Qur'an&Sunnahالقرآن

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي · AR

قسم V04/P176–V04/P177Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V04/P176–V04/P177)

آل عمران : ( 116 ) إن الذين كفروا . . . . . > > < > ( ال عمران 116 ) < > قوله تعالى : ( إن الذين كفروا ) آسم إن والخبر ( لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ) قال مقاتل : لما ذكر تعالى مؤمني أهل الكتاب ذكر كفارهم وهو قوله إن الذين كفروا وقال الكلبي : جعل هذا ابتداء فقال : إن الذين كفروا لن تغنى عنهم كثرة أموالهم ولا كثرة أولادهم من عذاب الله شيئا وخص الأولاد لأنهم أقرب أنسابهم إليهم ( وأولئك أصحاب النار ) ابتداء وخبر وكذا وهم فيها خالدون ) وقد تقدم جميع هذا < < آل عمران : ( 117 ) مثل ما ينفقون . . . . . > > < > ( ال عمران 117 ) < > قوله تعالى : ( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر ) ما تصلح أن تكون مصدرية وتصلح أن تكون بمعنى الذي والعائد محذوف أي مثل ما ينفقونه ومعنى كمثل ريح كمثل مهب ريح قال بن عباس : والصر البرد الشديد قيل : أصله من الصرير الذي هو الصوت فهو صوت الريح الشديدة الزجاج : هو صوت لهب النار التي كانت في تلك الريح وقد تقدم هذا المعنى في البقرة وفي الحديث : إنه نهى عن الجراد الذي قتله الصر ومعنى الآية : مثل نفقة الكافرين في بطلانها وذهابها وعدم منفعتها كمثل زرع أصابه ريح باردة أو نار فأحرقته وأهلكته فلم ينتفع أصحابه بشيء بعد ما كانوا يرجون فائدته ونفعه قال الله تعالى : ( وما ظلمهم الله ) بذلك ( ولكن أنفسهم يظلمون ) بالكفر والمعصية ومنع حق الله تعالى وقيل : ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في غير وقت الزراعة أو في غير موضعها فأدبهم الله تعالى لوضعهم الشيء في غير موضعه حكاه المهدوي < < آل عمران : ( 118 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( ال عمران 118 ) <

قسم V04/P177–V04/P180Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V04/P177–V04/P180)

> فيه ست مسائل : الأولى أكد الله تعالى الزجر عن الركون إلى الكفار وهو متصل بما سبق من قوله : إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب والبطانة مصدر يسمى به الواحد والجمع وبطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره وأصله من البطن الذي هو خلاف الظهر وبطن فلان بفلان يبطن بطونا وبطانة إذا كان خاصا به قال الشاعر : أولئك خلصائي نعم وبطانتي وهم عيبتي من دون كل قريب الثانية نهى الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء يفاوضونهم في الأراء ويسندون إليهم أمورهم ويقال : كل من كان على خلاف مذهبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه قال الشاعر : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدى وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ( وروي عن بن مسعود أنه قال : اعتبروا الناس بإخوانهم ثم بين تعالى المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال : ( لا يألونكم خبالا ) يقول فسادا يعني لا يتركون الجهد في فسادكم يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة على ما يأتي بيانه وروي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى : يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا قال : ( هم الخوارج ( وروى أن أبا موسى الأشعري آستكتب ذميا فكتب إليه عمر يعنفه وتلا عليه هذه الآية وقدم أبو موسى الأشعري على عمر رضي الله عنهما بحساب فرفعه إلى عمر فأعجبه وجاء عمر كتاب فقال لأبي موسى : أين كتابك يقرأ هذا الكتاب على الناس فقال : إنه لا يدخل المسجد فقال : لم أجنب هو قال : إنه نصراني فأنتهره وقال : لا تنهره وقد أقصاهم الله ولا تكرمهم وقد أهانهم الله ولا تأمنهم وقد خونهم الله وعن عمر رضي الله عنه قال : لا تستعملوا أهل الكتاب فإنهم يستحلون الرشا واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالى وقيل لعمر رضي الله عنه : إن ها هنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم أفلا يكتب عنك فقال : لا آخذ بطانة من دون المؤمنين فلا يجوز استكتاب أهل الذمة ولا غير ذلك من تصرفاتهم في البيع والشراء والاستنابة إليهم قلت : وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان بآتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء روى البخارى عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما بعث الله بن نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصم الله تعالى ( وروى أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم غريبا ( فسره الحسن بن أبي الحسن فقال : أراد عليه السلام لاتستشيروا المشركين في شيء من أموركم ولا تنقشوا في خواتيمكم محمدا قال الحسن : وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل : يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم الآية الثالثة قوله تعالى : ( من دونكم ) أي من سواكم قال الفراء : ويعملون عملا دون ذلك أي سوى ذلك وقيل : من دونكم يعني في السير وحسن المذهب ومعنى لا يألونكم خبالا لا يقصرون فيما فيه الفساد عليكم وهو في موضع الصفة ل بطانة من دونكم يقال : لا آلو جهدا أي لا أقصر وألوت ألوا قصرت قال آمرؤ القيس : وما المرء ما دامت حشاشة نفسه بمدرك أطراف الخطوب ولا آل والخبال : الخبل والخبل : الفساد وقد يكون ذلك في الأفعال والأبدان والعقول وفي الحديث : ( من أصيب بدم أو خبل ( أي جرح يفسد العضو والخبل : فساد الأعضاء ورجل خبل ومختبل وخبله الحب أي أفسده قال أوس : أبني لبيني لستم بيد إلا يدا مخبولة العضد أي فاسدة العضد وأنشد الفراء : نظر بن سعد نظرة وبت بها كانت لصحبك والمطي خبالا أي فساد وانتصب خبالا بالمفعول الثاني لأن الألو يتعدى إلى مفعولين وإن شئت على المصدر أي يخبلونكم خبالا : وإن شئت بنزع الخافض أي بالخبال كما قالوا : أوجعته ضربا : وما في قوله : ( ودوا ما عنتم ) مصدرية أي ودوا عنتكم أي ما يشق عليكم والعنت المشقة وقد مضى في البقرة معناه الرابعة قوله تعالى : ( قد بدت البغضاء من أفواههم ) يعني ظهرت العداوة والتكذيب لكم من أفواههم والبغضاء : البغض وهو ضد الحب والبغضاء مصدر مؤنث وخص تعالى الأفواه بالذكر دون الألسنة إشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم في أقوالهم هذه فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه ومن هذا المعنى نهيه عليه السلام أن يشتحي الرجل فاه في عرض أخيه معناه أن يفتح يقال : شحى الحمار فاه بالنهيق وشحى الفم نفسه وشحى اللجام فم الفرس شحيا وجاءت الخيل شواحي : فاتحات أفواهها ولا يفهم من هذا الحديث دليل خطاب على الجواز فيأخذ أحد في عرض أخيه همسا فإن ذلك يحرم باتفاق من العلماء وفي التنزيل ولا يغتب بعضكم بعضا الآية وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ( فذكر الشحو إنما هو إشارة إلى التشدق والآنبساط فآعلم الخامسة وفي هذه الآية دليل على أن شهادة العدو على عدوة لا يجوز وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز وروي عن أبي حنيفة جواز ذلك وحكى بن بطال عن بن شعبان أنه قال : أجمع العلماء على أنه لا تجوز شهادة العدو على عدوه في شيء وإن كان عدلا والعداوة تزيل العدالة فكيف بعداوة كافر السادسة قوله تعالى : ( وما تخفى صدورهم أكبر ) إخبار وإعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم وقرأ عبد الله بن مسعود : قد بدأ البغضاء بتذكير الفعل لما كانت البغضاء بمعنى البغض < <

قسم V04/P180–V04/P182Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V04/P180–V04/P182)

آل عمران : ( 119 ) ها أنتم أولاء . . . . . > > < > ( ال عمران 119 ) < > قوله تعالى : ( ها أنتم أولاء تحبونهم ) يعني المنافقين دليله قوله تعالى : وإذا لقوكم قالوا آمنا قاله أبو العالية ومقاتل والمحبة هنا بمعنى المصافاة أي أنتم أيها المسلمون تصافونهم ولا يصافونكم لنفاقهم وقيل : المعنى تريدون لهم الإسلام وهم يريدون لكم الكفر وقيل : المراد اليهود قاله الأكثر والكتاب اسم جنس قال بن عباس : يعني بالكتب واليهود يؤمنون بالبعض كما قال تعالى : وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه ( وإذا لقوكم قالوا آمنا ) أي بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وإذا خلوا ) فيما بينهم ( عضوا عليكم الأنامل ) يعني أطراف الأصابع ( من الغيظ ) والحنق عليكم فيقول بعضهم لبعض : ألا ترون إلى هؤلاء ظهرواوكثروا والعض عبارة عن شدة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه ومنه قول أبي طالب : يعضون غيظا خلفنا بالأنامل وقال آخر : إذا رأوني أطال الله غيظهم عضوا من الغيظ أطراف الأباهيم يقال : عض يعض عضا وعضيضا والعض ( بضم العين ) : علف دواب أهل الأمصار مثل الكسب والنوى المرضوخ يقال منه : أعض القوم إذا أكلت إبلهم العض وبعير عضاضي أي سمين كأنه منسوب إليه والعض ( بالكسر ) : الداهي من الرجال والبليغ المكر وعض الأنامل من فعل المغضب الذي فاته ما لا يقدر عليه أو نزل به ما لا يقدر على تغييره وهذا العض هو بالأسنان كعض اليد على فائت قريب الفوات وكقرع السن النادمة إلى غير ذلك من عد الحصى والخط في الأرض للمهموم ويكتب هذا العض بالضاد الساقطة وعظ الزمان بالظاء المشالة كما قال : وعظ زمان يا بن مروان لم يدع من المال إلا مسحنا أو مجلف وواحد الأنامل أنملة ( بضم الميم ) ويقال بفتحها والضم أشهر وكان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية قال : هم الأباضية قال بن عطية : وهذه الصفة قد تترتب في كثير من أهل البدع إلى يوم القيامة ) إن قيل : كيف لم يموتوا والله تعالى إذا قال لشيء : كن فيكون قيل عنه جوابان : أحدهما قال فيه الطبري وكثير من المفسرين : هو دعاء عليهم أي قل يا محمد أدام الله غيظكم إلى أن تموتوا فعلى هذا يتجه أن يدعو عليهم بهذا مواجهة وغير مواجهة بخلاف اللعنة الثاني أن المعنى أخبرهم أنهم لا يدركون ما يؤملون فإن الموت دون ذلك فعلى هذا المعنى زال معنى الدعاء وبقي معنى التقريع والإغاظة ويجري هذا المعنى مع قول مسافر بن أبي عمرو : ويتمنى في أرومتنا ونفقأ عين من حسدا وينظر إلى هذا المعنى قوله تعالى : من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع < < آل عمران : ( 120 ) إن تمسسكم حسنة . . . . . > > < > ( ال عمران 120 ) <

قسم V04/P182–V04/P184Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V04/P182–V04/P184)

> قوله تعالى : إن تمسسكم حسنة تسؤهم قرأ السلمي بالياء والباقون بالتاء واللفظ عام في كل ما يحسن ويسوء وما ذكره المفسرون من الخصب والجدب واجتماع المؤمنين ودخول الفرقة بينهم إلى غير ذلك من الأقوال أمثلة وليس بآختلاف والمعنى في الآية : أن من كانت هذه صفته من شدة العداوة والحقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين لم يكن أهلا لأن يتخذ بطانة لا سيما في هذا الأمر الجسيم من الجهاد الذي هو ملاك الدنيا والآخرة ولقد أحسن القائل في قوله : كل العداوة قد ترجى إفاقتها إلا عداوة من عاداك من حسد ( وإن تصبروا ) أي على أذاهم وعلى الطاعة وموالاة المؤمنين ( وتتقوا لايضركم كيدهم شيئا ) يقال : ضاره يضروه ويضيره ضيرا وضورا فشرط تعالى نفي ضررهم بالصبر والتقوى فكان ذلك تسلية للمؤمنين وتقوية لنفوسهم قلت قرأ الحرميان وأبو عمرو لا يضركم من ضار يضير كما ذكرنا ومنه قوله لا ضير وحذفت الياء لألتقاء الساكنين لأنك لما حذفت الضمة من الراء بقيت الراء ساكنة والياء ساكنة فحذفت الياء وكانت أولى بالحذف لأن قبلها ما يدل عليها وحكى الكسائي أنه سمع ضاره يضروه وأجاز لا يضركم وزعم أن في قراءة أبي بن كعب لا يضركم قرأ الكوفيون : لا يضركم بضم الراء وتشديدها من ضر يضر ويجوز أن يكون مرفوعا على تقدير إضمار الفاء والمعنى : فلا يضركم ومنه قول الشاعر : من يفعل الحسنات الله يشكرها هذا قول الكسائي والفراء أو يكون مرفوعا على نية التقديم وأنشد سيبويه : إنك إن يصرع أخوك تصرع أي لا يضركم أن تصبروا وتتقوا ويجوز أن يكون مجزوما وضمت الراء لألتقاء الساكنين على إتباع الضم وكذلك قراءة من فتح الراء على أن الفعل مجزوم وفتح يضركم لألتقاء الساكنين لخفة الفتح رواه أبو زيد عن المفضل عن عاصم حكاه المهدوي وحكى النحاس : وزعم المفضل الضبي عن عاصم لا يضركم بكسر الراء لألتقاء الساكنين < < آل عمران : ( 121 ) وإذ غدوت من . . . . . > > < > ( ال عمران 121 ) < > قوله تعالى : ( وإذا غدوت من أهلك ) العامل في إذ فعل مضمر تقديره : واذكر إذ غدوت يعني خرجت بالصباح ( من أهلك ) من منزلك من عند عائشة ( تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم ) هذه غزوة أحد وفيها نزلت هذه الآية كلها وقال مجاهد والحسن ومقاتل والكلبي : هي غزوة الخندق وعن الحسن أيضا : يوم بدر والجمهور على أنها غزوة أحد يدل عليه قوله تعالى : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا وهذا إنما كان يوم أحد وكان المشركون قصدوا المدينة في ثلاثة آلاف رجل لياخذوا بثأرهم في يوم بدر فنزلوا عند أحد على شفير الوادي بقناة مقابل المدينة يوم الاربعاء الثاني عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة على رأس أحد وثلاثين شهرا من الهجرة فأقاموا هنالك يوم الخميس والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه أن في سيفه ثلمة وأن بقرا له تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة فتأولها أن نفرا من أصحابه يقتلون وأن رجلا من أهل بيته يصاب وأن الدرع الحصينة المدينة أخرجه مسلم فكان كل ذلك على ما هو معروف مشهور من تلك الغزاة وأصل التبوء أتخاذ المنزل بوأته منزلا إذا أسكنته إياه ومنه قوله عليه السلام : ( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ( أي ليتخذ فيها منزلا فمعنى تبوئ المؤمنين تتخذ لهم مصاف وذكر البيهقي من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( رأيت فيما يرى النائم كأني مردف كبشا وكأن ضبة سيفي أنكسرت فأولت أني أقتل كبش القوم وأولت كسر ضبة سيفي قتل رجل من عترتي ( فقتل حمزة وقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة وكان صاحب اللواء وذكر موسى بن عقبة عن بن شهاب : وكان حامل لواء المهاجرين رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنا عاصم إن شاء الله لما معي فقال له طلحة بن عثمان أخو سعيد بن عثمان اللخمي : هل لك يا عاصم في المبارزة قال نعم فبدره ذلك الرجل فضرب بالسيف على رأس طلحة حتى وقع السيف في لحيته فقتله فكان قتل صاحب اللواء تصديقا لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كأني مردف كبشا < <

قسم V04/P184Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V04/P184)

آل عمران : ( 122 ) إذ همت طائفتان . . . . . > > < > ( ال عمران 122 ) <

قسم V04/P184–V04/P189Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V04/P184–V04/P189)

> العامل في إذ تبوئ أو سميع عليم والطائفتان : بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس وكانا جناحي العسكر يوم أحد ومعنى ( أن تفشلا ) أن تجبنا وفي البخاري عن جابر قال : فينا نزلت ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ) قال : نحن الطائفتان : بنو حارثة وبنو سلمة وما نحب أنها لم تنزل لقول الله عز وجل : ( والله وليهما ) وقيل هم بنو الح ارث وبنو الخزرج وبنو النبيت والنبيت هو عمرو بن مالك من بني الأوس والفشل عبارة عن الجبن وكذلك هو في اللغة والهم من الطائفتين كان بعد الخروج لما رجع عبد الله بن أبي بمن معه من المنافقين فحفظ الله قلوبهم فلم يرجعوا فذلك قوله تعالى : والله وليهما يعني حافظ قلوبهما عن تحقيق هذا الهم وقيل : أرادوا التقاعد عن الخروج وكان ذلك صغيرة منهم وقيل : كان ذلك حديث نفس منهم خطر ببالهم فأطلع الله نبيه عليه السلام عليه فآزدادوا بصيرة ولم يكن ذلك الخور مكتسبا لهم فعصمهم الله وذم بعضهم بعضا ونهضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أطل على المشركين وكان خروجه من المدينة في ألف فرجع عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلاثمائة رجل مغاضبا إذ خولف رأيه حين أشار بالقعود والقتال في المدينة إن نهض إليهم العدو وكان رأيه وافق رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى ذلك أكثر الأنصار وسيأتي ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين فاستشهد منهم من أكرمه الله بالشهادة قال مالك رحمه الله : قتل من المهاجرين يوم أحد أربعة ومن الأنصار سبعون رضي الله عنهم والمقاعد : جمع مقعد وهو مكان القعود وهذا بمنزلة مواقف ولكن لفظ القعود دال على الثبوت ولا سيما أن الرماة كانوا قعودا هذا معنى حديث غزاة أحد على الأختصار وسيأتي من تفصيلها مافيه شفاء وكان مع المشركين يومئذ مائة فرس عليها خالد بن الوليد ولم يكن مع المسلمين يومئذ فرس وفيها جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر وهشمت البيضة من على رأسه صلى الله عليه وسلم وجزاه عن أمته ودينه بأفضل ماجزى به نبيا من أنبيائه على صبره وكان الذي تولى ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن قميئة الليثي وعتبة بن أبي وقاص وقد قيل : إن عبد الله بن شهاب جد الفقيه محمد بن مسلم بن شهاب هو الذي شج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبهته قال الواقدي : والثابت عندنا أن الذي رمى في وجه النبي صلى الله عليه وسلم بن قميئة والذي أدمى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص قال الواقدي بإسناده عن نافع بن جبير قال : سمعت رجلا من المهاجرين يقول : شهدت أحدا فنظرت إلى النبل تأتي من كل ناحية ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها كل ذلك يصرف عنه ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ : دلوني على محمد دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد ثم جاوزه فعاتبه في ذلك صفوان فقال : والله ما رأيته أحلف بالله إنه منا ممنوع خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إلى ذلك وأكبت الحجارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سقط في حفرة كان أبو عامر الراهب قد حفرها مكيدة للمسلمين فخر عليه السلام على جنبه واحتضنه طلحة حتى قام ومص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم وتشبثت حلقتان من درع المغفر في وجهه صلى الله عليه وسلم فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما بثنيتيه فسقطتا فكان أهتم بزينة هتمه رضي الله عنه وفي هذه الغزاة قتل حمزة رضي الله عنه قتله وحشي وكان وحشي مملوكا لجبير بن مطعم وقد كان جبير قال له : إن قتلت محمدا جعلنا لك أعنة الخيل وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب جعلنا لك مائة ناقة كلها سود الحدق وإن أنت قتلت حمزة فأنت حر فقال وحشي : أما محمد فعليه حافظ من الله لا يخلص إليه أحد وأما علي ما برز إليه أحد إلا قتله وأما حمزة فرجل شجاع وعسى أن أصادفه فأقتله وكانت هند كلما تهيأ وحشي أو مرت به قالت : إيها أبا دسمة آشف واستشف فكمن له خلف صخرة وكان حمزة حمل على القوم من المشركين فلما رجع من حملته ومر بوحشي زرقه بالمزراق فأصابه فسقط ميتا رحمه الله ورضى عنه قال بن إسحاق : فبقرت هند عن كبد حمزة فلاكتها ولم تستطع أن تسيغها فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت : نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لي من صبر ولا اخي وعمه وبكري شفيت نفسي وقضيت نذري شفيت وحشي غليل صدري فشكر وحشي على عمري حتى ترم أعظمي في قبري فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن عبد المطلب فقالت : خزيت في بدر وبعد بدر يا بنت وقاع عظيم الكفر صبحك الله غداة الفجر ملهاشميين الطوال الزهر بكل قطاع حسام يف ري حمزة ليثي وعلى صقري إذ رام شيب وأبوك غدري فخضبا منه ضواحي النحر ونذرك السوء فشر نذر وقال عبد الله بن رواحة يبكي حمزة رضي الله عنه : بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل على أسد الإله غداة قالوا أحمزة ذاكم الرجل القتيل أصيب المسلمون به جميعا هناك وقد أصيب به الرسول أبا يعلى لك الأركان هدت وأنت الماجد البر الوصول عليك سلام ربك في جنان مخالطها نعيم لايزول ألا يا هاشم الأخيار صبرا فكل فعالكم حسن جميل رسول الله مصطبر كريم بأمر الله ينطق إذ يقول ألا من مبلغ عني لؤيا فبعد اليوم دائلة تدول وقبل اليوم ماعرفوا وذاقوا وقائعنا بها يشفي الغليل نسيتم ضربنا بقليب بدر غداة أتاكم الموت العجيل غداة ثوى أبو جهل صريعا عليه الطير حائمة تجول وعتبة وابنه خرا جميعا وشيبة عضه السيف الصقيل ومتر كنا أمية مجلعبا وفي حيزومه لدن نبيل وهام بني ربيعة سائلوها ففي أسيافنا منها فلول ألا ياهند لاتبدي شماتا بحمزة إن عزكم ذليل ألا ياهند فابكي لاتملي فأنت الواله العبري الهبول ورثته أيضا أخته صفية وذلك مذكور في السيرة رضي الله عنهم أجمعين قوله تعالى : ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) فيه مسألة واحدة وهي بيان التوكل والتوكل في اللغة إظهار العجز والأعتماد على الغير وواكل فلان إذا ضيع أمره متكلا على غيره واختلف العلماء في حقيقة التوكل فسئل عنه سهل بن عبد الله فقال : قالت فرقة الرضا بالضمان وقطع الطمع من المخلوقين وقال قوم : التوكل ترك الأسباب والركون إلى مسبب الأسباب فإذا شغله السبب عن المسبب زال عنه أسم التوكل قال سهل : من قال إن التوكل يكون بترك السبب فقد طعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله عز وجل يقول : فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا فالغنيمة آكتساب وقال تعالى : فآضربوا فوق الأعناق وآضربوا منهم كل بنان فهذا عمل وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله يحب العبد المحترف ( وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرضون على السرية وقال غيره : وهذا قول عامة الفقهاء وأن التوكل على الله هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض وآتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في السعي فيما لا بد منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرز من عدو وإعداد الأسلحة وآستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة وإلى هذا ذهب محققو الصوفية لكنه لا يستحق آسم التوكل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب والألتفات إليها بالقلوب فإنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا بل السبب والمسبب فعل الله تعالى والكل منه وبمشيئته ومتى وقع من المتوكل ركون إلى تلك الأسباب فقد انسلخ عن ذلك الأسم ثم المتوكلون على حالين : الأول حال المتمكن في التوكل فلا يلتفت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه ولا يتعاطاه إلا بحكم الأمر الثاني حال غير المتمكن وهو الذي يقع له الألتفات إلى تلك الأسباب أحيانا غير أنه يدفعها عن نفسه بالطرق العلمية والبراهين القطعية والأذواق الحالية فلا يزال كذلك إلى أن يرقيه الله بجوده إلى مقام المتوكلين المتمكنين ويلحقه بدرجات العارفين < <

قسم V04/P189Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V04/P189)

آل عمران : ( 123 ) ولقد نصركم الله . . . . . > > < > ( ال عمران 123 : 125 ) <

قسم V04/P189–V04/P197Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V04/P189–V04/P197)

> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولقد نصركم الله ببدر ) كانت بدر يوم سبعة عشر من رمضان يوم جمعة لثمانية عشر شهرا من الهجرة وبدر ماء هنالك وبه سمي الموضع وقال الشعبي : كان ذلك الماء لرجل من جهينة يسمى بدرا وبه سمي الموضع والأول أكثر وقال الواقدي وغيره : بدر آسم لموضع غير منقول وسيأتي في قصة بدر في الأنفال إن شاء الله تعالى وأذلة ) معناها قليلون وذلك أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلا وكان عددهم ما بين التسعمائة إلى الألف وأذلة جمع ذليل واسم الذل في هذا الموضع مستعار ولم يكونوا في أنفسهم إلا أعزة ولكن نسبتهم إلى عدوهم وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض تقتضي عند التأمل ذلتهم وأنهم يغلبون والنصر العون فنصرهم الله يوم بدر وقتل فيه صناديد المشركين وعلى ذلك اليوم أبتنى الإسلام وكان أول قتال قاتله النبي صلى الله عليه وسلم وفي صحيح مسلم عن بريدة قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوة قاتل في ثمان منهن وفيه عن بن إسحاق قال : لقيت زيد بن أرقم فقلت له : كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تسع عشرة غزوة فقلت : فكم غزوت أنت معه فقال : سبع عشرة غزوة قال فقلت : فما أول غزوة غزاها قال : ذات العسير أو العشير وهذا كله مخالف لما عليه أهل التواريخ والسير قال محمد بن سعد في كتاب الطبقات له : إن غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع وعشرون غزوة وسراياه ست وخمسون وفي رواية ست وأربعون والتي قاتل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد والمريسيع والخندق وخيبر وقريظة والفتح وحنين والطائف قال بن سعد : هذا الذي اجتمع لنا عليه وفي بعض الروايات أنه قاتل في بني النضير وفي وادي القرى منصرفه من خيبر وفي الغابة وإذا تقرر هذا فنقول : زيد وبريدة إنما أخبر كل واحد منهما بما في علمه أو شاهده وقول زيد : إن أول غزاة غزاها ذات العشيرة مخالف أيضا لما قال أهل التواريخ والسير قال محمد بن سعد : كان قبل غزوة العشيرة ثلاث غزوات يعني غزاها بنفسه وقال بن عبد البر في كتاب الدرر في المغازي والسير أول غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة ودان غزاها بنفسه في صفر وذلك أنه وصل إلى المدينة لأثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول أقام بها بقية ربيع الأول وباقي العام كله إلى صفر من سنة اثنتين من الهجرة : ثم خرج في صفر المذكور واستعمل على المدينة سعد بن عبادة حتى بلغ ودان فوادع بني ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا وهي المسماة بغزوة الأبواء ثم أقام بالمدينة إلى شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة ثم خرج فيها واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون حتى بلغ بواط من ناحية رضوى ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا ثم أقام بها بقية ربيع الآخر وبعض جمادى الأولى ثم خرج غازيا واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد وأخذ على طريق ملك إلى العشيرة قلت : ذكر بن إسحاق عن عمار بن ياسر قال : كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن ينبع فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بها شهرا فصالح بها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة فوادعهم فقال لي علي بن أبي طالب : هل لك أبا اليقظان أن تأتي هؤلاء نفر من بني مدلج يعملون في عين لهم ننظر كيف يعملون فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة ثم غشينا النوم فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء من الأرض فنمنا فيه فوالله ما أهبنا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدمه فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : ( ما بالك ياأبا تراب ( فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال : ( ألا أخبركم بأشقى الناس رجلين ( قلنا : بلى يارسول الله فقال : ( أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضر بك يا علي على هذه ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسه حتى يبل منها هذه ( ووضع يده على لحيته فقال أبو عمر : فأقام بها بقية جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة ووادع فيها بني مدلج ثم رجع ولم يلق حربا ثم كانت بعد ذلك غزوة بدر الأولى بأيام قلائل هذا الذي لا يشك فيه أهل التواريخ والسير فزيد بن أرقم إنما أخبر عما عنده والله أعلم ويقال : ذات العسير بالسين والشين ويزاد عليها هاء فيقال : العشيرة ثم غزوة بدر الكبرى وهي أعظم المشاهد فضلا لمن شهدها وفيها أمد الله بملائكته نبيه والمؤمنين في قول جماعة العلماء وعليه يدل ظاهر الآية لا في يوم أحد ومن قال : إن ذلك كان يوم أحد جعل قوله تعالى : ولقد نصركم الله ببدر إلى قوله : تشكرون اعتراضا بين الكلامين هذا قول عامر الشعبي وخالفه الناس و تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت ومن ذلك قول أبي أسيد بن مالك بن ربيعة وكان شهيد بدر : لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أمتري رواه عقيل عن الزهري عن أبي حازم سلمة بن دينار قال بن أبي حاتم : لا يعرف للزهري عن أبي حازم غير هذا الحديث الواحد وأبو أسيد يقال إنه آخر من مات من أهل بدر ذكره أبو عمر في الاستيعاب وغيره وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال : لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه : ( اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ( فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله عز وجل : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين فأمده الله تعالى بالملائكة قال أبو زميل : فحدثني بن عباس قال : بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامة إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول : أقدم حيزوم فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فأخضر ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة ( فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين وذكر الحديث وسيأتي تمامه في آخر الأنفال إن شاء الله تعالى فتظاهرت السنة والقرآن على ما قاله الجمهور والحمد لله وعن خارجة بن إبراهيم عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل : ( من القائل يوم بدر من الملائكة أقدم حيزوم ( فقال جبريل : ( يا محمد ما كل أهل السماء أعرف ( وعن علي رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال : بينا أنا أمتح من قليب بدر جاءت ريحا شديدة لم أر مثلها قط ثم ذهبت ثم جاءت ريح شديدة لم أر مثلها قط إلا التي كانت قبلها قال : وأظنه ذكر : ثم جاءت ريح شديدة فكانت الريح الأولى جبريل نزل في ألف من الملائكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر عن يمينه وكانت الريح الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال : لقد رأيتنا يوم بدر وأن أحدنا يشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه وعن الربيع بن أنس قال : كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به ذكر جميعه البيهقي رحمه الله وقال بعضهم : إن الملائكة كانوا يقاتلون وكانت علامة ضربهم في الكفار ظاهرة لأن كل موضع أصابت ضربتهم اشتعلت النار في ذلك الموضع حتى أن أبا جهل قال لابن مسعود : أنت قتلتني إنما قتلني الذي لم يصل سناني إلى سنبك فرسه وإن اجتهدت وإنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة لتسكين قلوب المؤمنين ولأن الله تعالى جعل أولئك الملائكة مجاهدين إلى يوم القيامة فكل عسكر صبر واحتسب تأتيهم الملائكة ويقاتلون معهم وقال بن عباس ومجاهد : لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر وفيما سوى ذلك يشهدون ولا يقاتلون إنما يكونون عددا أو مددا وقال بعضهم : إنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة أنهم كانوا يدعون ويسبحون ويكثرون الذين يقاتلون يومئذ فعلى هذا لم تقاتل الملائكة يوم بدر وإنما حضروا للدعاء بالتثبيت والأول أكثر قال قتادة : كان هذا يوم بدر أمدهم الله بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف فذلك قوله تعالى : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وقوله : ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين وقوله : بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين فصبر المؤمنون يوم بدر واتقوا الله فأمدهم الله بخمسة آلاف من الملائكة على ما وعدهم فهذا كله يوم بدر وقال الحسن : فهؤلاء الخمسة آلاف ردء للمؤمنين إلى يوم القيامة قال الشعبي : بلغ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين فأنزل الله تعالى ( ألن يكفيكم إلى قوله : مسومين ) فبلغ كرزا الهزيمة فلم يمدهم ورجع فلم يمدهم الله أيضا بالخمسة آلاف وكانوا قد مدوا بألف وقيل : إنما وعد الله المؤمنين يوم بدر إن صبروا على طاعته وآتقوا محارمه أن يمدهم أيضا في حروبهم كلها فلم يصبروا ولم يتقوا محارمه إلا في يوم الأحزاب فأمدهم حين حاصروا قريظة وقيل : إنما كان هذا يوم أحد وعدهم الله المدد إن صبروا فما صبروا فلم يمدهم بملك واحد ولو أمدوا لما هزموا قاله عكرمة والضحاك فإن قيل : فقد ثبت عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن يساره يوم بدر رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد قيل له : لعل هذا مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم خصه بملكين يقاتلان عنه ولا يكون هذا إمدادا للصحابة والله أعلم الثانية نزول الملائكة سبب من أسباب النصر لا يحتاج إليه الرب تعالى وإنما يحتاج إليه المخلوق فليعلق القلب بالله وليثق به فهو الناصر بسبب وبغير سبب إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون لكن أخبر بذلك ليتمثل الخلق ما أمرهم به من الأسباب التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا يقدح ذلك في التوكل وهو رد على من قال : إن الأسباب إنما سنت في حق الضعفاء لا للأقوياء فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا الأقوياء وغيرهم هم الضعفاء وهذا واضح ومد في الشر وأمد في الخير وقد تقدم في البقرة وقرأ أبو حيوة منزلين بكسر الزاي مخففا يعني منزلين النصر وقرأ بن عامر مشددة الزاي مفتوحة على التكثير ثم قال : ( بلى ) وتم الكلام ( وإن تصبروا ) شرط أي على لقاء العدو ( وتتقوا ) عطف عليه أي معصيته والجواب ( يمددكم ) ومعنى من فورهم من وجههم هذا عن عكرمة وقتادة والحسن والربيع والسدي وبن زيد وقيل : من غضبهم عن مجاهد والضحاك كانوا قد غضبوا يوم أحد ليوم بدر مما لقوا وأصل الفور القصد إلى الشيء والأخذ فيه بجد وهو من قولهم : فارت القدر تفور فورا وفورانا إذا غلت والفور الغليان وفار غضبه إذا جاش وفعله من فوره أي قبل أن يسكن والفوارة ما يفور من القدر وفي التنزيل وفار التنور قال الشاعر : تفور علينا قدرهم فنديمها الثالثة قوله تعالى : ( مسومين ) بفتح الواو اسم مفعول وهي قراءة بن عامر وحمزة والكسائي ونافع أي معلمين بعلامات ومسومين بكسر الواو اسم فاعل وهي قراءة أبي عمرو وبن كثير وعاصم فيحتمل من المعنى ماتقدم أي قد أعلموا أنفسهم بعلامة وأعلموا خيلهم ورجح الطبري وغيره هذه القراءة وقال كثير من المفسرين : مسومين أي مرسلين خيلهم في الغارة وذكر المهدوي هذا المعنى في مسومين بفتح الواو أي أرسلهم الله تعالى على الكفار وقاله بن فورك أيضا وعلى القراءة الأولى اختلفوا في سيما الملائكة فروي عن علي بن أبي طالب وبن عباس وغيرهما أن الملائكة اعتمت بعمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم ذكره البيهقي عن بن عباس وحكاه المهدوي عن الزجاج إلا جبريل فإنه كان بعمامة صفراء على مثال الزبير بن العوام وقاله بن إسحاق وقال الربيع : كانت سيماهم أنهم كانوا على خيل بلق قلت : ذكر البيهقي عن سهيل بن عمرو رضي الله عنه قال : لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض معلمين يقتلون ويأسرون فقوله : معلمين دل على أن الخيل البلق ليست السيما والله أعلم وقال مجاهد : كانت خيلهم مجزوزة الأذناب والأعراف معلمة النواصي والأذناب بالصوف والعهن وروي عن بن عباس : تسومت الملائكة يوم بدر بالصوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها وقال عباد بن عبد الله بن الزبير وهشام بن عروة والكلبي : نزلت الملائكة في سيما الزبير عليهم عمائم صفر مرخاة على أكتافهم وقال ذلك عبد الله وعروة ابنا الزبير وقال عبد الله : كانت ملاءة صفراء أعتم بها الزبير رضي الله عنه قلت : ودلت الآية وهي الرابعة على اتخاذ الشارة والعلامة للقبائل والكتائب يجعلها السلطان لهم لتتميز كل قبيلة وكتيبة من غيرها عند الحرب وعلى فضل الخيل البلق لنزول الملائكة عليها قلت : ولعلها نزلت عليها موافقة لفرس المقداد فإنه كان أبلق ولم يكن لهم فرس غيره فنزلت الملائكة على الخيل البلق إكراما للمقداد كما نزل جبريل معتجرا بعمامة صفراء على مثال الزبير والله أعلم ودلت الآية أيضا وهي الخامسة على لباس الصوف وقد لبسه الأنبياء والصالحون وروى أبو داود وبن ماجه واللفظ له عن أبي بردة عن أبيه قال قال لي أبي : لو شهدتنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصابتنا السماء لحسبت أن ريحنا ريح الضأن ولبس صلى الله عليه وسلم جبة رومية من صوف ضيقة الكمين رواه الأئمة ولبسها يونس عليه السلام رواه مسلم وسيأتي لهذا المعنى مزيد بيان في النحل إن شاء الله تعالى السادسة قلت : وأما ماذكره مجاهد من أن خيلهم كانت مجزوزة الأذناب والأعراف فبعيد فإن في مصنف أبي داود عن عتبة بن عبد السلمي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لاتقصوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا أذنابها فإن أذنابها مذابها ومعارفها دفاؤها ونواصيها معقود فيها الخير ( فقول مجاهد يحتاج إلى توقيف من أن خيل الملائكة كانت على تلك الصفة والله أعلم ودلت الآية على حسن الأبيض والأصفر من الألوان لنزول الملائكة بذلك وقد قال بن عباس : من لبس نعلا أصفر قضيت حاجته وقال عليه السلام : ( البسوا من ثيابكم البياض فإنه من خير ثيابكم وكفنوا فيه موتاكم وأما العمائم فتيجان العرب ولباسها ( وروى ركانة وكان صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم قال ركانة : وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس ( أخرجه أبو داود قال البخاري : إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضه من بعض < <

قسم V04/P197–V04/P198Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V04/P197–V04/P198)

آل عمران : ( 126 ) وما جعله الله . . . . . > > < > ( ال عمران 126 : 127 ) < > قوله تعالى : ( وما جعله الله إلا بشرى لكم ) الهاء للمدد وهو الملائكة أو الوعد أو الإمداد ويدل عليه يمددكم أو للتسويم أو للإنزال أو العدد على المعنى لأن خمسة آلاف عدد ( ) اللام لام كي أي ولتطمئن قلوبكم به جعله كقوله : وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا فصلت أي وحفظا لها جعل ذلك ( وما النصر إلا من عند الله ) يعني نصر المؤمنين ولا يدخل في ذلك نصر الكافرين لأن ما وقع لهم من غلبة إنما هو إملاء محفوف بخذلان وسوء عاقبة وخسران ( ليقطع طرفا من الذين كفروا ) أي بالقتل ونظم الآية : ولقد نصركم الله ببدر ليقطع وقيل : المعنى وما النصر إلا من عند الله ليقطع ويجوز أن يكون متعلقا ب يمددكم أي يمددكم ليقطع والمعنى : من قتل من المشركين يوم بدر عن الحسن وغيره السدي : يعني به من قتل من المشركين يوم أحد وكانوا ثمانية عشر رجلا ومعنى ( يكبتهم ) يحزنهم والمكبوت المحزون وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي طلحة فرأى ابنه مكبوتا فقال : ( ماشأنه ( فقيل : مات بعيره وأصله فيما ذكر بعض أهل اللغة يكبدهم أي يصيبهم بالحزن والغيظ في أكبادهم فأبدلت الدال تاء كما قلبت في سبت رأسه وسبده أي حلقه كبت الله العدو كبتا إذا صرفه وأذله كبده أصابه في كبده يقال : قد أحرق الحزن كبده وأحرقت العداوة كبده وتقول العرب للعدو : أسود الكبد قال الأعشى : فما أجشمت من إتيان قوم هم الأعداء والأكباد سود كأن الأكباد لما احترقت بشدة العداوة اسودت وقرأ أبو مجلز أو يكبدهم بالدال والخائب : المنقطع الأمل خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب والخياب : القدح لايورى قوله تعالى : < < آل عمران : ( 128 ) ليس لك من . . . . . > > < > ( ال عمران 128 : 129 ) <

قسم V04/P198–V04/P201Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V04/P198–V04/P201)

> فيه ثلاث مسائل : الأولى ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه فجعل يسلت الدم عنه ويقول : ( كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله تعالى ( فأنزل الله تعالى ( ليس لك من الأمر شيء ) الضحاك : هم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو على المشركين فأنزل الله تعالى : ليس لك من الأمر شيء وقيل : استأذن في أن يدعو في استئصالهم فلما نزلت هذه الآية علم أن منهم من سيسلم وقد آمن كثير منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم وروى الترمذي عن بن عمر قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على أربعة نفر فأنزل الله عز وجل ليس لك من الأمر شيء فهداهم الله للإسلام وقال : هذا حديث حسن غريب صحيح وقوله تعالى : ( أو يتوب عليهم ) قيل : هو معطوف على ليقطع طرفا والمعنى : ليقتل طائفة منهم أو يحزنهم بالهزيمة أو يتوب عليهم أو يعذبهم وقد تكون أو ها هنا بمعنى حتى وإلا أن قال امرؤ القيس : أو نموت فنعذرا قال علماؤنا : قوله عليه السلام : ( كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم ( استبعاد لتوفيق من فعل ذلك به وقوله تعالى : ليس لك من الأمر شيء تقريب لما استبعده وإطماع في إسلامهم ولما أطمع في ذلك قال صلى الله عليه وسلم : اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون كما في صحيح مسلم عن بن مسعود قال : كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول : ( رب أغفر لقومي فإنهم لايعلمون ( قال علماؤنا : فالحاكي في حديث بن مسعود هو الرسول عليه الصلاة والسلام وهو المحكى عنه بدليل ماقد جاء صريحا مبينا أنه عليه الصلاة والسلام لما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه شقا شديدا وقالوا : لو دعوت عليهم فقال : ( إني لم أبعث لعانا ولكني بعثت داعيا ورحمة اللهم أغفر لقومي فإنهم لايعلمون ( فكأنه عليه السلام أوحي إليه بذلك قبل وقوع قضية أحد ولم يعين له ذلك النبي فلما وقع له ذلك تعين أنه المعنى بذلك بدليل ما ذكرنا وبينه أيضا ما قاله عمر له في بعض كلامه : بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد دعا نوح على قومه فقال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا نوح الآية ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا فقد وطىء ظهرك وأدمى وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا فقلت : ( رب أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ( وقوله : اشتد غضب الله على قوم كسروا رباعية نبيهم يعني بذلك المباشر لذلك وقد ذكرنا اسمه على اختلاف في ذلك وإنما قلنا إنه خصوص في المباشر لأنه قد أسلم جماعة ممن شهد أحدا وحسن إسلامهم الثانية زعم بعض الكوفيين أن هذه الآية ناسخة للقنوت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله بعد الركوع في الركعة الأخيرة من الصبح واحتج بحديث بن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في صلاة الفجر بعد رفع رأسه من الركوع فقال : ( اللهم ربنا ولك الحمد في الآخرة ثم قال اللهم العن فلانا وفلانا ( فأنزل الله عز وجل ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم الآية أخرجه البخاري وأخرجه مسلم أيضا من حديث أبي هريرة أتم منه وليس هذا موضع نسخ وإنما نبه الله تعالى على نبيه على أن الأمر ليس إليه وأنه لا يعلم من الغيب شيئا إلا ما أعلمه وأن الأمر كله لله يتوب على من يشاء ويعجل العقوبة لمن يشاء والتقدير : ليس لك من الأمر شيء ولله ما في السماوات وما في الأرض دونك ودونهم يغفر لمن يشاء ويتوب على من يشاء فلا نسخ والله أعلم وبين بقوله : ليس لك من الأمر شيء أن الأمور بقضاء الله وقدره ردا على القدرية وغيرهم الثالثة واختلف العلماء في القنوت في صلاة الفجر وغيرها فمنع الكوفيون منه في الفجر وغيرها وهو مذهب الليث ويحيى بن يحيى الليثي الأندلسي صاحب مالك وأنكره الشعبي وفي الموطأ عن بن عمر : أنه كان لا يقنت في شيء من الصلاة وروى النسائي أنبأنا قتيبة عن خلف عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقنت وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت وصليت خلف عمر فلم يقنت وصليت خلف عثمان فلم يقنت وصليت خلف علي فلم يقنت ثم قال : يا بني إنها بدعة وقيل : يقنت في الفجر دائما وفي سائر الصلوات إذا نزل بالمسلمين نازلة قاله الشافعي والطبري وقيل : هو مستحب في صلاة الفجر وروى عن الشافعي وقال الحسن وسحنون : إنه سنة وهو مقتضى رواية علي بن زياد عن مالك بإعادة تاركه للصلاة عمدا وحكى الطبري الإجماع على أن تركه غير مفسد للصلاة وعن الحسن : في تركه سجود السهو وهو أحد قولي الشافعي وذكر الدارقطني عن سعيد بن عبد العزيز فيمن نسي القنوت في صلاة الصبح قال : يسجد سجدتي السهو واختار مالك قبل الركوع وهو قول إسحاق وروى أيضا عن مالك بعد الركوع وروي عن الخلفاء الأربعة وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق أيضا وروي عن جماعة من الصحابة التخيير في ذلك وروى الدارقطني بإسناد صحيح عن أنس أنه قال : ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا وذكر أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر إذ جاءه جبريل فأومأ إليه أن آسكت فسكت فقال : ( يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ( قال : ثم علمه هذا القنوت فقال : ( اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخنع لك ونخلع ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد إن عذابك بالكافرين ملحق < <

%0
10 Bölüm

الأسئلة