النساء : ( 32 ) ولا تتمنوا ما . . . . . > > < > ( النساء 32 ) <
Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي · AR
> فيه أربع مسائل : الأولى روى الترمذي عن أم سلمة أنها قالت : يغزو الرجال ولا يغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله تعالى ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض قال مجاهد : وأنزل فيها إن المسلمين والمسلمات وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة قال أبو عيسى : هذا حديث مرسل ورواه بعضهم عن إبن أبي نجيح عن مجاهد مرسل أن أم سلمة قالت كذا وقال قتادة : كان الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان فلما ورثوا وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين تمنى النساء أن لو جعل أنصباؤهن كأنصباء الرجال وقال الرجال : إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث فنزلت ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض الثانية قوله تعالى : ( ولا تتمنوا ) التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي فنهى الله سبحانه المؤمنين عن التمني لأن فيه تعلق البال ونسيان الأجل وقد اختلف العلماء هل يدخل في هذا النهي الغبطة وهي أن يتمنى الرجل أن يكون له حال صاحبه وإن لم يتمن زوال حاله والجمهور على إجازة ذلك : مالك وغيره وهي المراد عند بعضهم في قوله عليه السلام ( لا حسد إلا في إثنتين : رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ( فمعنى قوله : ( لا حسد ( أي لا غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في هذين الأمرين وقد نبه البخاري على هذا المعنى حيث بوب على هذا الحديث ( باب الإغتباط في العلم والحكمة ) قال المهلب : بين الله تعالى في هذه الآية ما لا يجوز تمنيه وذلك ما كان من عرض الدنيا وأشباهها قال إبن عطية : وأما التمني في الأعمال الصالحة فذلك هو الحسن وأما إذا تمنى المرء على الله من غير أن يقرن أمنيته بشئ مما قدمنا ذكره فذلك جائز وذلك موجود في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( وددت أن أحيا ثم أقتل ( قلت : هذا الحديث هو الذي صدر به البخاري كتاب التمني في صحيحه وهو يدل على تمني الخير وأفعال البر والرغبة فيها وفيه فضل الشهادة على سائر أعمال البر لأنه عليه السلام تمناها دون غيرها وذلك لرفيع منزلتها وكرامة أهلها فرزقه الله إياها لقوله : ( ما زالت أكلة خيبر تعادني الآن أوان قطعت أبهري ( وفي الصحيح : ( إن الشهيد يقال له تمن فيقول أتمنى أن أرجع إلى الدنيا حتى أقتل في سبيلك مرة أخرى ( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمنى إيمان أبي طالب و ] إيمان [ أبي لهب وصناديد قريش مع علمه بأنه لا يكون وكان يقول : ( واشوقاه إلى إخواني الذين يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ( وهذا كله يدل على أن التمني لا ينهى عنه إذا لم يكن داعية إلى الحسد والتباغض والتمني المنهي عنه في الآية من هذا القبيل فيدخل فيه أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر وسواء تمنيت مع ذلك أن يعود إليك أولا وهذا هو الحسد بعينه وهو الذي ذمه الله تعالى بقوله : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ويدخل فيه أيضا خطبة الرجل على خطبة أخيه وبيعه على بيعه لأنه داعية الحسد والمقت وقد كره بعض العلماء الغبطة وأنها داخلة في النهي والصحيح جوازها على ما بينا وبالله توفيقنا وقال الضحاك : لا يحل لأحد أن يتمنى مال أحد ألم تسمع الذين قالوا : يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إلى أن قال : وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس حين خسف به وبداره وبأمواله لولا أن من الله علينا لخسف بنا وقال الكلبي : لا يتمن الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه ولا دابته ولكن ليقل : اللهم أرزقني مثله وهو كذلك في التوراة وكذلك قوله في القرآن وأسألوا الله من فضله وقال إبن عباس : نهى الله سبحانه أن يتمنى الرجل مال فلان وأهله وأمر عباده المؤمنين أن يسالوه من فضله ومن الحجة للجمهور قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الدنيا لأربعة نفر : رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل به رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء ( الحديث وقد تقدم خرجه الترمذي وصححه وقال الحسن : لا يتمن أحدكم المال وما يدريه لعل هلاكه فيه وهذا إنما يصح إذا تمناه للدنيا وأما إذا تمناه للخير فقد جوزه الشرع فيتمناه العبد ليصل به إلى الرب ويفعل الله ما يشاء الثالثة قوله تعالى : ( للرجال نصيب مما اكتسبوا ) يريد من الثواب والعقاب ( وللنساء ) كذلك قاله قتادة فللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها كما للرجال وقال إبن عباس : المراد بذلك الميراث والإكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة للذكر مثل حظ الأنثيين فنهى الله عزوجل عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد ولأن الله تعالى أعلم بمصالحهم منهم فوضع القسمة بينهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم الرابعة قوله تعالى : ( واسألوا الله من فضله ) روى الترمذي عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل وأفضل العبادة إنتظار الفرج ( وخرج أيضا إبن ماجه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من لم يسأل الله يغضب عليه ( وهذا يدل على أن الأمر بالسؤال لله تعالى واجب وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه فقال : الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب وقال أحمد بن المعذل أبو الفضل الفقيه المالكي فأحسن : التمس الأرزاق عند الذي ما دونه إن سيل من حاجب من يبغض التارك تسأله جودا ومن يرضى عن الطالب ومن إذا قال جرى قوله بغير توقيع إلى كاتب وقد أشبعنا القول في هذا المعنى في كتاب قمع الحرص بالزهد والقناعة وقال سعيد إبن جبير : وأسألوا الله من فضله العبادة ليس من أمر الدنيا وقيل : سلوه التوفيق للعمل بما يرضيه وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : سلوا ربكم حتى الشبع فإنه إن لم ييسره الله عزوجل لم يتيسر وقال سفيان بن عيينة : لم يأمر بالسؤال إلا ليعطى وقرأ الكسائي وإبن كثير : وسلوا الله من فضله بغير همز في جميع القرآن الباقون بالهمز وأسألوا الله وأصله بالهمز إلا أنه حذفت الهمزة للتخفيف والله أعلم < <
النساء : ( 33 ) ولكل جعلنا موالي . . . . . > > < > ( النساء 33 ) <
> فيه خمس مسائل : الأولى بين تعالى أن لكل إنسان ورثة وموالي فلينتفع كل واحد بما قسم الله له من الميراث ولا يتمن مال غيره وروى البخاري في كتاب الفرائض من رواية سعيد بن جبير عن إبن عباس : ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم قال : كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصاري المهاجري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت ولكل جعلنا موالي قال : نسختها والذين عاقدت أيمانكم قال أبو الحسن بن بطال : وقع في جميع النسخ ولكل جعلنا موالي قال : نسختها والذين عاقدت أيمانكم والصواب أن الآية الناسخة ولكل جعلنا موالي والمنسوخة والذين عاقدت أيمانكم وكذا رواه الطبري في روايته وروى عن جمهور السلف أن الآية الناسخة لقوله : والذين عاقدت أيمانكم قوله تعالى في الأنفال : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض روى هذا عن إبن عباس وقتادة والحسن البصري وهو الذي أثبته أبو عبيد في كتاب الناسخ والمنسوخ له وفيها قول آخر رواه الزهري عن سعيد بن المسيب قال : أمر الله عزوجل الذين تبنوا غير أبنائهم في الجاهلية وورثوا في الإسلام أن يجعلوا لهم نصيبا في الوصية ورد الميراث إلى ذوي الرحم والعصبة وقالت طائفة : قوله تعالى والذين عاقدت أيمانكم محكم وليس بمنسوخ وإنما أمر الله المؤمنين أن يعطوا الحلفاء أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك ذكره الطبري عن إبن عباس ( والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) من النصرة والنصيحة والرفادة ويوصي لهم وقد ذهب الميراث وهو قول مجاهد والسدي قلت واختاره النحاس ورواه عن سعيد بن جبير ولا يصح النسخ فإن الجمع ممكن كما بينه إبن عباس فيما ذكره الطبري ورواه البخاري عنه في كتاب التفسير وسيأتي ميراث ذوي الأرحام في الأنفال إن شاء الله تعالى الثانية كل في كلام العرب معناها الإحاطة والعموم فإذا جاءت مفردة فلا بد أن يكون في الكلام حذف عند جميع النحويين حتى أن بعضهم أجاز مررت بكل مثل قبل وبعد وتقدير الحذف : ولكل أحد جعلنا موالي يعني ورثة والذين عاقدت أيمانكم يعني بالحلف عن قتادة وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول : دمي دمك وهدمي هدمك وثأري ثارك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل عنك فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف ثم نسخ الثالثة قوله تعالى : ( موالي ) أعلم أن المولى لفظ مشترك يطلق على وجوه فيسمي المعتق مولى والمعتق مولى ويقال : المولى الأسفل والأعلى أيضا ويسمى الناصر المولى ومنه قوله تعالى : وأن الكافرين لا مولى لهم ويسمى إبن العم مولى والجار مولى فأما قوله تعالى : ولكل جعلنا موالي يريد عصبة لقوله عليه السلام : ( ما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر ( ومن العصبات المولى الأعلى لا الأسفل على قول أكثر العلماء لأن المفهوم في حق المعتق أنه المنعم على المعتق كالموجد له فاستحق ميراثه لهذا المعنى وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أن المولى الأسفل يرث من الأعلى واحتج فيه بما روى أن رجلا أعتق عبدا له فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق قال الطحاوي : ولا معارض لهذا الحديث فوجب القول به ولأنه إذا أمكن إثبات الميراث للمعتق على تقدير أنه كان كالموجد له فهو شبيه بالأب والمولى الأسفل شبيه بالإبن وذلك يقتضي التسوية بينهما في الميراث والأصل أن الإتصال يعم وفي الخبر ( مولى القوم منهم ( والذين خالفوا هذا وهم الجمهور قالوا : الميراث يستدعي القرابة ولا قرابة غير أنا أثبتنا للمعتق الميراث بحكم الإنعام على المعتق فيقتضي مقابلة الإنعام بالمجازاة وذلك لا ينعكس في المولى الأسفل وأما الإبن فهو أولى الناس بأن يكون خليفة أبيه وقائما مقامه وليس المعتق صالحا لأن يقوم مقام معتقه وإنما المعتق قد أنعم عليه فقابله الشرع بأن جعله أحق بمولاه المعتق ولا يوجد هذا في المولى الأسفل فظهر الفرق بينهما والله أعلم الرابعة قوله تعالى : ( والذين عاقدت أيمانكم ) روى علي بن كبشة عن حمزة عقدت بتشديد القاف على التكثير والمشهور عن حمزة عقدت أيمانكم مخففة القاف وهي قراءة عاصم والكسائي وهي قراءة بعيدة لأن المعاقدة لا تكون إلا من إثنين فصاعدا فبابها فاعل قال أبو جعفر النحاس : وقراءة حمزة تجوز على غموض في العربية يكون التقدير فيها والذين عقدتهم أيمانكم الحلف وتعدى إلى مفعولين وتقديره : عقدت لهم أيمانكم الحلف ثم حذفت اللام مثل قوله تعالى : وإذا كالوهم أي كالوا لهم وحذف المفعول الثاني كما يقال : كلتك أي كلت لك برا وحذف المفعول الأول لأنه متصل في الصلة الخامسة قوله تعالى : ( إن الله كان على شيء شهيدا ) أي قد شهد معاقدتكم إياهم وهو عزوجل يحب الوفاء < <
النساء : ( 34 ) الرجال قوامون على . . . . . > > < > ( النساء 34 ) <
> فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( الرجال قوامون على النساء ) إبتداء وخبر أي يقومون بالنفقة عليهن والذب عنهن وأيضا فإن فيهم الحكام والأمراء ومن يغزو وليس ذلك في النساء يقال : قوام وقيم والآية نزلت في سعد بن الربيع نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد إبن خارجة بن أبي زهير فلطمها فقال أبوها : يا رسول الله أفرشته كريمتي فلطمها فقال عليه السلام : ( لتقتص من زوجها ( فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال عليه السلام : ( أرجعوا هذا جبريل أتاني ( فأنزل الله هذه الآية فقال عليه السلام : ( أردنا أمرا وأراد الله غيره ( وفي رواية أخرى : ( أردت شيئا وما أراد الله خير ( ونقض الحكم الأول وقد قيل : إن في هذا الحكم المردود نزل ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ذكر إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا حجاج بن المنهال وعارم بن الفضل واللفظ لحجاج قال حدثنا جرير بن حازم قال سمعت الحسن يقول : إن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن زوجي لطم وجهي فقال : ( بينكما القصاص ( فأنزل الله تعالى : ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وأمسك النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل الرجال قوامون على النساء وقال أبو روق : نزلت في جميلة بنت أبي وفي زوجها ثابت إبن قيس بن شماس وقال الكلبي : نزلت في عميرة بنت محمد بن مسلمة وفي زوجها سعد بن الربيع وقيل : سببها قول أم سلمة المتقدم ووجه النظم أنهن تكلمن في تفضيل الرجال على النساء في الإرث فنزلت ولا تتمنوا الآية ثم بين تعالى أن تفضيلهم عليهن في الإرث لما على الرجال من المهر والإنفاق ثم فائدة تفضيلهم عائدة إليهن ويقال : إن الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير فجعل لهم حق القيام عليهن لذلك وقيل : للرجال زيادة قوة في النفس والطبع ما ليس للنساء لأن طبع الرجال غلب عليه الحرارة واليبوسة فيكون فيه قوة وشدة وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة فيكون فيه معنى اللين والضعف فجعل لهم حق القيام عليهن بذلك وبقوله تعالى : وبما أنفقوا من أموالهم الثانية ودلت هذه الآية على تأديب الرجال نساءهم فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسئ الرجل عشرتها وقوام فعال للمبالغة من القيام على الشئ والإستبداد بالنظر فيه وحفظه بالإجتهاد فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز وأن عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة والعقل والقوة في أمر الجهاد والميراث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد راعى بعضهم في التفضيل اللحية وليس بشئ فإن اللحية قد تكون وليس معها شيء مما ذكرنا وقد مضى الرد على هذا في البقرة الثالثة فهم العلماء من قوله تعالى : ( وبما أنفقوا من أموالهم ) أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قواما عليها وإذا لم يكن قواما عليها كان لها فسخ العقد لزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح وفيه دلالة واضحة من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة وهو مذهب مالك والشافعي وقال أبو حنيفة : لا يفسخ لقوله تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وقد تقدم القول في هذا في هذه السورة الرابعة قوله تعالى : ( فالصالحات قانتات حافظات للغيب ) هذا كله خبر ومقصوده الأمر بطاعة الزوج والقيام بحقه في ماله وفي نفسها في حال غيبة الزوج وفي مسند أبي داؤد الطيالسي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك ( قال : وتلا هذه الآية الرجال قوامون على النساء إلى آخر الآية وقال صلى الله عليه وسلم لعمر : ( ألا أخبرك بخير ما يكنزه المرء المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته ( أخرجه أبو داؤد وفي مصحف إبن مسعود فالصوالح قوانت حوافظ وهذا بناء يختص بالمؤنث قال إبن جني : والتكسير أشبه لفظا بالمعنى إذ هو يعطي الكثرة وهي المقصود ها هنا وما في قوله : بما حفظ الله مصدرية أي بحفظ الله لهن ويصح أن تكون بمعنى الذي ويكون العائد في حفظ ضمير نصب وفي قراءة أبي جعفر بما حفظ الله بالنصب قال النحاس : الرفع أبين أي حافظات لمغيب أزواجهن بحفظ الله ومعونته وتسديده وقيل : بما حفظهن الله في مهورهن وعشرتهن وقيل : بما استحفظهن الله إياه من أداء الأمانات إلى أزواجهن ومعنى قراءة النصب : بحفظهن الله أي بحفظهن أمره أو دينه وقيل في التقدير : بما حفظن الله ثم وحد الفعل كما قيل : فإن الحوادث أودى بها وقيل : المعنى بحفظ الله مثل حفظت الله الخامسة قوله تعالى : ( واللاتي تخافون نشوزهن ) اللاتي جمع التي وقد تقدم قال إبن عباس : تخافون بمعنى تعلمون وتتيقنون وقيل هو على بابه والنشوز العصيان مأخوذ من النشز وهو ما ارتفع من الأرض يقال : نشز الرجل ينشز وينشز إذا كان قاعدا فنهض قائما ومنه قوله عزوجل : وإذا قيل أنشزوا فأنشزوا أي ارتفعوا وانهضوا إلى حرب أو أمر من أمور الله تعالى فالمعنى : أي تخافون عصيانهن وتعاليهن عما أوجب الله عليهن من طاعة الأزواج وقال أبو منصور اللغوي : النشوز كراهية كل واحد من الزوجين صاحبه يقال : نشزت تنشز فهي ناشز بغير هاء ونشصت تنشص وهي السيئة للعشرة وقال إبن فارس : ونشزت المرأة استصعبت على بعلها ونشز بعلها عليها إذا ضربها وجفاها قال إبن دريد : نشزت المرأة ونشست ونشصت بمعنى واحد السادسة قوله تعالى : ( فعظوهن ) أي بكتاب الله أي ذكروهن ما أوجب الله عليهن من حسن الصحبة وجميل العشرة للزوج والإعتراف بالدرجة التي له عليها ويقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ( وقال : ( لا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب ( وقال : ( أيما امرأة باتت هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح ( في رواية ( حتى تراجع وتضع يدها في يده ( وما كان مثل هذا السابعة قوله تعالى : ( واهجروهن في المضاجع ) وقرأ إبن مسعود والنخعي وغيرهما في المضجع على الإفراد كأنه اسم جنس يؤدي عن الجمع والهجر في المضاجع هو أن يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها عن إبن عباس وغيره وقال مجاهد : جنبوا مضاجعهن فيتقدر على هذا الكلام حذف ويعضده أهجروهن من الهجران وهو البعد يقال : هجره أي تباعد ونأى عنه ولا يمكن بعدها إلا بترك مضاجعتها وقال معناه إبراهيم النخعي والشعبي وقتادة والحسن البصري ورواه إبن وهب وإبن القاسم عن مالك واختاره إبن العربي وقال : حملوا الأمر على الأكثر الموفى ويكون هذا القول كما تقول : أهجره في الله وهذا أصل مالك قلت : هذا قول حسن فإن الزوج إذا أعرض عن فراشها فإن كانت محبة للزوج فذلك يشق عليها فترجع للصلاح وإن كانت مبغضة فيظهر النشوز منها فيتبين أن النشوز من قبلها وقيل : اهجروهن من الهجر وهو القبيح من الكلام أي غلظوا عليهن في القول وضاجعوهن للجماع وغيره قال معناه سفيان وروى عن إبن عباس وقيل : أي شدوهن وثاقا في بيوتهن من قولهم : هجر البعير أي ربطه بالهجار وهو حبل يشد به البعير وهو إختيار الطبري وقدح في سائر الأقوال وفي كلامه في هذا الموضع نظر وقد رد عليه القاضي أبو بكر بن العربي في أحكامه فقال : يا لها من هفوة من عالم بالقرآن والسنة والذي حمله على هذا التأويل حديث غريب رواه إبن وهب عن مالك أن اسماء بنت أبي بكر الصديق امرأة الزبير بن العوام كانت تخرج حتى عوتب في ذلك قال : وعتب عليها وعلى ضرتها فعقد شعر واحدة بالأخرى ثم ضربهما ضربا شديدا وكانت الضرة أحسن اتقاء وكانت أسماء لا تتقي فكان الضرب بها أكثر فشكت إلى أبيها أبي بكر رضي الله عنه فقال لها : أي بنية اصبري فإن الزبير رجل صالح ولعله أن يكون زوجك في الجنة ولقد بلغني أن الرجل إذا ابتكر بامرأة تزوجها في الجنة فرأى الربط والعقد مع إحتمال اللفظ مع فعل الزبير فأقدم على هذا التفسير وهذا الهجر غايته عند العلماء شهر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين أسر إلى حفصة فأفشته إلى عائشة وتظاهرتا عليه ولا يبلغ به الأربعة الأشهر التي ضرب الله أجلا عذرا للمولى الثامنة قوله تعالى : ( واضربوهن ) أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولا ثم بالهجران فإن لم ينجعا فالضرب فإنه هو الذي يصلحها له ويحملها على توفية حقه والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح وهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين جارحة كاللكزة ونحوها فإن المقصود منه الصلاح لا غير فلا جرم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان وكذلك القول في ضرب المؤدب غلامه لتعليم القرآن والأدب وفي صحيح مسلم : ( اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح ( الحديث أخرجه من حديث جابر الطويل في الحج أي لا يدخلن منازلكم أحدا ممن تكرهونه من الأقارب والنساء الأجانب وعلى هذا يحمل ما رواه الترمذي وصححه عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فقال : ( ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن ياتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن ( وقال : هذا حديث حسن صحيح فقوله : بفاحشة مبينة يريد لايدخلن من يكرهه أزواجهن ولا يغضبنهم وليس المراد بذلك الزنى فإن ذلك محرم ويلزم عليه الحد وقد قال عليه الصلاة والسلام : ( اضربوا النساء إذا عصينكم في معروف ضربا غير مبرح ( قال عطاء : قلت لإبن عباس ما الضرب غير المبرح قال بالسواك ونحوه وروى أن عمر رضي الله عنه ضرب امرأته فعذل في ذلك فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يسأل الرجل فيم ضرب أهله ( التاسعة قوله تعالى : ( فإن أطعنكم ) أي تركوا النشوز ( فلاتبغوا عليهن سبيلا ) أي لا تجنوا عليهن بقول أو فعل وهذا نهى عن ظلمهن بعد تقرير الفضل عليهن والتمكين من أدبهن وقيل : المعنى لا تكلفوهن الحب لكم فإنه ليس إليهن العاشرة قوله تعالى : ( إن الله كان عليا كبيرا ) إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب أي إن كنتم تقدرون عليهن فتذكروا قدرة الله فيده بالقدرة فوق كل يد فلا يستعلي أحد على امرأته فالله بالمرصاد فلذلك حسن الإتصاف هنا بالعلو والكبر الحادية عشرة وإذا ثبت هذا فاعلم أن الله عزوجل لم يأمر في شيء من كتابه بالضرب صراحا إلا هنا وفي الحدود العظام فساوى معصيتهن بأزواجهن بمعصية الكبائر وولى الأزواج ذلك دون الأئمة وجعله لهم دون القضاة بغير شهود ولا بينات ائتمانا من الله تعالى للأزواج على النساء قال المهلب : إنما جوز ضرب النساء من أجل إمتناعهن على أزواجهن في المباضعة واختلف في وجوب ضربها في الخدمة والقياس يوجب أنه إذا جاز ضربها في المباضعة جاز ] ضربها [ في الخدمة الواجبة للزوج عليها بالمعروف وقال إبن خويز منداد : والنشوز يسقط النفقة وجميع الحقوق الزوجية ويجوز معه أن يضربها الزوج ضرب الأدب غير المبرح والوعظ والهجر حتى ترجع عن نشوزها فإذا رجعت عادت حقوقها وكذلك كل ما اقتضى الأدب فجائز للزوج تأديبهاويختلف الحال في أدب الرفيعة والدنيئة فأدب الرفيعة العذل وأدب الدنيئة السوط وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( رحم الله أمرا علق سوطه وأدب أهله ( وقال : ( إن أبا جهم لا يضع عصاه عن عاتقه ( وقال بشار : الحر يلحى والعصا للعبد يلحى أي يلام وقال إبن دريد : واللوم للحر مقيم رادع والعبد لا يردعه إلا العصا قال إبن المنذر : اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا جميعا بالغين إلا الناشز منهن الممتنعة وقال أبو عمر : من نشزت عنه امرأته بعد دخوله سقطت عنه نفقتها إلا أن تكون حاملا وخالف إبن القاسم جماعة الفقهاء في نفقة الناشز فأوجبها وإذا عادت الناشز إلى زوجها وجب في المستقبل نفقتها ولا تسقط نفقة المرأة عن زوجها لشئ غير النشوز لا من مرض ولا حيض ولا نفاس ولا صوم ولا حج ولا مغيب زوجها ولا حبسه عنها في حق أو جور غير ما ذكرنا والله أعلم < <
النساء : ( 35 ) وإن خفتم شقاق . . . . . > > < > ( النساء 35 ) <
> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإن خفتم شقاق بينهما ) قد تقدم معنى الشقاق في البقرة فكأن كل واحد من الزوجين يأخذ شقا غير شق صاحبه أي ناحية غير ناحية صاحبه 5 وال راد إن خفتم شقاقا بينهما فأضيف المصدر إلى الظرف كقولك : يعجبني سير الليلة المقمرة وصوم يوم عرفة وفي التنزيل : بل مكر الليل والنهار وقيل : إن بين أجرى مجرى الاسماء وأزيل عنه الظرفية إذ هو بمعنى حالهما وعشرتهما أي وإن خفتم تباعد عشرتهما وصحبتهما فابعثوا وخفتم على الخلاف المتقدم قال سعيد بن جبير : الحكم أن يعظها أولا فإن قبلت وإلا هجرها فإن هي قبلت وإلا ضربها فإن هي قبلت وإلا بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها فينظران ممن الضرر وعند ذلك يكون الخلع وقد قيل : له أن يضرب قبل الوعظ والأول أصح لترتيب ذلك في الآية الثانية الجمهور من العلماء على أن المخاطب بقوله : وإن خفتم الحكام والأمراء وأن قوله : ( إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) يعني الحكمين في قول إبن عباس ومجاهد وغيرهما أي أن يرد الحكمان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين وقيل : المراد الزوجان أي إن يرد الزوجان إصلاحا وصدقا فيما أخبرا به الحكمين يوفق الله بينهما وقيل : الخطاب للأولياء يقول : إن خفتم أي علمتم خلافا بين الزوجين فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها والحكمان لا يكونان إلا من أهل الرجل والمرأة إذ هما أقعد بأحوال الزوجين ويكونان من أهل العدالة وحسن النظر والبصر بالفقه فإن لم يوجد من أهلهما من يصلح لذلك فيرسل من غيرهما عدلين عالمين وذلك إذا أشكل أمرهما ولم يدر ممن الإساءة منهما فأما إن عرف الظالم فإنه يؤخذ له الحق من صاحبه ويجبر على إزالة الضرر ويقال : إن الحكم من أهل الزوج يخلو به ويقول له : أخبرني بما في نفسك أتهواها أم لا حتى أعلم مرادك فإن قال : لا حاجة لي فيها خذ لي منها ما استطعت وفرق بيني وبينها فيعرف أن من قبله النشوز وإن قال : إني أهواها فأرضها من مالي بما شئت ولا تفرق بيني وبينها فيعلم أنه ليس بناشز ويخلو ] الحكم من جهتها [ بالمرأة ويقول لها : أتهوى زوجك أم لا فإن قالت : فرق بيني وبينه وأعطه من مالي ما أراد فيعلم أن النشوز من قبلها وإن قالت لا تفرق بيننا ولكن حثه على أن يزيد في نفقتي ويحسن إلي علم أن النشوز ليس من قبلها فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قبله يقبلان عليه بالعظة والزجر والنهي فذلك قوله تعالى : فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها الثالثة قال العلماء : قسمت هذه الآية النساء تقسيما عقليا لأنهن إما طائعة وإما ناشز والنشوز إما أن يرجع إلى الطواعية أو لا فإن كان الأول تركا لما رواه النسائي أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فكان إذا دخل عليها تقول : يا بني هاشم والله لا يحبكم قلبي أبدا أين الذين أعناقهم كأباريق الفضة ترد أنوفهم قبل شفاههم أين عتبة بن ربيعة أين شيبة بن ربيعة فيسكت عنها حتى دخل عليها يوما وهو برم فقالت له : أين عتبة بن ربيعة فقال : على يسارك في النار إذا دخلت فنشرت عليها ثيابها فجاءت عثمان فذكرت له ذلك فأرسل إبن عباس ومعاوية فقال إبن عباس : لأفرقن بينهما وقال معاوية : ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف فأتياهما فوجداهما قد سدا عليهما أبوابهما وأصلحا أمرهما فإن وجداهما قد اختلفا ولم يصطلحا وتفاقم أمرهما سعيا في الألفة جهدهما وذكرا بالله وبالصحبة فإن أنابا ورجعا تركاهما وإن كانا غير ذلك ورأيا الفرقة فرقا بينهما وتفريقهما جائز على الزوجين وسواء وافق حكم قاضي البلد أو خالفه وكلهما الزوجان بذلك أو لم يوكلاهما والفراق في ذلك طلاق بائن وقال قوم : ليس لهما الطلاق ما لم يوكلهما الزوج في ذلك وليعرفا الإمام وهذا بناء على أنهما رسولان شاهدان ثم الإمام يفرق إن أراد ويأمر الحكم بالتفريق وهذا أحد قولي الشافعي وبه قال الكوفيون وهو قول عطاء وإبن زيد والحسن وبه قال أبو ثور والصحيح الأول وأن للحكمين التطليق دون توكيل وهو قول مالك والأوزاعي وإسحاق وروى عن عثمان وعلي وإبن عباس وعن الشعبي والنخعي وهو قول الشافعي لأن الله تعالى قال : فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها وهذا نص من الله سبحانه بأنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى وللحكم اسم في الشريعة ومعنى فإذا بين الله كل واحد منهما فلا ينبغي لشاذ فكيف لعالم أن يركب معنى أحدهما على الآخر وقد روى الدارقطني من حديث محمد بن سيرين عن عبيدة في هذه الآية وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها قال : جاء رجل وامرأة إلى علي مع كل واحد منهما فئام من الناس فأمرهم فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها وقال للحكمين : هل تدريان ما عليكما عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما فقالت المرأة : رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي وقال الزوج : أما الفرقة فلا فقال علي : كذبت والله لا تبرح حتى تقر بمثل الذي أقرت به وهذا إسناد صحيح ثابت روى عن علي من وجوه ثابتة عن إبن سيرين عن عبيدة قاله أبو عمر فلو كانا وكيلين أو شاهدين لم يقل لهما : أتدريان ما عليكما إنما كان يقول : أتدريان بما وكلتما وهذا بين احتج أبو حنيفة بقول علي رضي الله عنه للزوج : لا تبرح حتى ترضى بما رضيت به فدل على أن مذهبه أنهما لا يفرقان إلا برضا الزوج وبأن الأصل المجتمع عليه أن الطلاق بيد الزوج أو بيد من جعل ذلك إليه وجعله مالك ومن تابعه من باب طلاق السلطان على المولى والعنين الرابعة فإن اختلف الحكمان لم ينفذ قولهما ولم يلزم من ذلك شيء إلا ما اجتمعا عليه وكذلك كل حكمين حكما في أمر فإن حكم أحدهما بالفرقة ولم يحكم بها الآخر أو حكم أحدهما بمال وأبى الآخر فليسا بشئ حتى يتفقا وقال مالك في الحكمين يطلقان ثلاثا قال : تلزم واحدة وليس لهما الفراق بأكثر من واحدة بائنة وهو قول إبن القاسم وقال إبن القاسم أيضا : تلزمه الثلاث إن إجتمعا عليها وقاله المغيرة وأشهب وإبن الماجشون وأصبغ وقال إبن المواز : إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بثلاث فهي واحدة وحكى إبن حبيب عن أصبغ أن ذلك ليس بشئ الخامسة ويجزئ إرسال الواحد لأن الله سبحانه حكم في الزنى بأربعة شهود ثم قد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة الزانية أنيسا وحده وقال له : ( إن اعترفت فارجمها ( وكذلك قال عبد الملك في المدونة قلت : وإذا جاز إرسال الواحد فلو حكم الزوجان واحدا لأجزأ وهو بالجواز أولى إذا رضيا بذلك وإنما خاطب الله بالإرسال الحكام دون الزوجين فإن أرسل الزوجان حكمين وحكما نفذ حكمهما لأن التحكيم عندنا جائز وينفذ فعل الحكم في كل مسألة هذا إذا كان كل واحد منهما عدلا ولو كان غير عدل قال عبد الملك : حكمه منقوض لأنهما تخاطرا بما لا ينبغي من الغرر قال إبن العربي : والصحيح نفوذه لأنه إن كان توكيلا ففعل الوكيل نافذ وإن كان تحكيما فقد قدماه على أنفسهما وليس الغرر بمؤثر فيه كما لم يؤثر في باب التوكيل وباب القضاء مبني على الغرر كله وليس يلزم فيه معرفة المحكوم عليه بما يئول إليه الحكم قال إبن العربي : مسألة الحكمين نص الله عليها وحكم بها عند ظهور الشقاق بين الزوجين وإختلاف ما بينهما وهي مسألة عظيمة اجتمعت الأمة على أصلها في البعث وإن اختلفوا في تفاصيل ما ترتب عليه وعجبا لأهل بلدنا حيث غفلوا عن موجب الكتاب والسنة في ذلك وقالوا : يجعلان على يدي أمين وفي هذا من معاندة النص ما لا يخفى عليكم فلا بكتاب الله ائتمروا ولا بالأقيسة اجتزءوا وقد ندبت إلى ذلك فما أجابني إلى بعث الحكمين عند الشقاق إلا قاض واحد ولا بالقضاء باليمين مع الشاهد إلا آخر فلما ملكني الله الأمر أجريت السنة كما ينبغي ولا تعجب لأهل بلدنا لما غمرهم من الجهالة ولكن أعجب لأبي حنيفة ليس للحكمين عنده خبر بل أعجب مرتين للشافعي فإنه قال : الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين معا حتى يشتبه فيه حالاهما قال : وذلك أني وجدت الله عزوجل أذن في نشوز الزوج بأن يصطلحا وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود الله بالخلع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة وحظر أن يأخذ الزوج مما أعطى شيئا إذا أراد إستبدال زوج مكان زوج فلما أمر فيمن خفنا الشقاق بينهما بالحكمين دل على أن حكمهما غير حكم الأزواج فإذا كان كذلك بعث حكما من أهله وحكما من أهلها ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين برضا الزوجين وتوكيلهما بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك وذلك يدل على أن الحكمين وكيلان للزوجين قال إبن العربي : هذا منتهى كلام الشافعي وأصحابه يفرحون به وليس فيه ما يلتفت إليه ولا يشبه نصابه في العلم وقد تولى الرد عليه القاضي أبو إسحاق ولم ينصفه في الأكثر أما قوله : الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين فليس بصحيح بل هو نصه وهي من أبين آيات القرآن وأوضحها جلاء فإن الله تعالى قال : الرجال قوامون على النساء ومن خاف من امرأته نشوزا وعظها فإن أنابت وإلا هجرها في المضجع فإن أرعوت وإلا ضربها فإن استمرت في غلوائها مشى الحكمان إليهما وهذا إن لم يكن نصا فليس في القرآن بيان ودعه لا يكون نصا يكون ظاهرا فأما أن يقول الشافعي : يشبه الظاهر فلا ندري ما الذي أشبه الظاهر ثم قال : ( وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود الله بالخلع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة بل يجب أن يكون كذلك وهو نصه ثم قال : ( فلما أمر بالحكمين علمنا أن حكمهما غير حكم الأزواج ويجب أن يكون غيره بأن ينفذ عليهما من غير إختيارهما فتتحقق الغيرية فأما إذا أنفذا عليهما ما وكلاهما به فلم يحكما بخلاف أمرهما فلم تتحقق الغيرية وأما قوله ( برضى الزوجين وتوكيلهما ( فخطأ صراح فإن الله سبحانه خاطب غير الزوجين إذا خاف الشقاق بين الزوجين بإرسال الحكمين وإذا كان المخاطب غيرهما كيف يكون ذلك بتوكيلهما ولا يصح لهما حكم إلا بما أجتمعا عليه هذا وجه الإنصاف والتحقيق في الرد عليه وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم وليس كما تقول الخوارج إنه ليس التحكيم لأحد سوى الله تعالى وهذه كلمة حق ] ولكن [ يريدون بها الباطل < <
النساء : ( 36 ) واعبدوا الله ولا . . . . . > > < > ( النساء 36 ) <
> فيه ثمان عشرة مسألة : الأولى أجمع العلماء على أن هذه الآية من المحكم المتفق عليه ليس منها شيء منسوخ وكذلك هي في جميع الكتب ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل وإن لم ينزل به الكتاب وقد مضى معنى العبودية وهي التذلل والإفتقار لمن له الحكم والإختيار فأمر الله تعالى عباده بالتذلل له والإخلاص فيه فالآية أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره قال الله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا حتى لقد قال بعض علمائنا : إنه من تطهر تبردا أو صام محما لمعدته ونوى مع ذلك التقرب لم يجزه لأنه مزج في نية التقرب نية دنياوية وليس لله إلا العمل الخالص كما قال تعالى : ألا لله الدين الخالص وقال تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين وكذلك إذا أحس الرجل بداخل في الركوع وهو إمام لم ينتظره لأنه يخرج ركوعه بإنتظاره عن كونه خالصا لله تعالى وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قال الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ( وروى الدارقطني عن أنس إبن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يجاء يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله تعالى فيقول الله تعالى للملائكة ألقوا هذا وأقبلوا هذا فتقول الملائكة وعزتك ما رأينا إلا خيرا فيقول الله عزوجل وهو أعلم إن هذا كان لغيري ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما كان إبتغي به وجهي ( وروى أيضا عن الضحاك بن قيس الفهري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله لا يقبل إلا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء مسألة إذا ثبت هذا فاعلم أن علماءنا رضي الله عنهم قالوا : الشرك على ثلاث مراتب وكله محرم وأصله إعتقاد شريك لله في ألوهيته وهو الشرك الأعظم وهو شرك الجاهلية وهو المراد بقوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ويليه في الرتبة إعتقاد شريك لله تعالى في الفعل وهو قول من قال : إن موجودا ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده وإن لم يعتقد كونه إلها كالقدرية مجوس هذه الأمة وقد تبرأ منهم إبن عمر كما في حديث جبريل عليه السلام ويلي هذه الرتبة الإشراك في العبادة وهو الرياء وهو أن يفعل شيئا من العبادات التي أمر الله بفعلها له لغيره وهذا هو الذي سيقت الآيات والأحاديث لبيان تحريمه وهو مبطل للأعمال وهو خفي لا يعرفه كل جاهل غبي ورضي الله عن المحاسبي فقد أوضحه في كتابه الرعاية وبين إفساده للأعمال وفي سنن إبن ماجه عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري وكان من الصحابة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله عزوجل أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك ( وفيه عن أبي سعيد الخدري قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر المسيخ الدجال فقال : ( ألأ أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيخ الدجال ( قال : فقلنا بلى يا رسول الله فقال : ( الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل ( وفيه عن شداد بن أوس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله أما إني لست أقول يعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية ( خرجه الترمذي الحكيم وسيأتي في آخر الكهف وفيه بيان الشهوة الخفية وروى إبن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهوة الخفية فقال : ( هو الرجل يتعلم العلم يحب أن يجلس إليه ( قال سهل إبن عبد الله التستري رضي الله عنه : الرياء على ثلاثة وجوه أحدها أن يعقد في أصل فعله لغير الله ويريد به أن يعرف أنه لله فهذا صنف من النفاق وتشكك في الإيمان والآخر يدخل في الشئ لله فإذا أطلع عليه غير الله نشط فهذا إذا تاب يزيد أن يعيد جميع ما عمل والثالث دخل في العمل بالإخلاص وخرج به لله فعرف بذلك ومدح عليه وسكن إلى مدحهم فهذا الرياء الذي نهى الله عنه قال سهل قال لقمان لإبنه : الرياء أن تطلب ثواب عملك في دار الدنيا وإنما عمل القوم للآخرة قيل له : فما دواء الرياء قال كتمان العمل قيل له : فكيف يكتم العمل قال : ما كلفت إظهاره من العمل فلا تدخل فيه إلا بالإخلاص وما لم تكلف إظهاره أحب ألا يطلع عليه إلا الله قال : وكل عمل أطلع عليه الخلق فلا تعده من العمل وقال أيوب السختياني : ما هو بعاقل من أحب أن يعرف مكانه من عمله قلت : قول سهل والثالث دخل في العمل بالإخلاص إلى آخره إن كان سكونه وسروره إليهم لتحصل منزلته في قلوبهم فيحمدوه ويجلوه ويبروه وينال ما يريده منهم من مال أو غيره فهذا مذموم لأن قلبه مغمور فرحا بإطلاعهم عليه وإن كانوا قد أطلعوا عليه بعد الفراغ فأما من أطلع الله عليه خلقه وهو لا يحب اطلاعهم عليه فيسر بصنع الله وبفضله عليه فسروره بفضل الله طاعة كما قال تعالى : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون وبسط هذا وتتميمه في كتاب الرعاية للمحاسبي فمن أراده فليقف عليه هناك وقد سئل سهل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم إني أسر العمل فيطلع عليه فيعجبني قال : يعجبه من جهة الشكر لله الذي أظهره الله عليه أو نحو هذا فهذه جملة كافية في الرياء وخلوص الأعمال وقد مضى في البقرة حقيقة الإخلاص والحمد لله الثانية قوله تعالى : ( وبالوالدين إحسانا ) قد تقدم في صدر هذه السورة أن من الإحسان إليهما عتقهما ويأتي في سبحان حكم برهما مستوفي وقرأ إبن أبي عبلة إحسان بالرفع أي واجب الإحسان إليهما الباقون بالنصب على معنى أحسنوا إليهما إحسانا قال العلماء : فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان وإلتزام البر والطاعة له والإذعان من قرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره وهما الوالدان فقال تعالى : أن أشكر لي ولوالديك وروى شعبة وهشيم الواسطيان عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رضى الرب في رضى الوالدين وسخطه في سخط الوالدين ( الثالثة قوله تعالى : ( وبذي القربى واليتامى والمساكين ) وقد مضى الكلام فيه في البقرة الرابعة قوله تعالى : ( والجار ذي القربى والجار الجنب ) أما الجار فقد أمر الله تعالى بحفظه والقيام بحقه والوصاة برعي ذمته في كتابه وعلى لسان نبيه ألا تراه سبحانه أكد ذكره بعد الوالدين والأقربين فقال تعالى : والجار ذي القربى أي القريب والجار الجنب أي الغريب قاله إبن عباس وكذلك هو في اللغة ومنه فلان أجنبي وكذلك الجنابة البعد وأنشد أهل اللغة فلا تحرمني نائلا عن جنابة فإني أمرؤ وسط القباب غريب وقال الأعشى : أتيت حريثا زائرا عن جنابة فكان حريث عن عطائي جامدا وقرأ الأعمش والمفضل والجار الجنب بفتح الجيم وسكون النون وهما لغتان يقال : جنب وجنب وأجنب وأجنبي إذا لم يكن بينهما قرابة وجمعه أجانب وقيل : على تقدير حذف المضاف أي والجار ذي الجنب أي ذي الناحية وقال نوف الشامي : الجار ذي القربى المسلم والجار الجنب اليهودي والنصراني قلت : وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلما كان أو كافرا وهو الصحيح والإحسان قد يكون بمعنى المواساة وقد يكون بمعنى حسن العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه روى البخاري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ( وروى عن أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والله لايؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ( قيل : يا رسول الله ومن قال : ( الذي لا يأمن جاره بوائقه ( وهذا عام في كل جار وقد أكد عليه السلام ترك إذايته بقسمه ثلاث مرات وأنه لا يؤمن الإيمان الكامل من آذى جاره فينبغي للمؤمن أن يحذر أذى جاره وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه ويرغب فيما رضياه وحضا العباد عليه وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق وجار له حقان وجار له حق واحد فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم القريب له حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام والجار الذي له حقان فهو الجار المسلم فله حق الإسلام وحق الجوار والجار الذي له حق واحد هو الكافر له حق الجوار ( الخامسة روى البخاري عن عائشة قالت : قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدى قال : ( إلى اقربهما منك بابا ( فذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا الحديث يفسر المراد من قوله تعالى : والجار ذي القربى وأنه القريب المسكن منك والجار الجنب هو البعيد المسكن منك واحتجوا بهذا على إيجاب الشفعة للجار وعضدوه بقوله عليه السلام : ( الجار أحق بصقبه ( ولا حجة في ذلك فإن عائشة رضي الله عنها إنما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عمن تبدأ به من جيرانها في الهدية فأخبرها أن من قرب بابه فإنه أولى بها من غيره قال إبن المنذر : فدل هذا الحديث على أن الجار يقع على غير اللصيق وقد خرج أبو حنيفة عن ظاهر هذا الحديث فقال : إن الجار اللصيق إذا ترك الشفعة وطلبها الذي يليه وليس له جدار إلى الدار ولا طريق لا شفعة فيه له وعوام العلماء يقولون : إذا أوصى الرجل لجيرانه أعطى اللصيق وغيره إلا أبا حنيفة فإنه فارق عوام العلماء وقال : لا يعطى إلا اللصيق وحده السادسة واختلف الناس في حد الجيرة فكان الأوزاعي يقول : أربعون دارا من كل ناحية وقاله إبن شهاب وروى أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني نزلت محلة قوم وإن أقربهم إلي جوارا أشدهم لي أذى فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليا يصيحون على أبواب المساجد : ألا إن أربعين دارا جار ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه وقال علي بن أبي طالب : من سمع النداء فهو جار وقالت فرقة : من سمع إقامة الصلاة فهو جار ذلك المسجد وقالت فرقة : من ساكن رجلا في محلة أو مدينة فهو جار قال الله تعالى : لئن لم ينته المنافقون إلى قوله : ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا فجعل تعالى إجتماعهم في المدينة جوارا والجيرة مراتب بعضها ألصق من بعض أدناها الزوجة كما قال : أيا جارتا بيني فإنك طالقه السابعة ومن إكرام الجار ما رواه مسلم عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك ( فحض عليه السلام على مكارم الأخلاق لما يترتب عليها من المحبة وحسن العشرة ودفع الحاجة والمفسدة فإن الجار قد يتأذى بقتار قدر جاره وربما تكون له ذرية فتهيج من ضعفائهم الشهوة ويعظم على القائم عليهم الألم والكلفة لا سيما إن كان القائم ضعيفا أو أرملة فتعظم المشقة ويشتد منهم الألم والحسرة وهذه كانت عقوبة يعقوب في فراق يوسف عليهما السلام فيما قيل وكل هذا يندفع بتشريكهم في شيء من الطبيخ يدفع إليهم ولهذا المعنى حض عليه السلام الجار القريب بالهدية لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها فإذا رأى ذلك أحب أن يشارك فيه وأيضا فإنه أسرع إجابة لجاره عندما ينوبه من حاجة في أوقات الغفلة والغرة فلذلك بدأ به على من بعد بابه وإن كانت داره أقرب والله أعلم الثامنة قال العلماء : لما قال عليه السلام ( فأكثر ماءها ( نبه بذلك على تيسير الأمر على البخيل تنبيها لطيفا وجعل الزيادة فيما ليس له ثمن وهو الماء ولذلك لم يقل : إذا طبخت مرقة فأكثر لحمها إذ لا يسهل ذلك على كل أحد ولقد أحسن القائل : قدري وقدر الجار واحدة وإليه قبلي ترفع القدر ولا يهدي النزر اليسير المحتقر لقوله عليه السلام : ( ثم أنظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف ( أي بشئ يهدي عرفا فإن القليل وإن كان مما يهدي فقد لا يقع ذلك الموقع فلو لم يتيسر إلا القليل فليهده ولا يحتقره وعلى المهدي إليه قبوله لقوله عليه السلام : ( يا نساء المؤمنات لا تحتقرن إحداكن لجارتها ولو كراع شاة محرقا ( أخرجه مالك في موطئه وكذا قيدناه يا نساء المؤمنات بالرفع على غير الإضافة والتقدير : يا أيها النساء المؤمنات كما تقول يا رجال الكرام فالمنادي محذوف وهو يا أيها والنساء في التقدير النعت لأيها والمؤمنات نعت للنساء وقد قيل فيه : يا نساء المؤمنات بالإضافة والأول أكثر التاسعة من إكرام الجار ألا يمنع من غرز خشبة له إرفاقا به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره ( ثم يقول أبو هريرة : ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكنافكم روى ( خشبه وخشبة ( على الجمع والإفراد وروى أكتافكم بالتاء وأكنافهم بالنون ومعنى لأرمين بها أي بالكلمة والقصة وهل يقضى بهذا على الوجوب أو الندب فيه خلاف بين العلماء فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أن معناه الندب إلى بر الجار والتجاوز له والإحسان إليه وليس ذلك على الوجوب بدليل قوله عليه السلام ( لا يحل مال أمرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ( قالوا : ومعنى قوله ( لا يمنع أحدكم جاره ( هو مثل معنى قوله عليه السلام : ( إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها ( وهذا معناه عند الجميع الندب على ما يراه الرجل من الصلاح والخير في ذلك وقال الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداؤد بن علي وجماعة أهل الحديث : إلى أن ذلك على الوجوب قالوا : ولولا أن أبا هريرة فهم فيما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم معنى الوجوب ما كان ليوجب عليهم غير واجب وهو مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه قضى على محمد بن مسلمة للضحاك بن خليفة في الخليج أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة فقال محمد بن مسلمة : لا والله فقال عمر : والله ليمرن به ولو على بطنك فأمره عمر أن يمر به ففعل الضحاك رواه مالك في الموطأ وزعم الشافعي في كتاب الرد أن مالكا لم يرو عن أحد من الصحابة خلاف عمر في هذا الباب وأنكر على مالك أنه رواه وأدخله في كتابه ولم يأخذ به ورده برأيه قال أبو عمر : ليس كما زعم الشافعي لأن محمد بن مسلمة كان رأيه في ذلك خلاف رأي عمر ورأى الأنصار أيضا كان خلافا لرأي عمر وعبد الرحمن بن عوف في قصة الربيع وتحويله والربيع الساقية وإذا اختلفت الصحابة وجب الرجوع إلى النظر والنظر يدل على أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم بعضهم على بعض حرام إلا ما تطيب به النفس خاصة فهذا هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ويدل على الخلاف في ذلك قول أبي هريرة : ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمينكم بها هذا أو نحوه أجاب الأولون فقالوا : القضاء بالمرفق خارج بالسنة عن معنى قوله عليه السلام : ( لا يحل مال أمرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ( لأن هذا معناه التمليك والإستهلاك وليس المرفق من ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فرق بينهما في الحكم فغير واجب أن يجمع بين ما فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكى مالك أنه كان بالمدينة قاض يقضي به يسمى أبو المطلب واحتجوا من الأثر بحديث الأعمش عن أنس قال استشهد منا غلام يوم أحد فجعلت أمه تمسح التراب عن وجهه وتقول : أبشر هنيئا لك الجنة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره ( والأعمش لا يصح له سماع من أنس والله أعلم قاله أبو عمر العاشرة ورد حديث جمع النبي صلى الله عليه وسلم فيه مرافق الجار وهو حديث معاذ بن جبل قال : قلنا يا رسول الله ما حق الجار قال : ( إن استقرضك أقرضته وإن استعانك أعنته وإن إحتاج أعطيته وإن مرض عدته وإن مات تبعت جنازته وإن أصابه خير سرك وهنيته وإن أصابته مصيبة ساءتك وعزيته ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ولا تستطل عليه بالبناء لتشرف عليه وتسد عليه الريح إلا بإذنه وإن اشتريت فاكهة فأهد له منها وإلا فأدخلها سرا لا يخرج ولدك بشئ منه يغيظون به ولده وهل تفقهون ما أقول لكم لن يؤدي حق الجار إلا القليل ممن رحم الله ( أو كلمة نحوها هذا حديث جامع وهو حديث حسن في إسناده أبو الفضل عثمان بن مطر الشيباني غير مرضي الحادية عشرة قال العلماء : الأحاديث في إكرام الجار جاءت مطلقة غير مقيدة حتى الكافر كما بينا وفي الخبر قالوا : يا رسول الله أنطعمهم من لحوم النسك قال : ( لا تطعموا المشركين من ( نسك المسلمين ( ونهيه صلى الله عليه وسلم عن إطعام المشركين من نسك المسلمين يحتمل النسك الواجب في الذمة الذي لا يجوز للناسك أن يأكل منه ولا أن يطعمه الأغنياء فأما غير الواجب الذي يجزيه إطعام الأغنياء فجائز أن يطعمه أهل الذمة قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة عند تفريق لحم الأضحية : ( ابدئي بجارنا اليهودي ( وروى أن شاة ذبحت في أهل عبد الله بن عمرو فلما جاء قال : أهديتم لجارنا اليهودي ثلاث مرات سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ( الثانية عشرة قوله تعالى : ( والصاحب بالجنب ) أي الرفيق في السفر وأسند الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم غيضة فقطع قضيبين أحدهما معوج فخرج وأعطى لصاحبه القويم فقال : كنت يا رسول الله أحق بهذا فقال : ( كلا يا فلان إن كل صاحب يصحب آخر فإنه مسؤول عن صحابته ولو ساعة من نهار ( وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن : للسفر مروءه وللحضر مروءة فأما المروءة في السفر فبذل الزاد وقلة الخلاف على الأصحاب وكثرة المزاح في غير مساخط الله وأما المروءة في الحضر فالإدمان إلى المساجد وتلاوة القرآن وكثرة الإخوان في الله عزوجل ولبعض بني أسد وقيل إنها لحاتم الطائي : إذا ما رفيقي لم يكن خلف ناقتي له مركب فضلا فلا حملت رجلي ولم يك من زادي له شطر مزودي فلا كنت ذا زاد ولا كنت ذا فضل شريكان فيما نحن فيه وقد أرى علي له فضلا بما نال من فضلي وقال علي وإبن مسعود وإبن أبي ليلى : الصاحب بالجنب الزوجة إبن جريج : هو الذي يصحبك ويلزمك رجاء نفعك والأول أصح وهو قول إبن عباس وإبن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك وقد تتناول الآية الجميع بالعموم والله أعلم الثالثة عشرة قوله تعالى : ( وإبن السبيل ) قال مجاهد : هو الذي يجتاز بك مارا والسبيل الطريق فنسب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه ومن الإحسان إليه إعطاؤه وإرفاقه وهدايته ورشده الرابعة عشرة قوله تعالى : ( وما ملكت أيمانكم ) أمر الله تعالى بالإحسان إلى المماليك وبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فروى مسلم وغيره عن المعرور بن سويد قال : مررنا بأبي ذر بالربذة وعليه برد وعلى غلامه مثله فقلنا : يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة فقال : إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال ( يا أبا ذر إنك أمرؤ فيك جاهلية ( قلت : يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه قال : ( يا أبا ذر إنك أمرؤ فيك جاهلية هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم وإن كلفتموهم فأعينوهم ( وروى عن أبي هريرة أنه ركب بغلة ذات يوم فأردف غلامه خلفه فقال له قائل : لو أنزلته يسعى خلف دابتك فقال أبو هريرة لأن يسعى معي ضغثان من نار يحرقان مني ما أحرقا أحب إلي من أن يسعى غلامي خلفي وخرج أبو داؤد عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من لايمكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون وأكسوه مما تكتسون ومن لا يلايمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله ( لا يمكم وافقكم والملايمة الموافقة وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق ( وقال عليه السلام : ( لا يقل أحدكم عبدي وأمتي بل ليقل فتاي وفتاتي ( وسيأتي بيانه في سورة يوسف عليه السلام فندب صلى الله عليه وسلم السادة إلى مكارم الأخلاق وحضهم عليها وأرشدهم إلى الإحسان وإلى سلوك طريق التواضع حتى لا يروا لأنفسهم مزية على عبيدهم إذ الكل عبيد الله والمال مال الله لكن سخر بعضهم لبعض وملك بعضهم بعضا إتماما للنعمة وتنفيذا للحكمة فإن أطعموهم أقل مما يأكلون وألبسوهم أقل مما يلبسون صفة ومقدارا جاز إذا قام بواجبه عليه ولا خلاف في ذلك والله أعلم وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو إذ جاءه قهرمان له فدخل فقال : أعطيت الرقيق قوتهم قال لا قال : فانطلق فأعطهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم ( الخامسة عشرة ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من ضرب عبده حدا لم يأته أو لطمه فكفارته أن يعتقه ( ومعناه أن يضربه قدر الحد ولم يكن عليه حد وجاء عن نفر من الصحابة أنهم اقتصوا للخادم من الولد في الضرب وأعتقوا الخادم لما لم يرد القصاص وقال عليه السلام : ( من قذف مملوكه بالزنى أقام عليه الحد يوم القيامة ثمانين ( وقال عليه السلام : ( لا يدخل الجنة سيئ الملكة ( وقال عليه السلام : ( سوء الخلق شؤم وحسن الملكة نماء وصلة الرحم تزيد في العمر والصدقة تدفع ميتة السوء ( السادسة عشرة واختلف العلماء من هذا الباب أيهما أفضل الحر أو العبد فروى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( للعبد المملوك المصلح أجران ( والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك وروى عن إبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين ( فاستدل بهذا وما كان مثله من فضل العبد لأنه مخاطب من جهتين : مطالب بعبادة الله مطالب بخدمة سيده وإلى هذا ذهب أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري وأبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد العامري البغدادي الحافظ استدل من فضل الحر بأن قال : الإستقلال بأمور الدين والدنيا إنما يحصل بالأحرار والعبد كالمفقود لعدم إستقلاله وكالآلة المصرفة بالقهر وكالبهيمة المسخرة بالجبر ولذلك سلب مناصب الشهادات ومعظم الولايات ونقصت حدوده عن حدود الأحرار إشعارا بخسة المقدار والحر وإن طولب من جهة واحدة فوظائفه فيها أكثر وعناؤه أعظم فثوابه أكثر وقد اشار إلى هذا أبو هريرة بقوله : لولا الجهاد والحج أي لولا النقص الذي يلحق العبد لفوت هذه الأمور والله أعلم السابعة عشرة روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه وما زال يوصيني بالنساء حتى ظننت أنه سيحرم طلاقهن وما زال يوصيني بالمماليك حتى ظننت أنه سيجعل لهم مدة إذا انتهوا إليها عتقوا وما زال يوصيني بالسواك حتى خشيت أن يحفي فمي وروى حتى كاد وما زال يوصيني بقيام الليل حتى ظننت أن خيار أمتي لا ينامون ليلا ( ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره الثامنة عشرة قوله تعالى : ( إن الله لا يحب ) أي لا يرضى ( من كان مختالا فخورا ) فنفى سبحانه محبته ورضاه عمن هذه صفته أي لا يظهر عليه آثار نعمه في الآخرة وفي هذا ضرب من التوعد والمختال ذو الخيلاء أي الكبر والفخور : الذي يعدد مناقبه كبرا والفخر : البذخ والتطاول وخص هاتين الصفتين بالذكر هنا لأنهما تحملان صاحبيهما على الأنفة من القريب الفقير والجار الفقير وغيرهم ممن ذكر في الآية فيضيع أمر الله بالإحسان إليهم ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : الذين يبخلون الذين في موضع نصب على البدل من من في قوله : من كان ولا يكون صفة لأن من وما لا يوصفان ولا يوصف بهما ويجوز أن يكون في موضع رفع بدلا من المضمر الذي في فخور ويجوز أن يكون في موضع رفع فيعطف عليه ويجوز أن يكون إبتداء والخبر محذوف أي الذين يبخلون لهم كذا أو يكون الخبر إن الله لا يظلم مثقال ذرة ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أعني فتكون الآية في المؤمنين فتجيء الآية على هذا التأويل أن الباخلين منفية عنهم محبة الله فأحسنوا أيها المؤمنون إلى من سمى فإن الله لا يحب من فيه الخلال المانعة من الإحسان الثانية قوله تعالى : ( يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ) البخل المذموم في الشرع هو الإمتناع من أداء ما أوجب الله تعالى عليه وهو مثل قوله تعالى : ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله الآية وقد مضى في آل عمران القول في البخل وحقيقته والفرق بينه وبين الشح مستوفي والمراد بهذه الآية في قول إبن عباس وغيره اليهود فإنهم جمعوا بين الإختيال والفخر والبخل بالمال وكتمان ما أنزل الله من التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : المراد المنافقون الذين كان إنفاقهم وإيمانهم تقية والمعنى إن الله لا يحب كل مختال فخور ولا الذين يبخلون على ما ذكرنا من إعرابه قوله تعالى : ( وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ) فصل تعالى توعد المؤمنين الباخلين من توعد الكافرين بأن جعل الأول عدم المحبة والثاني عذابا مهينا < <