Qur'an&Sunnahالقرآن

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي · AR

قسم V06/P079–V06/P107Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P079–V06/P107)

> فيه اثنتان وثلاثون مسألة : الأولى ذكر القشيري وبن عطية أن هذه الآية نزلت في قصة عائشة حين فقدت العقد في غزوة المريسيع وهي آية الوضوء قال بن عطية : لكن من حيث كان الوضوء متقررا عندهم مستعملا فكأن الآية لم تزدهم فيه إلا تلاوته وإنما أعطتهم الفائدة والرخصة في التيمم وقد ذكرنا في آية النساء خلاف هذا والله أعلم ومضمون هذه الآية داخل فيما أمر به من الوفاء بالعقود وأحكام الشرع وفيما ذكر من إتمام النعمة فإن هذه الرخصة من إتمام النعم الثانية واختلف العلماء في المعنى المراد بقوله : ( إذا قمتم إلى الصلاة ) على أقوال فقالت طائفة : هذا لفظ عام في كل قيام إلى الصلاة سواء كان القائم متطهرا أو محدثا فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ وكان علي يفعله ويتلو هذه الآية ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده وروي مثله عن عكرمة وقال بن سيرين : كان الخلفاء يتوضؤن لكل صلاة قلت : فالآية على هذا محكمة لا نسخ فيها وقالت طائفة : الخطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلا من حدث وقال علقمة بن الفغواء عن أبيه وهو من الصحابة وكان دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك : نزلت هذه الآية رخصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان لا يعمل عملا إلا وهو على وضوء ولا يكلم أحدا ولا يرد سلاما إلى غير ذلك فأعلمه الله بهذه الآية أن الوضوء إنما هو للقيام إلى الصلاة فقط دون سائر الأعمال وقالت طائفة : المراد بالآية الوضوء لكل صلاة طلبا للفضل وحملوا الأمر على الندب وكان كثير من الصحابة منهم بن عمر يتوضؤن لكل صلاة طلبا للفضل وكان عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك إلى أن جمع يوم الفتح بين الصلوات الخمس بوضوء واحد إرادة البيان لأمته صلى الله عليه وسلم قلت : وظاهر هذا القول أن الوضوء لكل صلاة قبل ورود الناسخ كان مستحبا لا إيجابا وليس كذلك فإن الأمر إذا ورد مقتضاه الوجوب لا سيما عند الصحابة رضوان الله عليهم على ما هو معروف من سيرتهم وقال آخرون : إن الفرض في كل وضوء كان لكل صلاة ثم نسخ في فتح مكة وهذا غلط لحديث أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة وأن أمته كانت على خلاف ذلك وسيأتي ولحديث سويد بن النعمان أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو بالصهباء العصر والمغرب بوضوء واحد وذلك في غزوة خيبر وهي سنة ست وقيل : سنة سبع وفتح مكة كان في سنة ثمان وهو حديث صحيح رواه مالك في موطئه وأخرجه البخاري ومسلم فبان بهذين الحديثين أن الفرض لم يكن قبل الفتح لكل صلاة فإن قيل : فقد روى مسلم عن بريدة بن الحصيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال عمر رضي الله عنه : لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه فقال : ( عمدا صنعته يا عمر ( فلم سأله عمر واستفهمه قيل له : إنما سأله لمخالفته عادته منذ صلاته بخيبر والله أعلم وروى الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا وغير طاهر قال حميد قلت لأنس : وكيف كنتم تصنعون أنتم قال : كنا نتوضأ وضوءا واحدا قال : حديث حسن صحيح وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الوضوء على الوضوء نور ( فكان عليه السلام يتوضأ مجددا لكل صلاة وقد سلم عليه رجل وهو يبول فلم يرد عليه حتى تيمم ثم رد السلام وقال : ( إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ( رواه الدارقطني وقال السدي وزيد بن أسلم : معنى الآية إذأ قمتم إلى الصلاة يريد من المضاجع يعني النوم والقصد بهذا التأويل أن يعم الأحداث بالذكر ولا سيما النوم الذي هو مختلف فيه هل هو حدث في نفسه أم لا وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير التقدير : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء يعني الملامسة الصغرى فاغسلوا فتمت أحكام المحدث حدثا أصغر ثم قال : ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) فهذا حكم نوع آخر ثم قال للنوعين جميعا : ( وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا ) وقال بهذا التأويل محمد بن مسلمة من أصحاب مالك رحمة الله وغيره وقال جمهور أهل العلم : معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين وليس في الآية على هذا تقديم وتأخير بل ترتب في الآية حكم واجد الماء إلى قوله : فاطهروا ودخلت الملامسة الصغرى في قوله محدثين ثم ذكر بعد قوله : وإن كنتم جنبا فاطهروا حكم عادم الماء من النوعين جميعا وكانت الملامسة هي الجماع ولا بد أن يذكر الجنب العادم الماء كما ذكر الواجد وهذا تأويل الشافعي وغيره وعليه تجيء أقوال الصحابة كسعد بن أبي وقاص وبن عباس وأبي موسى الأشعري وغيرهم قلت : وهذان التأويلان أحسن ما قيل في الآية والله أعلم ومعنى إذا قمتم إذا أردتم كما قال تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ أي إذا أردت لأن الوضوء حالة القيام إلى الصلاة لا يمكن الثالثة قوله تعالى : ( فاغسلوا وجوهكم ) ذكر تعالى أربعة أعضاء : الوجه وفرضه الغسل واليدين كذلك والرأس وفرضه المسح إتفاقا واختلف في الرجلين على ما يأتي لم يذكر سواها فدل ذلك على أن ما عداها آداب وسنن والله أعلم ولا بد في غسل الوجه من نقل الماء إليه وإمرار اليد عليه وهذه حقيقة الغسل عندنا وقد بيناه في النساء وقال غيرنا : إنما عليه إجراء الماء وليس عليه دلك بيده ولا شك أنه إذا انغمس الرجل في الماء وغمس وجهه أو يده ولم يدلك يقال : غسل وجهه ويده ومعلوم أنه لا يعتبر في ذلك غير حصول الاسم فإذا حصل كفى والوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة وهو عضو مشتمل على أعضاء وله طول وعرض فحده في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين ومن الأذن إلى الأذن في العرض وهذا في الأمرد وأما الملتحى فإذا اكتسى الذقن بالشعر فلا يخلو أن يكون خفيفا أو كثيفا فإن كان الأول بحيث تبين منه البشرة فلا بد من إيصال الماء إليها وإن كان كثيفا فقد انتقل الفرض إليه كشعر الرأس ثم ما زاد على الذقن من الشعر واسترسل من اللحية فقال سحنون عن بن القاسم : سمعت مالكا سئل : هل سمعت بعض أهل العلم يقول أن اللحية من الوجه فليمر عليها الماء قال : نعم وتخليلها في الوضوء ليس من أمر الناس وعاب ذلك على من فعله وذكر بن القاسم أيضا عن مالك قال : يحرك المتوضيء ظاهر لحيته من غير أن يدخل يده فيها قال : وهي مثل أصابع الرجلين قال بن عبد الحكم : تخليل اللحية واجب في الوضوء والغسل قال أبو عمر : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلل لحيته في الوضوء من وجوه كلها ضعيفة وذكر بن خويز منداد : أن الفقهاء اتفقوا على أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء إلا شيء روي عن سعيد بن جبير قوله : ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت لم يغسلها وما بال الأمرد يغسل ذقنه ولا يغسله ذو اللحية قال الطحاوي : التيمم واجب فيه مسح البشرة قبل نبات الشعر في الوجه ثم سقط بعده عند جميعهم فكذلك الوضوء قال أبو عمر : من جعل غسل اللحية كلها واجبا جعلها وجها لأن الوجه مأخوذ من المواجهة والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا لم يخص صاحب لحية من أمرد فوجب غسلها بظاهر القرآن لأنها بدل من البشرة قلت : واختار هذا القول بن العربي وقال : وبه أقول لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل لحيته خرجه الترمذي وغيره فعين المحتمل بالفعل وحكى بن المنذر عن إسحاق أن من ترك تخليل لحيته عامدا أعاد وروى الترمذي عن عثمان بن عفان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته قال : هذا حديث حسن صحيح قال أبو عمر : ومن لم يوجب غسل ما انسدل من اللحية ذهب إلى أن الأصل المأمور بغسله البشرة فوجب غسل ما ظهر فوق البشرة وما انسدل من اللحية ليس تحته ما يلزم غسله فيكون غسل اللحية بدلا منه واختلفوا أيضا في غسل ما وراء العذار إلى الأذن فروى بن وهب عن مالك قال : ليس ما خلف الصدغ الذي من وراء شعر اللحية إلى الذقن من الوجه قال أبو عمر : لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال بما رواه بن وهب عن مالك وقال أبو حنيفة وأصحابه : البياض بين العذار والأذن من الوجه وغسله واجب ونحوه قال الشافعي وأحمد وقيل : يغسل البياض استحبابا قال بن العربي : والصحيح عندي أنه لا يلزم غسله إلا للأمرد لا للمعذر قلت : وهو اختيار القاضي عبد الوهاب وسبب الخلاف هل تقع عليه المواجهة أم لا والله أعلم وبسبب هذا الاحتمال اختلفوا هل يتناول الأمر بغسل الوجه باطن الأنف والفم أم لا فذهب أحمد بن حنبل وإسحاق وغيرهما إلى وجوب ذلك في الوضوء والغسل إلا أن أحمد قال : يعيد من ترك الاستنشاق في وضوئه ولا يعيد من ترك المضمضة وقال عامة الفقهاء : هما سنتان في الوضوء والغسل لأن الأمر إنما يتناول الظاهر دون الباطن والعرب لا تسمي وجها إلا ما وقعت به المواجهة ثم إن الله تعالى لم يذكرهما في كتابه ولا أوجبهما المسلمون ولا اتفق الجميع عليه والفرائض لا تثبت إلا من هذه الوجوه وقد مضى هذا المعنى في النساء وأما العينان فالناس كلهم مجمعون على أن داخل العينين لا يلزم غسله إلا ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان ينضح الماء في عينيه وإنما سقط غسلهما للتأذي بذلك والحرج به قال بن العربي : ولذلك كان عبد الله بن عمر لما عمي يغسل عينيه إذ كان لا يتأذى بذلك وإذا تقرر هذا من حكم الوجه فلا بد من غسل جزء من الرأس مع الوجه من غير تحديد كما لا بد على القول بوجوب عموم الرأس من مسح جزء معه من الوجه لا يتقدر وهذا ينبني على أصل من أصول الفقه وهو : أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب مثله والله أعلم الرابعة وجمهور العلماء على أن الوضوء لا بد فيه من نية لقوله عليه السلام : ( إنما الأعمال بالنيات ( قال البخاري : فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام وقال الله تعالى : قل كل يعمل على شاكلته يعني على نيته وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولكن جهاد ونية ( وقال كثير من الشافعية : لا حاجة إلى نية وهو قول الحنفية قالوا : لا تجب النية إلا في الفروض التي هي مقصودة لأعيانها ولم تجعل سببا لغيرها فأما ما كان شرطا لصحة فعل آخر فليس يجب ذلك فيه بنفس ورود الأمر إلا بدلالة تقارنه والطهارة شرط فإن من لا صلاة عليه لا يجب عليه فرض الطهارة كالحائض والنفساء احتج علماؤنا وبعض الشافعية بقوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم فلما وجب فعل الغسل كانت النية شرطا في صحة الفعل لأن الفرض من قبل الله تعالى فينبغي أن يجب فعل ما أمر الله به فإذا قلنا : إن النية لا تجب عليه لم يجب عليه القصد إلى فعل ما أمره الله تعالى ومعلوم أن الذي اغتسل تبردا أو لغرض ما قصد أداء الواجب وصح في الحديث أن الوضوء يكفر فلو صح بغير نية لما كفر وقال تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين الخامسة قال بن العربي قال بعض علمائنا : إن من خرج إلى النهر بنية الغسل أجزأه وإن عزبت نيته في الطريق ولو خرج إلى الحمام فعزبت في أثناء الطريق بطلت النية قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه : فركب على هذا سفاسفة المفتين أن نية الصلاة تتخرج على القولين وأوردوا فيها نصا عمن لا يفرق بين الظن واليقين بأنه قال يجوز أن تتقدم فيها النية على التكبير ويا لله ويا للعالمين من أمة أرادت أن تكون مفتية مجتهدة فما وفقها الله ولا سددها اعلموا رحمكم الله أن النية في الوضوء مختلف في وجوبها بين العلماء وقد اختلف فيها قول مالك فلما نزلت عن مرتبة الاتفاق سومح في تقديمها في بعض المواضع فأما الصلاة فلم يختلف أحد من الأئمة فيها وهي أصل مقصود فكيف يحمل الأصل المقصود المتفق عليه على الفرع التابع المختلف فيه هل هذا إلا غاية الغباوة وأما الصوم فإن الشرع رفع الحرج فيه لما كان ابتداؤه في وقت الغفلة بتقديم النية عليه السادسة قوله تعالى : ( وأيديكم إلى المرافق ) واختلف الناس في دخول المرافق في التحديد فقال قوم : نعم لأن ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها دخل فيه قال سيبويه وغيره وقد مضى هذا في البقرة مبينا وقيل : لا يدخل المرفقان في الغسل والروايتان مرويتان عن مالك الثانية لأشهب والأولى عليها أكثر العلماء وهو الصحيح لما رواه الدارقطني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه وقد قال بعضهم : إن إلى بمعنى مع كقولهم : الذود إلى الذود إبل أي مع الذود وهذا لا يحتاج إليه كما بيناه في النساء ولأن اليد عند العرب تقع على أطراف الأصابع إلى الكتف وكذلك الرجل تقع على الأصابع إلى أصل الفخذ فالمرفق داخل تحت اسم اليد فلو كان المعنى مع المرافق لم يفد فلما قال : إلى اقتطع من حد المرافق عن الغسل وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر وهذا كلام صحيح يجري على الأصول لغة ومعنى قال بن العربي : وما فهم أحد مقطع المسألة إلا القاضي أبو محمد فإنه قال : إن قوله إلى المرافق حد للمتروك من اليدين لا للمغسول فيهما ولذلك تدخل المرافق في الغسل قلت : ولما كان اليد والرجل تنطلق في اللغة على ما ذكرنا كان أبو هريرة يبلغ بالوضوء إبطه وساقه ويقول : سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : ( تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ( قال القاضي عياض : والناس مجمعون على خلاف هذا وألا يتعدى بالوضوء حدوده لقوله عليه السلام : ( فمن زاد فقد تعدى وظلم ( وقال غيره : كان هذا الفعل مذهبا له ومما انفرد به ولم يحكه عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما استنبطه من قوله عليه السلام : ( أنتم الغر المحجلون ( ومن قوله : ( تبلغ الحلية ( كما ذكر السابعة قوله تعالى : ( وامسحوا برءوسكم ) تقدم في النساء أن المسح لفظ مشترك وأما الرأس فهو عبارة عن الجملة التي يعلمها الناس ضرورة ومنها الوجه فلما ذكره الله عز وجل في الوضوء وعين الوجه للغسل بقي باقيه للمسح ولو لم يذكر الغسل للزم مسح جميعه ما عليه شعر من الرأس وما فيه العينان والأنف والفم وقد أشار مالك في وجوب مسح الرأس إلى ما ذكرناه فإنه سئل عن الذي يترك بعض رأسه في الوضوء فقال : أرأيت إن ترك غسل بعض وجهه أكان يجزئه ووضح بهذا الذي ذكرناه أن الأذنين من الرأس وأن حكمهما حكم الرأس خلافا للزهري حيث قال : هما من الوجه يغسلان معه وخلافا للشعبي حيث قال : ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس وهو قول الحسن وإسحاق وحكاه بن أبي هريرة عن الشافعي وسيأتي بيان حجتهما وإنما سمي الرأس رأسا لعلوه ونبات الشعر فيه ومنه رأس الجبل وإنما قلنا إن الرأس اسم لجملة أعضاء لقول الشاعر : إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثري وغودر عند الملتقى ثم سائري الثامنة واختلف العلماء في تقدير مسحه على أحد عشر قولا ثلاثة لأبي حنيفة وقولان للشافعي وستة أقوال لعلمائنا والصحيح منها واحد وهو وجوب التعميم لما ذكرناه وأجمع العلماء على أن من مسح رأسه كله فقد أحسن وفعل ما يلزمه والباء مؤكدة زائدة ليست للتبعيض : والمعنى وامسحوا رءوسكم وقيل : دخولها هنا كدخولها في التيمم في قوله : فامسحوا بوجوهكم فلو كان معناها التبعيض لأفادته في ذلك الموضع وهذا قاطع وقيل : إنما دخلت لتفيد معنى بديعا وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به والمسح لغة لا يقتضي ممسوحا به فلو قال : وامسحوا رءوسكم لأجزأ المسح باليد إمرارا من غير شيء على الرأس فدخلت الباء لتفيد ممسوحا به وهو الماء فكأنه قال : وامسحوا برءوسكم الماء وذلك فصيح في اللغة على وجهين إما على القلب كما أنشد سيبويه : كنواح ريش حمامة بخدية ومسحت باللثتين عصف الأثمد واللثة هي الممسوحة بعصف الإثمد فقلب وإما على الإشتراك في الفعل والتساوي في نسبته كقول الشاعر : مثل القنافذ هداجون قد بلغت نجران أو بلغت سوءاتهم هجر فهذا ما لعلمائنا في معنى الباء وقال الشافعي : احتمل قول الله تعالى : وامسحوا برءوسكم بعض الرإس ومسح جميعه فدلت السنة أن مسح بعضه يجزئ وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وقال في موضع آخر : فإن قيل قد قال الله عز وجل : فامسحوا بوجوهكم في التيمم أيجزيء بعض الوجه فيه قيل له : مسح الوجه في التيمم بدل من غسله فلا بد أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل منه ومسح الرأس أصل فهذا فرق ما بينهما أجاب علماؤنا عن الحديث بأن قالوا : لعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لعذر لا سيما وكان هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم في السفر وهو مظنة الأعذار وموضع الاستعجال والاختصار وحذف كثير من الفرائض لأجل المشقات والأخطار ثم هو لم يكتف بالناصية حتى مسح على العمامة أخرجه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة فلو لم يكن مسح جميع الرأس واجبا لما مسح على العمامة والله أعلم التاسعة وجمهور العلماء على أن مسحة واحدة موعبة كاملة تجزئ وقال الشافعي : يمسح رأسه ثلاثا وروي عن أنس وسعيد بن جبير وعطاء وكان بن سيرين يمسح مرتين قال أبو داود : وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا قالوا فيها : ومسح برأسه ولم يذكروا عددا العاشرة واختلفوا من أين يبدأ بمسحه فقال مالك : يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب بيديه إلى مؤخره ثم يردهما إلى مقدمه على حديث عبد الله بن زيد أخرجه مسلم وبه يقول الشافعي وبن حنبل وكان الحسن بن حي يقول : يبدأ بمؤخر الرأس على حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء وهو حديث يختلف في ألفاظه وهو يدور على عبد الله بن محمد بن عقيل وليس بالحافظ عندهم أخرجه أبو داود من رواية بشر بن المفضل عن عبد الله عن الربيع وروى بن عجلان عنه عن الربيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ عندنا فمسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحية بمنصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته ورويت هذه الصفة عن بن عمر وأنه كان يبدأ من وسط رأسه وأصح ما في هذا الباب حديث عبد الله بن زيد وكل من أجاز بعض الرأس فإنما يرى ذلك البعض في مقدم الرأس وروي عن إبراهيم والشعبي أنهما قالا : أي نواحي رأسك مسحت أجزأ عنك ومسح بن عمر اليافوخ فقط والإجماع منعقد على إستحسان المسح باليدين معا وعلى الإجزاء إن مسح بيد واحدة واختلف فيمن مسح بإصبع واحدة حتى عم ما يرى أنه يجزئه من الرأس فالمشهور أن ذلك يجزئ وهو قول سفيان الثوري قال سفيان : إن مسح رأسه بإصبع واحد أجزأه وقيل : إن ذلك لا يجزئ لأنه خروج عن سنة المسح وكأنه لعب إلا أن يكون ذلك عن ضرورة مرض فينبغي ألا يختلف في الأجزاء قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : لايجزيء مسح الرأس بأقل من ثلاث أصابع واختلفوا في رد اليدين على شعر الرأس هل هو فرض أو سنة بعد الإجماع على أن المسحة الأولى فرض بالقرآن فالجمهور على أنه سنة وقيل : هو فرض الحادية عشرة فلو غسل متوضئ رأسه بدل المسح فقال بن العربي : لا نعلم خلافا أن ذلك يجزئه إلا ما أخبرنا الإمام فخر الإسلام الشاشي في الدرس عن أبي العباس بن القاص من أصحابهم قال : لا يجزئه وهذا تولج في مذهب الداودية الفاسد من اتباع الظاهر المبطل للشريعة الذي ذمه الله في قوله : يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا الروم وقال تعالى : أم بظاهر من القول الرعد وإلا فقد جاء هذا الغاسل بما أمر وزيادة فإن قيل : هذه زيادة خرجت عن اللفظ المتعبد به قلنا : ولم يخرج عن معناه في إيصال الفعل إلى المحل وكذلك لو مسح رأسه ثم حلقه لم يكن عليه إعادة المسح الثانية عشرة وأما الأذنان فهما من الرأس عند مالك وأحمد والثوري وأبي حنيفة وغيرهم ثم اختلفوا في تجديد الماء فقال مالك وأحمد : يستأنف لهما ماء جديدا سوى الماء الذي مسح به الرأس على ما فعل بن عمر وهكذا قال الشافعي في تجديد الماء وقال : هما سنة على حالهما لا من الوجه ولا من الرأس لاتفاق العلماء على أنه لا يحلق ما عليهما من الشعر في الحج وقول أبي ثور في هذا كقول الشافعي وقال الثوري وأبو حنيفة : يمسحان مع الرأس بماء واحد وروى عن جماعة من السلف مثل هذا القول من الصحابة والتابعين وقال داود : إن مسح أذنيه فحسن وإلا فلا شيء عليه إذ ليستا مذكورتين في القرآن قيل له : اسم الرأس تضمنهما كما بيناه وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في كتاب النسائي وأبي داود وغيرهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح ظاهرهما وباطنهما وأدخل أصابعه في صماخيه وإنما يدل عدم ذكرهما من الكتاب على أنهما ليستا بفرض كغسل الوجه واليدين وثبتت سنة مسحهما بالسنة وأهل العلم يكرهون للمتوضيء ترك مسح أذنيه ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق فإنه قال : إن ترك مسح أذنيه لم يجزه وقال أحمد : إن تركهما عمدا أحببت أن يعيد وروي عن علي بن زياد من أصحاب مالك أنه قال : من ترك سنة من سنن الوضوء أو الصلاة عامدا أعاد وهذا عند الفقهاء ضعيف وليس لقائله سلف ولا له حظ من النظر ولو كان كذلك لم يعرف الفرض الواجب من غيره والله أعلم احتج من قال : هما من الوجه بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده : ( سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره ( فأضاف السمع إلى الوجه فثبت أن يكون لهما حكم الوجه وفي مصنف أبى داود من حديث عثمان : فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة ثم غسل رجليه ثم قال : أين السائلون عن الوضوء هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ احتج من قال : يغسل ظاهرهما مع الوجه وباطنهما يمسح مع الرأس بأن الله عز وجل قد أمر بغسل الوجه وأمر بمسح الرأس فما واجهك من الأذنين وجب غسله لأنه من الوجه وما لم يواجهك وجب مسحه لأنه من الرأس وهذا ترده الآثار بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح ظاهر أذنيه وباطنهما من حديث علي وعثمان وبن عباس والربيع وغيرهم احتج من قال : هما من الرأس بقوله صلى الله عليه وسلم من حديث الصنابحي : ( فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه ( الحديث أخرجه مالك الثالثة عشرة قوله تعالى : ( وأرجلكم ) قرأ نافع وبن عامر والكسائي وأرجلكم بالنصب وروى الوليد بن مسلم عن نافع أنه قرأ وأرجلكم بالرفع وهي قراءة الحسن والأعمش سليمان وقرأ بن كثير وأبو عمرو وحمزة وأرجلكم بالخفض وبحسب هذه القراءات اختلف الصحابة والتابعون فمن قرأ بالنصب جعل العامل أغسلوا وبنى على أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم واللازم من قوله في غير ما حديث وقد رأى قوما يتوضؤون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته ( ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء ( ثم إن الله حدهما فقال : إلى الكعبين كما قال في اليدين إلى المرافق فدل على وجوب غسلهما والله أعلم ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء قال بن العربي : اتفقت العلماء على وجوب غسلهما وما علمت من رد ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين والرافضة من غيرهم وتعلق الطبري بقراءة الخفض قلت : قد روي عن بن عباس أنه قال : الوضوء غسلتان ومسحتان وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال : اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجلكم فإنه ليس شيء من بن آدم أقرب من خبثه من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما فسمع ذلك أنس بن مالك فقال : صدق الله وكذب الحجاج قال الله تعالى وامسحوا برءوسكم وأرجلكم قال : وكان إذا مسح رجليه بلهما وروي عن أنس أيضا أنه قال : نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل وكان عكرمة يمسح رجليه وقال : ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح وقال عامر الشعبي : نزل جبريل بالمسح ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلا ويلغى ما كان مسحا وقال قتادة : افترض الله غسلتين ومسحتين وذهب بن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح وجعل القراءتين كالروايتين قال النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه أن المسح والغسل واجبان جميعا فالمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض والغسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب والقراءتان بمنزلة آيتين قال بن عطية : وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في الرجلين هو الغسل قلت : وهو الصحيح فإن لفظ المسح مشترك يطلق بمعنى المسح ويطلق بمعنى الغسل قال الهروي : أخبرنا الأزهري أخبرنا أبو بكر محمد بن عثمان بن سعيد الداري عن أبي حاتم عن أبي زيد الأنصاري قال : المسح في كلام العرب يكون غسلا ويكون مسحا ومنه يقال : للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه : قد تمسح ويقال : مسح الله ما بك إذا غسلك وطهرك من الذنوب فإذا ثبت بالنقل عن العرب أن المسح يكون بمعنى الغسل فترجح قول من قال : إن المراد بقراءة الخفض الغسل بقراءة النصب التي لا احتمال فيها وبكثرة الأحاديث الثابتة بالغسل والتوعد على ترك غسلها في أخبار صحاح لا تحصى كثرة أخرجها الأئمة ثم إن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل لبيان الترتيب على أنه مفعول قبل الرجلين التقدير فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برءوسكم فلما كان الرأس مفعولا قبل الرجلين قدم عليهما في التلاوة والله أعلم لا أنهما مشتركان مع الرأس لتقدمه عليهما في صفة التطهير وقد روى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قرأ الحسن والحسين رحمة الله عليهما علي وأرجلكم فسمع علي ذلك وكان يقضي بين الناس فقال : وأرجلكم هذا من المقدم والمؤخر من الكلام وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال : اغسلوا الأقدام إلى الكعبين وكذا روى عن بن مسعود وبن عباس أنهما قرآ وأرجلكم بالنصب وقد قيل : إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيدا لمسحهما لكن إذا كان عليهما خفان وتلقينا هذا القيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان فبين صلى الله عليه وسلم بفعله الحال التي تغسل فيه الرجل والحال التي تمسح فيه وهذا حسن فإن قيل : إن المسح على الخفين منسوخ بسورة المائدة وقد قاله بن عباس ورد المسح أبو هريرة وعائشة وأنكره مالك في رواية عنه فالجواب أن من نفى شيئا وأثبته غيره فلا حجة للنافي وقد أثبت المسح على الخفين عدد كثير من الصحابة وغيرهم وقد قال الحسن : حدثني سبعون رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مسحوا على الخفين وقد ثبت بالنقل الصحيح عن همام قال : بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه قال إبراهيم النخعي : وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه قال إبراهيم النخعي : كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة وهذا نص يرد ما ذكروه وما احتجوا به من رواية الواقدي عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه أن جريرا أسلم في ستة عشر من شهر رمضان وأن المائدة نزلت في ذي الحجة يوم عرفات وهذا حديث لا يثبت لوهاه وإنما نزل منها يوم عرفة اليوم أكملت لكم دينكم على ما تقدم قال أحمد بن حنبل : أنا أستحسن حديث جرير في المسح على الخفين لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة وأما ما روي عن أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما فلا يصح أما عائشة فلم يكن عندها بذلك علم ولذلك ردت السائل إلى علي رضي الله عنه وأحالته عليه فقالت : سله فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وأما مالك فما روى عنه من الإنكار فهو منكر لا يصح والصحيح ما قاله عند موته لإبن نافع قال : إني كنت آخذ في خاصة نفسي بالطهور ولا أرى من مسح مقصرا فيما يجب عليه وعلى هذا حمل أحمد بن حنبل ما رواه بن وهب عنه أنه قال : لا أمسح في حضر ولا سفر قال أحمد : كما روي عن بن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا خفافهم وخلع هو وتوضأ وقال : حبب إلي الوضوء ونحوه عن أبي أيوب وقال أحمد رضي الله عنه : فمن ترك ذلك على نحو ما تركه بن عمر وأبو أيوب ومالك لم أنكره عليه وصلينا خلفه ولم نعبه إلا أن يترك ذلك ولا يراه كما صنع أهل البدع فلا يصلى خلفه والله أعلم وقد قيل : إن قوله وأرجلكم معطوف على اللفظ دون المعنى وهذا أيضا يدل على الغسل فإن المراعى المعنى لا اللفظ وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال الله تعالى يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس الرحمن بالجر لأن النحاس الدخان وقال : بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ البروج بالجر قال امرؤ القيس : كبير أناس في بجاد مزمل فخفض مزمل بالجوار وأن المزمل الرجل وإعرابه الرفع قال زهير : لعب الزمان بها وغيرها بعدي سوافي المور والقطر قال أبو حاتم : كان الوجه القطر بالرفع ولكنه جره على جوار المور كما قالت العرب : هذا جحر ضب خرب فجروه وإنما هو رفع وهذا مذهب الأخفش وأبي عبيدة ورده النحاس وقال : هذا القول غلط عظيم لأن الجوار لا يكون في الكلام أن يقاس عليه وإنما هو غلط ونظيره الإقواء قلت : والقاطع في الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه وما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام ( ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار ( فخوفنا بذكر النار على مخالفة مراد الله عز وجل ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك الواجب ومعلوم أن المسح ليس شأنه الاستيعاب ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما فتبين بهذا الحديث بطلان قول من قال بالمسح إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح ودليل آخر من جهة الإجماع وذلك أنهم اتفقوا على أن من غسل قدميه فقد أدى الواجب عليه واختلفوا فيمن مسح قدميه فاليقين ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما وحسبك بهذا حجة في الغسل مع ما بيناه فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعنى فيها الغسل لا المسح كما ذكرنا وأن العامل في قوله وأرجلكم قوله : فاغسلوا والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما تقول : أكلت الخبز واللبن أي وشربت اللبن ومنه قول الشاعر : علفتها تبنا وماء باردا وقال آخر : ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا وقال آخر : وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها وقال آخر : شراب ألبان وتمر وإقط التقدير : علفتها تبنا وسقيتها ماء ومتقلدا سيفا وحاملا رمحا وأطفلت بالجلهتين ظباؤها وفرخت نعامها والنعام لا يطفل إنما يفرخ وأطفلت كان لها أطفال والجلهتان جنبتا الوادي وشراب ألبان وآكل تمر فيكون قوله : وامسحوا برءوسكم وأرجلكم عطف بالغسل على المسح حملا على المعنى والمراد الغسل والله أعلم الرابعة عشرة قوله تعالى : ( إلى الكعبين ) روى البخاري : حدثني موسى قال أنبأنا وهيب عن عمرو هو بن يحيى عن أبيه قال شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فأكفأ على يده من التور فغسل يديه ثلاثا ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا ثم أدخل يديه فغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة ثم غسل رجليه إلى الكعبين فهذا الحديث دليل على أن الباء في قوله وامسحوا برءوسكم زائدة لقوله : فمسح رأسه ولم يقل برأسه وأن مسح الرأس مرة وقد جاء مبينا في كتاب مسلم من حديث عبد الله بن زيد في تفسير قوله : فأقبل بهما وأدبر وبدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه واختلف العلماء في الكعبين فالجمهور على أنهما العظمان الناتئان في جنبي الرجل وأنكر الأصمعي قول الناس : إن الكعب في ظهر القدم قاله في الصحاح وروي عن بن القاسم وبه قال محمد بن الحسن قال بن عطية : ولا أعلم أحدا جعل حد الوضوء إلى هذا ولكن عبد الوهاب في التلقين جاء في ذلك بلفظ فيه تخليط وإيهام وقال الشافعي رحمه الله : لم أعلم مخالفا في أن الكعبين هما العظمان في مجمع مفصل الساق وروى الطبري عن يونس عن أشهب عن مالك قال : الكعبان اللذان يجب الوضوء اليهما هما العظمان الملتصقان بالساق المحاذيان للعقب وليس الكعب بالظاهر في وجه القدم قلت : هذا هو الصحيح لغة وسنة فإن الكعب في كلام العرب مأخوذ من العلو ومنه سميت الكعبة وكعبت المرأة إذا فلك ثديها وكعب القناة أنبوبها وأنبوب ما بين كل عقدتين كعب وقد يستعمل في الشرف والمجد تشبيها ومنه الحديث والله لا يزال كعبك عاليا وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود عن النعمان بن بشير ( والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم قال ( فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه والعقب هو مؤخر الرجل تحت العرقوب والعرقوب هو مجمع مفصل الساق والقدم ومنه الحديث ( ويل للعراقيب من النار ( يعني إذا لم تغسل كما قال : ( ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار ( الخامسة عشرة قال بن وهب عن مالك : ليس على أحد تخليل أصابع رجليه في الوضوء ولا في الغسل ولا خير في الجفاء والغلو قال بن وهب : تخليل أصابع الرجلين مرغب فيه ولا بد من ذلك في أصابع اليدين وقال بن القاسم عن مالك من لم يخلل أصابع رجليه فلا شيء عليه وقال محمد بن خالد عن بن القاسم عن مالك فيمن توضأ على نهر فحرك رجليه : أنه لايجزئه حتى يغسلهما بيديه قال بن القاسم وإن قدر على غسل إحداهما بالأخرى أجزأه قلت : الصحيح أنه لا يجزئه فيهما إلا غسل ما بينهما كسائر الرجل إذ ذلك من الرجل كما أن ما بين أصابع اليد من اليد ولا إعتبار بانفراج أصابع اليدين وانضمام أصابع الرجلين فإن الإنسان مأمور بغسل الرجل جميعها كما هو مأمور بغسل اليد جميعها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره مع ما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يغسل رجليه وهذا يقتضي العموم وقد كان مالك رحمه الله في آخر عمره يدلك أصابع رجليه بخنصره أو ببعض أصابعه لحديث حدثه به بن وهب عن بن لهيعة والليث بن سعد عن يزيد بن عمرو الغفاري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فيخلل بخنصره ما بين أصابع رجليه قال بن وهب فقال لي مالك : إن هذا لحسن وما سمعته قط إلا الساعة قال بن وهب : وسمعته سئل بعد ذلك عن تخليل الأصابع في الوضوء فأمر به وقد روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خللوا بين الأصابع لا تخللها النار ( وهذا نص في الوعيد على ترك التخليل فثبت ما قلناه والله الموفق السادسة عشرة ألفاظ الآية تقتضي الموالاة بين الأعضاء وهي إتباع المتوضيء الفعل الفعل إلى آخره من غير تراخ بين أبعاضه ولا فصل بفعل ليس منه واختلف العلماء في ذلك فقال بن أبي سلمة وبن وهب : ذلك من فروض الوضوء في الذكر والنسيان فمن فرق بين أعضاء وضوئه متعمدا أو ناسيا لم يجزه وقال بن عبد الحكم : يجزئه ناسيا ومتعمدا وقال مالك في المدونة وكتاب محمد : إن الموالاة ساقطة وبه قال الشافعي وقال مالك وبن القاسم : إن فرقه متعمدا لم يجزه ويجزئه ناسيا وقال مالك في رواية بن حبيب : يجزئه في المغسول ولا يجزئه في الممسوح فهذه خمسة أقوال ابتنيت على أصلين : الأول أن الله سبحانه وتعالى أمر أمرا مطلقا فوال أو فرق وإنما المقصود وجود الغسل في جميع الأعضاء عند القيام إلى الصلاة والثاني أنها عبادات ذات أركان مختلفة فوجب فيها التوالي كالصلاة وهذا أصح والله أعلم السابعة عشرة وتتضمن ألفاظ الآية أيضا الترتيب وقد اختلف فيه فقال الأبهري : الترتيب سنة وظاهر المذهب أن التنكيس للناسي يجزئ واختلف في العامد فقيل : يجزئ ويرتب في المستقبل وقال أبو بكر القاضي وغيره : لا يجزئ لأنه عابث وإلى هذا ذهب الشافعي وسائر أصحابه وبه يقول أحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم بن سلام وإسحاق وأبو ثور وإليه ذهب أبو مصعب صاحب مالك وذكره في مختصره وحكاه عن أهل المدينة ومالك معهم في أن من قدم في الوضوء يديه على وجهه ولم يتوضأ على ترتيب الآية فعليه الإعادة لما صلى بذلك الوضوء وذهب مالك في أكثر الروايات عنه وأشهرها أن الواو لا توجب التعقيب ولا تعطي رتبة وبذلك قال أصحابه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والليث بن سعد والمزني وداود بن علي قال الكيا الطبري ظاهر قوله تعالى : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم يقتضي الإجزاء فرق أو جمع أو والى على ما هو الصحيح من مذهب الشافعي وهو مذهب الأكثرين من العلماء قال أبو عمر : إلا أن مالكا يستحب له استئناف الوضوء على النسق لما يستقبل من الصلاة ولا يرى ذلك واجبا عليه هذا تحصيل مذهبه وقد روى علي بن زياد عن مالك قال : من غسل ذراعيه ثم وجهه ثم ذكر مكانه أعاد غسل ذراعيه وإن لم يذكر حتى صلى أعاد الوضوء والصلاة قال علي ثم قال بعد ذلك : لا يعيد الصلاة ويعيد الوضوء لما يستأنف وسبب الخلاف ما قال بعضهم : إن الفاء توجب التعقيب في قوله : فاغسلوا فإنها لما كانت جوابا للشرط ربطت المشروط به فاقتضت الترتيب في الجميع وأجيب بأنه إنما اقتضت البداءة في الوجه إذ هو جزاء الشرط وجوابه وإنما كانت تقتضي الترتيب في الجميع لو كان جواب الشرط معنى واحدا فإذا كانت جملا كلها جوابا لم تبال بأيها بدأت إذ المطلوب تحصيلها قيل : إن الترتيب إنما جاء من قبل الواو وليس كذلك لأنك تقول : تقاتل زيد وعمرو وتخاصم بكر وخالد فدخولها في باب المفاعلة يخرجها عن الترتيب والصحيح أن يقال : إن الترتيب متلقى من وجوه أربعة : الأول أن يبدأ بما بدأ الله به كما قال عليه الصلاة والسلام حين حج : ( نبدأ بما بدأ الله به ( الثاني من إجماع السلف فإنهم كانوا يرتبون الثالث من تشبيه الوضوء بالصلاة الرابع من مواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك احتج من أجاز ذلك بالإجماع على ان لا ترتيب في غسل أعضاء الجنابة فكذلك غسل أعضاء الوضوء لأن المعنى في ذلك الغسل لا التبدية وروي عن علي أنه قال : ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت وعن عبد الله بن مسعود قال : لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك قال الدارقطني : هذا مرسل ولا يثبت والأولى وجوب الترتيب والله أعلم الثامنة عشرة إذا كان في الاشتغال بالوضوء فوات الوقت لم يتيمم عند أكثر العلماء ومالك يجوز التيمم في مثل ذلك لأن التيمم إنما جاء في الأصل لحفظ وقت الصلاة ولولا ذلك لوجب تأخير الصلاة إلى حين وجود الماء احتج الجمهور بقوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا وهذا واجد فقد عدم شرط صحة التيمم فلا يتيمم التاسعة عشرة وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة لأنه قال : إذا قمتم إلى الصلاة ولم يذكر الاستنجاء وذكر الوضوء فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أول مبدوء به وهو قول أصحاب أبي حنيفة وهي رواية أشهب عن مالك وقال بن وهب عن مالك : إزالتها واجبه في الذكر والنسيان وهو قول الشافعي وقال بن القاسم : تجب إزالتها مع الذكر وتسقط مع النسيان وقال أبو حنيفة : تجب إزالة النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم البغلي يريد الكبير الذي هو على هيئة المثقال قياسا على فم المخرج المعتاد الذي عفي عنه والصحيح رواية بن وهب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صاحبي القبرين : ( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله ( ولا يعذب إلا على ترك الواجب ولا حجة في ظاهر القرآن لأن الله سبحانه وتعالى إنما بين من آية الوضوء صفة الوضوء خاصة ولم يتعرض لإزالة النجاسة ولا غيرها الموفية عشرين ودلت الآية أيضا على المسح على الخفين كما بينا ولمالك في ذلك ثلاث روايات : الإنكار مطلقا كما يقوله الخوارج وهذه الرواية منكرة وليست بصحيحة وقد تقدم الثانية يمسح في السفر دون الحضر لأن أكثر الأحاديث بالمسح إنما هي في السفر وحديث السباطة يدل على جواز المسح في الحضر أخرجه مسلم من حديث حذيفة قال : فلقد رأيتني أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى فأتى سباطة قوم خلف حائط فقام كما يقوم أحدكم فبال فانتبذت منه فأشار إلي فجئت فقمت عند عقبه حتى فرغ زاد في رواية فتوضأ ومسح على خفيه ومثله حديث شريح بن هانئ قال : أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت : عليك بابن أبي طالب فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه فقال : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة وهي الرواية الثالثة يمسح حضرا وسفرا وقد تقدم ذكرها الحادية والعشرون ويمسح المسافر عند مالك على الخفين بغير توقيت وهو قول الليث بن سعد قال بن وهب سمعت مالكا يقول : ليس عند أهل بلدنا في ذلك وقت وروى أبو داود من حديث أبي بن عمارة أنه قال : يا رسول الله أمسح على الخفين قال : ( نعم ( قال : يوما قال : ( يوما ( قال : ويومين قال : ( ويومين ( قال : وثلاثة أيام قال : ( نعم وما شئت ( في رواية ( نعم وما بدا لك ( قال أبو داود : وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي وقال الشافعي وأحمد بن حنبل والنعمان والطبري : يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام على حديث شريح وما كان مثله وروي عن مالك في رسالته إلى هارون أو بعض الخلفاء وأنكرها أصحابه الثانية والعشرون والمسح عند جميعهم لمن لبس خفية على وضوء لحديث المغيرة بن شعبة أنه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في مسير الحديث وفيه فأهويت لأنزع خفيه فقال : ( دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ( ومسح عليهما ورأى أصبغ أن هذه طهارة التيمم وهذا بناء منه على أن التيمم يرفع الحدث وشذ داود فقال : المراد بالطهارة ها هنا هي الطهارة من النجس فقط فإذا كانت رجلاه طاهرتين من النجاسة جاز المسح على الخفين وسبب الخلاف الإشتراك في اسم الطهارة الثالثة والعشرون ويجوز عند مالك المسح على الخف وإن كان فيه خرق يسير : قال بن خويز منداد : معناه أن يكون الخرق لا يمنع من الانتفاع به ومن لبسه ويكون مثله يمشى فيه وبمثل قول مالك هذا قال الليث والثوري والشافعي والطبري وقد روي عن الثوري والطبري إجازة المسح على الخف المخرق جملة وقال الأوزاعي يمسح على الخف وعلى ما ظهر من القدم وهو قول الطبري وقال أبو حنيفة : إذا كان ما ظهر من الرجل أقل من ثلاث أصابع مسح ولا يمسح إذا ظهر ثلاث وهذا تحديد يحتاج إلى توقيف ومعلوم أن أخفاف الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم من التابعين كانت لا تسلم من الخرق اليسير وذلك متجاوز عند الجمهور منهم وروي عن الشافعي إذا كان الخرق في مقدم الرجل أنه لا يجوز المسح عليه وقال الحسن بن حي : يمسح على الخف إذا كان ما ظهر منه يغطيه الجورب فإن ظهر شيء من القدم لم يمسح قال أبو عمر : هذا على مذهبه في المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين وهو قول الثوري وأبي يوسف ومحمد وهي : الرابعة والعشرون ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة والشافعي إلا أن يكونا مجلدين وهو أحد قولي مالك وله قول آخر انه لا يجوز المسح على الجوربين وإن كانا مجلدين وفي كتاب أبي داود عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين قال أبو داود : وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين وروي هذا الحديث عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس بالقوي ولا بالمتصل قال أبو داود : ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وأبو مسعود والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وبن عباس رضي الله عنهم أجمعين قلت : وأما المسح على النعلين فروى أبو محمد الدارمي في مسنده حدثنا أبو نعيم أخبرنا يونس عن أبي إسحاق عن عبد خير قال : رأيت عليا توضأ ومسح على النعلين فوسع ثم قال : لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما قال أبو محمد الدارمي رحمه الله : هذا الحديث منسوخ بقوله تعالى : فامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين قلت : وقول علي رضي الله عنه لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما مثله قال في المسح على الخفين أخرجه أبو داود عنه قال : لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه قال مالك والشافعي فيمن مسح ظهور خفيه دون بطونهما : إن ذلك يجزئه إلا أن مالكا قال : من فعل ذلك أعاد في الوقت ومن مسح على باطن الخفين دون ظاهرهما لم يجزه وكان عليه الإعادة في الوقت وبعده وكذلك قال جميع أصحاب مالك إلا شيء روي عن أشهب أنه قال : باطن الخفين وظاهرهما سواء ومن مسح باطنهما دون ظاهرهما لم يعد إلا في الوقت وروي عن الشافعي أنه قال يجزئه مسح بطونهما دون ظهورهما والمشهور من مذهبه أنه من مسح بطونهما واقتصر عليهما لم يجزه وليس بماسح وقال أبو حنيفة والثوري : يمسح ظاهري الخفين دون باطنهما وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وجماعة والمختار عند مالك والشافعي وأصحابهما مسح الأعلى والأسفل وهو قول بن عمر وبن شهاب لما رواه أبو داود والدارقطني عن المغيرة بن شعبة قال : وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فمسح أعلى الخف وأسفله قال أبو داود : روي أن ثورا لم يسمع هذا الحديث من رجاء بن حيوة الخامسة والعشرون واختلفوا فيمن نزع خفيه وقد مسح عليهما على أقوال ثلاثة : الأول يغسل رجليه مكانه وإن أخر إستأنف الوضوء قاله مالك والليث وكذلك قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وروي عن الأوزاعي والنخعي ولم يذكروا مكانه الثاني يستأنف الوضوء قاله الحسن بن حي وروي عن الأوزاعي والنخعي الثالث ليس عليه شيء ويصلي كما هو قاله بن أبي ليلى والحسن البصري وهي رواية عن إبراهيم النخعي رضي الله عنهم السادسة والعشرون قوله تعالى : ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) وقد مضى في النساء معنى الجنب واطهروا أمر بالإغتسال بالماء ولذلك رأى عمر وبن مسعود رضي الله عنهما إن الجنب لا يتيمم البتة بل يدع الصلاة حتى يجد الماء وقال الجمهور من الناس : بل هذه العبارة هي لواجد الماء وقد ذكر الجنب بعد في أحكام عادم الماء بقوله : أو لامستم النساء والملامسة هنا الجماع وقد صح عن عمر وبن مسعود أنهما رجعا إلى ما عليه الناس وإن الجنب يتيمم وحديث عمران بن حصين نص في ذلك وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم فقال : ( يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم ( فقال : يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء قال : ( عليك بالصعيد فإنه يكفيك ( أخرجه البخاري السابعة والعشرون قوله تعالى : ( وإن كنتم مرضى أو لى سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ) تقدم في النساء مستوفى ونزيد هنا مسألة أصولية أغفلناها هناك وهي تخصيص العموم بالعادة الغالبة فإن الغائط كناية عن الأحداث الخارجة من المخرجين كما بيناه في النساء فهو عام غير أن جل علمائنا خصصوا ذلك بالأحداث المعتادة الخارجة على الوجه المعتاد فلو خرج غير المعتاد كالحصى والدود أو خرج المعتاد على وجه السلس والمرض لم يكن شيء من ذلك ناقضا وإنما صاروا إلى اللفظ لأن اللفظ مهما تقرر لمدلوله عرف غالب في الاستعمال سبق ذلك الغالب لفهم السامع حالة الإطلاق وصار غيره مما وضع له اللفظ بعيدا عن الذهن فصار غير مدلول له وصار الحال فيه كالحال في الدابة فإنها إذا أطلقت سبق منها الذهن إلى ذوات الأربع ولم تخطر النملة ببال السامع فصارت غير مرادة ولا مدلولة لذلك اللفظ ظاهرا والمخالف يقول : لا يلزم من سبقية الغالب أن يكون النادر غير مراد فإن تناول اللفظ لهما واحد وضعا وذلك يدل على شعور المتكلم بهما قصدا والأول أصح وتتمته في كتب الأصول الثامنة والعشرون قوله تعالى : ( أو لامستم النساء ) روى عبيدة عن عبد الله بن مسعود أنه قال : القبلة من اللمس وكل ما دون الجماع لمس وكذلك قال بن عمر واختاره محمد بن يزيد قال : لأنه قد ذكر في أول الآية ما يجب على من جامع في قوله : وإن كنتم جنبا فاطهروا وقال عبد الله بن عباس : اللمس والمس والغشيان الجماع ولكنه عز وجل يكني وقال مجاهد في قوله عز وجل : وإذا مروا باللغو مروا كراما الفرقان قال : إذا ذكروا النكاح كنوا عنه وقد مضى في النساء القول في هذا الباب مستوفى والحمد لله التاسعة والعشرون قوله تعالى : ( فلم تجدوا ماء ) قد تقدم في النساء أن عدمه يترتب للصحيح الحاضر بأن يسجن أو يربط وهو الذي يقال فيه : إنه إن لم يجد ماء ولا ترابا وخشى خروج الوقت اختلف الفقهاء في حكمه على أربعة أقوال : الأول قال بن خويز منداد : الصحيح على مذهب مالك بأنه لا يصلي ولا شيء عليه قال : ورواه المدنيون عن مالك قال : وهو الصحيح من المذهب وقال بن القاسم : يصلي ويعيد وهو قول الشافعي وقال أشهب : يصلي ولا يعيد وقال أصبغ : لا يصلي ولا يقضي وبه قال أبو حنيفة قال أبو عمر بن عبد البر : ما أعرف كيف أقدم بن خويز منداد على أن جعل الصحيح من المذهب ما ذكر وعلى خلافه جمهور السلف وعامة الفقهاء وجماعة المالكيين وأظنه ذهب إلى ظاهر حديث مالك في قوله : وليسوا على ماء الحديث ولم يذكر أنهم صلوا وهذا لا حجة فيه وقد ذكر هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في هذا الحديث أنهم صلوا بغير وضوء ولم يذكر إعادة وقد ذهب إلى هذا طائفة من الفقهاء قال أبو ثور : وهو القياس قلت : وقد احتج المزني فيما ذكرة الكيا الطبري بما ذكر في قصة القلادة عن عائشة رضي الله عنها حين ضلت وأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين بعثهم لطلب القلادة صلوا بغير تيمم ولا وضوء وأخبروه بذلك ثم نزلت آية التيمم ولم ينكر عليهم فعلها بلا وضوء ولا تيمم والتيمم متى لم يكن مشروعا فقد صلوا بلا طهارة أصلا ومنه قال المزني : ولا إعادة وهو نص في جواز الصلاة مع عدم الطهارة مطلقا عند تعذر الوصول إليها قال أبو عمر : ولا ينبغي حمله على المغمي عليه لأن المغمى عليه مغلوب على عقله وهذا معه عقله وقال بن القاسم وسائر العلماء : الصلاة عليه واجبة إذا كان معه عقله فإذا زال المانع له توضأ أو تيمم وصلى وعن الشافعي روايتان المشهور عنه يصلي كما هو ويعيد قال المزني : إذا كان محبوسا لا يقدر على تراب نظيف صلى وأعاد وهو قول أبي يوسف ومحمد والثوري والطبري وقال زفر بن الهذيل : المحبوس في الحضر لا يصلي وإن وجد ترابا نظيفا وهذا على أصله فإنه لا يتيمم عنده في الحضر كما تقدم وقال أبو عمر : من قال يصلي كما هو ويعيد إذا قدر على الطهارة فإنهم احتاطوا للصلاة بغير طهور قالوا : وقوله عليه السلام : ( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ( لمن قدر على طهور فأما من لم يقدر فليس كذلك لأن الوقت فرض وهو قادر عليه فيصلي كما قدر في الوقت ثم يعيد فيكون قد أخذ بالاحتياط في الوقت والطهارة جميعا وذهب الذين قالوا لا يصلي لظاهر هذا الحديث وهو قول مالك وبن نافع وأصبغ قالوا : من عدم الماء والصعيد لم يصل ولم يقض إن خرج وقت الصلاة لأن عدم قبولها لعدم شروطها يدل على أنه غير مخاطب بها حالة عدم شروطها فلا يترتب شيء في الذمة فلا يقضي قاله غير أبي عمر وعلى هذا تكون الطهارة من شروط الوجوب الموفية ثلاثين قوله تعالى : ( فتيمموا صعيدا طيبا ) قد مضى في النساء اختلافهم في الصعيد وحديث عمران بن حصين نص على ما يقوله مالك إذ لو كان الصعيد التراب لقال عليه السلام للرجل عليك بالتراب فإنه يكفيك فلما قال : ( عليك بالصعيد ( أحاله على وجه الأرض والله أعلم ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) تقدم في النساء الكلام فيه فتأمله هناك الحادية والثلاثون وإذا انتهى القول بنا في الآي إلى هنا فاعلم أن العلماء تكلموا في فضل الوضوء والطهارة وهي خاتمة الباب : قال صلى الله عليه وسلم ( الطهور شطر الإيمان ( أخرجه مسلم من حديث أبي مالك الاشعري وقد تقدم في البقرة الكلام فيه قال بن العربي : والوضوء أصل في الدين وطهارة المسلمين وخصوصا لهذه الأمة في العالمين وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وقال : ( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء أبي إبراهيم ( وذلك لا يصح قال غيره : ليس هذا بمعارض لقوله عليه السلام : ( لكم سيما ليست لغيركم ( فإنهم كانوا يتوضؤون وإنما الذي خص به هذه الأمة الغرة والتحجيل لا بالوضوء وهما تفضل من الله تعالى اختص بهما هذه الأمة شرفا لها ولنبيها صلى الله عليه وسلم كسائر فضائلها على سائر الأمم كما فضل نبيها صلى الله عليه وسلم بالمقام المحمود وغيره على سائر الأنبياء والله أعلم قال أبو عمر : وقد يجوز أن يكون الأنبياء يتوضؤون فيكتسبون بذلك الغرة والتحجيل ولا يتوضأ أتباعهم كما جاء عن موسى عليه السلام قال : يا رب أجد أمة كلهم كالأنبياء فاجعلها أمتي فقال له : تلك أمة محمد في حديث فيه طول وقد روى سالم بن عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار أنه سمع رجلا يحدث أنه رأى رؤيا في المنام أن الناس قد جمعوا للحساب ثم دعى الأنبياء مع كل نبي أمته وأنه رأى لكل نبي نورين يمشي بينهما ولمن اتبعه من أمته نورا واحدا يمشي به حتى دعي بمحمد صلى الله عليه وسلم فإذا شعر رأسه ووجهه نور كله يراه كل من نظر إليه وإذا لمن اتبعه من أمته نوران كنور الأنبياء فقال له كعب وهو لا يشعر أنها رؤيا : من حدثك بهذا الحديث وما علمك به فأخبره أنها رؤيا فأنشده كعب الله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت ما تقول في منامك فقال : نعم والله لقد رأيت ذلك فقال كعب : والذي نفسي بيده أو قال والذي بعث محمدا بالحق إن هذه لصفة أحمد وأمته وصفة الأنبياء في كتاب الله لكأن ما تقوله من التوراة أسنده في كتاب التمهيد قال أبو عمر : وقد قيل إن سائر الأمم كانوا يتوضؤون والله أعلم وهذا لا أعرفه من وجه صحيح وخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة كان مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب ( وحديث مالك عن عبد الله الصنابحي أكمل والصواب أبو عبد الله لا عبد الله وهو مما وهم فيه مالك واسمه عبد الرحمن بن عسيلة تابعي شامي كبير لإدراكه أول خلافة أبي بكر قال أبو عبد الله الصنابحي : قدمت مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن فلما وصلنا الجحفة إذا براكب قلنا له ما الخبر قال : دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ ثلاثة أيام وهذه الأحاديث وما كان في معناها من حديث عمرو بن عبسة وغيره تفيدك أن المراد بها كون الوضوء مشروعا عبادة لدحض الآثام وذلك يقتضي افتقاره إلى نية شرعية لأنه شرع لمحو الإثم ورفع الدرجات عند الله تعالى الثانية والثلاثون قوله تعالى : ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) أي من ضيق في الدين دليله قوله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج الحج ومن صلة أي ليجعل عليكم حرجا ( ولكن يريد ليطهركم ) أي من الذنوب كما ذكرنا من حديث أبي هريرة والصنابحي وقيل : من الحديث والجنابة وقيل : من الحدث والجنابة وقيل : لتستحقوا الوصف بالطهارة التي يوصف بها أهل الطاعة وقرأ سعيد بن المسيب ليطهركم والمعنى واحد كما يقال : نجاه وأنجاه ( وليتم نعمته عليكم ) أي بالترخيص في التيمم عند المرض والسفر وقيل : بتبيان الشرائع وقيل : بغفران الذنوب وفي الخبر تمام النعمة دخول الجنة والنجاة من النار ( لعلكم تشكرون ) أي لتشكروا نعمته فتقبلوا على طاعته < <

قسم V06/P107–V06/P109Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P107–V06/P109)

المائدة : ( 7 ) واذكروا نعمة الله . . . . . > > < > ( المائده 7 ) < > قوله تعالى : ( واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به ) قيل : هو الميثاق الذي في قوله عز وجل : وإذ أخذ ربك من بني آدم قاله مجاهد وغيره ونحن وإن لم نذكره فقد أخبرنا الصادق به فيجوز أن نؤمر بالوفاء به وقيل : هو خطاب لليهود بحفظ ما أخذ عليهم في التوراة والذي عليه الجمهور من المفسرين كابن عباس والسدي هو العهد والميثاق الذي جرى لهم مع النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره إذ قالوا : سمعنا وأطعنا كما جرى ليلة العقبة وتحت الشجرة وأضافه تعالى إلى نفسه كما قال : إنما يبايعون الله الفتح فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم وأن يرحل إليهم هو وأصحابه وكان أول من بايعه البراء بن معرور وكان له في تلك الليلة المقام المحمود في التوثق لرسول الله صلى الله عليه وسلم والشد لعقد أمره وهو القائل : والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله ابناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر الخبر المشهور في سيرة بن إسحاق ويأتي ذكر بيعة الرضوان في موضعها وقد اتصل هذا بقوله تعالى : أوفوا بالعقود فوفوا بما قالوا جزاهم الله تعالى عن نبيهم وعن الإسلام خيرا ورضي الله عنهم وأرضاهم ( واتقوا الله ) أي في مخالفته إنه عالم بكل شيء < < المائدة : ( 8 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المائده 8 : 10 ) < > قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ) الآية تقدم معناها في النساء والمعنى : أتممت عليكم نعمتي فكونوا قوامين لله أي لأجل ثواب الله فقوموا بحقه واشهدوا بالحق من غير ميل إلى أقاربكم وحيف على أعدائكم ولا يجرمنكم شنآن قوم على ترك العدل وإيثار العدوان على الحق وفي هذا دليل على نفوذ حكم العدو على عدوه في الله تعالى ونفوذ شهادته عليه لأنه أمر بالعدل وإن أبغضه ولو كان حكمه عليه وشهادته لا تجوز فيه مع البغض له لما كان لأمره بالعدل فيه وجه ودلت الآية أيضا على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق وأن المثلة بهم غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغمونا بذلك فليس لنا أن نقتلهم بمثلة قصدا لإيصال الغم والحزن إليهم وإليه أشار عبد الله بن رواحة بقوله في القصة المشهورة هذا معنى الآية وتقدم في صدر هذه السورة معنى قوله : ( لا يجرمنكم شنآن قوم ) وقرئ ولا يجرمنكم قال الكسائي : هما لغتان وقال الزجاج : معنى لا يجرمنكم لا يدخلنكم في الجرم كما تقول : آثمني أي أدخلني في الإثم ومعنى ( هو أقرب للتقوى ) أي لأن تتقوا الله وقيل : لأن تتقوا النار ومعنى ( لهم مغفرة وأجر عظيم ) أي قال الله في حق المؤمنين : لهم مغفرة وأجر عظيم أي لا تعرف كنهه أفهام الخلق كما قال : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين السجدة وإذا قال الله تعالى : أجر عظيم وأجر كريم يس وأجر كبير هود فمن ذا الذي يقدر قدره ولما كان الوعد من قبيل القول حسن إدخال اللام في قوله : لهم مغفرة وهو في موضع نصب لأنه وقع موقع الموعود به على معنى وعدهم أن لهم مغفرة أو وعدهم مغفرة إلا أن الجملة وقعت موقع المفرد كما قال الشاعر : وجدنا الصالحين لهم جزاء وجنات وعينا سلسبيلا وموضع الجملة نصب ولذلك عطف عليها بالنصب وقيل : هو في موضع رفع على أن يكون الموعود به محذوفا على تقدير لهم مغفرة وأجر عظيم فيما وعدهم به وهذا المعنى عن الحسن ( والذين كفروا ) نزلت في بني النضير وقيل : في جميع الكفار < <

قسم V06/P109–V06/P110Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P109–V06/P110)

المائدة : ( 11 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المائده 11 ) < > قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ) قال جماعة : نزلت بسبب فعل الأعرابي في غزوة ذات الرقاع حين اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم وقال : من يعصمك مني يا محمد كما تقدم في النساء وفي البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس فاجتمعوا وهو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبه وذكر الواقدي وبن أبي حاتم أنه أسلم وذكر قوم أنه ضرب برأسه في ساق شجرة حتى مات وفي البخاري في غزوة ذات الرقاع أن اسم الرجل غورث بن الحارث بالغين منقوطة مفتوحة وسكون الواو بعدها راء وثاء مثلثة وقد ضم بعضهم الغين والأول صح وذكر أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي وأبو عبد الله محمد بن عمر الواقدي أن اسمه دعثور بن الحارث وذكر انه أسلم كما تقدم وذكر محمد بن إسحاق أن اسمه عمرو بن جحاش وهو أخو بني النضير وذكر بعضهم أن قصة عمرو بن جحاش في غير هذه القصة والله أعلم وقال قتادة ومجاهد وغيرهما : نزلت في قوم من اليهود جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية فهموا بقتله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله منهم قال القشيري : وقد تنزل الآية في قصة ثم ينزل ذكرها مرة أخرى لادكار ما سبق أن يبسطوا إليكم أيديهم أي بالسوء ( فكف أيديهم عنكم ) أي منعهم < < المائدة : ( 12 ) ولقد أخذ الله . . . . . > > < > ( المائده 12 ) <

قسم V06/P110–V06/P113Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P110–V06/P113)

> قوله تعالى : ( ولقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قال بن عطية : هذه الآيات المتضمنة الخبر عن نقضهم مواثيق الله تعالى تقوي أن الآية المتقدمة في كف الأيدي إنما كانت في بني النضير واختلف أهل التأويل في كيفية بعث هؤلاء النقباء بعد الإجماع على أن النقيب كبير القوم القائم بأمورهم الذي ينقب عنها وعن مصالحهم فيها والنقاب : الرجل العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة ومنه قيل في عمر رضي الله عنه : إنه كان لنقابا فالنقباء الضمان واحدهم نقيب وهو شاهد القوم وضمينهم يقال : نقب عليهم وهو حسن النقيبة أي حسن الخليقة والنقب والنقب الطريق في الجبل وإنما قيل : نقيب لأنه يعلم دخيله أمر القوم ويعرف مناقبهم وهو الطريق إلى معرفة أمورهم وقال قوم : النقباء الأمناء على قومهم وهذا كله قريب بعضه من بعض والنقيب أكبر مكانة من العريف قال عطاء بن يسار : حملة القرآن عرفاء أهل الجنة ذكره الدارمي في مسنده قال قتادة رحمه الله وغيره : هؤلاء النقباء قوم كبار من كل سبط تكفل كل واحد بسبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله ونحو هذا كان النقباء ليلة العقبة بايع فيها سبعون رجلا وامرأتان فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبعين اثنى عشر رجلا وسماهم النقباء اقتداء بموسى صلى الله عليه وسلم وقال الربيع والسدي وغيرهما : إنما بعث النقباء من بني إسرائيل أمناء على الاطلاع على الجبارين والسبر لقوتهم ومنعتهم فساروا ليختبروا حال من بها ويعلموه بما اطلعوا عليه فيها حتى ينظر في الغزو إليهم فاطلعوا من الجبارين على قوة عظيمة على ما يأتي وظنوا أنهم لا قبل لهم بها فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل وأن يعلموا به موسى عليه السلام فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فعرفوا قراباتهم ومن وثقوه على سرهم ففشا الخبر حتى اعوج أمر بني إسرائيل فقالوا : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون الثانية ففي الآية دليل على قبول خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء ويحتاج إلى اطلاعه من حاجاته الدينية والدنيوية فتركب عليه الأحكام ويرتبط به الحلال والحرام وقد جاء أيضا مثله في الإسلام قال صلى الله عليه وسلم لهوازن : ( ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ( أخرجه البخاري الثالثة وفيها أيضا دليل على اتخاذ الجاسوس والتجسس : التبحث وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبسة عينا أخرجه مسلم وسيأتي حكم الجاسوس في الممتحنة إن شاء الله تعالى وأما أسماء نقباء بني إسرائيل فقد ذكر أسماءهم محمد بن حبيب في المحبر فقال : من سبط روبيل شموع بن ركوب ومن سبط شمعون شوقوط بن حورى ومن سبط يهوذا كالب بن يوقنا ومن سبط الساحر يوغول بن يوسف ومن سبط أفراثيم بن يوسف يوشع بن النون ومن سبط بنيامين يلظى بن روقو ومن سبط ربالون كرابيل بن سودا ومن سبط منشا بن يوسف كدى بن سوشا ومن سبط دان عمائيل بن كسل ومن سبط شيرستور بن ميخائيل ومن سبط نفتال يوحنا بن وقوشا ومن سبط كاذ كوال بن موخي فالمؤمنان منهم يوشع وكالب ودعا موسى عليه السلام على الآخرين فهلكوا مسخوطا عليهم قاله الماوردي وأما نقباء ليلة العقبة فمذكورون في سيرة بن إسحاق فلينظروا هناك قوله تعالى : ( وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة ) الآية قال الربيع بن أنس : قال ذلك للنقباء وقال غيره : قال ذلك لجميع بني إسرائيل وكسرت إن لانها مبتدأة معكم منصوب لأنه ظرف أي بالنصر والعون ثم ابتدأ فقال : لئن أقمتم الصلاة إلى أن قال : ( لأكفرن عنكم سيئاتكم ) أي إن فعلتم ذلك ( ولأدخلنكم جنات ) واللام في لئن لام توكيد ومعناها القسم وكذا لأكفرن عنكم ولأدخلنكم وقيل : المعنى لئن أقمتم الصلاة لأكفرن عنكم سيئاتكم وتضمن شرطا آخر لقوله : لأكفرن أي إن فعلتم ذلك لأكفرن وقيل : قوله لئن أقمتم الصلاة جزاء لقوله : إني معكم وشرط لقوله : لأكفرن والتعزير : التعظيم والتوقير وأنشد أبو عبيدة : وكم من ماجد لهم كريم ومن ليث يعزر في الندى أي يعظم ويوقر والتعزير : الضرب دون الحد والرد تقول : عزرت فلانا إذا أدبته ورددته عن القبيح فقوله : ( عزرتموهم ) أي رددتم عنهم أعداءهم ( وأقرضتم الله قرضا حسنا ) يعني الصدقات ولم يقل إقراضا وهذا مما جاء من المصدر بخلاف المصدر كقوله : والله أنبتكم من الأرض نباتا فتقبلها ربها بقبول حسن وقد تقدم ثم قيل : حسنا أي طيبة بها نفوسكم وقيل : يبتغون بها وجه الله وقيل : حلالا وقيل : قرضا اسم لا مصدر فمن كفر بعد ذلك منكم أي بعد الميثاق فقد ضل سواء السبيل أي أخطأ قصد الطريق والله أعلم < <

قسم V06/P113–V06/P115Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P113–V06/P115)

المائدة : ( 13 ) فبما نقضهم ميثاقهم . . . . . > > < > ( المائده 13 ) < > قوله تعالى : ( فبما نقضهم ميثاقهم ) أي فبنقضهم ميثاقهم ما زائدة للتوكيد عن قتادة وسائر أهل العلم وذلك أنها تؤكد الكلام بمعنى تمكنه في النفس من جهة حسن النظم ومن جهة تكثيره للتوكيد : كما قال : لشيء ما يسود من يسود فالتأكيد بعلامة موضوعة كالتأكيد بالتكرير ( لعناهم ) قال بن عباس : عذبناهم بالجزية وقال الحسن ومقاتل : بالمسخ عطاء : أبعدناهم واللعن الإبعاد والطرد من الرحمة ( وجعلنا قلوبهم قاسية ) أي صلبة لا تعي خيرا ولا تفعله والقاسية والعاتية بمعنى واحد وقرأ الكسائي وحمزة : قسية بتشديد الياء من غير ألف وهي قراءة بن مسعود والنخعي ويحيى بن وثاب والعام القسي الشديد الذي لا مطر فيه وقيل : هو من الدراهم القسيات أي الفاسدة الرديئة فمعنى قسية على هذا ليست بخالصة الإيمان أي فيها نفاق قال النحاس : وهذا قول حسن لأنه يقال : درهم قسي إذا كان مغشوشا بنحاس أو غيره يقال : درهم قسي : مخفف السين مشدد الياء مثال شقي أي زائف ذكر ذلك أبو عبيد وأنشد : لها صواهل في صم السلام كما صاح القسيات في أيدي الصياريف يصف وقع المساحي في الحجارة وقال الأصمعي وأبو عبيد : درهم قسي كأنه معرب قاشي قال القشيري : وهذا بعيد لأنه ليس في القرآن ما ليس من لغة العرب بل الدرهم القسي من القسوة والشدة أيضا لأن ما قلت نقرته يقسو ويصلب وقرأ الأعمش : قسية بتخفيف الياء على وزن فعلة نحو عمية وشجية من قسى يقسى لا من قسا يقسو وقرأ الباقون على وزن فاعلة وهو اختيار أبي عبيد وهما لغتان مثل العلية والعالية والزكية والزاكية قال أبو جعفر النحاس : أولى ما فيه أن تكون قسية بمعنى قاسية إلا أن فعيلة أبلغ من فاعلة فالمعنى : جعلنا قلوبهم غليظة نابية عن الإيمان والتوفيق لطاعتي لأن القوم لم يوصفوا بشيء من الإيمان فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها خالطه كفر كالدراهم القسية التي خالطها غش قال الراجز : قد قسوت وقست لداتي ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) أي يتأولونه على غير تأويله ويلقون ذلك إلى العوام وقيل : معناه يبدلون حروفه ويحرفون في موضع نصب أي جعلنا قلوبهم قاسية محرفين وقرأ السلمي والنخعي الكلام بالألف وذلك أنهم غيروا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم ( ونسوا حظا مما ذكروا به ) أي نسوا عهد الله الذي أخذه الأنبياء عليهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعمته ( ولا تزال تطلع ) أي وأنت يا محمد لا تزال الآن تقف ( على خائنة منهم ) والخائنة الخيانة قال قتادة وهذا جائز في اللغة ويكون مثل قولهم : قائلة بمعنى قيلولة وقيل : هو نعت لمحذوف والتقدير فرقة خائنة وقد تقع خائنة للواحد كما يقال : رجل نسابة وعلامة فخائنة على هذا للمبالغة يقال : رجل خائنة إذا بالغت في وصفه بالخيانة قال الشاعر : حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن للغدر خائنة مغل الإصبع قال بن عباس : على خائنة أي معصية وقيل : كذب وفجور وكانت خيانتهم نقضهم العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيوم الأحزاب وغير ذلك من همهم بقتله وسبه إلا قليلا منهم لم يخونوا فهو استثناء متصل من الهاء والميم اللتين في خائنة منهم فاعف عنهم واصفح في معناه قولان : فاعف عنهم واصفح ما دام بينك وبينهم عهد وهم أهل ذمة والقول الآخر أنه منسوخ بآية السيف وقيل : بقوله عز وجل : وإما تخافن من قوم خيانة < < المائدة : ( 14 ) ومن الذين قالوا . . . . . > > < > ( المائده 14 : 16 ) <

قسم V06/P115–V06/P118Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P115–V06/P118)

> قوله تعالى : ( ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ) أي في التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم إذ هو مكتوب في الإنجيل ( فنسوا حظا ) وهو الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام أي لم يعملوا بما أمروا به وجعلوا ذلك الهوى والتحريف سببا للكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ومعنى أخذنا ميثاقهم هو كقولك : أخذت من زيد ثوبه ودرهمه قاله الأخفش ورتبة الذين أن تكون بعد أخذنا وقبل الميثاق فيكون التقدير : أخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم لأنه في موضع المفعول الثاني لأخذنا وتقديره عند الكوفيين : ومن الذين قالوا إنا نصارى من أخذنا ميثاقهم فالهاء والميم تعودان على من المحذوفة وعلى القول الأول تعودان على الذين ولا يجيز النحويون أخذنا ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى ولا ألينها لبست من الثياب لئلا يتقدم مضمر على ظاهر وفي قوله إنا نصارى ولم يقل من النصارى دليل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسموا بها روي معناه عن الحسن قوله تعالى : ( فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء ) أي هيجنا وقيل : ألصقنا بهم مأخوذ من الغراء وهو ما يلصق الشيء بالشيء كالصمغ وشبهه يقال : غرى بالشيء يغرى غرا بفتح الغين مقصورا وغراء بكسر الغين ممدودا إذا أولع به كأنه التصق به وحكى الرماني : الإغراء تسليط بعضهم على بعض وقيل : الإغراء التحريش وأصله اللصوق يقال : غريت بالرجل غرا مقصور وممدود مفتوح الأول إذا لصقت به وقال كثير : إذا قيل مهلا قالت العين بالبكا غراء ومدتها حوافل نهل وأغريت زيدا بكذا حتى غري به ومنه الغراء الذي يغرى به للصوقه فالإغراء بالشيء الإلصاق به من جهة التسليط عليه وأغريت الكلب أي أولعته بالصيد بينهم ظرف للعداوة والبغضاء البغض أشار بهذا إلى اليهود والنصارى لتقدم ذكرهما عن السدي وقتادة : بعضهم لبعض عدو وقيل : أشار إلى افتراق النصارى خاصة قاله الربيع بن أنس لأنهم أقرب مذكور وذلك أنهم افترقوا إلى اليعاقبة والنسطورية والملكانية أي كفر بعضهم بعضا قال النحاس : ومن أحسن ما قيل في معنى أغرينا بينهم العداوة والبغضاء أن الله عز وجل أمر بعداوة الكفار وإبغاضهم فكل فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها لأنهم كفار وقوله : وسوف ينبئهم الله تهديد لهم أي سيلقون جزاء نقض الميثاق قوله تعالى : ( يأهل الكتاب ) الكتاب اسم جنس بمعنى الكتب فجميعهم مخاطبون ( قد جاءكم رسولنا ) محمد صلى الله عليه وسلم ( يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ) أي من كتبكم من الإيمان به ومن آية الرجم ومن قصة أصحاب السبت الذين مسخوا قردة فإنهم كانوا يخفونها ويعفو عن كثير أي يتركه ولا يبينه وإنما يبين ما فيه حجة على نبوته ودلالة على صدقه وشهادة برسالته ويترك ما لم يكن به حاجة إلى تبيينه وقيل : ( ويعفو عن كثير ) يعني يتجاوز عن كثير فلا يخبركم به وذكر أن رجلا من أحبارهم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال : يا هذا عفوت عنا فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين وإنما أراد اليهودي أن يظهر مناقضة كلامه فلما لم يبين له رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من عنده فذهب وقال لأصحابه : أرى أنه صادق فيما يقول لأنه كان وجد في كتابه أنه لا يبين له ما سأله عنه ( قد جاءكم من الله نور ) أي ضياء قيل : الإسلام وقيل : محمد عليه السلام عن الزجاج ( وكتاب مبين ) أي القرآن فإنه يبين الأحكام وقد تقدم ( يهدي به الله من اتبع رضوانه ) أي ما رضيه الله ( سبل السلام ) طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة والمؤمنة من كل مخافة وهي الجنة وقال الحسن والسدي السلام الله عز وجل فالمعنى دين الله وهو الإسلام كما قال : إن الدين عند الله الإسلام ( ويخرجهم من الظلمات إلى النور ) أي من ظلمات الكفر والجهالات إلى نور الإسلام والهدايات ( ) أي بتوفيقه وإرادته < <

قسم V06/P118–V06/P120Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P118–V06/P120)

المائدة : ( 17 ) لقد كفر الذين . . . . . > > < > ( المائده 17 ) < > قوله تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم ) تقدم في آخر النساء بيانه والقول فيه وكفر النصارى في دلالة هذا الكلام إنما كان بقولهم : إن الله هو المسيح بن مريم على جهة الدينونة به لأنهم لو قالوه على جهة الحكاية منكرين له لم يكفروا ( قل فمن يملك من الله شيئا ) أي من أمر الله ويملك بمعنى يقدر من قولهم ملكت على فلان أمره أي اقتدرت عليه أي فمن يقدر أن يمنع من ذلك شيئا فأعلم الله تعالى أن المسيح لو كان إلها لقدر على دفع ما ينزل به أو بغيره وقد أمات أمه ولم يتمكن من دفع الموت عنها فلو أهلكه هو أيضا فمن يدفعه عن ذلك أو يرده ( ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ) والمسيح وأمه بينهما مخلوقان محدودان محصوران وما أحاط به الحد والنهاية لا يصلح للإلهية وقال : ( وما بينهما ولم يقل وما بينهن لأنه أراد النوعين والصنفين كما قال الراعي : طرقا فتلك هماهمي أقريهما قلصا لواقح كالقسي وحولا فقال : طرقا ثم قال : فتلك هما همي ( يخلق ما يشاء ) عيسى من أم بلا أب آية لعباده < < المائدة : ( 18 ) وقالت اليهود والنصارى . . . . . > > < > ( المائده 18 ) < > قوله تعالى : ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ) قال بن عباس : خوف رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما من اليهود العقاب فقالوا : لا نخاف فإنا أبناء الله وأحباؤه فنزلت الآية قال بن إسحاق : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضا وبحري بن عمرو وشأس بن عدي فكلموه وكلمهم ودعاهم إلى الله عز وجل وحذرهم نقمته فقالوا : ما تخوفنا يا محمد نحن أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى فأنزل الله عز وجل فيهم وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم إلى آخر الآية قال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب : يا معشر يهود اتقوا الله فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته فقال رافع بن حريملة ووهب بن يهوذا : ما قلنا هذا لكم ولا أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا من بعده فأنزل الله عز وجل : ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ) إلى قوله ( والله على كل شيء قدير ) السدي : زعمت اليهود أن الله عز وجل أوحى إلى إسرائيل عليه السلام أن ولدك بكرى من الولد قال غيره : والنصارى قالت نحن أبناء الله لأن في الإنجيل حكاية عن عيسى أذهب إلى أبي وأبيكم وقيل المعنى : نحن أبناء رسل الله فهو على حذف مضاف وبالجملة فإنهم رأوا لأنفسهم فضلا فرد عليهم قولهم فقال : فلم يعذبكم بذنوبكم فلم يكونوا يخلون من أحد وجهين إما أن يقولوا هو يعذبنا فيقال لهم : فلستم إذا أبناءه وأحباءه فإن الحبيب لا يعذب حبيبه وأنتم تقرون بعذابه فذلك دليل على كذبكم وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف أو يقولوا لا يعذبنا فيكذبوا ما في كتبهم وما جاءت به رسلهم ويبيحوا المعاصي وهم معترفون بعذاب العصاة منهم ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم وقيل : معنى يعذبكم عذبكم فهو بمعنى المضي أي فلم مسخكم قردة وخنازير ولم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى بأنواع العذاب وهم أمثالكم لأن الله سبحانه لا يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد لأنهم ربما يقولون لا نعذب غدا بل يحتج عليهم بما عرفوه ثم قال : ( بل أنتم بشر ممن خلق ) أي كسائر خلقه يحاسبكم على الطاعة والمعصية ويجازي كلا بما عمل ( يغفر لمن يشاء ) أي لمن تاب من اليهود ( ويعذب من يشاء ) من مات عليها ( ولله ملك السماوات والأرض ) فلا شريك له يعارضه ( وإليه المصير ) أي يئول أمر العباد إليه في الآخرة < <

قسم V06/P120–V06/P122Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P120–V06/P122)

المائدة : ( 19 ) يا أهل الكتاب . . . . . > > < > ( المائده 19 ) < > قوله تعالى : ( يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ( يبين لكم ) انقطاع حجتهم حتى لا يقولوا غدا ما جاءنا رسول ( على فترة من الرسل ) أي سكون يقال فتر الشيء سكن وقيل : ( على فترة ) على انقطاع ما بين النبيين عن أبي علي وجماعة أهل العلم حكاه الرماني قال : والأصل فيها انقطاع العمل عما كان عليه من الجد فيه من قولهم : فتر عن عمله وفترته عنه ومنه فتر الماء إذا انقطع عما كان من السخونة إلى البرد وامرأة فاترة الطرف أي منقطعة عن حدة النظر وفتور البدن كفتور الماء والفتر ما بين السبابة والإبهام إذا فتحتهما والمعنى أي مضت للرسل مدة قبله واختلف في قدر مدة تلك الفترة فذكر محمد بن سعد في كتاب الطبقات عن بن عباس قال : كان بين موسى بن عمران وعيسى بن مريم عليهما السلام ألف سنة وسبعمائة سنة ولم يكن بينهما فترة وأنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم وكان بين ميلاد عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وستون سنة بعث في أولها ثلاثة أنبياء وهو قوله تعالى : إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث يس والذي عزز به : شمعون وكان من الحواريين وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولا أربعمائة سنة وأربعا وثلاثين سنة وذكر الكلبي أن بين عيسى ومحمد عليهما السلام خمسمائة سنة وتسعا وستين وبينهما أربعة أنبياء واحد من العرب من بني عبس وهو خالد بن سنان قال القشيري ومثل هذا مما لا يعلم إلا بخبر صدق وقال قتادة : كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة وقاله مقاتل والضحاك ووهب بن منبه إلا أن وهبا زاد عشرين سنة وعن الضحاك أيضا أربعمائة وبضع وثلاثون سنة وذكر بن سعد عن عكرمة قال : بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام قال بن سعد : أخبرنا محمد بن عمرو بن واقد الأسلمي عن غير واحد قالوا : كان بين آدم ونوح عشرة قرون والقرن مائة سنة وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون والقرن مائة سنة وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون والقرن مائة سنة فهذا ما بين آدم ومحمد عليهما السلام من القرون والسنين والله أعلم ( أن تقولوا ) أي لئلا أو كراهية أن تقولوا فهو في موضع نصب ( ما جاءنا من بشير ) أي مبشر ( ولا نذير أي منذر ويجوز من بشير ولا نذير على الموضع قال بن عباس : قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود يا معشر يهود اتقوا الله فوالله إنكم لتعلمون أن محمدا رسول الله ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه بصفته فقالوا : ما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بعده من بشير ولا نذير فنزلت الآية ( والله على كل شيء قدير ) على إرسال من شاء من خلقه وقيل : قدير على إنجاز ما بشر به وأنذر منه < < المائدة : ( 20 ) وإذ قال موسى . . . . . > > < > ( المائده 20 : 26 ) <

قسم V06/P122–V06/P132Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P122–V06/P132)

> قوله تعالى : ( وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم ) تبيين من الله تعالى أن أسلافهم تمردوا على موسى وعصوه فكذلك هؤلاء على محمد عليه السلام وهو تسلية له أي يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا قصة موسى وروي عن عبد الله بن كثير أنه قرأ ياقوم اذكروا بضم الميم وكذلك ما أشبهه وتقديره يا أيها القوم ( إذ جعل فيكم أنبياء ) لم ينصرف لأنه فيه ألف التأنيث ( وجعلكم ملوكا ) أي تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب بعد أن كنتم مملوكين لفرعون مقهورين فأنقذكم منه بالغرق فهم ملوك بهذا الوجه وبنحوه فسر السدي والحسن وغيرهما قال السدي : ملك كل واحد منهم نفسه وأهله وماله وقال قتادة : إنما قال : وجعلكم ملوكا لأنا كنا نتحدث أنهم أول من خدم من بني آدم قال بن عطية : وهذا ضعيف لأن القبط قد كانوا يستخدمون بني إسرائيل وظاهر أمر بني آدم أن بعضهم كان يسخر بعضا مذ تناسلوا وكثروا وإنما اختلفت الأمم في معنى التمليك فقط وقيل : جعلكم ذوي منازل لا يدخل عليكم إلا بإذن روي معناه عن جماعة من أهل العلم قال بن عباس : إن الرجل إذا لم يدخل أحد بيته إلا بإذنه فهو ملك وعن الحسن أيضا وزيد بن أسلم أن من كانت له دار وزوجة وخادم فهو ملك وهو قول عبد الله بن عمرو كما في صحيح مسلم عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين فقال له عبد الله : ألك امرأة تأوي إليها قال نعم قال : ألك منزل تسكنه قال : نعم قال : فأنت من الأغنياء قال : فإن لي خادما قال : فأنت من الملوك قال بن العربي : وفائدة هذا أن الرجل إذا وجبت عليه كفارة وملك دارا وخادما باعهما في الكفارة ولم يجز له الصيام لأنه قادر على الرقبة والملوك لا يكفرون بالصيام ولا يوصفون بالعجز عن الاعتاق وقال بن عباس ومجاهد : جعلهم ملوكا بالمن والسلوى والحجر والغمام أي هم مخدومون كالملوك وعن بن عباس أيضا يعنى الخادم والمنزل وقاله مجاهد وعكرمة والحكم بن عيينة وزادوا الزوجة وكذا قال زيد بن أسلم إلا أنه قال فيما يعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من كان له بيت أو قال منزل يأوي إليه وزوجة وخادم يخدمه فهو ملك ( ذكره النحاس ويقال : من استغنى عن غيره فهو ملك وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم : ( من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ( قوله تعالى : ( وآتاكم ) أي أعطاكم ( ما لم يؤت أحدا من العالمين ) والخطاب من موسى لقومه في قول جمهور المفسرين وهو وجه الكلام مجاهد : والمراد بالإيتاء المن والسلوى والحجر والغمام وقيل : كثرة الأنبياء فيهم والآيات التي جاءتهم وقيل : قلوبا سليمة من الغل والغش وقيل : إحلال الغنائم والانتفاع بها قلت : وهذا القول مردود فإن الغنائم لم تحل لأحد إلا لهذه الأمة على ما ثبت في الصحيح وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وهذه المقالة من موسى توطئة لنفوسهم حتى تعزز وتأخذ الأمر بدخول أرض الجبارين بقوة وتنفذ في ذلك نفوذ من أعزه الله ورفع من شأنه ومعنى من العالمين أي عالمي زمانكم عن الحسن وقال بن جبير وأبو مالك : الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وهذا عدول عن ظاهر الكلام بما لا يحسن مثله وتظاهرت الأخبار أن دمشق قاعدة الجبارين و ( المقدسة ) معناه المطهرة مجاهد : المباركة والبركة التطهير من القحوط والجوع ونحوه قتادة : هي الشام مجاهد : الطور وما حوله بن عباس والسدي وبن زيد : هي أريحاء قال الزجاج : دمشق وفلسطين وبعض : الأردن وقول قتادة يجمع هذا كله التي كتب الله لكم أي فرض دخولها عليكم ووعدكم دخولها وسكناها لكم ولما خرجت بنو اسرائيل من مصر أمرهم بجهاد أهل أريحاء من بلاد فلسطين فقالوا : لا علم لنا بتلك الديار فبعث بأمر الله اثني عشر نقيبا من كل سبط رجل يتجسسون الأخبار على ما تقدم فرأوا سكانها الجبارين من العمالقة وهم ذوو أجسام هائلة حتى قيل إن بعضهم رأى هؤلاء النقباء فأخذهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وجاء بهم إلى الملك فنثرهم بين يده وقال : إن هؤلاء يريدون قتالنا فقال لهم الملك : إرجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا على ما تقدم وقيل : إنهم لما رجعوا أخذوا من عنب تلك الأرض عنقودا فقيل : حمله رجل واحد وقيل : حمله النقباء الاثنا عشر قلت : وهذا أشبه فإنه يقال : إنهم لما وصلوا إلى الجبارين وجدوهم يدخل في كم أحدهم رجلان منهم ولا يحمل عنقود أحدهم إلا خمسة منهم في خشبة ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبه خمسة أنفس أو أربعة قلت : ولا تعارض بين هذا والأول فإن ذلك الجبار الذي أخذهم في كمه ويقال : في حجره هو عوج بن عناق وكان أطولهم قامة وأعظمهم خلقا على ما يأتي من ذكره إن شاء الله تعالى وكان طول سائرهم ستة أذرع ونصف في قول مقاتل وقال الكلبي : كان طول كل رجل منهم ثمانين ذراعا والله أعلم فلما أذاعوا الخبر ما عدا يوشع وكالب بن يوقنا وامتنعت بنو إسرائيل من الجهاد عوقبوا بالتيه أربعين سنة إلى أن مات أولئك العصاة ونشأ أولادهم فقاتلوا الجبارين وغلبوهم قوله تعالى : ( ولا ترتدوا على أدباركم ) أي لا ترجعوا عن طاعتي وما أمرتكم به من قتال الجبارين وقيل : لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته والمعنى واحد قوله تعالى : ( قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين ) أي عظام الأجسام طوال وقد تقدم يقال : نخلة جبارة أي طويلة والجبار المتعظم الممتنع من الذل والفقر وقال الزجاج : الجبار من الآدميين العاتي وهو الذي يجبر الناس على ما يريد فأصله على هذا من الإجبار وهو الإكراه فإنه يجبر غيره على ما يريده وأجبره أي أكرهه وقيل : هو مأخوذ من جبر العظم فأصل الجبار على هذا المصلح أمر نفسه ثم استعمل في كل من جر لنفسه نفعا بحق أو باطل وقيل : إن جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه قال الفراء : لم أسمع فعالا من أفعل إلا في حرفين جبار من أجبر ودراك من أدرك ثم قيل : كان هؤلاء من بقايا عاد وقيل : هم من ولد عيصو بن إسحاق وكانوا من الروم وكان معهم عوج الأعنق وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا قاله بن عمر وكان يحتجن السحاب أي يجذبه بمحجنه ويشرب منه ويتناول الحوت من قاع البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله وحضر طوفان نوح عليه السلام ولم يجاوز ركبتيه وكان عمره ثلاثة آلاف وستمائة سنة وأنه قلع صخرة على قدر عسكر موسى ليرضخهم بها فبعث الله طائرا فنقرها ووقعت في عنقه فصرعته وأقبل موسى عليه السلام وطوله عشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع وترقى في السماء عشرة أذرع فما أصاب إلا كعبه وهو مصروع فقتله وقيل : بل ضربه في العرق الذي تحت كعبه فصرعه فمات ووقع على نيل مصر فجسرهم سنة ذكر هذا المعنى باختلاف ألفاظ محمد بن إسحاق والطبري ومكي وغيرهم وقال الكلبي : عوج من ولد هاروت وماروت حيث وقعا بالمرأة فحملت والله أعلم قوله تعالى : ( وإنا لن ندخلها ) يعني البلدة إيلياء ويقال : أريحاء ( حتى يخرجوا منها ) أي حتى يسلموها لنا من غير قتال وقيل : قالوا ذلك خوفا من الجبارين ولم يقصدوا العصيان فإنهم قالوا : ( فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ) قوله تعالى : ( قال رجلان من الذين يخافون ) قال بن عباس وغيره : هما يوشع وكالب بن يوقنا ويقال بن قانيا وكانا من الاثني عشر نقيبا ويخافون أي من الجبارين قتادة : يخافون الله تعالى وقال الضحاك : هما رجلان كانا في مدينة الجبارين على دين موسى فمعنى يخافون على هذا أي من العمالقة من حيث الطبع لئلا يطلعوا على إيمانهم فيفتنوهم ولكن وثقا بالله وقيل : يخافون ضعف بني اسرائيل وجبنهم وقرأ مجاهد وبن جبير يخافون بضم الياء وهذا يقوي أنهما من غير قوم موسى ( أنعم الله عليهما ) أي بالإسلام أو باليقين والصلاح ( أدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ) قالا لبني اسرائيل لا يهولنكم عظم أجسامهم فقلوبهم ملئت رعبا منكم فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة وكانوا قد علموا أنهم إذا دخلوا من ذلك الباب كان لهم الغلب ويحتمل أن يكونا قالا ذلك ثقة بوعد الله ثم قالا : ( وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ) مصدقين به فإنه ينصركم ثم قيل على القول الأول لما قالا هذا أراد بنو إسرائيل رجمهما بالحجارة وقالوا : نصدقكما وندع قول عشرة ثم قالوا لموسى : ( إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها ) وهذا عناد وحيد عن القتال وإياس من النصر ثم جهلوا صفة الرب تبارك وتعالى فقالوا : ( فاذهب أنت وربك ) وصفوه بالذهاب والإنتقال والله متعال عن ذلك وهذا يدل على أنهم كانوا مشبهة وهو معنى قول الحسن لأنه قال : هو كفر منهم بالله وهو الأظهر في معنى هذا الكلام وقيل : أي إن نصرة ربك لك أحق من نصرتنا وقتاله معك إن كنت رسوله أولى من قتالنا فعلى هذا يكون ذلك منهم كفر لأنهم شكوا في رسالته وقيل : المعنى اذهب أنت فقاتل وليعنك ربك وقيل : أرادوا بالرب هارون وكان أكبر من موسى وكان موسى يطيعه وبالجملة فقد فسقوا بقولهم لقوله تعالى : ( فلا تأس على القوم الفاسقين ) أي لا تحزن عليهم ( إنا ها هنا قاعدون ) أي لا نبرح ولا نقاتل ويجوز قاعدين على الحال لأن الكلام قد تم قبله قوله تعالى : ( قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ) لأنه كان يطيعه وقيل المعنى : إني لا أملك إلا نفسي ثم ابتدأ فقال : وأخي أي وأخي أيضا لا يملك إلا نفسه فأخي على القول الأول في موضع نصب عطفا على نفسي وعلى الثاني في موضع رفع وإن شئت عطفت على اسم إن وهي الياء أي إني وأخي لا نملك إلا أنفسنا ( فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ) يقال : بأي وجه سأله الفرق بينه وبين هؤلاء القوم ففيه أجوبة الأول بما يدل على بعدهم عن الحق وذهابهم عن الصواب فيما ارتكبوا من العصيان ولذلك ألقوا في التيه الثاني بطلب التمييز أي ميزنا عن جماعتهم وجملتهم ولا تلحقنا بهم في العقاب وقيل المعنى : فاقض بيننا وبينهم بعصمتك إيانا من العصيان الذي إبتليتهم به ومنه قوله تعالى : فيها يفرق كل أمر حكيم الدخان أي يقضي وقد فعل لما أماتهم في التيه وقيل : إنما أراد في الآخرة أي اجعلنا في الجنة ولا تجعلنا معهم في النار والشاهد على الفرق الذي يدل على المباعدة في الأحوال قول الشاعر : يا رب فافرق بينه وبيني أشد ما فرقت بين اثنين وروى بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أنه قرأ : فافرق بكسر الراء قوله تعالى : ( قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ) استجاب الله دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة وأصل التيه في اللغة الحيرة يقال منه : تاه يتيه تيها وتوها إذا تحير وتيهته وتوهته بالياء والواو والياء أكثر والأرض التيهاء التي لا يهتدى فيها وأرض تيه وتيهاء ومنها قال : تيه أتاويه على السقاط وقال آخر : بتيهاء قفر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها فكانوا يسيرون في فراسخ قليلة قيل : في قدر ستة فراسخ يومهم وليلتهم فيصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا فكانوا سيارة لا قرار لهم واختلف هل كان معهم موسى وهارون فقيل : لا لأن التيه عقوبة وكانت سنو التيه بعدد أيام العجل فقوبلوا على كل يوم سنة وقد قال : فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين وقيل : كانا معهم لكن سهل الله الأمر عليهما كما جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم ومعنى محرمة أي أنهم ممنوعون من دخولها كما يقال : حرم الله وجهك على النار وحرمت عليك دخول الدار فهو تحريم منع لا تحريم شرع عن أكثر أهل التفسير كما قال الشاعر : جالت لتصرعني فقلت لها اقصري إني أمرؤ صرعي عليك حرام أي أنا فارس فلا يمكنك صرعي وقال أبو علي : يجوز أن يكون تحريم تعبد ويقال : كيف يجوز على جماعة كثيرة من العقلاء أن يسيروا في فراسخ يسيرة فلا يهتدوا للخروج منها فالجواب قال أبو علي : قد يكون ذلك بأن يحول الله الأرض التي هم عليها إذا ناموا فيردهم إلى المكان الذي ابتدءوا منه وقد يكون بغير ذلك من الاشتباه والأسباب المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارجة عن العادة أربعين ظرف زمان للتيه في قول الحسن وقتادة قالا : ولم يدخلها أحد منهم فالوقف على هذا على عليهم وقال الربيع بن أنس وغيره : إن أربعين سنة ظرف للتحريم فالوقف على هذا على أربعين سنة فعلى الأول إنما دخلها أولادهم قاله بن عباس ولم يبق منهم إلا يوشع وكالب فخرج منهم يوشع بذرياتهم إلى تلك المدينة وفتحوها وعلى الثاني فمن بقي منهم بعد أربعين سنة دخلوها وروي عن بن عباس أن موسى وهارون ماتا في التيه قال غيره : ونبأ الله يوشع وأمره بقتال الجبارين وفيها حبست عليه الشمس حتى دخل المدينة وفيها أحرق الذي وجد الغلول عنده وكانت تنزل من السماء إذا غنموا نار بيضاء فتأكل الغنائم وكان ذلك دليلا على قبولها فإن كان فيها غلول لم تأكله وجاءت السباع والوحوش فأكلته فنزلت النار فلم تأكل ما غنموا فقال : إن فيكم الغلول فلتبايعني كل قبيلة فبايعته فلصقت يد رجل منهم بيده فقال : فيكم الغلول فليبايعني كل رجل منكم فبايعوه رجلا رجلا حتى لصقت يد رجل منهم بيده فقال : عندك الغلول فأخرج مثل رأس البقرة من ذهب فنزلت النار فأكلت الغنائم وكانت نارا بيضاء مثل الفضة لها حفيف أي صوت مثل صوت الشجر وجناح الطائر فيما يذكرون فذكروا أنه أحرق الغال ومتاعه بغور يقال له الآن غور عاجز عرف باسم الغال وكان اسمه عاجزا قلت : ويستفاد من هذا عقوبة الغال قبلنا وقد تقدم حكمه في ملتنا وبيان ما آنبهم من اسم النبي والغال في الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( غزا نبي من الأنبياء ( الحديث أخرجه مسلم وفيه قال : ( فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس أنت مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علي شيئا فحبست عليه حتى فتح الله عليه قال : فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه فقال : فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه قال فلصقت يده بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغلول ( وذكر نحو ما تقدم قال علماؤنا : والحكمة في حبس الشمس على يوشع عند قتاله أهل أريحاء وإشرافه على فتحها عشي يوم الجمعة وإشفاقه من أن تغرب الشمس قبل الفتح أنه لو لم تحبس عليه حرم عليه القتال لأجل السبت ويعلم به عدوهم فيعمل فيهم السيف ويجتاحهم فكان ذلك آية له خص بها بعد أن كانت نبوته ثابتة بخبر موسى عليه الصلاة والسلام على ما يقال والله أعلم وفي هذا الحديث يقول عليه السلام : ( فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ( ذلك بأن الله عز وجل رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا وهذا يرد قول من قال في تأويل قوله تعالى : وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين إنه تحليل الغنائم والانتفاع بها وممن قال إن موسى عليه الصلاة والسلام مات بالتيه عمرو بن ميمون الأودي وزاد : وهارون وكانا خرجا في التيه إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل فقالوا : ما فعل هارون فقال : مات قالوا : كذبت ولكنك قتلته لحبنا له وكان محبا في بني إسرائيل فأوحى الله تعالى إليه أن انطلق بهم إلى قبره فإني باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتا ولم تقتله فانطلق بهم إلى قبره فنادى يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه فقال : أنا قاتلك قال : لا ولكني مت قال : فعد إلى مضجعك وانصرف وقال الحسن : إن موسى لم يمت بالتيه وقال غيره : إن موسى فتح أريحاء وكان يوشع على مقدمته فقاتل الجبابرة الذين كانوا بها ثم دخلها موسى ببني إسرائيل فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم ثم قبضه الله تعالى إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلائق قال الثعلبي : وهو أصح الأقاويل قلت : قد روى مسلم عن أبي هريرة قال : أرسل ملك الموت إلى موسى عليه الصلاة والسلام فلما جاءه صكه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت قال : فرد الله إليه عينه وقال : ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال : أي رب ثم مه قال : ثم الموت قال : فالآن فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر ( فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قد علم قبره ووصف موضعه ورآه فيه قائما يصلي كما في حديث الإسراء إلا أنه يحتمل أن يكون أخفاه الله عن الخلق سواه ولم يجعله مشهورا عندهم ولعل ذلك لئلا يعبد والله أعلم ويعني بالطريق طريق بيت المقدس ووقع في بعض الروايات إلى جانب الطور مكان الطريق واختلف العلماء في تأويل لطم موسى عين ملك الموت وفقئها على أقوال منها : أنها كانت عينا متخيلة لا حقيقة وهذا باطل لأنه يؤدي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له ومنها : أنها كانت عينا معنوية وإنما فقأها بالحجة وهذا مجاز لا حقيقة ومنها : أنه عليه السلام لم يعرف ملك الموت وأنه رأى رجلا دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه فدافع عن نفسه فلطم عينه ففقأها وتجب المدافعة في هذا بكل ممكن وهذا وجه حسن لأنه حقيقة في العين والصك قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة غير أنه اعترض عليه بما في الحديث وهو أن ملك الموت لما رجع إلى الله تعالى قال : يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت فلو لم يعرفه موسى لما صدق القول من ملك الموت وأيضا قوله في الرواية الأخرى : أجب ربك يدل على تعريفه بنفسه والله أعلم ومنها : أن موسى عليه الصلاة والسلام كان سريع الغضب إذا غضب طلع الدخان من قلنسوته ورفع شعر بدنه جبته وسرعة غضبه كانت سببا لصكه ملك الموت قال بن العربي : وهذا كما ترى فإن الأنبياء معصومون أن يقع منهم ابتداء مثل هذا في الرضا والغضب ومنها وهو الصحيح من هذه الأقوال : أن موسى عليه الصلاة والسلام عرف ملك الموت وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجيء الجزم بأنه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير وعند موسى ما قد نص عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من ( أن الله لا يقبض روح نبي حتى يخيره ( فلما جاءه على غير الوجه الذي أعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه فلطمه ففقأ عينه امتحانا لملك الموت إذ لم يصرح له بالتخيير ومما يدل على صحة هذا أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت اختار الموت واستسلم والله بغيبه أحكم وأعلم هذا أصح ما قيل في وفاة موسى عليه السلام وقد ذكر المفسرون في ذلك قصصا وأخبارا الله أعلم بصحتها وفي الصحيح غنية عنها وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة فيروى أن يوشع رآه بعد موته في المنام فقال له : كيف وجدت الموت فقال : كشاة تسلخ وهي حية وهذا صحيح معنى قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ( إن للموت سكرات ( على ما بيناه في كتاب التذكرة وقوله : ( فلا تأس على القوم الفاسقين ) أي لا تحزن والأسى الحزن أسى يأسى أي حزن قال : يقولون لا تهلك أسى وتحمل < <

قسم V06/P132Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P132)

المائدة : ( 27 ) واتل عليهم نبأ . . . . . > > < > ( المائده 27 ) <

%0
10 Bölüm

الأسئلة