا يحيى بن زكريا قال : حدثنا محمد بن معاوية بن صالح قال : حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال : لما نزلت : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قال أبو الدحداح : يا رسول الله أو إن الله تعالى يريد منا القرض قال : ( نعم يا أبا الدحداح ( قال : أرني يدك ( قال ) فناوله قال : فإني أقرضت الله حائطا فيه ستمائة نخلة ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعياله فناداها : يا أم الدحداح قالت : لبيك قال : اخرجي قد اقرضت ربي عز وجل حائطا فيه ستمائة نخلة وقال زيد بن أسلم : لما نزل : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قال أبو الدحداح : فداك أبي وأمي يا رسول الله ( إن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض قال : ( نعم يريد أن يدخلكم الجنة به ( قال : فإني إن أقرضت ربي قرضا يضمن لي به ولصبيتي الدحداحة معي الجنة قال : ( نعم ( قال : فناولني يدك فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال : إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية والله لا أملك غيرهما قد جعلتهما قرضا لله تعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعل إحداهما لله والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك ( قال : فأشهدك يا رسول الله أني قد جعلت خيرهما لله تعالى وهو حائط فيه ستمائة نخلة قال : ( إذا يجزيك الله به الجنة ( فانطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول : هداك ربي سبل الرشاد إلى سبيل الخير والسداد بيني من الحائط بالوداد فقد مضى قرضا إلى التناد اقرضته الله على اعتمادي بالطوع لا من ولا ارتداد إلا رجاء الضعف في المعاد فارتحلي بالنفس والأولاد والبر لاشك فخير زاد قدمه المرء إلى المعاد قالت أم الدحداح : ربح بيعك بارك الله لك فيما اشتريت ثم أجابته أم الدحداح وأنشأت تقول : بشرك الله بخير وفرح مثلك ما أدى مالديه ونصح قد متع الله عيالي ومنح بالعجوة السوداء والزهو البلح والعبد يسعى وله ما قد كدح طول الليالي وعليه ما اجترح ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كم من عذق رداح ودار فياح لأبي الدحداح ( الثانية قال بن العربي : انقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وقدرته ومشيئته وقضائه وقدره حين سمعوا هذه الآية أقساما فتفرقوا فرقا ثلاثة : الفرقة الأولى الرذلى قالوا : إن رب محمد محتاج فقير إلينا ونحن أغنياء فهذه جهالة لا تخفى على ذي لب فرد الله عليهم بقوله : لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء الفرقة الثانية لما سمعت هذا القول آثرت الشح والبخل وقدمت الرغبة في المال فما أنفقت في سبيل الله ولا فكت أسيرا ولا اعانت أحدا تكاسلا عن الطاعة وركونا إلى هذه الدار ( الفرقة ) الثالثة لما سمعت بادرت إلى إمتثاله وآثر المجيب منهم بسرعة بماله كأبي الدحداح رضي الله عنه وغيره والله أعلم الثالثة قوله تعالى قرضا حسنا القرض : اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء وأقرض فلان فلانا أي أعطاه ما يتجازاه قال الشاعر وهو لبيد : وإذا جوزيت قرضا فاجزه إنما يجزئ الفتى ليس الجمل والقرض بالكسر لغة فيه حكاها الكسائي واستقرضت من فلان أي طلبت منه القرض فأقرضني واقترضت منه أي أخذت القرض وقال الزجاج : القرض في اللغة البلاء الحسن والبلاء السيء قال أمية : كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا أو سيئا ومدينا مثل ما دانا وقال آخر : تجازى القروض بأمثالها فبالخير خيرا وبالشر شرا وقال الكسائي : القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيء وأصل الكلمة القطع ومنه المقراض وأقرضته أي قطعت له من مالي قطعة يجازي عليها وانقرض القوم : انقطع أثرهم وهلكوا والقرض ها هنا : اسم ولولاه لقال ( ها هنا ) إقراضا واستدعاء القرض في هذه الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه والله هو الغني الحميد لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء حسب ما يأتي بيانه في براءة إن شاء الله تعالى وقيل المراد بالآية الحث على الصدقة وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين والتوسعة عليهم وفي سبيل الله بنصرة الدين وكنى الله سبحانه عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبا في الصدقة كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام ففي صحيح الحديث إخبارا عن الله تعالى : ( يابن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني ( قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال : ( استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي ( وكذا فيما قبل أخرجه مسلم والبخاري وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا لمن خوطب به الرابعة يجب على المستقرض رد القرض لأن الله تعالى بين أن من أنفق في سبيل الله لا يضيع عند الله تعالى بل يرد الثواب قطعا وأبهم الجزاء وفي الخبر : ( النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر ( على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قوله تعالى : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل الآية وقال ها هنا : ( فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) وهذا لا نهاية له ولا حد الخامسة ثواب القرض عظيم لأن فيه توسعة على المسلم وتفريجا عنه خرج بن ماجة في سننه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت لجبريل : ما بال القرض أفضل من الصدقة قال لأن السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة ( قال حدثنا محمد بن خلف العسقلاني حدثنا يعلى حدثنا سليمان بن يسير عن قيس بن رومي قال : كان سليمان بن أذنان يقرض علقمة ألف درهم إلى عطائه فلما خرج عطاؤه تقاضاها منه واشتد عليه فقضاه فكان علقمة غضب فمكث أشهرا ثم أتاه فقال : أقرضني ألف درهم إلى عطائي قال نعم وكرامة يا أم عتبة هلمي تلك الخريطة المختومة التي عندك قال : فجاءت بها فقال : أما والله إنها لدراهمك التي قضيتني ما حركت منها درهما واحدا قال : فلله أبوك ما حملك على ما فعلت بي قال : ما سمعت منك قال : ما سمعت مني قال : سمعتك تذكر عن بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة ( قال : كذلك أنبأني بن مسعود السادسة قرض الآدمي للواحد واحد أي يرد عليه مثل ما أقرضه وأجمع أهل العلم على أن استقراض الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب وكل ماله مثل من سائر الأطعمة جائز وأجمع المسلمون نقلا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف كما قال بن مسعود أو حبة واحدة ويجوز أن يرد أفضل مما يستلف إذا لم يشترط ذلك عليه لأن ذلك من باب المعروف إستدلالا بحديث أبي هريرة في البكر : ( إن خياركم أحسنكم قضاء ( رواه الأئمة : البخاري ومسلم وغيرهما فأثنى صلى الله عليه وسلم على من أحسن القضاء وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة وكذلك قضى هو صلى الله عليه وسلم في البكر وهو الفتى المختار من الإبل جملا خيارا رباعيا والخيار : المختار والرباعي هو الذي دخل في السنة الرابعة لأنه يلقي فيها رباعيته وهي التي تلي الثنايا وهي أربع رباعيات مخففة الباء وهذا الحديث دليل على جواز قرض الحيوان وهو مذهب الجمهور ومنع من ذلك أبو حنيفة وقد تقدم السابعة ولا يجوز أن يهدي من استقرض هدية للمقرض ولا يحل للمقرض قبولها إلا أن يكون عادتهما ذلك بهذا جاءت السنة : خرج بن ماجة حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي قال سألت أنس بن مالك عن الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي إليه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقرض أحدكم أخاه قرضا فأهدى له أو حمله على دابته فلا يقبلها ولا يركبها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك ( الثامنة القرض يكون من المال وقد بينا حكمه ويكون من العرض وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك ( وروي عن بن عمر : أقرض من عرضك ليوم فقرك يعني من سبك فلا تأخذ منه حقا ولا تقم عليه حدا حتى تأتي يوم القيامة موفر الأجر وقال أبو حنيفة : لايجوز التصدق بالعرض لأنه حق الله تعالى وروي عن مالك بن العربي : وهذا فاسد قال عليه السلام في الصحيح : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ( الحديث وهذا يقتضي أن تكون هذه المحرمات الثلاث تجري مجرى واحدا في كونها باحترامها حقا للأدمي التاسعة قوله تعالى : ( حسنا ) قال الواقدي : محتسبا طيبة به نفسه وقال عمرو بن عثمان الصدفي : لا يمن به ولا يؤذي وقال سهل بن عبد الله : لا يعتقد في قرضه عوضا العاشرة قوله تعالى : ( فيضاعفه له ) قرأ عاصم وغيره فيضاعفه بالألف ونصب الفاء وقرأ بن عامر ويعقوب بالتشديد في العين مع سقوط الألف ونصب الفاء وقرأ بن كثير وأبو جعفر وشيبة بالتشديد ورفع الفاء وقرأ الآخرون بالألف ورفع الفاء فمن رفعه نسقه على قوله : يقرض وقيل : على تقدير هو يضاعفه ومن نصب فجوابا للأستفهام بالفاء وقيل : بإضمار إن والتشديد والتخفيف لغتان دليل التشديد أضعافا كثيرة لأن التشديد للتكثير وقال الحسن والسدي : لا نعلم هذا التضعيف إلا لله وحده لقوله تعالى : ويؤت من لدنه أجرا عظيما قال أبو هريرة : هذا في نفقة الجهاد وكنا نحسب والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا نفقة الرجل على نفسه ورفقائه وظهره بألفي ألف الحادية عشرة قوله تعالى : ( والله يقبض ويبسط ) هذا عام في كل شيء فهو القابض الباسط وقد أتينا عليهما في شرح الاسماء الحسنى في الكتاب الأسنى وإليه ترجعون ) وعيد فيجازي كلا بعمله < <
البقرة : ( 246 ) ألم تر إلى . . . . . > > < > ( 246 ) < > ذكر في التحريض على القتال قصة أخرى جرت في بني إسرائيل والملأ : الأشراف من الناس كأنهم ممتلئون شرفا وقال الزجاج : سموا بذلك لأنهم ممتلئون مما يحتاجون إليه منهم والملأ في هذه الآية القوم لأن المعنى يقتضيه والملأ : اسم للجمع كالقوم والرهط والملأ أيضا : حسن الخلق ومنه الحديث ( أحسنوا الملأ فكلكم سيروى ( خرجه مسلم قوله تعالى : ( من بعد موسى ) أي من بعد وفاته ( إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا ) قيل : هو شموئيل بن بال بن علقمة ويعرف بابن العجوز ويقال فيه : شمعون قاله السدي : وإنما قيل : بن العجوز لأن أمه كانت عجوزا فسألت الله الولد وقد كبرت وعقمت فوهبه الله تعالى لها ويقال له : سمعون لأنها دعت الله أن يرزقها الولد فسمع دعاءها فولدت غلاما فسمته سمعون تقول : سمع الله دعائي والسين تصير شينا بلغة العبرانية وهو من ولد يعقوب وقال مقاتل : هو من نسل هارون عليه السلام وقال قتادة : هو يوشع بن نون قال بن عطية : وهذا ضعيف لأن مدة داؤد هي من بعد موسى بقرون من الناس ويوشع هو فتى موسى وذكر المحاسبي أن اسمه إسماعيل والله أعلم وهذه الآية هي خبر عن قوم من بني إسرائيل نالتهم ذلة وغلبة عدو فطلبوا الإذن في الجهاد وأن يؤمروا به فلما أمروا كع أكثرهم وصبر الأقل فنصرهم الله وفي الخبر أن هؤلاء المذكورين هم الذين أميتوا ثم أحيوا والله أعلم قوله تعالى : ( نقاتل ) بالنون والجزم وقراءة جمهور القراء على جواب الأمر وقرأ الضحاك وبن أبي عبلة بالياء ورفع الفعل فهو في موضع الصفة للملك قوله تعالى : ( قال هل عسيتم ) وعسيتم بالفتح والكسر لغتان وبالثانية قرأ نافع والباقون بالأولى وهي الأشهر قال أبو حاتم : وليس للكسر وجه وبه قرأ الحسن وطلحة قال مكي في اسم الفاعل : عس فهذا يدل على كسر السين في الماضي والفتح في السين هي اللغة الفاشية قال أبو علي : ووجه الكسر قول العرب : هو عس بذلك مثل حر وشج وقد جاء فعل وفعل في نحو نعم ونعم وكذلك عسيت وعسيت فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم أن يقال : عسى زيد مثل رضي زيد فإن قيل فهو القياس وإن لم يقل فسائغ أن يؤخذ باللغتين فتستعمل إحداهما موضع الأخرى ومعنى هذه المقالة : هل أنتم قريب من التولي والفرار ( إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ) قال الزجاج : ألا تقاتلوا في موضع نصب أي هل عسيتم مقاتلة ( قالوا ومالنا ألا نقاتل في سبيل الله ) قال الأخفش : أن زائدة وقال الفراء : هو محمول على المعنى أي وما منعنا كما تقول : ما لك ألا تصلي أي ما منعك وقيل : المعنى وأي شيء لنا في ألا نقاتل في سبيل الله قال النحاس : وهذا أجودها وأن في موضع نصب ( وقد أخرجنا من ديارنا ) تعليل وكذلك ( وأبنائنا ) أي بسبب ذرارينا قوله تعالى : ( فلما كتب عليهم ) أي فرض عليهم ( القتال تولوا ) أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب وأن نفوسهم ربما قد تذهب تولوا أي اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة تتمنى الحرب أوقات الأنفة فإذا حضرت الحرب كعت وانقادت لطبعها وعن هذا المعنى نهى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا ( رواه الأئمة ثم أخبر الله تعالى عن قليل منهم أنهم ثبتوا على النية الأولى واستمرت عزيمتهم على القتال في سبيل الله تعالى < <
البقرة : ( 247 ) وقال لهم نبيهم . . . . . > > < > ( البقره 247 ) <